إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

العدالة والمصالحة الوطنية ضرورة دينية وإنسانية

الاحد 17 صفر 1434 الموافق 30 ديسمبر 2012  
العدالة والمصالحة الوطنية ضرورة دينية وإنسانية
د. علي محمد الصلابي

الإهداء

إلى شهداء الثورات الشعبية في ليبيا وتونس ومصر واليمن وسوريا وغيرها وإلى الشعوب المتطلعة لتحكيم شريعة الله بينها، والحريصة على إعادة دور الأمة الحضارية من جديد، أهدي هذا الكتاب.

قال تعالى: "فمن كان يرجو لقآء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا" [الكهف : 110]..

المقدمة:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

"يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ" [آل عمران: 102].

"يَـأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَآءلُونَ بِهِ وَالاْرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً" [النساء: 1]..

"يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذنوبَكم وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً" [الأحزاب: 70-71]..

يا رب لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضى.

أما بعد،

إن الشعوب الإسلامية تمر بمرحلة جديدة في تاريخها المعاصر، فقد أذن الله لها بالنهوض والتخلص من الاستبداد والنظم الجيرية الدكتاتورية، وبدأت نقطة الانطلاق في تونس الحبيبة العزيزة التي أذاقها نظام "بن علي" سوء العذاب، فعمل على تجفيف منابع الهدى والإيمان والتُقى وأوقع البلاد في الفقر والذل والبطالة والضنك؛ فكانت البداية من هذا الشعب المتحضر المتمدن

وبدأنا نرى قول الله تعالى يتحقق في حياتنا: "وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِى الاْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِى الاْرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَـمَـنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ" [القصص: 5-6]..

إن الثورة التونسية المباركة أرض عقبة بن نافع الذي دعا للقيروان عام 62هـ، وكان مجاب الدعوة عندما تحرك بجيوشه منها إلى ساحل المحيط الأطلسي في المغرب، وقد استخلف عليها زهير البلوي دعا لها قائلاً: "يا رب املأها علماً وفقهاً واملأها بالمطيعين لك، واجعلها عزاً لدينك، وذلاً على من كفر بك، وامنعها من جبابرة الأرض" وقد فتحت للإنسانية صفحات جديدة في تاريخها.

الثورة التونسية أرض الزيتونة التي تخرَّج منها العلماء والفقهاء والأدباء والمفكرون والقراء والزهاد والعبَّاد

تونس أرض أبو القاسم الشابي صاحب القصيدة الثورية المشهورة التي تغنى بها التونسيون في ثورتهم المباركة:

إذا الشعب يوماً أراد الحياة

فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلي

ولا بد للقيد أن ينكسر

وانجلى الليل بفضل الله، وانكسر القيد برحمته

وكان لهذه الثورة السلمية الحضارية الإنسانية، أثر على عقول الناس وقلوبهم وأفكارهم ومشاعرهم، فغيَّر الله بها النفوس والأفكار والمشاعر، ووصل صداها في آفاق المعمورة وتفاعل معها وأيَّدها الأحرار من بني الإنسان في كل مكان، فكانت مصر على استعداد تام لدفع الظلم وإزالة الظلام، فمصر العظيمة بتاريخها وحضارتها وثقافتها كانت على موعد قدري "وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً" [الأحزاب: 38]، واستلهمت روح الثورة التونسية وطورتها واستفادت منها، وأحدث المصريون ما لم يتوقعه إلا من عرف تاريخ هذا الشعب المحب للحرية، المتعطش للعدالة، الرافض للظلم، والاستبداد، المتطلع إلى دوره الطبيعي في الحياة

إن كسر قيود الاستبداد وقهر الديكتاتورية، وانطلاق المصريين لأهدافهم السامية، كالحرية والعدالة والكرامة والشورى، بداية نهضة لهذه الأمة التي لا تستغني عن دورهم الريادي عبر العصور وتوالي الدهور، فالذي نتوقعه في العقود القادمة نهضة لا مثيل لها في العالم الإسلامي، فالأمة بدأت تتوجه بمجموعها لإعادة دورها الحضاري، والشهادة على الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور

إن الثوار في بلادنا العربية، تونس، مصر، ليبيا، اليمن وسوريا قالوا لشعوبهم بلسان الحال والمقال:

أضيئوا الأنوار لينتهي الفساد

أضيئوا الأنوار لتتكسر قيود الحرية

أضيئوا الأنوار لتنتهي البطالة

أضيئوا الأنوار لتشرق تونس، مصر، ليبيا، اليمن وسوريا فاستجابت تلك الشعوب، وأضاءت كل أوطانها لكي تتخذ خطوات جادة في الحياة والعمل والمأكل والمشرب أولاً ثم التعليم، والصحة والحريات والديمقراطية الحقيقية، المستمدة من قيمنا وحضارتنا وثقافتنا وديننا إن هذه الثورات قامت لكي يعيش الإنسان الذي يبني الدولة ويصنع الحضارات، وينشر دين الله في الآفاق كان للثورة التونسية والمصرية فضل السبق، وأخرجت الثورات نماذج وطنية ساهمت في صناعة التاريخ الجديد لهذه الشعوب، وخلد التاريخ المعاصر صوراً من التضحيات والبذل والعطاء لا تمحى من ذاكرة الشعوب وأما ليبيا فكانت كعادتها يأتي منها الجديد، فالثورة الليبية اختلفت عن مصر وتونس وخرجت من السلمية إلى حرب نضال وكفاح وجهاد وتحرير، تركت آلاماً وأحزاناً وقتلى وشهداء وأرامل وأيتاماً، ودماراً في المدن والقرى ومؤسسات الدولة، وفرض عليهم النظام هذا التوجه بدون خيار منهم استمدت الثورة الليبية وكل الثورات العربية روح النضال من عقيدتها، ولكن تميزت الثورة الليبية بكثرة التكبير والسعي للشهادة في سبيل ا، لأنها كانت حرباً طاحنة، والتاريخ أعاد للذاكرة تضحيات الليبيين في الزنتان والجبل الغربي ونالوت ويفرن وجاد والفريان والزاوية ومصراطة وبنغازي والبيضاء وطبرق وطرابلس وغيرها ضد إيطاليا 1911م، وفي كل ليبيا في الشرق والغرب والجنوب والشمال، أي بعد مائة عام خرج أحفاد سليمان البارون ورمضان السويحلي وعبد النبي بالخير الورفلي، وأحمد المريض، وعمر المختار وأحمد الشريف السنوسي وغيرهم من قادة الجهاد انتشرت صور عمر المختار ورمضان السويحلي واستمد الأحفاد من الأجداد البسالة والعزيمة والنضال والكفاح وانتصرت الثورة في ليبيا بحمد الله وفضله بعد ملحمة بطولية دموية في إزالة نظام الظلم والاستبداد والقمع

ويريد الشعب الليبي أن يخرج من نفق الظلم ويلملم جراحه، ويبني مستقبله ويعمر بلاده دار دار، شارع شارع، زنقة زنقة، مدينة مدينة وقرية قرية ويريد أن يحافظ على الحريات العامة وذلك بمراعاة أحكام الشريعة الإسلامية، والمواثيق والمعاهدات الدولية للحقوق والحريات، والقيم والعادات والتقاليد الليبية الأصيلة ويتطلع إلى تحقيق طموحاته في الحرية والتنمية والعدالة والشورى، وأن يتأسس اقتصاد حر مستدام قادر على الاندماج في الاقتصاد العالمي، ومتنوع، وتنافسي كفيل بأن يلبي احتياجات المواطن الليبي الآنية، والمستقبلية، وتأمين فرص أفضل للجميع ومستوى معيشي مرتفع، مع تقريب الفوارق بين الطبقات وأن يرى مؤسسة قضائية مستقلة تكون بمثابة صمام الأمان للمجتمع الليبي بكافة مؤسساته وأفراده، وضمانة جوهرية لاستقراره وحفظ حقوق أفراده وأن يكون نظام متكامل للرعاية الصحية يقدم خدمات صحية وقائية وعلاجية عالية الجودة، ولائقة لكل مواطن. وأن تبني الدولة إستراتيجية وطنية للرعاية الصحية يكون من أولى أولوياتها تحسين خدمات المستشفيات، وضمان تطوير الرعاية المستمرة، وخدمات الصحة النفسية، وتقديم خدمات الطوارئ، ورفع كفاءتها. ويتمنى الشعب بناء نظام تعليمي يواكب المعايير العالمية المعاصرة، ويضاهي أفضل النظم التعليمية في العالم، ويرسخ مبادئ الحرية، وينشر ثقافة قبول الآخر، ويدعو للحوار، ويؤمن بالعمل الجماعي، وروح الفريق، والإيجابية والمبادرة، وترعى القيم والتقاليد والثوابت وأن تحل أزمة السكن والعمل وتطور الرياضة، وتعاد بناء المنظومة الرياضية في ليبيا تنظيمياً وتشريعياً بشكل احترافي علمي مدروس، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الاهتمام بالنشاط الرياضي في كافة مراحل التعليم، مع نشر الوعي الرياضي ومكافحة التعصب والاهتمام بالنشء وغير ذلك من الأهداف التي تسعى الشعوب لتحقيقها وهذا لا يمكن بدون عدالة ومصالحة وطنية لتجاوز مرحلة الحرب والآثار التي تركتها، إن تحقيق العدالة والمصالحة الوطنية فريضة شرعية وضرورة دينية والثورات التي تنجح في تحقيق المصالحة الوطنية ستحقق أهدافها والتي تفشل تعجز عن الوصول إليها وهذا الكتاب يركز على أهمية تحقيق العدالة والمصالحة لأنها الطريق الوحيد للوصول للأهداف المذكورة فالله" قال في محكم كتابه: "وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الاخْرَى فَقَـتِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىء إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَآءتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" [الحجرات: 9-10] وقال تعالى: "وَالصُّلْحُ خَيْرٌ" [النساء: 128] والمصالحة الوطنية التي ندعو إليها مستمدة من كتاب الله، والسنة النبوية، والتجربة التاريخية الإسلامية والإنسانية، فهي من أولويات العمل الوطني، وهي مسؤولية كافة أبناء الشعب، وأساسها العدل والإنصاف القائم على إعادة الحقوق إلى أصحابها ورد المظالم، وجبر الضرر والاعتراف بحق الضحايا ورد الاعتبار إليهم وتكريس الإحساس بالمواطنة تحقيقاً للسلم والأمن الأهليين.

وقد كان للملتقى الأول لمجالس الحكماء والشورى بليبيا (من أجل المصالحة الوطنية) في الزاوية في الفترة من 13 محرم 1433هـ الموافق 28-11-2011م جهود مشكورة وبيان ختامي جميل أصدر فيه المجتمعون من العلماء والحكماء مجموعة من التوصيات، من أهمها:

1- التأكيد على أن الشريعة الإسلامية هي القاعدة الأساسية لأي مصالحة وطنية.

2-التعجيل بإصدار قانون العدالة الانتقالية وبما يحفظ حقوق الليبيين وتفعيل الأجهزة الأمنية والضبطية والدوائر الجنائية بالمحاكم، والتعجيل بإحالة المحتجزين والمتحفظ عليهم إلى القضاء.

3- ضرورة تقديم كل من سفك دماء الليبيين أو انتهك أعراضهم أو اختلس أموالهم أو شارك أو حرض على ارتكاب هذه الجرائم ضدهم إلى المحاكم.

4- إنشاء صندوق مالي تموله الدولة لتعويض المتضررين من اعتداءات قوات وأعوان الطاغية، ويشمل التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية.

5- العمل على خلق البيئة المناسبة والظروف الموضوعية الملائمة لتحقيق السلم والأمن الأهليين، وذلك بالإسراع بتأسيس الجيش والأمن الوطنيين وتنظيم حمل السلاح، واستيعاب الثوار فيها وفقاً لرغباتهم وتأهلهم مهنياً، وخلق فرص عمل مناسبة لهم لإدماجهم في المجتمع الجديد الذي ثاروا من أجله.

6- العمل على وضع ميثاق شرف لوسائل الإعلام، بحيث تلتزم هذه الوسائل بالعمل على تعزيز الوحدة الوطنية والابتعاد عن كل ما من شأنه إثارة النعرات القبلية أو الجهوية أو العرقية أو المذهبية.

7- إعادة النظر ومراجعة السياسة التربوية، والمناهج التعليمية بحيث ترسخ روح الوحدة الوطنية وتسهم في نشر ثقافة التسامح والسلم الاجتماعيين، ونبذ العنف وتأكيد ثقافة الحوار بين الأفراد والجماعات وزرع روح المصالحة في أوساط الشباب.

8- عدم اللجوء إلى ممارسات العقاب الجماعي، كالتهجير وحرق المساكن والحرمان من الخدمات العامة.

9- دعوة الوعاظ وأئمة المساجد إلى أن يضمنوا خطبهم ومواعظهم الدعوة للتصالح والمصالحة والتسامح والعفو.

10- الاستفادة من تجارب الدول التي مرت بظروف مماثلة، والاستعانة بالمنظمات الدولية المختصة مع مراعاة خصوصيات المجتمع الليبي.

11- إعادة هيكلة مؤسسات الدولة التي مارست أعمال قمع ضد الشعب الليبي وتطهيرها من أعوان النظام المنهار، وإعادة النظر في مهامها لتكون في خدمة الوطن والمواطن، بدلاً من التجسس عليه، وقمعه واضطهاده.

12- دعم أسر الشهداء والمفقودين ورعايتهم، والاهتمام برعاية أوضاع الجرحى والمعتقلين للتخفيف من الأضرار المادية والنفسية التي لحقت بهم ولتوفير جوّ معيشي لائق لهم.

13- الإسراع بتنفيذ برامج الإعمار في المناطق المتضررة لما له من أثر لإزالة الآثار السلبية، والتأهيل النفسي تمهيداً لولوج عهد جديد يسوده التفكير الإيجابي لتحقيق المصالحة.

14- حث مؤسسات المجتمع المدني على المساهمة الفاعلة في إنجاح خطوات المصالحة الوطنية.

وهذه التوصيات مهمة وتحتاج لتحقيقها ثقافة واسعة في مفهوم العدالة والمصالحة، وتسعفنا التجربة النبوية في فتح مكة، عندما تمكن من أعداء الدعوة الإسلامية والذين اعترضوا على الوحدانية، وكذبوا باليوم الآخر، واعترضوا على الرسول صلى الله عليه وسلم  في رسالته، واعتبروا القرآن الكريم ضرباً من الشعر.

ولم يفتر المشركون عن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم  منذ أن صدع بدعوته إلى أن خرج من بين أظهرهم، وأظهره الله عليهم. ويدل على ذلك مبلغ الأذى تلك الآيات الكثيرة التي كانت تتنزل عليه في هذه الفترة، تأمره بالصبر وتدله على وسائله وتنهاه عن الحزن وتضرب له أمثلة من واقع إخوانه المرسلين، مثل قوله تعالى: "وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً" [المزمل: 10]..

في هذا الكتاب بعض صور البلاء التي كانت تصر عليها قريش تجاه النبي صلى الله عليه وسلم، واستمرار العداء للرسالة والرسول والمؤمنين، وعندما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم  مكة ماذا فعل بخصومه وأعدائه؟:

 مع أبي سفيان بن الحارث ابن عمه وعبد الله بن أمية ابن عمته؛ فكان الأول يهجوه بشعره كثيراً، وأما الثاني فقال لرسول الله: فوالله لا أؤمن بك حتى تتخذ إلى السماء سلماً ثم ترتقي فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتي بصك معه أربعة من الملائكة يشهدون لك كما تقول، ثم وأيم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك. ومع فداحة جرمهما فإن النبي صلى الله عليه وسلم  عفا عنهما، وقبل عذرهما، وهذا مثال عالٍ في الرحمة والعفو والتسامح، فلم يتعلل بعظم الإساءة سواء لشخصه أو للإسلام والمسلمين، بل تجاوز ذلك بأن صفح عنهما صفحاً جميلاً كان له أثراً إيجابياً بعد أن انتشر خبر العفو بين أهل مكة، وهو في الطريق إليها.

 وأما زعيم قريش الذي قاد الجيوش في أحد وفي الخندق، فقد عفا عنه وجعل له نصيباً من الفخر "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن".

لقد كان لتلك الطريقة المحمدية أثرها في أبي سفيان الذي تغير إلى الولاء الكامل للدعوة الجديدة، فكان له مواقف كبيرة في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  في معركة حنين. كما كان هذا الأسلوب النبوي الكريم عاملاً في امتصاص الحقد من قلب أبي سفيان زعيم قريش وبرهن له بأن المكانة التي كانت عند قومه، لم تنتقص شيئاً في الإسلام، إن هو أخلص له وبذل في سبيله.

 وهذا صفوان بن أمية، لقد حاول قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم  مع عمير بن وهب، ومع هذا فقد أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم  الأمان، ثم خيره في الأمر أربعة أشهر وعمل على كسبه بإعطائه من المال العطايا الكبيرة التي لا تصدر من إنسان عادي، وقد وصف لنا صفوان بن أمية عطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم  ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى أنه لأحب الناس إليَّ.

 وهذا عكرمة بن أبي جهل، فقد كان سلوك النبي صلى الله عليه وسلم  في فتح مكة لطيفاً حانياً، يكفي وحده لاجتذابه إلى الإسلام، فقد أعجل نفسه عن لبس ردائه وابتسم له ورحب به، وفي رواية قال له: مرحباً بالركب المهاجر، وقد أسلم وحسن إسلامه، واستشهد بعد ذلك في اليرموك.

 وهذا شاعر قريش عبد الله الزبعري كان من أشد الناس عداوة للإسلام وهجاءً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قَبِلَ رسول الله توبته ودخوله في الإسلام وآنسه وخلع عليه حلة، وقال بعد ذلك شعراً كثيراً يعتذر فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان الشعراء مثل الفضائيات في التأثير الإعلامي، ومما قاله ابن الزبعري:

أيام تأمرني بأغوى خطة

سهم وتأمرني بها مخزوم

وأمد أسباب الردى ويقودني

أمر الغواة وأمرهم مشؤوم

فاليوم آمن بالنبي محمد

قلبي ومخطئ هذه محروم

مضت العداوة وانقضت أسبابها

ودعت أواصر بيننا وحلوم

فاغفر فدى لك والديَّ كلاهما

زللي فإنك راحم مرحوم

 وهذا زعيم هوازن مالك بن عوف الذي قاد المشركين في حنين، فبعد هزيمته أرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم  ووعده برد أهله وأمواله عليه، وإكرامه بمائة من الإبل إن قدم عليه مسلماً، فجاء مالك مسلماً فأكرمه وأمَّره على قومه، وبعض القبائل المجاورة، ولقد تأثر مالك وجادت قريحته لمدح النبي صلى الله عليه وسلم  فقال:

ما إن رأيت ولا سمعت بمثله

في الناس كلهم بمثل محمد

أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتذى

ومتى تشاء يخبرك عما في غد

وإذا الكتيبة عردت أنيابها

بالسمهري وضرب كل مهند

فكأنه ليث على أشباله

وسط الهباءة1 خادر في مرصد

فهذه المنهجية النبوية في التعامل مع الخصوم بعد هزيمتهم في الحرص على كسبهم والاستفادة من خبرتهم وفتح أبواب الأمل والتوبة والبناء لمستقبلهم تحتاج للتأمل والتفكر كي نستفيد منها في حياتنا.

وقد نال أهل مكة عفواً عاماً برغم أنواع الأذى التي ألحقوها بالرسول صلى الله عليه وسلم  ودعوته، ورغم قدرة الجيش الإسلامي على إبادتهم، وقد جاء إعلان العفو عنهم وهم مجتمعون قرب الكعبة، ينتظرون حكم الرسول صلى الله عليه وسلم  فقال لهم: "ماذا تظنون أني فاعل بكم؟" فقالوا: خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال: "لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرحِمِينَ" [يوسف: 92] وفي رواية: فاذهبوا فأنتم الطلقاء.

وقد ترتب على هذا العفو العام حفظ الأنفس من القتل أو السبي وأصبحت الأراضي بيد أصحابها، وعدم فرض الخراج عليها إلى جانب ذلك الصفح الجميل، كان هناك الحزم الأصيل الذي لابد أن تتصف به القيادة الحكيمة الرشيدة، ولذلك استثنى قرار العفو الشامل بضعة عشر رجلاً أمر بقتلهم وإن وجدوا معلقين بأستار الكعبة لأنه عظمت جرائمهم في حق الله ورسوله وحق الإسلام، ولما كان يخشاه منهم من إثارة الفتنة بين الناس بعد الفتح، ومن هؤلاء من قتل ومنهم من جاء مسلماً تائباً فعفا عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، وحسن إسلامه.

إن الخبرة التاريخية من فتح مكة تؤكد الفرق الواضح بين العفو والمصالحة من جهة، وبين العدالة الحاسمة لفتح كافة الملفات السابقة وملاحقة كل الجزيئات مما يشغل الوطن بأسره لسنوات أو عقود لا أحد يقدّر نهايتها، ثم إلى متى سنواصل تطبيق تلك العدالة بدون أي تحول تجاه الانتقام والتوسع في القصاص، مما يعود بنا من جديد لنقطة البداية، فيصبح الظالم مظلوماً يطالب هو بتطبيق العدالة الحاكمة على من كان مظلوماً وضحية بالأمس القريب. كان العفو في فتح مكة انطلاقة جديدة للإسلام والمسلمين ودعوتهم بين العالمين.

وماذا لو استسلم المسلمون لمشاعرهم البشرية الراغبة بأقل تقدير في تنزيل العدل الحاسم الذي تفصّل فيه التهم وتجمع فيه الأدلة ويصبح للقضاء كلمته الأخيرة، وغالباً ما يضيق مجال الصفح بعد أن تنكأ الجراحات من جديد، وبالتأكيد فإن تطبيق هذا العدل الحاسم كان سيقضي على شخصيات مهمة شاركت في رسم تاريخ البشرية جمعاء في حركة الفتوحات الإسلامية وتقوية الدولة وإدارة الحكم ونشر العلم.

إن امتناع القيادة والأصحاب عن المطالبة بالعدالة الصارمة لغايات أسمى وأهداف أعظم كان الخيار الأصوب من الناحية السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، والثقافية والدينية، فمن الناحية السياسية يحفظ العفو الجميل وحدة الأمة السياسية حيث يركز على حركة ما بعد العفو على تصحيح الأخطاء وتقوية الدولة وإشراك الجميع دون إقصاء، وتعميق مفاهيم الشراكة والتعاون والتعايش وتثقيف وتنشئة الأجيال عليه.

وأما من جهة الأمن فإن العدل الحاسم قد يقود إلى رفض بعض من سيمسهم هذا العدل بسبب مخاوف من نتائجه التي قد تكون سلباً للحياة أو الأموال والنفوذ وهو ما لن يقبله الكثير ممن كان مع النظام سابقاً.

وهي إذ ترفض هذه الفكرة فإنها ربما لا تزال تملك الكثير من عناصر القوة الميدانية والسياسية مما يجعل الأوطان تقف على شفا حروب وصراعات أهلية قد لا يخرج منها أي منتصر، ولا نحصد منها سوى ترسيخ ثقافة الانتقام والملاحقة، وتشكيل قوى معارضة في الداخل والخارج وتجد من يمدها ويدعمها من الدول التي كانت تدعمنا سابقاً فلا ثبات في عالم السياسة وإنما مصالح الدول هي الحاكمة في العلاقات.

وأما من الناحية الاقتصادية، فإننا لن نختلف كثيراً في تلمس ما يترتب على رفض العفو والمصالحة والتغافر من آثار على الوطن والمواطن بعدما يتخندق المتخاصمون وتنطلق مدافع الحرب.

وأما الاعتبارات الاجتماعية، فإن العفو العام يزيد بلا شك من تآلف مكونات ووشائج المجتمع المتنوعة ثقافياً ولغوياً وعرقياً ودينياً في حال اختلاف الأديان.

وهذا مقصد بعيد المدى يجب التفكير فيه بدلاً من الإصرار على طريقة تنتهي إلى التنافر وتمزق مكونات المجتمع وإعادة تخندقها خوفاً من الانتقام باسم العدالة.

وأخيراً لا آخراً فإن العفو يصنع خبرة تاريخية تتأسس عليها ثقافة الأجيال، الأمر الذي يوحد ضمير الوطن ويزيد من مساحات التعايش والقبول بالاختلاف وتتعمق ثقافة تقديم المصلحة العامة على الخاصة، والممتدة على الآنية المؤقتة.

إننا في وطننا اليوم بحاجة إلى أن نتماسك ونتغافر، لنؤسس ونمهد لخبرة العدل في إحقاق الحقوق والقسط في مراعاة المشاعر والعفو والتسامح لفتح شموس الآمال وصروح البناء التي ستتحول إلى مناهج للتعليم وموجهات للفكر، ومحددات للثقافة وإطار لبناء دستور الدولة التي لا يقوم على الإقصاء والانتقام واللمز، كما هو واقع الحال في بعض الدساتير التي تغلبت نزعة الانتقام على واضعيها.

وأما في القرآن الكريم فقصة يوسف عليه السلام مثل رفيع، وقدوة حسنة، في التغلب على التقاطع وآلام الماضي وأحزانه، فلما اعترف إخوة يوسف بتفضيل الله له وأقروا بخطئهم وقدموا له المعذرة وشعروا بعظم الذنب قال لهم يوسف عليه السلام: "لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرحِمِينَ" [يوسف: 92]..

لا تثريب عليكم: أي لا لوم ولا تعنيف "عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ" [يوسف: 92]، ويتنازل عن كل حق له ويأبى خلقه الكريم في ذلك اليوم الذي قدر فيه العفو حتى عن مجرد توجيه اللوم إلى الذين ألقوه في غيابة الجب، إن اليوم في نظره أولى أن تبدأ به صفحة جديدة من الصفا والمودة، وفي مجرد توجيه اللوم، عودة إلى الماضي البغيض، وإحياء له، وهذا يتعارض مع الصفحة البيضاء النقية التي يريد أن يبدأ بها هذا اليوم لقد مرت تلك الأيام المتعبة بخيرها وشرها، فيجب أن يسدل الستار على حلوها ومرها ولم يبق إلا أن يطرد أشباحها المروعة عن مسرح الخيال، ويتحاشى المطالعة في ذلك التاريخ المظلم، فقد طوى سريعاً هذه الصفحة السوداء مما كان بينه وبين إخوته وغطى على آثارها بالصفح الجميل لقد عفا عفواً تاماً من غير تعبير لهم عن ذكر الذنب السابق، ودعا لهم بالمغفرة وهذا نهاية الإحسان الذي لا يتأتى إلا من الخواص، وما أنسب ما وقع من يوسف بالمراتب الثلاثة المذكورة في قوله تعالى: "وَالْكَـظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَـفِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" [آل عمران: 134]..

فيوسف عليه السلام كظم غيظه بقوله: "لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ" [يوسف: 92]، ثم عفا عنهم بقوله: "يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ" [يوسف: 92]..

ثم أحسن إليهم بقوله بعد ذلك مباشرة: "وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ" [يوسف: 93]..

إن يوسف عليه السلام آثر العفو عن إخوته والعدول عن الانتقام إلى العفو والغفران، وهذه من الفضائل الحميدة من أخلاق الأنبياء عليهم السلام وأخلاق المؤمنين.

 وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره، وكان ممن وقع في حديث الإفك ولم يتثبت، وخاض فيه ضد السيدة عائشة، فقال الصديق: والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال في عائشة ما قال، ولما أنزل الله براءة السيدة عائشة في سورة النور، وكان من الآيات التي ذكرت في الحادثة قوله تعالى: "وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِى الْقُرْبَى وَالْمَسَـكِينَ وَالْمُهَـجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـتِ الْغَـفِلَـتِ الْمُؤْمِنـتِ لُعِنُواْ فِى الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" [النور: 22، 23].

قال أبو بكر: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي، فأرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، قال: والله لا أنزعها أبداً.

 وفي حروب الردة، كان لأبي بكر بعد نظر وبصيرة نافذة ومعرفة بعواقب الأمور، ولذلك كان يستخدم الحزم في محله والعفو عندما تقتضي إليه الحاجة، فقد كان حريصاً على جمع شتات القبائل تحت راية الإسلام، فكان من سياسته الحكيمة عفوه عن زعماء القبائل المعاندة بعد رجوعهم إلى الحق، فإنه لما استخضع قبائل اليمن المرتدة وأراهم سطوة دولة المسلمين وقوة شكيمتهم ومضاء عزيمتهم واعترفت القبائل بما أنكرت واستكانت لحكم الإسلام، وأطاعوا خليفة رسول الله رأى أبو بكر أنه من تأليف القلوب ترك استعمال القوة مع زعماء هذه القبائل، بل اللين هنا والرفق أوفق، فرفع العقوبة عنهم وألان القول لهم، ووظف نفوذهم في قبائلهم لصالح الإسلام والمسلمين، فعفا عن ذلتهم وأحسن إليهم، فقد فعل ذلك مع قيس بن يغوث المرادي، وعمرو بن معد يكرب، والأشعث بن قيس الكندي، فقد كانوا من صناديد العرب وأفرسهم وأكثرهم شجاعة، ويجد الباحث شيء من التفصيل في فقه الصديق في التعامل مع مثل هذه القيادات في الدولة.

 وأما الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاد الصلح مع معاوية وفق مراحل، ودوافع وشروط، وترتب عليه نتائج وسمي ذلك الاتفاق الذي تنازل فيه الحسن لمعاوية بعام الجماعة، ويجد القارئ شيئاً من التفصيل في هذا الكتاب، لقد قامت هذه المصالحة على إعطاء الأمن للناس والعودة إلى الشرعية المتأسسة على المرجعية المتفق عليها في المجتمع وتقديم وحدة الأمة على المصالح الفئوية، والمتابع لمسار تاريخ المسلمين بعد المصالحة يلحظ بوضوح الآثار الكبيرة التي ترتبت عليها سواء بتحقيق الأمن والرفاه الاجتماعي أو بتوسع رقعة الدولة وزيادة مواردها، وهو أمر يحتم علينا اليوم السعي بغية الوصول إلى صيغ المصالحة بين فئات المجتمع المتنوعة وتطبيقات راسخة تؤسس لمرحلة جديدة من الأمن والاستقرار، وهو أمر يسترعي انتباهنا إلى أن الحوار مع كل فئات المجتمع مهما اختلفت بات أمراً ملحاً لا يجوز التراخي فيه فضلاً عن فداحة الخطأ في إشاحة النظر عنه، فمجتمعنا وبرغم الكثير من الاحتكاكات التي سقط جراء بعضها قتلى في كل الاتجاهات وعلى مختلف الجبهات لا يزال يملك استناداً لهذه الخبرة التاريخية أن يفتح باباً واسعاً للحوار والمصالحة ربما يصير بعد ذلك نموذجاً ومثالاً يحتذى به.

 وأما التجارب الإنسانية المعاصرة، فقد اطلعت على مجموعة كبيرة منها:

أوغندا /هيئة التحريات حول اختفاء الأشخاص.

بوليفيا /الهيئة الوطنية للتحريات حول الاختفاءات.

الأرجنتين /الهيئة الوطنية.

الفيلبين /الهيئة الرئاسية حول حقوق الأشخاص.

رواندا /الهيئة الدولية للبحث حول انتهاكات حقوق الإنسان.

تشيلي /الهيئة الوطنية حول الحقيقة والمصالحة.

السلفادور /لجنة تقصي الحقائق بشأن السلفادور.

سيراليون /هيئة الحقيقة والمصالحة.

غانا /مفوضية المصالحة الوطنية.

البراغواي /هيئة الحقيقة والعدالة.

صربيا /هيئة الحقيقة والمصالحة.

المغرب /هيئة الإنصاف والمصالحة.

جنوب أفريقيا /مفوضية جنوب أفريقيا للحقيقة والمصالحة.

وكانت تجربة جنوب أفريقيا من أهم التجارب لذلك اهتممت بها في هذا الكتاب، ووجدت رسالة من نيلسون مانديلا للثورات العربية تستحق القراءة، جاء فيها:

إخوتي في بلاد العرب:

إخوتي في تونس ومصر:

أعتذر أولاً عن الخوض في شؤونكم الخاصة، وسامحوني إن كنت دسست أنفي فيما لا ينبغي التقحم فيه، لكنني أحسست أن واجب النصح أولاً، والوفاء ثانياً لما أوليتمونا إياه من مساندة أيام قراع الفصل العنصري، يحتمان علي ردّ الجميل وإن بإبداء رأي محّصته التجارب وعجمتُه الأيام، وأنضجته السجون... أحبتي ثوار العرب...

لازلت أذكر ذلك اليوم بوضوح، كان يوماً مشمساً من أيام كيب تاونـ خرجت من السجن بعد أن سلخت بين جدرانه عشرة آلاف يومـ خرجت إلى الدنيا بعدما ووريت عنها سبعاً وعشرين سنة لأني حلمت أن أرى بلادي خالية من الظلم والقهر والاستبداد.

ورغم أن اللحظة أمام سجن فكتور فستر كانت كثيفة على المستوى الشخصي إذ سأرى وجوه أطفالي وأمهم بعد كل هذا الزمن، إلا أن السؤال الذي ملأ جوانحي حينها هو، كيف سنتعامل مع إرث الظلم لنقيم مكانه عدلاً؟

أكاد أحس أن هذا السؤال هو ما يقلقكم اليومـ لقد خرجتم لتوكم من سجنكم الكبير، وهو سؤال قد تُحدد الإجابة عليه طبيعة الاتجاه الذي ستنتهي إليه ثوراتكم.

إن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلمـ فالهدم فعل سلبي والبناء فعل إيجابيـ أو على لغة أحد مفكريكم حسن الترابي فإن إحقاق الحق أصعب بكثير من إبطال الباطل.

أنا لا أتحدث العربية للأسف، لكن ما أفهمه من الترجمات التي تصلني عن تفاصيل الجدل السياسي اليومي في مصر وتونس تشير بأن معظم الوقت هناك مهدر في سب وشتم كل من كانت له صلة قريبة أو بعيدة بالأنظمة السابقة، فذاك أمر خاطئ في نظري، أنا أتفهم الأسى الذي يعتصر قلوبكم وأعرف أن مرارات الظلم ماثلة، إلا أنني أرى أن استهداف هذا القطاع الواسع من مجتمعكم قد يسبب للثورة متاعب خطيرة، فمؤيدو النظام السابق كانوا يسيطرون على المال العام وعلى مفاصل الأمن والدولة، وعلاقات البلد مـع الخارج، فاستهدافهم قد يدفعهم إلى أن سيكون إجهاض الثورة أهم هدف لهم في هذه المرحلة التي تتميز عادة بالهشاشة الأمنية وغياب التوازنـ أنتم في غنى عن ذلك أحبتي.

إن أنصار النظام السابق ممسكون بمعظم المؤسسات الاقتصادية التي قد يشكل استهدافها أو غيابها أو تحييدها كارثة اقتصادية أو عدم توازن أنتم في غنى عنه الآن.

عليكم أن تتذكروا أن أتباع النظام السابق في النهاية مواطنون ينتمون لهذا البلد، فاحتواؤهم ومسامحتهم هي أكبر هدية للبلاد في هذه المرحلة، ثم إنه لا يمكن جمعهم ورميهم في البحر أو تحييدهم نهائياً، ثم إن لهم الحق في التعبير عن أنفسهم وهو حق ينبغي أن يكون احترامه من أبجديات ما بعد الثورة.

أعلم أن مما يزعجكم أن تروا ذات الوجوه التي كانت تنافق للنظام السابق تتحدث اليوم ممجدة الثورة، لكن الأسلم أن لا تواجهوهم بالتبكيت إذا مجدوا الثورة، بل شجعوهم على ذلك حتى تحيدوهم، وثقوا أن المجتمع في النهاية لن ينتخب إلا من ساهم في ميلاد حريته.

إن النظر إلى المستقبل والتعامل معه بواقعية أهم بكثير من الوقوف عند تفاصيل الماضي المرير.

أذكر جيداً أني عندما خرجت من السجن كان أكبر تحدٍ واجهني هو أن قطاعاً واسعاً من السود كانوا يريدون أن يحاكموا كل من كانت له صلة بالنظام السابق، لكنني وقفت دون ذلك وبرهنت الأيام أن هذا كان الخيار الأمثل ولولاه لانجرفت جنوب إفريقيا إما إلى الحرب الأهلية أو إلى الديكتاتورية من جديد، لذلك شكلت "لجنة الحقيقة والمصالحة" التي جلس فيها المعتدي والمعتدى عليه وتصارحا وسامح كل منهما الآخر.

إنها سياسة مرة لكنها ناجعة.

أرى أنكم بهذه الطريقة وأنتم أدرى في النهاية سترسلون رسائل اطمئنان إلى المجتمع الملتف حول الديكتاتوريات الأخرى أن لا خوف على مستقبلهم في ظل الديمقراطية والثورة، مما يجعل الكثير من المنتفعين يميلون إلى التغيير، كما قد تحجمون خوف وهلع الديكتاتوريات من طبيعة وحجم ما ينتظرها، تخيلوا لو أننا في جنوب إفريقيا ركزنا كما تمنى الكثيرون على السخرية من البيض وتبكيتهم واستثنائهم وتقليم أظافرهم؟ لو حصل ذلك لما كانت قصة جنوب إفريقيا واحدة من أروع قصص النجاح الإنساني اليوم.

أتمنى أن تستحضروا قولة نبيكم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

نلسون روهلالا مانديلا هوانتون جوهانزبيرغ.

هذا الخطاب فيه من الحكم والدروس والعبر وتجارب الحياة الشيء الكثير ولذلك لم نغفل عنه.

كما أنني في هذا الكتاب أضفت الجهود الفكرية والعلمية والحلول العملية التي قدمت لإنجاح المصالحة الوطنية فاعتبرتها وثائق مهمة لا يُستغنى عنها أضفتها للكتاب.

وختمته بالحديث عن خطر الذنوب وعواقبها على الفرد والمجتمع، والدعوة إلى التوبة وبيان شروطها، وأثر التوبة في حد الحرابة، وفي حد القتل، فيما يتعلق بحقوق العباد المالية، وغير المالية وفي تكفير الكبائر، وعلى الإنسان وعلى الناحية الصحية والنفسية والاجتماعية والخلقية ثم الخاتمة.

هذا وقد أنهيت كتاب العدالة والمصالحة الوطنية في 1212012م الساعة الثانية وعشر دقائق ظهراً الموافق 1821433هـ.

والفضل لله من قبل ومن بعد، وأسأله عزوجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل عملي لوجهه خالصاً، ولعباده نافعاً، وأن يثيبني على كل حرف كتبته ويجعله في ميزان حسناتي وأن يثيب إخواني الذين أعانوني بكل ما يملكون من أجل إتمام هذا الجهد المتواضع، ونرجو من كل مسلم يطلع على هذا الكتاب ألا ينسى العبد الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه من دعائه: "رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَالِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـلِحاً تَرْضَـهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصَّـلِحِينَ" [النمل: 19]..

 وقال تعالى: "مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" [فاطر: 2]..

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك وآخر دعوانا أن الحمد رب العالمين

الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه.. علي محمد الصَّلاَّبي..

المدخل

إن المصالحة الوطنية بين أبناء الشعب الليبي ضرورة دينية، وإنسانية، وحضارية، واقتصادية، واجتماعية، وسياسية، ونفسية، لا يستغني عنها ليبي ولا ليبية من أجل تأكيد التلاحم بين أبناء الشعب، وترسيخ قواعد الوحدة الوطنية وإشاعة أجواء المحبة والانسجام بين مكوناته المختلفة، ولمعالجة الآثار التي تركها النظام الديكتاتوري الاستبدادي، وظروف حرب التحرير من الظلم والجور والانتقام، فيجب على أبناء هذا الشعب شيباً وشباباً رجالاً ونساء السعي الحثيث والعمل المتواصل الدؤوب للوصول إلى الأهداف والمقاصد السامية والقيم الإنسانية الرفيعة التي خرجت من أجلها الشعوب

فالمصلحة الوطنية ضرورة دينية: لأن الله تعالى أمر المسلمين بعد انتهاء الحرب بينهم بالصلح على مبادئ العدل وقيم القسط وبيَّن المنهجية التامة والكاملة في القتال بين المسلمين والمراحل التي يجب علينا أن نلتزم بها:

1- قال تعالى: "وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الاخْرَى فَقَـتِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىء إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَآءتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" [الحجرات: 9، 10].

ففي هذه الآية الكريمة بيان للتعاليم الربانية التي يجب على المسلمين الالتزام بها، فقد أثبت عزوجل صفة الإيمان للمسلمين المتقاتلين ولم ينزع عنهم صفة الإيمان بسبب القتال.

وعند اندلاع القتال بين المسلمين أمر الله بالعمل على إيقافه بالسعي للإصلاح، فإن امتنعت إحدى الطائفتين عن الإصلاح وإيقاف القتال أمر الله المسلمين جميعاً بالعمل على قتال الفئة الباغية الظالمة الجائرة حتى ترجع وتنقاد لأحكام الشريعة الإسلامية، فإن رجعت أو انهزمت أمام الطائفة الأخرى، فعلى المسلمين أن يجتهدوا في إصلاح ذات البين على أسس العدل وأصول القسط، وبيَّن عزوجل أن الله يحب المقسطين، مرغباً لنا للوصول إلى محبة الله عز وجل، والفرق بين العدل والقسط، هو أن القسط عدل مع مراعاة المشاعر والأحاسيس والنفوس للمهزومين والمكلومين والمصابين في هذا القتال، فلا بد في المصالحة الوطنية أن تقوم على العدل ومراعاة مشاعر وأحاسيس ونفوس الناس.

ثم بيَّن عز وجل بأن المؤمنين إخوة، وحرك العواطف الأخوية المتبلدة بسبب الحرب في أعماق النفس البشرية، مذكراً بمعاني الأخوة الخالدة في عقيدتنا وديننا لكي تتغير النفوس من أعماقها نحو قيم السلم والأمن والتسامح والعفو والصفح وتتجاوز تبعات مرحلة القتال بالبعد الإيماني الأخوي الذي يقرب به العبد المؤمن لخالقه جل في علاه.

وأمر المولى عز وجل القيادات المؤثرة في المجتمع وأفراد الشعب بالإصلاح بين الإخوة وإزالة آثار الحرب النفسية والاجتماعية والاقتصاديةـ وذكرهم بالخوف من الله واتقاء سخطه وعقبه وذلك بتقواه في الأعمال والأقوال وفي مشاعر الانتقام أو تشوق النفس لقهر وإذلال المغلوب، أو سيطرة الضغائن والأحقاد على المشهد العام بعد انتهاء الحرب، لأن هذه التقوى الطريق لرحمة الله لهذا الشعب وهذا الوطن المحبب إلينا جميعاً.

2- وبيَّن عزوجل في سورة النساء أن حديث الناس وكلامهم لا خير في كثير منه إلا من أمر بصدقة أو المعروف أو الإصلاح بين الخلق، قال تعالى: "لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتَغَآء مَرْضَـتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً" [النساء: 114]..

فالإصلاح بين الناس من الأعمال الصالحة التي يترتب عليها الأجر العظيم من الخالق الجواد الكريم إذا كان السعي يراد به مرضاة الله ووجهه الكريم ومعنى بَيْنَ النَّاسِ أي عموم الناس ولو كان بين يهود ونصارى أو غير ذلك

فالآية الكريمة تلقي بظلالها على النفس المتعلقة بخالقها لتحقيق هذه العبودية التي نحن في أشد الحاجة إليها في مجتمعنا الجديد بعد الخروج من عقود الظلم والاستبداد والجهل والتخلف

3- قال تعالى: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفَالِ قُلِ الانفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءايَـتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَـتٌ عِندَ رَبّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ" [الأنفال: 1-4]..

فقد بيَّن عز وجل بأن تقوى الله عز وجل هي القوة الدافعة لإصلاح ذات البين وأنه من طاعة الله ورسوله والحرص على ذلك من شعب الإيمان التي يحبها المولى.

4- وقد ذكر عز وجل بأن الصلح من جنس الخيرية المطلقة التي حث الله عليها عباده، قال تعالى: "وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً" [النساء: 128]..

والإصلاح يحتاج إلى عدم التقصي في استيفاء الحقوق بين المتنازعين بترك كل فريق بعضاً من حقه ليجتمعا على كلمة سواء، ولكن طبيعة النفس البشرية شحيحة في التنازل عن حقوقها للوصول للصلح لذلك بيَّن عز وجل أن الإحسان وتقوى الله، ومراقبته في الصغائر والكبائر، وفي السر والعلن، كفيلة بالتغلب على شح النفوس المانعة من المصالحة، قال تعالى: "وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً" [النساء: 128]..

5- قال تعالى: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَـحاً يُوَفّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَآ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً" [النساء: 35]، وهذه الآية تتحدث في الخلافات الزوجية وفي كيفية الإصلاح بين الرجل والمرأة في الأسرة الصغيرة، وبيَّن المولى عزوجل أهمية النية والقصد في تحقيق هدف الحكمين، فكيف إذا كان الإصلاح على مستوى الشعب والأمة فالنوايا مطايا وحسن القصد والتوجه الذي يراد به وجه الله يعين المصلحين على تحقيق المقصود والمأمول من الوساطة، فهذا المعنى في قوله تعالى: "إِن يُرِيدَآ إِصْلَـحاً يُوَفّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَآ" [النساء: 35]

6- قال تعالى: "فَمَآ أُوتِيتُمْ مّن شَىْء فَمَتَـعُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـئِرَ الإِثْمِ وَالْفَوحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلوةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَـهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ * وَجَزَآء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّـلِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الاْرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الاْمُورِ" [الشورى: 36-43].

"وَالَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ" أي: وصل إليهم من أعدائهم "هُمْ يَنتَصِرُونَ" لقوتهم وعزتهم، ولم يكونوا أذلاّء عاجزين، عن الانتصار، فوصفهم بالإيمان والتوكل على الله، واجتناب الكبائر والفواحش الذي تكفر به الصغائر والانقياد التام، والاستجابة لربهم وإقامة الصلاة، والإنفاق في وجوه الإحسان، والمشاورة في أمورهم والقوة، والانتصار على أعدائهم، فهذه خصال الكمال قد جمعوها، ويلزم من قيامها فيهم فِعل ما هو دونها وانتفاء ضدها.

"وَجَزَآء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّـلِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الاْرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الاْمُورِ" [الشورى: 40-43].

ذكر الله في هذه الآية مراتب العقوبات وأنها على ثلاث مراتب، عدل، وفضل، وظلم، فمرتبة العدل جزاء سيئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص، فالنفس بالنفس وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها والمال يضمن بمثله.

ومرتبة الفضل: العفو والإصلاح عن المسيء ولهذا قال: "فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ" (الشّورى: 40) يجزيه أجراً عظيماً وثواباً كثيراً، وشرط الله في العفو والإصلاح فيه ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق بالعفو عنه وكانت المصالحة الشرعية تقتضي عقوبته، فإنه في هذه الحال لا يكون مأموراً به، وفي جعل أجر العافي على الله مما يهيج على العفو وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن يعفو الله عنه فليعف عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله، فليسامحهم.

وأما مرتبة الظلم فقد ذكرها بقوله: "إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّـلِمِينَ": الذين يجنون على غيرهم ابتداءً، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته، فالزيادة ظلم "إِنَّمَا السَّبِيلُ" (التّوبَة: 93) أي: إنما تتوجَّه الحجَّة بالعقوبة الشرعية "عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الاْرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ" (الشّورى: 42) ـ وهذا شامل للظلم والبغي على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، "أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (آل عِمرَان: 91) أي موجع للقلوب والأبدان بحسب ظلمهم وبغيهم، "وَلَمَن صَبَرَ" (الشّورى: 43) : على ما يناله من أذى الخلق "وَغَفَرَ" (الشّورى: 43) لهم بأن سمح لهم عما يصدر منهم "إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الاْمُورِ" (الشّورى: 43) ، أي من الأمور التي حثَّ الله عليها وأكَّدها وأخبر أنه لا يُلقَّاها إلا أهل الصبر والحظوط العظيمة، ومن الأمور التي لا يوفق لها إلا أولو العزائم والهمم وذوو الألباب والبصائر، فإن ترك الانتصار للنفس بالقول أو الفعل من أشق شيء عليها، والصبر على الأذى والصفح عنه ومغفرته ومقابلته بالإحسان أشقَّ وأشقَّ ولكنه يسير على من يسَّره الله عليه، وجاهد نفسه على الاتصاف به، واستعان الله على ذلك، ثم إذا ذاق العبد حلاوته ووجد آثاره تلقاه برحب الصدر وسعة الخلق، والتلذُّذ فيه.

7- وقال تعالى: "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصَّـبِرينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقٍ مّمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ" [النحل: 126-128] يقول الله تعالى مبيحاً للعدل ونادباً للفضل والإحسان "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ": من أساء إليكم بالقول والفعل "فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ" من غير زيادة منكم على ما أجراه معكم "وَلَئِن صَبَرْتُمْ": عن المعاقبة وعفوتم عن جرمهم "لَهُوَ خَيْرٌ لّلصَّـبِرينَ" من الاستيفاء وما عند الله خير لكم وأحسن عاقبة.

ثم أمر رسوله بالصبر على دعوة الخلق إلى الله والاستعانة بالله على ذلك وعدم الاتكال على النفس، فقال: "وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ" هو الذي يعينك عليه ويثبتك "وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ" (الحِجر: 88) إذا دعوتهم فلم تر منهم قبولاً لدعوتك، فإن الحزن لا يجدي عليك شيئاً، "وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقٍ" أي شدّة وحرج "مّمَّا يَمْكُرُونَ" فإن مكرهم عائداً إليهم، وأنت من المتقين المحسنين والله مع المتقين المحسنين بعونه وتوفيقه وتسديده وهم الذين اتقوا الكفر والمعاصي وأحسنوا في عبادة الله، بأن عبدوا الله كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم، والإحسان إلى الخلق ببذل النفع لهم من كل وجه.

وقد تحدث المفسرون كما تحدثت كتب علوم القرآن عن أسباب نزول هذه الآية "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ" إلى آخر سورة النحل فذكر جمع من المفسرين: أن هذه الآيات نزلت في أعقاب غزوة أحد وروى الحافظ البزار عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  وقف على حمزة بن عبد المطلب حين استشهد فنظر إلى منظر لم يُنظر أوجع للقلب منه، وقد مثَّل المشركون به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لقد كنت وصولاً للرحم فعولاً للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك، لسرَّني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع أما والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك" فنزلت هذه الآية، فكفر رسول الله عن يمينه.

وقد ذكر بعض العلماء: أن هذه الآيات الثلاثة الأخيرة من سورة النحل، تكرر نزولها، فنزلت يوم أحد، ونزلت عند فتح مكة والحكمة في تكرير نزولها: شدة الحاجة إلى العمل بمعانيها، عند الرغبة في التشفي ودعوة القرآن إلى الصبر.

وهذه الآيات دعوة إلهية إلى الصبر والاحتمال، وهي دستور مفيد للإنسان وللجماعات والأمم، وسواء كان نزولها في غزوة أحد أو عند فتح مكة أو عند حياة المسلمين بمكة قبل الهجرة، فإن معانيها عامة وأوامرها وآدابها مطلوبة للحياة والأفراد.

أولاً: واجبات الخصمين لتحقيق الإصلاح ذات البين:

1 دفع السيئة بالتي هي أحسن:

وهي على مراتب:

المرتبة الأولى: دفع السيئة بالحسنة:

 قال تعالى: "ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ" (المؤمنون: 96).

قال تعالى: "ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ" (فُصّلَت: 34).

المرتبة الثانية: مقابلة السيئة بالصفح الجميل:

قال تعالى: "فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ" (الحِجر: 85).

وقال تعالى: "فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَـمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" (الزّخرُف: 89).

المرتبة الثالثة: مقابلة السيئة بالصبر الجميل:

قال تعالى: "فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً" (المعَارج: 5).

وقال تعالى: "فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ" (الرُّوم: 60).

وقال تعالى: "فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ" (طه: 130).

المرتبة الرابعة: دفع السيئة بالهجر الجميل:

قال تعالى: "وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً" (المُزمّل: 10).

المرتبة الخامسة: مواجهة السيئة بطلب الصلح:

قال تعالى: "وَإِنِ امْرَأَةٌ خَـفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ" (النِّساء: 128).

المرتبة السادسة: دفع السيئة بسيئة مثلها من غير زيادة:

قال تعالى: "وَجَزَآء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّـلِمِينَ" (الشّورى: 40).

فمن التزم بهذه القواعد فقد سيطر على أخلاقه.

قال تعالى: "وَالْكَـظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَـفِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" (آل عِمرَان: 134).

2 الاستجابة لداعي الإصلاح:

على المتنازعين أن يتقوا الله، ويسارعوا إلى إنهاء الخصام ويلبوا داعي الصلح إذا تقدم به الراغبون لإصلاح ما بينهم فلا تأخذهم العزة بالإثم فيمتنعوا عن قبول دعوة المصالحة، ويستمروا بالمقاطعة والهجر، فيفوتهم قبول الأعمال وكسب الأجر من الله وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن بغض الله تعالى لمن كانت صفته شديد الخصومة واللجاج.

أ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم".

والألد: الشديد اللدد، أي الجدال، ومن كانت هذه صفته وطباعه فهو شر على مجتمعه، وخطر على أمنهم، فهو يهدم ولا يبني، عمله الإفساد في الأرض، وأما من يستجيب للصلح، ويرغب فيه، ويميل إليه، فهو خير الناس، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم  فضله بقوله : " وخيرهما الذي يبدأ بالسلام".

فالذي يبادر إلى إصلاح ذات البين، فهو في ميزان الإسلام من الخيرين، وهذا دليل على طهارة القلب وسمو النفس، وطيب المعدن، فهذه الصفات جعلته يحوز على الفضل بسبب قبول الصلح.

3 عدم الاستجابة لوسوسة الشيطان في إيقاع النزاع:

إن الشيطان حريص على التحريش بين الناس، وزرع الخصومات والعداوات وتفكيك الأسر، والتفريق بين المتحابين والمتآخين فهو عدو للإنسانية، قال تعالى: "إِنَّ الشَّيْطَـنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَـبِ السَّعِيرِ" (فَاطِر: 6).

فالعاقل من يحرص على وحدة الصفح وتجاوز الآلام والجروح والمصائب التي وقعت ويحب الخير للجميع، يعفو عن من ظلمه ويعطي من حرمه وهذا ما ينبغي أن يتصف به المسلم، لأن التنازع له مضار عديدة فهو يؤدي إلى الفشل، وتمزق المجتمع وضعف الدولة مما يمكن أعداء الشعب من التدخل في شؤونه، كما أنه مدخل واسع من مداخل الشيطان، يتمكن به من إفساد ذات البين ونشر الكراهية بين الناس وإشاعة البغضاء بين أبناء الأسر والأخ وأخيه والابن وأبيه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الشيطان قد أيِسَ أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم".

فالشيطان حريص على إيقاع الخصام بين الناس، فالإسلام يدعو إلى التصالح ويحث أتباعه على سلوك هذا المنهج، ولنا أسوة في مسلك الواعظ البر الرافض للشر أبو ذر عمر بن ذر، فقد شتمه رجل فقال: يا هذا، لا تغرقن في شتمنا ودع للصلح موضعاً فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه.

4 التنازل عن جزء من بعض حقه:

على الخصم أن يتنازل عن جزء من حقه رغبة في تقريب وجهات النظر، وتأليفاً للخصم الآخر، حتى يقبل الصلح المؤدي إلى تأليف القلوب وتسكين الغضب وتهدئة ثوراته ودليل ذلك ما ورد من مواقف كثيرة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم  حيث تنازل بعض أصحاب الحق عن جزء من حقهم، كموقف كعب بن مالك مع خصمه حين ارتفعت أصواتهما، حتى سمع رسول الله كلامهما وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم  حتى كشف سجْف حجرته، فنادى كعب بن مالك فقال: "يا كعب" فقال: لبيك يا رسول الله فأشار بيده، أن ضع الشطر، فقال كعب: قد فعلت يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "قم فاقض فعندما يتنازل الخصم عن بعض حقه فهو يعمل المعروف".

ومن المواقف الخالدة في التاريخ، تنازل الحسن بن علي رضي الله عنه عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه حيث تآلف المسلمون واجتمعوا واصطلحوا حتى سمي ذلك العام بعام الجماعة.

وكان الحسن رضي الله عنه يتمتع بقوة، وكانت الكتائب أمثال الجبال، ومع ذلك قبل الصلح، وتنازل عن ملك رغبة في تحقيق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين من المسلمين".

فإن الحسن ترك الملك لا لقلة، ولا لذلة، ولا لعلة، بل لرغبته فيما عند الله لما رآه من حقن دماء المسلمين، وراعى أمر الدين ومصلحة الأمة، وفيه فضيلة الإصلاح بين الناس، ولا سيما في حقن دماء المسلمين.

وسيأتي الحديث عن صلح الحسن مفصلاً بإذن اللهـ 5 الاستعانة بالوسطاء الخيرين:

قد يقع الإنسان في خطأ ثم يأسف عما بدر منه، ويريد المسامحة، فما عليه إلا أن يعتذر إلى من أساء إليه بنفسه، أو بواسطة الآخرين ممن يتوسم فيهم القدرة على الإصلاح، كما حصل لعبد الله بن الزبير رضي الله عنه، قال في بيع أو عطاء أعطته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "والله لتنهين عائشة أو لأحجرن عليها، فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم، قالت: هو والله عليَّ نذر لا أكلم ابن الزبير أبداً، فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة، فقالت: لا والله، لا أشفع فيه أبداً، ولا أحنث إلى نذره، فلما طال ذلك على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن يغوث وقال لهما: أنشدكما بالله لما أدخلتماني على عائشة فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي، فأقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما حتى استأذنا على عائشة، فقالا: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أندخل؟ قالوا: كلنا؟ قالت: نعم ادخلوا كلكم، ولا تعلم أن معهما ابن الزبير، فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب فاعتنق عائشة وطفق يناشدها ويبكي، وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها ألا كلمته، وقبلت منه، ويقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم  نهى عما قد عملت من الهجر، فإنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، ولما أكثروا على عائشة من التذكير والتحريج، طفقت تذكرهما وتبكي وتقول: إني نذرت والنذر شديد، فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير، وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها.

فإن ابن الزبير قد استعان بهؤلاء النفر من الصحابة رضوان الله عنهم ليوفقوا بينه وبين عائشة رضي الله عنها، وقد استعملا الحيلة حتى تمكن ابن الزبير رضي الله عنه من الدخول على خالته عائشة ليرضاها وليعتذر منها، وحاول هو ومن معه ليرضيها حتى رضيت رضي الله عنها وانتهت القطيعة وحلت الألفة وعادت المياه إلى أراضيها فرضي الله عن الجميع.

6 الرضى بالحكم بعد صدوره:

عندما يختار المتخاصمان من يصلح بينهما يكون ذلك على أساس الثقة بالصلح، وأنه قادر على معرفة القضية وإصدار الحل المناسب المرضي للطرفين، وأنه نزيه وعادل، وغير مجامل، وأنه سيصدر عنه الصلح بما يوافق الحق والصواب.

والغرض من هذا هو فض النزاع وإيصال المظلوم إلى حقه، أو بعض حقه، ودفع إثم الظلم عن الظالم، ودليل ذلك حادثة الزبير رضي الله عنه وأخيه الأنصاري الذي خاصمه في شراج ذي الحرة، فاحتكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم  أن يسلك بهما مسلك الصلح، فقال للزبير: "أسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك"، فالرسول صلى الله عليه وسلم  أصدر الحكم على أساس أنه صلح، والصلح هو تنازل عن جزء من الحق بغرض إنهاء الخصام، ولكن الأنصاري لم يرض بهذا الصلح الصادر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال مقالته التي أغضبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مما جعله يصدر الحكم قضاءً وحكماً: "اسق ثم احبس حتى يبلغ الجدر"، فقد استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، وهذه الواجبات التي ذكرناها من أهم الأمور التي تحقق إصلاح ذات البين وتعين على إنهاء الخصام وإحلال المودة والوئام بين أفراد المجتمع.

ثانياً: إصلاح ذات البين في القصاص، والدية والحدود

الصلح في القصاص أمر جائز، بل هو أفضل من الاستيفاء والعفو أفضل من الصلح، لقوله تعالى: "يـأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالاْنثَى بِالاْنْثَى فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء فَاتِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآء إِلَيْهِ بِإِحْسَـنٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (البَقَرَة: 178).

وقد جاءت السنة مؤكدة لما نص عليه القرآن.

وعن ابن عباس رضي الله عنه، كانت في بني إسرائيل قصاص ولم تكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى" [البقرة: 178] إلى هذه الآية: "فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء" قال ابن عباس: فالعفو أن يقبل الدية في العمل، قال: "فَاتِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ" [البقرة: 178] أن يطلب بمعروف ويؤدي إليه بإحسان والصلح جائز في القصاص بأكثر من الدية..

والذي يملك العفو عن القصاص:

1- عفو الورثة:

العفو حق لجميع الورثة عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل في المشهور عنه، ومالك في رواية عنه، يستوي في ذلك من يرث بالفرض، أو التعقيب ويدخل في ذلك الزوج والزوجة وإن مات أحد الورثة انتقل الحق أيضاً إلى ورثته

والدليل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه : "ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يودي وإما أن يقاد»، وهذا الحديث عام للرجال والنساء وروى عن معمر عن الأعشى، عن زيد بن وهب، أن عمر بن الخطاب رفع إليه رجلاً قتل رجلاً، فجاء أولياء المقتول، يريدون قتله، فقالت أخت القاتل، وهي امرأة المقتول: قد عفوت عن حصتي من زوجي، فقال عمر: عُتق الرجل من القتلـ فهذه الأحاديث والآثار تدل على أن القصاص حق مشترك بين الجميع، والعفو حق لكل الورثة، وقد اعتبر عمر رضي الله عنه عفو الزوجة عن دم زوجها مسقطاً للقصاص عن القاتل، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة.

2- عفو القتيل قبل وفاته:

ذهب بعض الفقهاء إلى اعتبار عفو المجني عليه مسقطاً للقصاص عن الجاني لقوله تعالى: "وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالاْنْفَ بِالاْنْفِ وَالاْذُنَ بِالاْذُنِ وَالسّنَّ بِالسِنّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّـلِمُونَ" (المَائدة: 45).

 وقال تعالى: "وَجَزَآء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّـلِمِينَ" (الشّورى: 40).

 وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما من رجل يصاب بشيء في جسده ويتصدق به إلا رفعه الله به درجة، وحط عنه به خطيئته".

وعن الأشعث بن سؤر عن أبي بكر بن حفص قال: "كان بين قوم من بني عدي وبين حي من الأحياء قتال، ورمي بالحجارة وضرب بالنعال، فأصيب غلام من آل عمر، فأبى على نفسه، فلما كان قبل خروج نفسه قال: إني عفوت رجاء الثواب للإصلاح بين قومي، فأجازه ابن عمر.

وهذا القول موافق لروح الشريعة ومقاصدها الكبرى.

3- عفو الولي نيابة عن الصغير:

اتفق الفقهاء على أن ولي الصغير لا يملك العفو عن القصاص الواجب له إذا كان العفو إلى غير مال، أو إلى مال لا تدعو حاجة الصغير إليه، قال الإمام الكاساني: أن يكون العفو من صاحب الحق، لأنه إسقاط للحق، وإسقاط الحق ولا حق محال فلا يصح العفو من الأجنبي لعدم الحق ولا من الأب، والجد في قصاص وجب للصغير، لأن الحق للصغير لا لهما، وإنما لهما ولاية الاستيفاء لحق وجب للصغير والعفو ضرر محض، لأنه إسقاط الحق أصلاً ورأساً لا يملكانه.

4- عفو السلطان:

إذا قتل شخص وليس له وارث يطالب بدمه، فإن وليه السلطان بإجماع الفقهاء، لأن إرثه ثابت لعامة المسلمين، والسلطان من ينوب عنهم في استيفاء حقوقهم.

ثالثاً: الشروط الواجب توافرها للحكم بصحة العفو:

اشترط الفقهاء عدة شروط وهي:

1- أن يكون العافي بالغاً والدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل".

2- العقل: فلا يصح عفو زائل العقل للحديث السابق.

3- أن يكون مختاراً: فلا يصح العفو من المكره، فالقرآن الكريم والسنة لا تعتبر بأفعال المكره، لقوله تعالى: "إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَـنِ" (النّحل: 106).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه".

رابعاً: سقوط القصاص بإصلاح ذات البين:

إذا تم الصلح بالشروط المعروفة التي تجعل الصلح صحيحاً، فقد أجمع العلماء على أن الصلح عن دم العمد مسقط للقصاص عن الجاني، سواء كان العوض المصالح عليه مالياً أو غير مالي، قليلاً أو كثيراً، وكان الصلح من قبل ورثة المجني عليه أو بعضهم، وذلك لأن القصاص حق ثابت لكل واحد منهم، فملك المصالحة عنه، كما هو الشأن في سائر الحقوق المشتركة، وإذا سقط نصيب أحد الأولياء في القصاص بمصالحته، سقط نصيب الباقي، لأن القصاص لا يتجزأ ولمن يصالح من أولياء الدم له حق المطالبة بحصته من الدية، لأنه تعذر القصاص، نتيجة لمصالحة بعض الأولياء فيصير إلى الدية.

خامساً: إصلاح ذات البين في الدية:

يصح الصلح عن دم العمد بما يزيد وينقص عنها، وتكون الدية عقوبة أصلية كما في القتل والجرح والقطع خطأ أو تكون بديلة عن القصاص إذا صالح مستحق القصاص على مال، حيث يجوز بالزيادة على قدر الدية.

أما إذا كانت الدية بديلة عن القصاص العمد جاز أن تكون على قدر دية الخطأ، أو أكثر، أو أقل من جنس الدية، أو من غير جنسها حالة أو مؤجلة لأن هذا مال وجب بعقد فيجب فيه ما اتفق عليه، أما الدية الواجبة بالقتل، أو القطع، أو الجرح الخطأ فهي مقدرة بالشرع، وهي مال من الأموال للمجني عليه قررته الشريعة، وحددت مقداره فلا يجوز الزيادة عليها، والصلح في الدية حق لجميع الورثة.

سادساً: إصلاح ذات البين في الحدود:

تتفاوت آراء الفقهاء في قضية الصلح في الحدود بناء على طبيعة الحد بحسب البيان الآتي:

1 ما كان حق الله غالباً عليه مثل الزنا، والسرقة، فلا يجوز فيه الصلح.

2 ما كان حق العبد غالباً فيه، فيجوز فيه الصلح، مثل القصاص.

3 ما اختلف فيه الفقهاء في كونه حقاً لله أو للعبد، كالقذف، فمن رجح أن حق الله غالباً عليه قال: بعدم جواز الصلح فيه، ومن رجح أن حق العبد غالب عليه، قال: بجواز الصلح فيه.

فلو صالح زانياً أو شارباً للخمر، أو سارقاً على ألا يقيم عليهم الحد لم يصح الصلح مع هؤلاء، لكون هذه الحدود حقاً محضاً لله عزوجل ، وحقوق الله لا يجوز الصلح عنها باتفاق الفقهاء، ودليلهم ما رواه البخاري، عن أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنه قالا: "كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم  فقام رجل، فقال: أنشدك بالله إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه وكان أفقه منه، فقال: اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي، قال: قل، قال: إن ابني هذا كان عسيفاً على هذا فزنا بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثم سألت رجالاً من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأته الرجم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "والذي نفسه بيده لأقضين بينكما بكتاب الله جل ذكره، المائة شاة والخادم رد وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها".

قال ابن حجر وفيه أن الحد لا يقبل الفداء، وهو مجمع عليه في الزنا والسرقة والحرابة وشرب المسكر، واختلف في القذف، والصحيح كغيره، وإنما يجزئ الفداء في البدن، كالقصاص في النفس والأطراف، وأن الصلح المبني على غير الشرع يرد ويعاد المال المأخوذ فيه.

فالرسول صلى الله عليه وسلم  قد أبطل الصلح الواقع بين زوج المرأة ووالد العسيف المؤدي إلى إسقاط الحد مع حرصه صلى الله عليه وسلم وحبه لإصلاح ذات البين، لكنه رفض هذا الصلح المبطل لحدود الله، وأمر بتنفيذ الحد إن اعترفت المرأة، كما هو في كتاب الله، وظاهر الحديث يدل على جواز الصلح عن الحدود قبل رفعها إلى الحاكم، حيث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  لم يُعنف على من أصلح بينهم، ويؤيد ذلك ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب".

وكذلك ما رواه مالك بن الزبير بن العوام رضي الله عنه أنه لقي رجلاً قد أخذ سارقاً وهو يريد أن يذهب به إلى السلطان فيشفع له الزبير ليرسله، فقال: لا أبلغ به السلطان، فقال الزبير: إذ بلغت به السلطان فلعن الشافع والمشفع.

ولما رواه مالك على ابن شهاب عن صفوان بن أمية قيل له: إن لم تهاجر هلكت، فقدم صفوان إلى المدينة فنام في المدينة وتوسد رداءه فجاء سارق وأخذ رداءه فأخذ صفوان السارق وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم  أن تقطع يده، فقال صفوان: إني لم أرده بهذا هو عليه صدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ألا كان قبل أن تأتيني به"، فالصلح جائز قبل الرفع إلى الحاكم، أما بعد رفعه فلا يجوز الصلح في الحد.

سابعاً: المصالحة في الأحاديث النبوية:

1 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "كل سلامي من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته وتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى صدقة".

2 وعن أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيرا".

3 عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام".

4 عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد مسلم لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلٌ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فقال: انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا".

ثامناً: العفو في الأحاديث النبوية والرحمة:

1- عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  يحكي نبياً من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: "للهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".

2- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".

3- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله".

4- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ".

5- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة".

6- وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً".

7- وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

تاسعاً: إصلاح ذات البين لا يحل الحرام ولا يحرم الحلال:

1- شرع الصلح لإحقاق الحق وإصلاح المعوج، وتحقيق إصلاح ذات البين، فلو أن شخصاً صالح آخر على تحريم حلال أو تحليل حرام فهذا لا يجوز فقد نهى عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد قال: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً، أو أحلّ حراماً".

عاشراً: فضل إصلاح ذات البين في السنة:

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  "ما عمل ابن آدم شيئاً أفضل من الصلاة وإصلاح ذات البين وخلق حسن".

2- وعن أم الدرداء عن أبي الدرداء رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصوم والصلاة والصدقة، قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين الحالقة".

الحادي عشر: أهمية إصلاح ذات البين:

1- تخفيف العبء عن القضاء:

قد يتم الصلح بين الخصوم قبل رفع الدعوى أمام القضاء، وهذا العمل يخفف العبء عن العاملين في مجال القضاء الرسمي، وصدق القائل:

لو أنصف الناس استراح القاضي

وبات كلّ عن أخيه راضي

2- تخفيف العبء عن الخصوم:

إن إنهاء النزاع بين الخصوم صلحاً فيه تخفيف كبير عنهم، وذلك من خلال إجراءات الترافع بجلسة أو جلستين وسهولتها وإنهائها، أما ما يجري في المحاكم فيها كثير من التعقيد والمشقة كما أنها تستغرق وقتاً وجهداً وتكاليف باهظة وفي هذا مشقة وتعب واستنزاف لجهودهم، وأموالهم.

3- تحقيق العدالة:

إن حسم الخلاف بين طرفي النزاع عن طريق الصلح أدعى إلى الإنصاف وأدنى إلى تحقيق العدالة، حيث إن المتخاصمين أعلم من غيرهم بمعرفة استحقاق كل منهم فيما يدعيه، أو فيما يدعي عليه، لأن كلا منهما يعلم في قرارة نفسه أين الحق، ولمن هو الحق المتنازع عليه.

وهذا المعنى قد أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم  في الحديث الذي روته أم سلمة رضي الله عنها قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  في مواريث بينهما قد درست، ليس بينهما بيّنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنكم تختصمون إليّ وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها أسطاماً في عنقه يوم القيامة"، فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما: حقي لأخيـ فقال رسول الله: "أما إذ قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه".

4- نشر الوعي الاجتماعي:

ذلك أنه يستأصل شأفة الخصومة ويؤلف القلوب المتنافرة، ويضع حداً لما تتركه الخصومات من أحقاد في النفوس، وضغناء في الصدور.

5- إشاعة السلام بين أفراد المجتمع:

عندما يصطلح الناس، وتزال العداوات والمخاصمات فيما بينهم، ويحل الوفاق محل الخلاف، عند ذلك يأمن الناس بعضهم بعضاً، ويحلّ السلام الاجتماعي بين أفراد المجتمع.

6- تأليف القلوب:

لاشك أن الخصام يفرق المتاحبين، ويعمق بينهم العداوة والخلاف، وتتنافر القلوب وتتباغض، فعندما يتم الإصلاح والتصالح على أسس العدل، وقيم القسط وإحقاق الحقوق والتصافح، والتغافر والتراحم، تتآلف القلوب.

الثاني عشر: وسائل إصلاح ذات البين:

فوسائل إصلاح ذات البين كثيرة منها الشفهية والسمعية والبصرية، أو المقروءة وتشمل كلًّا من الاتصال الفردي والخطبة والمحاضرة والندوة والمذياع والشريط المسموع والمسرح والتلفزيون، والكتاب والصحيفة والمجلة والإنترنت وأجهزة الاتصال وغيرها ولو استخدمت هذه الوسائل بحق لعاش الناس في حب وإخاء وتآلف، ولضاق الخصام والشجار على مستوى الأفراد والجماعات والقبائل والدول.

1- دور المجتمع في إصلاح ذات البين:

أ- الأسرة:

فالبيت إن أحسن فيه تربية الأبناء، فإن المجتمع الكبير سيستقبل الأعضاء الذين يحسنون إدارة وتوجيه دفة الحكم، فالبيت يتعلم فيه الكبير والصغير دروساً في الحب أو الكراهية، وعندما يكون الأب قدوة في البيت فلا خصام في داخل الأسرة ولا شجار خارج البيت وإنما يعيش كل فرد من أفراد الأسرة في جو متسامح يتسم بالعفو عمن ظلمه وينبذ الخلاف ويكره الشقاق، فالبيت بيت مسلم يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم  في تحمل الأذى والعفو والصفح، فعندما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلى الطائف قام بالدعوة لا يدع أحداً من أشرافهم إلا جاءه وكلمه فلم يجيبوه وخافوا على أحداثهم، فقالوا: يا محمد اخرج من بلدنا والحق بمحابك من الأرض. وأغروا سفهاءهم، فجعلوا يرجمونه بالحجارة حتى إن رجليه لتدميان، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم  متجهاً إلى مكة بعد خروجه من الحائط كئيباً محزوناً كسير القلب، فلما بلغ قرن المنازل بعث إليه جبريل ومعه ملك الجبال يستأمره أن يطبق عليهم الأخشبين، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله عزو جل وحده لا يشرك به شيئاً".

فهذه سماحته وعفوه وصفحه صلى الله عليه وسلم  مع خصومه، بل شعوره أن الله سيخرج من أصلابهم شباباً يعبدونه وحده لا شريك له، فالأسرة هي المحضن الحصن الأول يقول الإمام علي رضي الله عنه : علموهم وأدبوهم، فالأسرة هي الدرع الحصين التي يحتمي بها الإنسان عند الحاجة ويتقوى بها، فعلى الأسرة أن تتعلم كي تعلم أفرادها، يقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : تعلموا تعلموا، فإن علمتم فاعملواـ فالأسرة عليها أن تؤهل نفسها لتؤهل أبناءها.

ب- المجتمع:

تتجدد مسؤولية المجتمع عند تربية أبنائه وتوجيهها إلى الخير أو الشر فهو الوسط الذي ينشأ فيه الأفراد ومن خلال تعاملهم مع بعضهم بعضاً يؤثرون ويتأثرون سلباً وإيجاباً، لذلك فهو يؤثر على جميع الأفراد والجماعات المكونة لهذا المجتمع، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم  قصة القاتل الذي يبغي التوبة من جرائمه السابقة، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وفيه: - "انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناساً يعبدون الله، فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء»، انظر كيف دلّه على البيئة الصالحة والمجتمع النظيف الطاهر العابد لربه، فالمجتمع يعمل على التأثير في الشخص سلباً، أو إيجاباً بل المجتمع ربما يكون رادعاً ومؤثراً في سلوك الشخص، فقد اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم  المجتمع وسيلة لتأديب الرجل الذي كان يؤذي جاره، فقد ورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجل يا رسول الله: إن لي جاراً يؤذنيـ فقال: "انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق"- فانطلق فأخرج متاعه فاجتمع الناس عليه فقالوا: ما شأنك؟ قال: لي جار يؤذيني فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم  فقال: انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق، فجعلوا يقولون: اللهم العنه، اللهم أخزه فبلغه ما قالوه، فأتاه فقال: ارجع إلى منزلك فوالله لا أؤذيك.

ج- المسجد:

فالمسجد مكان لإقامة المحاضرات والندوات والدروس العلمية والمواعظ الإيمانية التي تدعو الناس إلى التحابب وسلامة الصدور، وإصلاح ذات البين وكل ذلك من خلال كلام الله تعالى، ومن خلال كلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، وفعله وفعل أصحابه واتباعه من أهل الفضل والكرم رضي الله عنهم جميعاً.

2- دور المؤسسات التربوية في المصالحة:

أ- المنهج:

فالتعليم عمود النهضة وعمادها وذخر أي أمة وسندها، فالأمة الإسلامية أمة العلم والتعلم إذ هي التي بدأ كتابها السماوي "القرآن الكريم" بكلمة "اقرأ" في أول ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، فالمنهج يغرس في المتعلم العلم والخلق والسلوك والإخلاص والأمانة، لا سيما إذا تضمن نماذج من صور القرآن وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم  من خلال القصص والحكايات الصحيحة والواقعية، يختار لهم من القصص الداعمة للحب والوفاء والألفة والتسامح وإصلاح ذات البين ونبذ الحقد والحسد والتباغض والاختلاف والمنازعات والمخاصمات، ولذلك نجد أن القرآن الكريم، والسنة النبوية قد رسخت معاني الحب والتسامح، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يصفح عن مسطح عندما سمع الآية تدعو إلى العفوـ فالمنهج الإسلامي له أبلغ التأثير في الصلح والتصالح.

ب- المعلم:

يعتبر الأساس، بل هو الدعامة الأساسية لبناء المجتمع وتقدمه، فشخصية المعلم لها أثر عظيم في عقول التلاميذ ونفوسهم، وذلك لأنه يؤثر بمظهره وشكله وتعامله وحبه وبغضه وكراهيته وسلوكه الذي يبدو منه، وما أجمل المعلم حين يغرس في قلوب أبنائه روح المحبة والتسامح والعفو والصفح، ولين الجانب، ونكران الذات، ونبذ الخلاف والشقاق والنزاع والحسد والبغض والحقد والانتقام.

ولقد كرَّم الإسلام المعلِّم فأشاد به الرسول صلى الله عليه وسلم  حين أعلن عن نفسه أنه معلم، فقال: "إنما بعثت معلِّماً"- فالمعلم مقامه عظيم حيث إنه وارث النبوة في مجال التعليم، قال تعالى: "لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءايَـتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَـبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـلٍ مُّبِينٍ" (آل عِمرَان: 164).

ج- المدرسة:

من أخطر المؤسسات التربوية التي يقضي فيها الفرد شطراً كبيراً من عمره، وهي المحيط المناسب لتوعية الطلاب بأهمية إصلاح ذات البين ومعرفة طرق وأساليب حل الخصومات عبر الحلول الإرضائية التي تمارس في المدرسة عند حدوث أي خصام بين الطلاب، فتحل مشكلتهم عن طريق الصلح، فالمدرسة هي الركيزة الأساس لتنمية القيم والأخلاق الإسلامية، ونشر ثقافة الحب والتسامح والتواضع والعطف على الآخرين والرحمة في الآخرين والتنازل عمن أساء وتجاوز حد الأدب، فالمدرسة تعمل على تعميق وغرس القيم والمعايير والتصورات والعقائد في الفرد والمجتمع وتحويلها إلى سلوك عملي في الواقع، وتكون بذلك عملية فريدة ومتميزة، ومقصده صياغة وتشكيل العقل والوجدان والنفس وتحديد المواقف الكلية.

3- دور الإعلام:

الإعلام بوسائله المقروءة والمسموعة والبصرية وغيرها له تأثير كبير على النمو المعرفي والانفعالي والاجتماعي للشعوب يزداد تعاظمها وأهميتها في مجتمعنا الحديث خاصة، فما من بيت يخلو من إحدى هذه الوسائل كالمذياع والتلفاز، والصحيفة والشريط، فهذه الوسائل تعمل على التوجيه وحفظ مقومات الأمة وثباتها أمام التيارات المختلفة، وفي تحصين الفرد والجماعة.

إن لهذه الوسائل دوراً كبيراً في تعزيز التسامح ونبذ العنف من خلال استضافة عالم، أو داعية يتحدث عن أهمية إصلاح ذات البين ويبين خطورة الخصومة ومضارها على الفرد والمجتمع.

الثالث عشر: أساليب عملية لإصلاح ذات البين:

1- المكاشفة: الموضوعية:

هؤلاء الصحابة عندما اختلفوا في أمر الخلافة، كان الأنصار يرون أنهم أحق بها من غيرهم، لأن الخلافة تركت دون تبيين من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم ، فليس هناك نص قاطع من الكتاب والسنة ينتهي الناس إليه ويحتكمون به، وهنا لم يبق إلا التحلي بالحكمة والحنكة وآداب الاختلاف والحوار العقلاني الهادئ المؤدي لأنبل المشاعر وأفضلها لدى الطرفين، بالتجاوز واحتواء الأزمة، والخروج منها إلى برّ الأمان، فكانت المكاشفة بين المهاجرين والأنصار، فقد تكلم خطيب الأنصار، ثم أبو بكر الصديق وبما قاله رضي الله عنه : أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، وأشاد بهم وبما قدموا لدينهم ولإخوانهم المهاجرين، وذكر من فضائلهم ومآثرهم ما لم يذكره خطباؤهم، ثم بدأ في إخراج الأمر من الإطار الذي وضعه خطيب الأنصار فيه، فالأمر ليس مقصوراً على المدينة وحدها فالجزيرة اليوم تستظل بظل الإسلام وإن كان المهاجرون القاطنون في المدينة يمكن أن يسلموا لإخوانهم الأنصار بالخلافة ويعرفوا فضلهم، فإن بقية العرب لن تسلم لغير قريش، فبين لهم الأمر بهذا الخطاب الواضح حتى يسلموا الأمر لإخوانهم من قريش.

2- الاسترضاء:

قد يكون للطرف الآخر شكوى منطقية، وحق يطالبك به، فما عليك إلا الاعتراف بهذا الحق وإرجاعه ما أمكن، ثم استرضاؤه، لينتهي النزاع ولا يطول بقول فولتير: النزاع الطويل يعني أن كلًّا من الطرفين على خطأ.

وقد استرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم  أصحابه وعرض نفسه للقصاص قائلاً: "من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه"- فهذا استرضاء منه وطلب للعفو والمسامحة في الدنيا قبل الآخرة.

وهذا محمد الحنفية رضي الله عنه جرى بينه وبين أخيه الحسين بن علي رضي الله عنه كلام: فانصرفا متغاضبين، فلما وصل محمد إلى منزله أخذ رقعة وكتب فيها بعد البسملة: "من محمد بن علي بن أبي طالب إلى أخيه الحسين بن علي، أما بعد: فإن لك شرفاً لا أبلغه، وفضلاً لا أدركه، فإن أمي امرأة من بني حنيفة وأمك فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ، ولو كان ملء الأرض نساء مثل أمي ما وفين بأمك، فإذا قرأت رقعتي هذه فالبس رداءك ونعليك وسر إليّ فترضاني، وإياك أن أكون سابقك إلى هذا الفضل الذي أنت أولى به مني والسلام»، فلبس الحسين رداءه ونعليه وجاء إليه وترضاه.

3- المصارحة والمواجهة الهادئة:

اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم  في الصفح والعفو وامتثالاً لقوله تعالى: "فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّـلِمِينَ" (الشّورى: 40). فقد واجه من قومه كل أنواع الأذى هو وأصحابه من رمي بالحجارة والسخرية والاستهزاء، وما حادثة الطائف إلا خير دليل على رحمته وتسامحه، فقد جاء ملك الجبال، يريد أن يطبق عليهم الأخشبين فقال صلى الله عليه وسلم : "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله عز وجل لا يشرك به شيئاً".

دعا لهم بالمغفرة من قلبه الطاهر فقال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"، بل زيادة على ما ذكر فإنه كان يحاور أعداءه بلين الجانب والهدوء التام في حواراته وخطاباته، فهذا عتبة بن ربيعة والذي كان سيداً من سادات قومه طلب من قومه أن يكلم الرسول صلى الله عليه وسلم  ويعرض عليه أموراً، فأذنوا، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم  حتى جلس، وبدأ بالحديث مع النبي صلى الله عليه وسلم  فقال: قل يا أبا الوليد، والتفت إليه بهدوء تام، حتى انتهى من كلامه، ثم قال له: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، فهذه أخلاقه مع خصومه وأعدائه ومنه نتعلم كيف نواجه الخصم بهدوء تام، وقوة تحكم في المشاعر والأحاسيس وقسمات الوجه وتعبيراته، وعدم الانفعال والغضب، بل علمنا كيف نحاور خصومنا بهدوء، ونستمع إليهم بإنصات حتى إذا انتهوا من كلامهم نبدأ بتوضيح فكرتنا وبيان خطئهم، وصولاً إلى إقناعهم بخطأ فكرتهم أو خطأ سلوكهم، ثم طلبهم بعدم التكرار لمثل هذه الأعمال غير المرغوبة مع إخبار الخصم إذا اقتنع بخطأ ما أقدم عليه.

الرابع عشر: صفات المصلح القائم بإصلاح ذات البين:

1- مواصفات شخصية:

أ- الإخلاص:

على الساعي لإصلاح ذات البين أن يجعل عمله خالصاً لله عزوجل مبتغياً من الله الأجر والثواب، قال الله تعالى: "وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتَغَآء مَرْضَـتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً" (النِّساء: 114).

فلا يقصد بعمله شكراً من أحد ولا تحصيل جاه، أو شهرة، أو سمعة، فإن المصلح إنما يكون مقبولاً عند المتخاصمين إذا شعروا بإخلاصه لله عز وجل في سعيه لإصلاح ذات البين وكذلك إخلاصه في حل القضية وإيصال الخصوم إلى حلّ مرضٍ ولابد أن يستشعر المصلح قول الرسول صلى الله عليه وسلم : "إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً، وابتغى به وجهه".

ب الصبر:

قال تعالى: "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّـبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ" (الزُّمَر: 10).

وقد أعلن الله عز وجل حبه للصابرين، بقوله: "وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّـبِرِينَ" (آل عِمرَان: 146).

وهكذا نجد أن منزلة الصبر منزلة عالية لا ينالها إلا المتقون الصادقون، فالصبر سمة من سمات المؤمنين وصفة من صفاتهم اللازمة لهم.

ج- الحكمة:

والحكمة إصابة الحق بالعلم والعقل، ولا يسمى الرجل حكيماً إلا إذا جمع بين العلم والعمل به، وقيل: الحكمة وضع كل شيء في موضعه وقيل سرعان الجواب مع الإصابة، فالمصلح الحكيم هو الذي ينظر في القضايا المعروضة عليه ببصيرة ثاقبة ويوفق بين الآراء ويقرب بين الأطراف ويتريث ويتأنى، فلا يعجل في إصدار الأحكام والحكمة تقوم على ثلاثة أركان هي: العلم والحلم والأناة، وآفاتها وأضدادها ومعاول هدمها: الجهل، والطيش، والعجلة، فلا حكمة لجاهل، ولا طائش ولا عجول، فالمصلح لابد أن يتمتع بسعة الصدر، والقدرة على احتواء المواقف وحسن الاستماع إلى المتخاصمين، والتمكن من تهدئة المواقف، ليصل المصلح إلى إطفاء جذوة الخلاف وإزالة أسباب الخصومة وإجلال المصافاة والمسالمة كما ينبغي على المصلح أن يكون له معرفة في الدين والفقه في التأويل وسجية تعينه على الفهم.

د- الصدق:

قال تعالى: "يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّـدِقِينَ" (التّوبَة: 119).

القائم على إصلاح ذات البين لابد أن يتصف بهذه الصفة حتى يقبل قوله ويكون أهلاً لثقة الناس بهم، ويحصل الصلح بواسطته وعل المصلحين أن يفهموا أن ما يصدر منهم من حلول لقضايا الناس لا يقبل ولا يستقر في القلوب إلا إذا كان المصلح خالصاً في نيته، صادقاً في لهجته، ولا يراعي إلا الله في عمله، فإن صدق المصلح في الإصلاح، جعل الله على يديه الوفاق والاتفاق وإنهاء الخصام، فالمصلح عندما يبتغي بصلحه رضى الله ثم رضى الخصمين، فهذا أجلّ الصلح وأحقه، وهو يعتمد على العلم والعدل فيكون المصلح عالماً بالوقائع، عارفاً بالواجب قاصداً للعدل، فدرجة هذا أفضل من درجة الصائم القائم.

هـ المبادرة:

لابد لأهل الخير والصلاح أن يبادروا لإنهاء الخصومات والعداوات التي تحصل بين أفراد المجتمع حتى يكون متماسكاً بعيداً عن الخلافات والنزاعاتـ قال تعالى: "وَلاَ تَنَـزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ" (الأنفَال: 46).

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم  من أول المبادرين لإنهاء الخصومات بين أصحابه، فها هو يأمر أصحابه بقوله: "اذهبوا بنا نصلح بينهم".

وذكر ابن القيم عن عبد الله بن حبيب ابن أبي ثابت، قال: كنت جالساً مع محمد بن كعب القرظي، فأتاه رجل، فقال له القوم: أين كنت؟ فقال: أصلحت بين القوم، فقال محمد بن كعب: أصبت لك مثل أجر المجاهدين، ثم قرأ : "لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـحٍ بَيْنَ النَّاسِ" (النِّساء: 114).

و- التواضع:

على القائمين بإصلاح ذات البين أن يتصفوا بصفة التواضع، وخفض الجناح، ولين الجانب مع المتخاصمين ومع كل من له علاقة بالقضية المعروضة عليه، فكما أنه يجب أن يكون قوياً في غير عنف، يجب أن يكون متواضعاً في غير ضعف ليكسب القلوب، فيسعى الجميع لقبول قوله وحكمه، قال تعالى: "وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ" (الحِجر: 88).

ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : إن الله أوحى إلي أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد ولا يبغي أحد على أحد، وقد كان الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم  مثالاً للتواضع، وخفض الجناح، ولين الجانب وسماحة النفس، حتى أن الجارية لتأخذ بيده فتنطلق به حيث شاءت، فعن أنس رضي الله عنه قال: إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم  فتنطلق به.

هكذا كان التواضع متجسداً في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهكذا يجب أن يكون في قادة الأمة والمصلحين، بل وفي كل فرد مسلم.

ز- الجود والكرم:

اشتهر عن العرب بذلهم المال لإصلاح ذات البين فهذا هرم بن سنان والحارث بن عوف سيد بني مرة اللذان حقنا دماء قبيلتي عبس وذبيان بعد حرب طويلة، إذ يتحملا ديات القتلى، ويقال إنها كانت ثلاثة آلاف بعير وقد جاء الإسلام فأقرَّ تلك المحامد والخصال الكريمة والأفعال النبيلة فشرع في مصارف الزكاة حقاً لقضاء المغارم التي دفعت للخصومات والمنازعات وإنهاء القتل والاقتتال.

الخامس عشر: مواصفات علمية وعقلية للقائم بإصلاح ذات البين:

1 - العلم:

العلم من أعظم الصفات التي ينبغي أن يتصف بها المصلح وأن يؤهل نفسه به، والمقصود بالعلم هنا هو علم الشريعة التي أنزلها الله عزوجل لإقامة العدل والكف عن الظلم، والساعي لإصلاح ذات البين ينبغي أن يكون لديه علم بالشريعة، وإلا دخل تحت الوعيد المذكور في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم  من حديث ابن بريدة عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: "القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار".

2- العدل:

العدل صفة ربانية كتبها الله على نفسه وأوجبها على عباده بقوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمَـنَـتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ" (النِّساء: 58).

فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور ليست من الشريعة.

فالمصلح حتى يوفق في إزالة الشقاق وإحلال الوفاق، لابد أن يعدل بين المتخاصمين ويصلح بينهما بالعدل، قال تعالى: "فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الحُجرَات: 9).

والإصلاح هنا بإزالة آثار القتل بعد اندفاعه من ضمان المتلفات وهو حكم فقال: "بِالْعَدْلِ" فكأنه قال: واحكموا بينهما بعد تركهما القتال بالحق وأصلحوا بالعدل مما يكون بينهما.

والغرض من إصلاح ذات البين إيصال العدل والذي رغب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم  وبيَّن فضيلته بقوله: "كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الناس صدقة".

يقول ابن القيم: الصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد فيه رضى الله عزوجل ورضى الخصمين، فهذا أعدل الصلح وأحقه وهو يعتمد على العلم والعدل فيكون المصلح عالماً بالواقع، عارفاً بالواجب قاصداً العدل، فدرجة هذا أفضل من درجة الصائم القائم.

3- رجاحة العقل:

بالعقل يعرف الإنسان حقائق الأمور، ويفصل بين الحسنات والسيئات، ومن خلال العقل تزداد المعرفة وتتضح الفكرة ويبين الحق، فالعقل ينمو إن استعمل وينقص إن أهمل، فالمصلح يعمل في العادة عقله وفكره لاستنباط الحلول المناسبة المرضية للخصمين، والله يدعونا للتدبر والتفكر والتأمل، قال تعالى: "كِتَـبٌ أَنزَلْنَـهُ إِلَيْكَ مُبَـرَكٌ لّيَدَّبَّرُواْ ءايَـتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو الاْلْبَـبِ" [ص: 29]ـ وليتعظ بالقرآن أولو العقول، وأولو الألباب أصحاب العقول الراجحة الذين يدركون الأمور على حقيقتها ويعرفون العواقب جراء إهمال إصلاح ذات البين، فعليهم أن يقوموا بإصلاح ذات البين على أكمل وجه، فهذا واجب العقلاء من الناس ومسؤوليتهم على إنجاح حل القضايا وإنهاء الخصومات بأسرع وقت ممكن وقد اهتمت الشريعة الإسلامية بعقل الإنسان أيما اهتمام وأعطته قدراً وافراً من الرعاية وأحاطته بما يوفر له القيام بوظائفه.

4- القدرة على التركيز:

لابد للمصلح أن يكون قوي الذاكرة يتذكر المواقف المختلفة بين الخصوم ويذكر أسماء المتخاصمين، ونوع قضاياهم، وأن يكون ملماً بكل قضية، يعرف أطراف النزاع ومحل النزاع، ونوع النزاع، حتى تكون الصورة واضحة للقضية التي تطرح عليه فهو يعرف أسبابها وكيف حصلت، ولديه جميع المعلومات حتى يتمكن من الحلول.

5 - التميّز:

كلما كان المصلح صاحب مكانة عالية وقيادة متميزة، وشخصية متكاملة وشجاعة قوية، وحلم وعلم، أو سن يكرم لأجله أو قرابة حميمة من المتخاصمين، فإن ذلك أدعى لقبول المتخاصمين لعرض مشكلتهم عليه ليقوم بحلها ورضاهم لحكمه والنزول عند قوله والالتزام بقضائه، وعن هاني بن يزيد بن نهيك رضي الله عنه قال: إنه لما وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  مع قومه سمعهم وهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال له: "إن الله هو الحكم، وإليه الحكم فلم تكنى أبا الحكم؟ فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أحسن هذا؟ فما لك من الولد، قال: لي شريح وعبد الله، قال: فمن أكبرهم؟ قال: شريح، قال: فأنت أبو شريح"، فقد أعجب الرسول صلى الله عليه وسلم  بفعله هذا واستحسنه.

السادس عشر: يوسف عليه السلام:

بدأت قصة يوسف عليه السلام بالحقد الذي ثار في نفوس إخوته لما رأوا من حب أبيه، فاجتمعوا على النيل منه وتآمروا على المباعدة بينه وبين أبيه واقترحوا قتله أو الإبعاد، قال تعالى: "اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَـلِحِينَ" (يُوسُف: 9).

وهكذا سرى الحسد البغيض إلى نفوس إخوة يوسف، وقعد الشيطان اللعين يثيرهم ويدفعهم للشر حتى أعلنوا عن خطتهم البشعة قائلين: "اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا".

وهذا يدل على أن حسدهم لأخيهم يوسف قد بلغ النهاية، فقرروا أنه لا بد من إبعاد يوسف عن أبيه، إما بالقتل وإزهاق روحه، أو إلقاؤه في أرض بعيدة منكورة، فلا يتمكن من العودة إلى أبيه، لأنه إما أن يهلك وإما أن يجده أحد فيسترقّه، وموقف إخوة يوسف هذا من أخيهم يوسف الصغير عليه السلام يدل على أن العواطف السيئة المتولدة عن الحسد قد بلغت ذروتها، عندما يتشبع الحاسد بكراهية المحسود، إلى درجة وضع وجوده مع وجود الضحية في الميزان، فلا يمكن أن يجتمع الوجودان معاً، وجود الحاسد والمحسود، فقد اختل تقدير الواقع بسبب غليان الحقد الناشب عن الحسد الذي في قلوبهم، وتدخَّل الشيطان ليثيرها ناراً حامية على أخيهم يوسف، حتى تضخمت في حسهم أشياء صغيرة، وهانت عليهم أحداث ضخام، هانت الفعلة الشنعاء المتمثلة في إزهاق روح غلام بريء لا يملك دفعاً عن نفسه، وهو لهم أخ، وهم أبناء نبي، وتضخم في أعينهم حكاية إيثار أبيهم له بالحب، حتى توازى القتل أكبر الجرائم بعد الشرك بالله تعالى.

ولقد حسد إخوة يوسف أخاهم يوسف عليه السلام لأن الغرض الذي يطلبه ويتمناه كل واحد منهم في أن يرث زعامة الأسرة ورئاستها من بعد أبيه أو أن يكون له نصيب من ميراث النبوة من بعد يعقوب عليه السلام هذا الغرض قد بدأ عندما شعروا أنهم على وشك أن يفقدوه بسبب هذا الحب الكبير من يعقوب ليوسف عليهما السلام ولذلك حسدوا أخاهم يوسف على شدَّة حب أبيه له خوفاً من أن يورّثه أبوه يعقوب زعامة الأسرة ورئاستها أو أن يؤثره بميزان النبوة عنهم.

1- من فيض نور الآية الكريمة:

أ- الجريمة دائماً لا تفيد، وإنما تؤدي إلى ردود عكسية، فبعد تنفيذ الإخوة لمؤامراتهم ضد أخيهم يوسف وضد أبيهم يعقوب لم يجدوا منه إلا التولي والإعراض عنهم.

ب- الحسد البغيض يثير الحقد في النفس ويحجب نور الحق حتى يرتكب صاحبه ما حرم الله.

ج- صلاح الحال والمآل وسعادة الدارين لا يكون إلا بالعمل الصالح وليس بارتكاب الجرائم.

د- طلب محبة الغير تكون بفعل ما يحب لا بفعل ما يضره ويحزنه ويبكيه.

هـ- الحب الخالص لله في القلب لا يحجبه بعد مكان ولا طول زمان.

و- التوبة في الإسلام العظيم باب واسع من رحمة الله تعالى جعلها رب العزة لمن يستحق قبولها.

2 - إخوة يوسف كانوا خاطئين:

قال تعالى: "قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَـطِئِينَ" (يُوسُف: 91).

لما ذكر يوسف عليه السلام لإخوته أن الله تعالى منَّ عليه، وأن من يتقي ويصبر فإن الله لا يضيعه. صدقوه فيه واعترفوا له بالفضل والمزية فقالوا: "تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا" (يُوسُف: 91) فقد أقسموا بين يديه معلنين ذلك ومعترفين بالخطأ الذي ارتكبوه فـي حقه وفـي حـق أخيه وفـي حـق أبيه N وبهذا رجعوا إلى الحق وانقادوا له وندموا على ما فعلوا وتابوا وتمنوا لو يصفح عنهم أخوهم يوسف ويعفو عنهم.

2- العوامل التي ساهمت في توبة إخوة يوسف:

العامل الأول: فأما العامل الأول من عوامل التغيير والتطوير فهو فشلهم في تحقيق مآربهم والوصول إلى غايتهم، وهم قوم إنما يسعوا إلى ارتكاب جريمتهم من أجل الحصول على قلب أبيهم، ومن أجل أن يخلو لهم وجهه، وإذ بهم بعد ارتكاب جريمتهم لا يزدادون منه إلا بعداً ولا يزيد لهم إلا مقتاً ومنهم إلا نفوراً، وكيف يحظون بقلبه الذي فجعوه بأعز عزيز وأحب حبيب؟ وهل أكافئ من يطعن قلبي في الصميم بأن أمنحه هذا القلب؟ إنه لأمر عجيبـ المهم أن يعقوب لم يزد من جهتهم إلا وحشة وهانوا عليه أضعاف ما كانوا ومن هنا جاء عتابه لهم رقيقاً مريراً قصيراً مفعماً مشحوناً يظهر الألم من كل كلمة فيه.

قال تعالى: "سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ" (يُوسُف: 18).

ونستغرب لِمَ لَمْ يطلب يعقوب منهم أن يحضروا ولده له، وهو يعلم أنه لم يقتل وهذا بعد ذاته دليل على يأسه من أبنائه وفقده الأمل فيهم ونقص اليد من جهتهم، ولو علم فيهم خيراً لطلب منهم إحضاره من المكان الذي فيه تركوه.

وأما العامل الثاني: وأما العامل الثاني فيكمن في عنصر الزمن، ولا ريب أن كر السنين على من عنده خميرة من الإيمان ينضج في نفسه الإحساس بالألم على خطيئته، ولا يتصور من إخوة يوسف أبناء النبي وأحفاد النبي ومن يمتون لإبراهيم بأوثق الصلات، ومن تربوا في حجر من يتلقى تعليمات السماء لا نتصور إلا أنهم كانوا على شيء من الإيمان يمكن أن يستيقظ فيهم إذا مرت عليهم السنون، وأبوهم لم يتغير قيد شعرة، فلم يسلُ يوسف ولم يخل قلبه منه ولم يتوجه وجهه إليهم، وعامل الزمن كذلك يذهب نزف الشباب وحدّته وطيشه ورعونته وخفته وتفكيراته الهوجاء اللجوجة وحلوله الصبيانية، ويعلي من النظرة إلى الأشياء ويصوب من الموازين، ويعدل في كثير من الأوضاع المقلوبة، فمن لم يكن منهم تزوج فقد تزوج وأنجب البنين وأحب صغيرهم أكثر من كبيرهم تماماً كما كانوا يجدون من أبيهم، كل هذا لعب دوره في تصفية كدورات نفوسهم وقلوبهم وأذهب عنهم الحميّة الفارغة.

وأما العامل الثالث: يكمن فيما أصابهم من قحط وجدب فأهلك زرعهم وأذاب شحمهم وأجاع ولدهم وأبكى صبيانهم وأطلق أحزانهم وهمومهم، ومن منطلق إيمانهم يعلمون أن ما أصابهم من مصائب إنما هو بما كسبت أيديهم وبما صنعوا لأخيهم، فلا ريب يعود لهم الرشد المفقود والوعي الغائب.

تأمل ما لاقوه من معاناة وقد فقد أبوهم بصره وهم يشعرون أنهم السبب في ذلك واستمع إليهم يعودون من عند أبيهم إلى العزيز وهم يقولون: "فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِى الْمُتَصَدّقِينَ" [يوسف: 88]..

إن الرجل الحر العزيز يقتله أن يقف في موقف استجداء الصدقة وهم يطلبونها صراحة لا تعرضاً ولا تلميحاً، وعندما علم الله تعالى أن كبرياءهم قد تطامن وأن غرورهم قد اكتسح، وعندما علم أنهم لم يجدوا في قلوبهم ملجأ إلا الله تعالى أمر عبده يوسف بأن يزيل ما بينه وبينهم من حجب ويكشف لهم السير قال تعالى: "قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَـهِلُونَ * قَالُواْ أَءنَّكَ لاَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِى قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ" [يوسف: 89-90].

كل هذه المسيرة الطويلة من السنين والسلسلة المتصلة من الأحداث، والمعاناة الآخذ بعضها برقاب بعض والفشل المتلاحق، كل هذا عمل عمله في تطوير شخصية إخوة يوسف إلى أن غدوا كواكب كما وصفهم القرآن وإلى أن استحقوا أن يستغفر لهم يعقوب ربه ولو على وعد مع التسويف: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى" (يُوسُف: 98).

وهكذا تألقت نفوس الإخوة وصفت نحو أبيهم وأنفسهم وأخيهم يوسف، وانتقلوا من منتهى التكبر عليه إلى منتهى التواضع له.

قال تعالى: "وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا وَقَالَ يأَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَـى مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبّى حَقّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السّجْنِ وَجَآء بِكُمْ مّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَـنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَآء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ" (يُوسُف: 100).

ومن الفوائد من توبة إخوة يوسف N :

 الاعتراف بالحق والإقرار به فضيلة عظيمة من فضائل الإيمان.

 موقف الندم والحسرة والتأسف من إخوة يوسف على ما فعلوه.

 ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، فهل من معتبر؟

 الاعتراف بالذنب والخطأ سبيل الحظوة بالصفح والعفو.

 رجاء الإخوة العظيم في أن يعفو أخوهم يوسف عما فعلوا.

4 - مصدر قوة يوسف عليه السلام:

نشأ يوسف عليه السلام على عبادة ربه وأنزعت جوانب قلبه بحبه، ونطقت جوارحه ولهج لسانه بذكره وشكره، عشقت نفسه الزكية صفاة الكمال، ودلت ملامحه وأقواله وأعماله على أنه سيكون له شأن عظيم، فحبب إليه الصبر والحلم والعفة والأمانة، والعلم والحكم والعدل، والعفو والإحسان؛ وحسده إخوته فألقوه في غيابة الجب وأخرجته السيارة فباعوه بيع العبيد، وكادت له امرأة العزيز فزُجَّ في ضيق السجن، وصبر على أذى الإخوة، وكيد امرأة العزيز ومكر النسوة، على ما في الفاحشة من المفاسد، وما في العدول عنها من المصالح، فآثر الأعلى عن الأدنى، واختار عقوبة الدنيا بالسجن على ارتكاب الحرام، فكانت العاقبة أن نجاه الله تعالى منهم، ورفعه فوق إخوته وأذل له العزيز وامرأته، وأقرت المرأة والنسوة ببراءته، ومكن له تعالى في الأرض وجعل له العاقبة والنصر والملك والحكم، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

قال تعالى: "وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِى الاْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ" (القَصَص: 5).

وقال تعالى: "وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الاْرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلاَجْرُ الاْخِرَةِ خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ" [يوسف: 56-57].

5 - عفو وصفح ودعاء بالمغفرة:

قال تعالى: "لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرحِمِينَ" (يُوسُف: 92).

ولما اعترفوا بتفضيل الله عليهم وأقروا بخطئهم وقدم لهم المعذرة، أجابهم N بالصفح، وقال: "لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ" (يُوسُف: 92) أنه عليه السلام مع قدرته وتمكنه مع ما سلف من إساءتهم، لم يقل لهم إلا قول الكرام، اقتداءً بإخوانه من الأنبياء والرسل "لاَ تَثْرَيبَ" أي: لا لوم ولا تعنيف ولا هلاك، "عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ" (يُوسُف: 92) وإن كان هذا الوقت مظنة للوم والتأنيب، فإذا انتفى ذلك فما الظن بما بعده.

إن إحساس الإخوة العميق بعظم الذنب، جعلهم يقفون عند حد الاعتراف، ولا يتعدونه إلى طلب العفو، وربما كانوا مهيئين هذا الطلب لعرضه في اللحظة المناسبة أثناء الحديث الذي اعتقدوا أنه سيطول مع أخيهم، ولكن يوسف عليه السلام وفَّر عليهم مشقة هذا الطلب، ولم يحوجهم للخوض في المسألة التي لا تخص سواه لأكثر من الاعتراف الذي أدلوا به بمحض إرادتهم، إنه عليه السلام يتنازل عن كل حق له ويأبى خلقه الكريم في ذلك اليوم الذي قدر فيه فعفا، حتى عن مجرد توجيه اللوم إلى الذين ألقوه في غيابة الجب، إن اليوم في نظره عليه السلام أولى أن تبدأ به صفحة جديدة، من الصفا والمودة، وبمجرد توجيه اللوم، وعودة إلى الماضي البعيد، وهذا يتعارض مع الصفحة البيضاء النقية التي يريد أن يبدأ بها هذا اليومـ لقد مرت تلك الأيام المتعبة بخيرها وشرها، فيجب أن نسدل الستار على حلوها ومرها، ولم يبق إلا أن نطرد أشباحها المروعة عن مسرح الخيال ونتحاشى المطالعة في ذلك التاريخ المظلم، لكأنه عليه السلام يقول لهم ما قاله الشاعر:

يا من عدى ثم اعتدى ثم اغترف

ثم انتهى ثم ارعوى ثم اعترف

أبشر بقول الله في آياته

إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف

فحيث حملوا شهادة التوبة بأيديهم وأقروا بخطئهم وذنبهم، وشفيع المذنب إقراره، فلا تثريب عليهم اليوم، الإنسان يصيب ويخطئ، ويسرع ويبطئ، فتقبل يوسف عليه السلام الاعتذار، وآثر العفو عن إخوته، والعدول عن الانتقام إلى العفو والغفران عن فضيلة عالية، وهو خلق الأنبياء عليهم السلام جميعاً وخلق المؤمنين.

إن يوسف عليه السلام ، قد طوى سريعاً هذه الصفحة السوداء مما كان بينه وبين إخوته، ويغطي على آثارها بالصفح الجميل.

إنه لا بد أن نعرف أن العفو مقصور على الذين يستحقونه، فانه بالنسبة لمن عفا أبلغ وأنفع من أية وسيلة أخرى، وإن هناك نفوساً أخرى لا يُجدي معها إلا استئصال الشأفة.

ونكتفي في هذه المناسبة بذكر حادثة واحدة في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم  بعد ما جرى للمسلمين في غزوة (أحد) ما جرى، وبلغه صلى الله عليه وسلم  أن أبا سفيان يريد أن يغير على المدينة مرة أخرى لاستئصال البقية الباقية من المسلمين، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلى القوم، حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم  في جهة ذلك أبا عزة الجمحي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم  قد أسره ببدر، ثم منَّ عليه فقال: يا رسول الله أقلني، فقال صلى الله عليه وسلم : "والله لا تمسح عارضيك بمكة بعدها، وتقول خدعت محمد مرتين، اضرب عنقه يا زبير"، فضرب عنقه، قال ابن هشام: وبلغني عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت"، فضرب عنقه.

وهذا ما أخذ به القانون الدولي في الحروب، فالأسير الذي أسر في الحرب وفك أسره، إذا عاد إلى القتال مرة أخرى وأسر يقتل.

ولما أعفاهم عليه السلام من التثريب كانوا في مظنة السؤال عن كمال العفو المزيل للعقاب من الله تعالى، فأتبعه الجواب عن ذلك بالدعاء لهم، فقال: "يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرحِمِينَ" (يُوسُف: 92)، أي: إذا رحمتكم أنا وعفوت عنكم، فهو يغفر لكم بالأولى، فإنه أرحم مني، لأنه أرحم الراحمين كلهم، وهو يغفر الصغائر والكبائر، ويتفضل على التائب.

لقد سمح لهم عليه السلام سماحاً تاماً من غير تعبير لهم على ذكر الذنب السابق، ودعا لهم بالمغفرة، وهذا نهاية الإحسان الذي لا يتأتى إلا من خواص.

وما أنسب ما وقع من يوسف بالمراتب الثلاثة المذكورة في قوله تعالى: "وَالْكَـظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" (آل عِمرَان: 134).

فيوسف عليه السلام كظم غيظه بقوله: "لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ" (يُوسُف: 92).

ثم عفا عنهم بقوله: "يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ" (يُوسُف: 92)، ثم أحسن إليهم بقوله بعد ذلك مباشرة: "وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ" [يوسف: 93].

6- من فيض نور الآية الكريمة:

كان يوسف عليه السلام مثلاً رائعاً في العفو الصفح، فقد عفا عنهم وصفح الصفح الجميل ثم دعا لهم بالمغفرة والرحمة من الله الرحمن الرحيم.

 العفو مع القدرة يورث العزة والرفعة.

 إن يوم تصفية النفوس والبغضاء والشحناء، والعودة بها إلى نور الصفاء والإخاء والمحبة هو يوم عيد عظيم.

 على كل مسلم أن يتأسى بأخلاق الأنبياء في العفو والصفح والمغفرة، فهذا هو خلق القرآن الكريم وخلق سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم .

 تمثل الرسول صلى الله عليه وسلم  لما فتح بأخيه يوسف عليه السلام فعفا عن أهل مكة العفو العظيم وهم الذين آذوه وقاتلوه وأخرجوه من مكة، وكان ذلك العفو سبباً في دخول الناس في دين الله أفواجاً ـ السابع عشر: فتح مكة والعفو الشامل:

كان القرشيون قد حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم  بضراوة لا مثيل لها، استمرت عقدين من العداء المستحكم توجه قريش إلى الإسلام كرسالة وإلى النبي صلى الله عليه وسلم  كإنسان مرسل، وإلى المسلمين كجماعة مؤمنة وتنوعت مظاهر العداء ومست كل ما يتعلق بالإسلام فكان العداء منصباً على مبادئ الإسلام والرسول الكريم، وأصحابه من المسلمين ونعرض هنا أمثلة ترسم صورة لهذا العداء؟

أولاً: العداء المبادئ الإسلام

كان عداء قريش الدعوة الجديدة التي أرسل بها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم  واضحاً ومستعراً من وجوه ذلك:

1- اعتراضهم على مبدأ الوحدانية:

لم يكن كفار مكة ينكرون بأن الله خلقهم وخلق كل شيء، قال تعالى: "وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَـوتِ وَالاْرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ" (لقمَان: 25).

لكنهم كانوا يعبدون الأصنام ويزعمون أنها تقربهم إلى الله، قال تعالى: "أَلاَ لِلَّهِ الدّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـذِبٌ" (الزُّمَر: 3).

2- كفرهم بالآخرة:

أما دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم  إلى الإيمان باليوم الآخر، فقد قابلها المشركون بالسخرية والتكذيب، قال تعالى: "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبّئُكُمْ إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ فِى الْعَذَابِ وَالضَّلَـلِ الْبَعِيدِ" [سبأ: 7-8].

3 - اعتراضهم على الرسول صلى الله عليه وسلم :

اعترضوا على شخص الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد كانوا يتصوّرون: أن لا يكون بشراً مثلهم، وأنه ينبغي أن يكون ملكاً أو مصحوباً بالملائكة وقال تعالى: "وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً" [الإسراء: 94]..

وقال تعالى: "وَقَالُواْ لَوْلآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ الاْمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَـهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ" [الأنعام: 8-9].

4- موقعهم من القرآن الكريم: كذلك لم يصدقوا أن القرآن الكريم منزَّل من عند الله، واعتبروه ضرباً من الشِّعر الذي كان ينظمه الشعراء، مع أن كل من قارن بين القرآن وأشعار العرب يعلم أنه مختلف عنها، قال تعالى: "وَمَا عَلَّمْنَـهُ الشّعْرَ وَمَا يَنبَغِى لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْءانٌ مُّبِينٌ * لّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَـفِرِينَ" [يس: 69-70].

ثانياً: إيذاؤهم الجسدي للرسول الكريم:

لم يفتر المشركون من أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم  منذ أن صدع بدعوته إلى أن خرج من بين أظهرهم، وأظهره الله عليهم، ويدل على ذلك مبلغ الأذى تلك الآيات الكثيرة التي كانت تتنزل عليه في هذه الفترة تأمر بالصبر وتدله على وسائله وتنهاه عن الحزن، وتضرب له أمثلة من واقع إخوانه المرسلين، مثل قوله تعالى: "وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً" (المُزمّل: 10).

وقال تعالى: "فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً" (الإنسَان: 24).

ومن الأمثلة التي تدل على ما تعرَّض له النبي صلى الله عليه وسلم  من الإيذاء، عن ابن مسعود رضي الله عنه : "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم  قائم يصلي عند الكعبة فجمع قريش في مجالسهم، إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي؟ أيكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرثها، ودمها، وسلاها فيجيء به، ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم، فلمّا سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم  وضعه بين كتفيه، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم  ساجداً، فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمةX  وهي جويرية فأقبلت تسعى، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم  ساجداً حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم، فلمَّا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم  الصلاة قال: "اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش"، ثم سمَّى "اللهم عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد» قال ابن مسعود: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى القَلِيب قليب بدر ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "وأتبع أصحاب القليب لعنة"، وقد بينت الروايات الصحيحة الأخرى: أن الذي رمى الروث عليه هو عقبة بن أبي معيط وأن الذي حرَّضه هو أبو جهل، وأن المشركين تأثَّروا بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم  وشق عليهم الأمر، لأنهم يرون أن الدعوة بمكة مستجابة.

 اجتماع الملأ من قريش وضربهم الرسول صلى الله عليه وسلم : اجتمع إشراف قريش يوماً في الحجر فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقالوا ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، سفَّه أحلامنا، وسب آلهتنا، لقد صرنا منه على أمر عظيم، فبينما هم في ذلك، إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  فوثبوا وثبة رجل واحد، وأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم فيقول: "نعم، أنا الذي أقول ذلك"، ثمَّ أخذ رجل منهم بمجمع ردائه، فقام أبو بكر رضي الله عنه دونه، وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله.

هذا بعض ما لاقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم  من أذيَّة المشركين، وقد ختم المشركون أذاهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم  بمحاولة قتله في أواخر المرحلة المكية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يذكر ما لاقاه من أذى قريش قبل أن ينال الأذى من أحد من أتباعه، يقول: "لقد أُخِفت في الله عز وجل وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد، ولقد أتت عليَّ ثلاثون من بين يوم وليلة، وما لي ولا لبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه"، ومع ما له صلى الله عليه وسلم  من عظيم القدر، ومنتهى الشرف إلا أنه قد حظي من البلاء بالحمل الثقيل، والعناء الطويل منذ أول يوم صدع فيه بالدعوة، ولقي النبي صلى الله عليه وسلم  من سفهاء قريش أذى كثيراً، فكان إذا مرَّ على مجالسهم بمكة استهزؤوا به، وقالوا ساخرين: هذا ابن أبي كبشة، يكلم من السماء، وكان أحدهم يمرُّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم  فيقول له ساخراً: أما كُلِّمت اليوم من السَّماء؟

ولم يقتصر الأمر على مجرَّد السخرية، والاستهزاء، والإيذاء النفسي، بل تعدَّاه إلى الإيذاء البدني، بل قد وصل الأمر إلى أن يبصق عدوَّ الله أمية ابن خلف في وجه النبي صلى الله عليه وسلم ا.

وحتى بعد هجرته N إلى المدينة، لم تتوقف حدَّة الابتلاء، والأذى، بل أخذت خطاً جديداً، بظهور أعداء جدد، فبعد أن كانت العداوة تكاد تكون مقصورة على قريش بمكة صار له صلى الله عليه وسلم  أعداء من المنافقين المجاورين بالمدينة، ومن اليهود، والفرس والروم، وأحلافهم، وبعد أن كان الأذى بمكة شتماً وسخرية، وحصاراً، وضرباً، صار مواجهة عسكرية مسلحة، حامية الوطيس، فيها فر وكر وضرب، وطعن، فكان ذلك بلاء في الأموال والأنفس على السَّواء.

وهكذا كانت فترة رسالته صلى الله عليه وسلم  وحياته، سلسلة متصلة من المحن والابتلاء، فما وهن لما أصابه في سبيل الله، بل صبر واحتسب حتى لقي ربه، لقد واجه الرسول صلى الله عليه وسلم  من الفتن والأذى والمحن ما لا يخطر على بال، في مواقف متعددة، وكان ذلك على قدر الرسالة التي حُمِّلها، ولذلك استحق المقام المحمود والمنزلة الرفيعة عند ربه، وقد صبر على ما أصابه، إشفاقاً على قومه أن يصيبهم مثل ما أصاب الأمم الماضية من العذاب، وليكون قدوة للدعاة والمصلحين، فإذا كان الاعتداء الأثيم قد نال رسول الله صلى الله عليه وسلم  فلم يعد هناك أحد أكبر من الابتلاء والمحنة، وتلك سنة الله في الدّعوات، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : قلت: يا رسول الله، أي الناس أشدُّ بلاء؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبْتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة".

ثالثاً: اذهبوا، فأنتم الطلقاء:

ما ذكرناه بعض صور البلاء التي كانت تصر عليها قريش تجاه النبي صلى الله عليه وسلم ، واستمر العداء للرسالة، والرسول والمؤمنين وكتب السيرة تصور لنا ذلك، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم  عندما دخل مكة المكرمة موطن قريش التي استمر جحودها وإنكارها للحق بعد إبرام المسلمين عهداً معها هو صلح الحديبية بنقض صلح الحديبية، فقريش استمرت في العدوان، ونكثت العهد وخالفت شروط الصلح وأعانت حلفاءها بني بكر على خزاعة حليفة المسلمين بالخيل والسلاح والرجال وهاجم بنو بكر، حلفاؤهم قبيلة خزاعة عند ماء يقال له الوتير، وقتلوا أكثر من عشرين من رجالها، ولما لجأت خزاعة إلى الحرم الآمن، ولم تكن مجهزة للقتال، لتمنع بني بكر منه، قالت لقائدهم: يا نوفل، إنا قد دخلنا حرم إلهك، فقال نوفل: لا إله اليوم، يا بني بكر أصيبوا ثأركم عندئذ خرج عمرو بن سالم الخزاعي، في أربعين من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم  في المدينة وأخبروه بما كان من بني بكر، وبمن أصيب منهم وبمناصرة قريش بني بكر عليهم، ووقف عمرو بن سالم على رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم  بعد أن سمع وتأكد من الخبر أرسل إلى قريش فقال لهم: "أما بعد، فإنكم إن تبرؤوا من حلف بني بكر، أتُدوا خزاعة، وإلا أوذنكم بحرب"، فقال قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف صهر معاوية: إن بني بكر قوم مشائيم، فلا ندري ما قتلوا لنا سيد ولا لبد، ولا نبرأ من حلفهم، فلم يبق على ديننا أحد غيرهم ولكن نؤذنه بحرب.

وبهذا الكتاب أكد النبي صلى الله عليه وسلم  عدم الغدر بقريش، بل أبلغهم بموقفه بوضوح تام؛ كان أبو سفيان ممن خالفوا رأي قريش في خيار حرب المسلمين، ولذا حاول بقدومه المدينة أن يعيد للصلح مكانه ويطيل أمده، إلا أنه لم يجد استجابة للمسلمين.

1- ميزان القوى يرجح كفة المسلمين:

أ- اقتصادياً: إن قريش لم تكن مستعدة للحرب لا على المستوى الاقتصادي حيث لم يعادل اقتصادها اقتصاد دولة المسلمين التي اتسعت رقعتها بإسلام أغلب القبائل العربية الأمر الذي زاد من موارد الدولة.

ب- سياسياً: لم تكن قريش سياسياً في حالة تسمح لها بمواجهة الوحدة السياسية للمسلمين بعد أن تخلصوا من يهود المدينة بعد محاولتهم الغدر واغتيال النبي الكريم، في المقابل كانت قريش منقسمة في مواقفها تجاه المسلمين، فأبوا سفيان والعديد معه لم يكونوا مع خيار الحرب.

ج- عسكرياً: كما أن الميزان العسكري لم يكن كذلك متساوياً، فالمسلمين أعدوا بسهولة جيشاً من عشرة الآف مقاتل ولم يكن لقريش ثلث هذا العدد وهكذا كانت كل الظروف لصالح المسلمين وكان من الممكن أن يقضوا على قريش دون أي مقاومة تذكر.

ومع هذا تجاوز سلوك النبي الكريم والمسلمين كل ما يمكن أن يتوقعه الإنسان، فالعفو أمام هذا التراكم من الإيذاء والنكران لابد أن يصدر عن صاحب رسالة تعلو بالإنسان فوق نفسه وحظوظها لأجل غاية تستحق هذا الترفع الممدوح.

2 - بوادر العفو والغفران:

خرج أبو سفيان بن الحارث، وعبد الله بن أمية بن المغيرة من مكة، فلقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم  بثنية العقاب فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة، فقالت: يا رسول الله، ابن عمك وابن عمتك وصهرك، فقال: "لا حاجة لي فيهما، أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال"، فلما خرج الخبر إليهما بذلك، ومع أبي سفيان بن الحارث ابن له، فقال: والله ليأذنن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أو لآخذن بيد ابني هذا ثم لتذهبن في الأرض حتى نموت عطشاً، أو جوعاً فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم  رق لهما، فدخل عليه، فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مضى فيه وجاء في الأبيات:

هداني هاد غير نفسي ودلني

على الله من طرّدت كل مطرّد

فلما أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم : على الله من طردت كل مطرّد، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم  في صدره، فقال: "أنت طرّدتني كل مطرّد".

كان أبو سفيان بن الحارث يهجو بشعره رسول الله صلى الله عليه وسلم  كثيراً، وأما عبد الله بن أمية، فقد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : فوالله لا أؤمن بك حتى تتخذ إلى السماء سلماً، ثم ترتقي فيه، وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتي بصك معه أربعة من الملائكة يشهدون لك، كما تقول، ثم وأيم الله، لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك.

ومع فداحة جرمهما فإن النبي صلى الله عليه وسلم  عفا عنهما، وقبل عذرهما، وهذا مثال عالٍ في الرحمة والعفو، والتسامح، ولقد كفّر أبو سفيان بن الحارث عن أشعاره السابقة بالقصيدة البليغة التي قالها في مدح النبي صلى الله عليه وسلم  وبيان اهتدائه به، ولقد حسن إسلامه، وكان له موقف مشرف في الجهاد مع رسول الله في معركة حنين.

إن النبي صلى الله عليه وسلم  لم يقف عند فداحة جرمهم بل عفا عنهما وقبل عذرهما، ولم يتعلل بعظم الإساءة سواء لشخصه صلى الله عليه وسلم  أو للإسلام والمسلمين بل تجاوز ذلك بأن صفح عنهما صفحاً جميلاً، وكان له أثراً إيجابياً بعد أن انتشر خبر العفو بين أهل مكة.

3- العفو يتواصل مع سيد قريش:

جاء أبو سفيان الذي خرج يلتقط الأخبار، إلى النبي صلى الله عليه وسلم  صحبة عمه العباس رضي الله عنه فلم ينشغل النبي صلى الله عليه وسلم  في محاسبة أبي سفيان ولم يصرف في مقاضاته وهو كالأسير داخل معسكر المسلمين، بل توجه ليحدثه عن هدف سام عاش النبي صلى الله عليه وسلم  لأجله هو الدعوة إلى الله فوجه كلامه لأبي سفيان: "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله، قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلكـ والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني بعد قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه والله في النفس منها حتى الآن شيئاً، فقال له العباس: ويحك أسلم قبل أن تضرب عنقك، قال: فشهد شهادة الحق فأسلم قال العباس: قلت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً، قال: نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن".

لقد كان لتلك الطريقة المحمدية أثرها في أبي سفيان الذي تغير إلى الولاء الكامل للدعوة الجديدة وكانت له موقف كبيرة في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  في معركة حنين، كما كان هذا الأسلوب النبوي الكريم عاملاً في امتصاص الحقد من قلب أبي سفيان زعيم قريش وبرهن له بأن المكانة التي كانت عند قومه لن تنتقص شيئاً في الإسلام، إن هو أخلص له وبذل في سبيله.

ونحن إذ نعيش ظروفاً في وطننا فإننا ندعو أبناء هذا الوطن إلى التفاوض، طبعاً بعد التعويض الكامل لكل من مسه الأذى ولقيه العنت ووقع عليه الظلم، وإقامة العدل والقسط على القتلة ومن تورط في الاغتصاب، لنمضي تجاه المستقبل فليس فينا من هو خير من رسول الله صلى الله عليه وسلم  الذي قابل عظيم الجرم والإساءة بعظيم الرحمة والعفو والتسامح، لقد فعل هذا مع قوم إلى جانب الإيذاء والإساءة الكبيرة، فإنهم لم يكونوا مسلمين وأما نحن وقومنا فالإسلام يجمعنا في منطقة وسط نلتقي فيها للتصالح.

4- تأمين الأجواء للعفو العام:

لقد أعلن في مكة قبيل دخول جيش المسلمين أسلوب منع التجوال، لكي يتمكنوا من دخول مكة بأقل قدر من الاشتباكات والاستفزازات، وإراقة الدماء وأعطى الناس أماناً بالتزام أحد ثلاث:

 من دخل المسجد فهو آمن.

 ومن أغلق بابه فهو آمن.

 ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.

وجعل صلى الله عليه وسلم  لدار أبي سفيان مكانة خاصة كي يكون أبو سفيان ساعده في إقناع المكيين بالسلم والهدوء، ويستخدمه كمفتاح أمان يفتتح أمامه الطريق إلى مكة دون إراقة دماء، ويشيع في نفسه عاطفة الفخر التي يحبها أبو سفيان حتى يتمكن الإيمان في قلبه.

لقد دخل أبو سفيان إلى مكة مسرعاً، ونادى بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه، فقالت: اقتلوا الحَمِيْث الدّسِم الاحْمسَ تشبّهه بالزق لسمنه قُبّح من طليعة قوم، قال: ويلكم، لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: قاتلك الله وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، وتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.

ولقد دخلت قوات المسلمين مكة دون مقاومة تذكر إلا ما كان من جهة خالد بن الوليد الذي قابل عكرمة بن أبي جهل في نفر ممن خافوا الانتقام، فهزمهم خالد فهربوا خارج مكة، ثم عاد عكرمة ليأخذ أماناً وعفواً من رسول الله صلى الله عليه وسلم  ويسلم ويشارك في الجهاد في فتوحات الشام ويقتل في اليرموك شهيداً.

5- دخول خاشع متواضع:

دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم  يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام وهو واضع رأسه تواضعاً لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن ذقنه ليكاد يمس واسطة الرجل ودخل وهو يقرأ سورة الفتح مستشعراً نعمة الفتح وغفران الذنوب وإفاضة النصر العزيز.

وعندما دخل مكة فاتحاً وهي قلب جزيرة العرب ومركزها الروحي والسياسي، رفع كل شعار من شعائر العدل والمساواة والتواضع والخضوع، فأردف أسامة بن زيد وهو ابن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يردف أحداً من أبناء بني هاشم، وأبناء أشراف قريش، وهم كثير وكان ذلك يوم الجمعة لعشرين ليلة خلت من رمضان سنة ثمان من الهجرة.

يقول محمد الغزالي في وصف دخول النبي صلى الله عليه وسلم  لمكة:

على حين كان الجيش الزاحف يتقدم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم  على ناقته تتوج هامته عمامة سوداء، ورأسه خفيض من شدة التخشع لله، لقد انحنى على رحله، وبدأ عليه التواضع الجم، إن الموكب الضخم المهيب الذي ينساب به حثيثاً إلى جوف الحرم، والفيلق الدّارع الذي يحفُّ به ينتظر إشارة منه فلا يبقى بمكة شيء آمن، إن هذا الفتح المبين ليذكره بماضٍ طويل منصوراً مؤيداً وأي كرامة عظمى حقه الله بها هذا الصباح الميمون، وكلما استشعر هذه النعماء ازداد لله على راحلته خشوعاً وانحناء.

6- هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة:

حرص النبي صلى الله عليه وسلم  على تأمين الجبهة الداخلية في مكة عند دخوله يوم الفتح، ولذلك عندما بلغه مقولة سعد بن عبادة لأبي سفيان: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، قال صلى الله عليه وسلم : هذا يوم يُعظم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة.

وأخذ الراية من سعد بن عبادة، وسلمها لابنه قيس بن سعد، وبهذا التصرف الحكيم حال دون أي احتمال لمعركة جانبية هم في غنى عنها، وفي نفس الوقت لم يُثره ولا آثار الأنصار، فهو لم يأخذ الراية من أنصاري ويسلمها لمهاجر، بل أخذها من أنصاري وسلمها لابنه، ومن طبيعة البشر ألا يرضى الإنسان بأن يكون أحد أفضل منه إلا ابنه.

ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم  بمكة، واطمأن خرج حتى جاء البيت، فطاف به، وفي يده قوس، وحول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها بالقوس ويقول : "وَقُلْ جَآء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَـطِلُ إِنَّ الْبَـطِلَ كَانَ زَهُوقًا" [الإسراء: 81] وقال تعالى: "قُلْ جَآء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِىء الْبَـطِلُ وَمَا يُعِيدُ" [سبأ: 49]..

والأصنام تتساقط على وجوهها، وإنه لمنظر رائع لنصر ا، وعظيم تأييده لرسوله صلى الله عليه وسلم، إذ كان يطعن تلك الآلهة الزائفة المنثورة حول الكعبة بعصا معه، فما يكاد يطعن الواحد منها بعصاه حتى ينكفئ على وجهه، أو ينقلب على ظهره جذاذ، ورأى في الكعبة الصور، والتماثيل، فأمر بالصور وبالتماثيل فكسرت، وأبى أن يدخل جوف الكعبة حتى أخرجت الصور، وكان فيها صورة يزعمون أنها صورة إبراهيم وإسماعيل وفي أيديهما من الأزلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "قاتلهم الله، لقد علموا ما استقسما بها قط"- ثم دخل البيت وكبّر في نواحيه ثم صلى، فقد روى ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  دخل الكعبة هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة، فأغلقها عليه، ثم مكث فيها، قال ابن عمر: فسألت بلالاً حين خرج: ما صنع رسول الله؟ قال: جعل عمودين عن يساره، وعموداً عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ثم صلى.

7- يوم بر ووفاء:

كان مفتاح الكعبة مع عثمان بن طلحة قبل أن يسلم فأراد علي رضي الله عنه أن يكون المفتاح له مع السقاية، لكن النبي صلى الله عليه وسلم  دفعه إلى عثمان بعد أن خرج من الكعبة، ورده إليه قائلاً: "اليوم يوم بر ووفاء، وكان صلى الله عليه وسلم  قد طلب من عثمان بن طلحة المفتاح قبل أن يهاجر إلى المدينة، فأغلظ له القول، ونال منه، فحلم عنه، وقال: يا عثمان، لعلك ترى هذا المفتاح يوماً بيدي، أضعه حيث شئتـ فقال: لقد هلكت قريش يومئذ، وذلّت، فقال: بل عمرت وعزت يومئذ؛ ووقعت كلمته من عثمان بن طلحة موقعاً، وظن أن الأمر سيصير إلى ما قال، ولقد أعطى له رسول الله صلى الله عليه وسلم  مفاتيح الكعبة قائلاً له: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء، خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم".

وهكذا لم يشأ النبي صلى الله عليه وسلم  أن يستبد بمفتاح الكعبة، بل لم يشأ أن يضعه في أحد من بني هاشم، لما في ذلك من الإثارة أولاً، ولما به من مظاهر السيطرة، وبسيط النفوذ، وليست هذه من مهام النبوة بإطلاق هذا هو مفهوم الفتح الأعظم في شرعة رسول الله صلى الله عليه وسلم  البر والوفاء حتى للذين غدروا، ومكروا وتطاولوا.

إذاً لن يعيبنا اليوم أن نلتزم هذا النهج الكريم وأن نبثه بيننا نحن أبناء الوطن الواحد، مهما تعاظمت الاختلافات، ومهما توالت الإساءات والمظالم، فالعفو والصفح والتغافر هو الأفضل للمتخاصمين، وللوطن وللأجيال القادمة وهذا بالطبع ما سطره لنا التاريخ في فتح مكة.

إن الاقتداء بهذه الخبرة التاريخية شرف لنا قبل أن تكون حلاً ناجحاً لمشاكلنا واختلافاتنا.

8- إعلان العفو العام:

نال أهل مكة عفواً عاماً برغم أنواع الأذى التي ألحقوها بالرسول صلى الله عليه وسلم  ودعوته، ورغم قدرة الجيش الإسلامي على إبادتهم، وقد جاء إعلان العفو عنهم، وهم مجتمعون قرب الكعبة، ينتظرون حكم الرسول صلى الله عليه وسلم  فيهم، فقال: "ما تظنون أني فاعل بكم، فقالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: "لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ" (يُوسُف: 92): اذهبوا فأنتم الطلقاء".

وقد ترتب على هذا العفو العام حفظ الأنفس من القتال أو السبي، وإيفاء الأموال المنقولة، والأراضي بيد أصحابها، وعدم فرض الخراج عليها.

9- إهدار النبي صلى الله عليه وسلم  لبعض الدماء:

إلى جانب ذلك الصفح الجميل كان هناك الحزم الأصيل الذي لابد أن تتصف به القيادة الحكيمة الرشيدة، ولذلك استثنى قرار العفو الشامل بضعة عشر رجلاً أمر بقتلهم وإن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة لأنه عظمت جرائمهم في حق الله ورسوله وحق الإسلام، ولما كان يخشاه منهم من إثارة الفتنة بين الناس بعد الفتح قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وقد جمعت أسماءهم من متفرقات الأخبار، وهم عبد العزى بن خطل، وعبد الله بن سعد ابن أبي السرح، وعكرمة بن أبي جهل، والحويرث بن نُقيد مصغراً ومقيس ابن صبابة، وهبار بن الاسود، وقينتان لابن الأخطل "فَرْتَنَي، وقُريبة" كانتا تغنيان بهجو النبي صلى الله عليه وسلم ، وسارة مولاة بني عبد المطلب، وذكر أبو معشر فيمن أهدر دمه الحارث بن طُلاطل الخزاعي، وذكر الحاكم: أن فيمن أهدر دمه كعب بن زهير، ووحشي بن حرب، وهند بنت عتبة.

ومن هؤلاء من قتل، ومنهم من جاء مسلماً تائباً فعفا عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ، وحسن إسلامه.

10- خطبة النبي صلى الله عليه وسلم وإسلام أهل مكة:

وفي غداة الفتح بلغ النبي صلى الله عليه وسلم  أن خزاعة حلفاءه عدت على رجل من هذيل، فقتلوه وهو مشرك برجل قتل في الجاهلية، فغضب وقام بين الناس خطيباً، فقال: "يا أيها الناس، إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً، ولا يعضد يقطع فيها شجراً، لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد يكون بعدي ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضباً على أهلها ثم قد رجعت كجرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قد قاتل فيها، فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يُحلها لكم".

"يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل فلقد كثر القتل إن نفع، لقد قتلتم قتيلاً لأدينه فمن قتل بعد مقامي هذا، فأهله بخير النظرين، إن شاءوا فدم قاتله، وإن شاءوا فعقله".

كان من أثر عفو النبي صلى الله عليه وسلم  الشامل عن أهل مكة، والعفو عن بعض من أهدر دماءهم أن دخل أهل مكة رجالاً ونساء وأحراراً وموالي في دين الله طواعية واختياراً، وبدخول مكة تحت راية الإسلام دخل الناس في دين الله أفواجاً، وتمت النعمة ووجب الشكر، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم  الناس جميعاً، الرجال والنساء، والكبار والصغار، وبدأ بمبايعة الرجال فقد جلس لهم على الصفا، فأخذ عليهم البيعة على الإسلام والسمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا.

11 - العفو عن هند بنت عتبة وإسلامها:

ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم  من بيعة الرجال بايع النساء وفيهن هند بنت عتبة متنكرة، خوفاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم  أن يعرفها لما صنعت بحمزة، على ألا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن، وأرجلهن ولا يعصين في معروف، ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ولا يسرقن قالت هند: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني ويكفي بني، فهل عليّ من حرج إذا أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال لها صلى الله عليه وسلم : "خذي من ماله ما يكفيك وبنيك بالمعروفـ ولما قال: "ولا يزنين" قالت هند: وهل تزني الحرة؟ ولما عرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال لها: وإنك هند بنت عتبة؟" قالت: نعم، فاعف عما سلف عفا الله عنك.

12- قدرة رفيعة في التعامل مع النفوس:

أ- إسلام سهيل بن عمرو:

قال سهيلٍ بن عمرو: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم  وظهر انقحمت بيتي وأغلقت عليّ بابي، وأرسلت إلى ابني عبد الله بن سهيل: أن اطلب لي جواراً من محمد، وإني لا آمن من أن أقتل وجعلت أتذكر أثري عند محمد وأصحابه، فليس أحد أسوأ أثراً مني، وأني لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يوم الحديبية بما لم يلحقه أحد، وكنت الذي كاتبته، مع حضوري بدراً وأحداً، وكلما تحركت قريش، كنت فيها، فذهب عبد الله بن سهيل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله تؤمنه؟ فقال: "آمن بأمان الله، فليظهر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  لمن حوله: من لقي سهيل بن عمرو فلا يشد النظر إليه، فليخرج فلعمري إن سهيلاً له عقل وشرف، وما مثل سهيل جهل الإسلام"، ولقد رأى ما كان يوضع فيه: أنه لم يكن له بنافع، فخرج عبد الله إلى أبيه، فقال سهيل: كان والله براً صغيراً وكبيراً، فكان سهيل يقبل ويدبر، وخرج سهيل إلى حنين مع النبي صلى الله عليه وسلم  وهو على شركه حتى أسلم بالجعرانة-؟؟

لقد كانت لهذه الكلمات التربوية الأثر الكبير على سهيل بن عمرو، حيث أثنى على رسول الله صلى الله عليه وسلم  بالبرّ طوال عمره، ثم دخل في الإسلام بعد ذلك وقد حسن إسلامه، وكان مكثراً من الأعمال الصالحة، يقول الزبير ابن بكار: كان سهيل بعد كثير الصلاة والصوم والصدقة، خرج بجماعته إلى الشام مجاهداً، ويقال: إنه صام وتهجد حتى شحب لونه وتغير، وكان كثير البكاء إذا سمع القرآن، وكان أميراً على كُردوسة يوم اليرموك.

ب- إسلام صفوان بن أمية:

قال عبد الله بن الزبير رضي الله عنه : - وأما صفوان بن أمية فهرب حتى أتى الشُعيبة، وجعل يقول لغلامه يسار وليس معه غيره : ويحك، انظر من ترى، قال: هذا عمير بن وهب، قال صفوان: ما أصنع بعمير؟ والله ما جاء إلا يريد قتلي، قد ظهر محمداً عليّ فلحقهـ فقال: يا عمير، ما كفاك ما صنعت بي؟ حمّلتني دينك وعيالك ثم جئت تريد قتلي قال: أبا وهب جُعلت فداك، جئت من عند أبرّ الناس، وأوصل الناس، وقد كان عمير قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله سيد قومي خرج هارباً ليقذف نفسه في البحر، وخاف ألا تؤمنه فداك أبي وأمي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "قد أمنته"، فخرج في أثره، فقال صفوان: لا والله لا أرجع معك حتى تأتيني بعلامة أعرفها، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله جئت صفوان هارباً يريد أن يقتل نفسه، فأخبرته بما أمنته فقال: لا أرجع حتى تأتي بعلامة أعرفها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "خذ عمامتي".

قال: فرجع عمير إليه بها، وهو البرد الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم  يومئذ معتجراً به، برد حبرة، فخرج عمير في طلبه ثانية حتى جاء بالبرد، فقال: أبا وهب جئتك من عند خير الناس، وأوصل الناس وأبر الناس وأحلم الناس، مجده مجدك، وعزه عزك، وملكه ملكك، ابن أمك وأبيك، اذكر الله في نفسك.

قال له: أخاف أن أقتل، قال: قد دعاك إلى أن تدخل في الإسلام، فإن رضيت وإلا سيرك شهرين فهو أوفى الناس وأبرّهم وقد بعث إليك ببرده الذي دخل فيه معتجراً تعرفه؟ قال: نعم فأخرجه، فقال: نعم هو هو، فرجع صفوان حتى انتهى إلى رسول الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم  يصلي بالمسلمين العصر بالمسجد، فوقف فقال صفوان: كم تصلون في اليوم والليلة؟ قال: خمس صلوات، قال: يُصلي بهم محمد؟ قال: نعم، فلما سلم صاح صفوان: يا محمد، إن عمير بن وهب جاءني ببردك، وزعم أنك دعوتني إلى القدوم عليك فإن رضيت أمراً، وإلا سيرتني شهرين، قال: "انزل أبا وهب"، قال: لا والله حتى تبين لي، قال: "بل تسير أربعة أشهر" فنزل صفوان.

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم  قِبل هوازن، وخرج معه صفوان، وهو كافر، وأرسل إليه يستعيره سلاحه، فأعاره سلاحه مئة درع بأدائها فقال: طوعاً، أو كرهاً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "عارية مؤدّاة"، فأعاره، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم  فحملها إلى حنين، فشهد حنيناً والطائف ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم  الجعرانة، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم  يسير في الغنائم ينظر إليها ومعه صفوان بن أمية، جعل صفوان ينظر إلى شعب مُلئ نعماً، وشاء ورعاء، فأدام إليه النظر ورسول الله صلى الله عليه وسلم  يرمقه فقال: "أبا وهب، يعجبك هذا الشعب"؟ قال: نعم، قال: "هو لك وما فيه"- فقال صفوان عند ذلك: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأسلم مكانه.

ونلاحظ في هذا الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم  حاول أن يتألف صفوان بن أمية إلى الإسلام حتى أسلم وذلك بإعطائه الأمان، ثم بتخييره في الأمر أربعة أشهر، ثم بإعطائه من مال العطايا الكبيرة التي لا تصدر من إنسان عادي، فأعطاه أولاً مائة من الإبل مع عدد من زعماء مكة، ثم أعطاه ما في أحد الشعاب من الإبل والغنم، فقال: ما طابت نفس أحد بهذا إلا نفس نبي، ثم أسلم مكانه، وقد وصف لنا صفوان بن أمية عطاء النبي صلى الله عليه وسلم  فقال: والله، لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم  ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ.

ج- إسلام عكرمة بن أبي جهل:

قال عبد الله بن الزبير رضي الله عنه : قالت أم حكيم امرأة عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنها: يا رسول الله، قد هرب عكرمة منك إلى اليمن، وخاف أن تقتله فأمنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "هو آمن"، فخرجت أم حكيم في طلبه، ومعها غلام لها رومي، فراودها عن نفسها، فجعلت تمنيه حتى قدمت على حيّ من عك، فاستغاثتهم عليه، فأوثقوه رباطاً، وأدركت عكرمة وقد انتهى إلى ساحل من سواحل تهامة، فركب البحر، فجعل نوتي السفينة يقول له: أخلص، فقال: أي شيء أقول: قال: قل لا إله إلا الله، قال عكرمة: ما هربت إلا من هذا فجاءت أم حكيم على هذا الكلام، فجعلت تلح عليه، وتقول: يا ابن عم جئت من عند أوصل الناس وأبر الناس وخير الناس، لا تُهلك نفسك، فوقف لها حتى أدركته، فقالت: إني قد استأمنت لك محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: أنت فعلت؟ قالت: نعم، أنا كلمته، فأمنك فرجع معها وقال: ما لقيت من غلامك الروميّ؟ فخبرته خبره، فقتله عكرمة، وهو يومئذ لم يسلم، فلما دنا من مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  لأصحابه: "يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمناً مهاجراً، فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي، ولا يبلغ الميت".

قال: وجعل عكرمة يطلب امرأته يُجامعها فتأبى عليه وتقول: إنك كافر، وأنا مسلمة، فيقول: إن أمراً منعك مني لأمر كبير، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم  عكرمة، وثب إليه وما على النبي صلى الله عليه وسلم  رداء فرحاً بعكرمة ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم  فوقف بين يديه، وزوجته متنقبة، فقال: يا محمد إن هذه أخبرتني أنك أمنتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "صدقت فأنت آمن، فقال عكرمة: فإلى ما تدعو يا محمد؟ قال: أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتفعل وتفعل"، حتى عدّ خصال الإسلام، فقال عكرمة: والله ما دعوت إلا إلى الحق، وأمر حسن جميل، قد كنت والله فينا قبل أن تدعو إلى ما دعوت إليه وأنت أصدقنا حديثاً، وأبرنا برًّا، ثم قال عكرمة: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فسر بذلك رسول الله  صلى الله عليه وسلم اـ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا تسألني اليوم شيئاً أعطيه أحداً إلا أعطيتكه، فقال عكرمة: فإني أسألك أن تستغفر لي كل عداوة عاديتكها أو مسير صنعت فيه، أو مقام لقيتك فيه أو كلام قلته في وجهك، أو وأنت غائب عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم اغفر له كل عداوة عادانيها، وكل مسير سار فيه إلى موضع يريد بذلك المسير إطفاء نورك، فاغفر له ما نال مني عرض في وجهي أو غائب عنه"، فقال عكرمة: رضيت يا رسول الله، لا أدع نفقة كنت أنفقها في صدّ عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله ولا قتالاً كنت أقاتل في صدّ عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله، ثم اجتهد في القتال حتى قتل شهيداً، وبعد أن أسلم رد رسول الله امرأته بذلك النكاح الأول.

كان سلوك النبي صلى الله عليه وسلم  في تعامله مع عكرمة لطيفاً حانياً، يكفي وحده لاجتذابه إلى الإسلام، فقد أعجل نفسه عن لبس ردائه، وابتسم له، ورحب به، وفي رواية قال له: "مرحباً بالركب المهاجر".

فتأثر عكرمة من ذلك الموقف، فأهتزت مشاعره، وتحركت أحاسيسه، فأسلم، كما كان لموقف أم حكيم بنت الحارث بن هشام أثر في إسلام زوجها، فقد أخذت له الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وغامرت بنفسها تبحث عنه لعل الله يهديه إلى الإسلام كما هداها إليه، وعندما أرادها زوجها، امتنعت عنه وعللت ذلك بأنه كافر وهي مسلمة، فعظم الإسلام في عينه وأدرك أنه أمام دين عظيم، وهكذا خطت أم حكيم في فكر عكرمة بداية التفكير في الإسلام، ثم توّج بإسلامه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان صادقاً في إسلامه، فلم يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم  ديناً، وإنما سأله أن يغفر الله تعالى له كل ما وقع فيه من ذنوب ماضية، ثم أقسم أمام النبي صلى الله عليه وسلم  بأن يحمل نفسه على الإنفاق في سبيل الله تعالى بضعف ما كان ينفق في الجاهلية وأن يُبلى في الجهاد في سبيل الله بضعف ما كان يبذله في الجاهلية ولقد برّ بوعده، فكان من أشجع المجاهدين، والقادة في سبيل الله تعالى في حروب الردة، ثم في فتوح الشام حتى وقع شهيداً في معركة اليرموك بعد أن بذل نفسه وماله في سبيل الله.

د- إسلام فضالة بن عمير وعفو النبي صلى الله عليه وسلم  عنه:

أراد فُضالة بن عمير بن الملوح الليثي قتل النبي صلى الله عليه وسلم  وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أفضالة؟" قال: نعم فضالة يا رسول الله، قال: "ماذا كنت تحدّث به نفسك؟" قال: لا شيء، كنت أذكر الله، قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم  ثم قال: "استغفر الله" ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحبّ إلي منه، قال فضالة: فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها، فقالت: هلم إلى الحديث، فقلت: لا وانبعث فضالة يقول:

قالت هلم إلى الحديث فقلت لا

يأبى عليك الله والإسلام

لو ما رأيت محمد وقبيله

بالفتح يوم تكسر الأصنام

لرأيت دين الله أضحى بيناً

والشرك يغشى وجهه الإظلام

ش أجرنا من أجرت يا أم هانئ:

قالت أم هانئ بنت أبي طالب: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم  بأعلى مكة، فرّ إليّ رجلان من أحمائي، من بني مخزوم وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي قالت: فدخل عليّ علي بن أبي طالب أخي فقال: والله لأقتلنهما، فأغلقت عليهما باب بيتي، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل من جفنة فيها من أثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به، ثم صلى ثماني الضحى، ثم انصرف إليّ فقال: "مرحباً وأهلاً يا أم هانئ، ما جاء بك؟ فأخبرته خبر الرجلين وخبر عليّ، فقال: قد أجرنا من أجرت، وأمّنا من أمنت فلا يقتلهما".

هـ- إسلام شاعر قريش "عبد الله بن الزّبعري":

لمّا فتحت مكة فرّ عبد الله بن الزبعري السهمي إلى نجران، فلحقه قوافي حسّان، فقد كان خصماً عنيداً للإسلام، فراح يعيره بالجبن والفرار فقال له:

لا تعدمن رجلاً أحلّك بغصُنُه

نجران في عيش أحذَّ لئيم

أي: فليبق الله لنا محمداً صلى الله عليه وسلم  هذا الرجل العظيم الذي أحلّك بغضه ديار نجران، وليُدم الله عليك ابن الزبعري عيشاً مهيناً أشأم ثم راح حسان يستنزل غضب الله ومقته على ابن الزبعري ونجله، ويسأل الله أن يخلده في سوء العذاب وأليمه.

فتطايرت تلك الأبيات ووصلت إلى ابن الزبعري وقام ولم يقعد، وقلب أموره ثم أراد الله به الخير، فعزم على الدخول في الإسلام، ثم توجه إلى مكة، وقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأعلن إسلامه، وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم  أن يستغفر له كل عداوة له، وللإسلام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الإسلام يجب ما قبله"، ثم أدناه رسول الله صلى الله عليه وسلم  منه وآنسه، ثم خلع عليه حلة، وقد أجمع الرواة أن ابن الزبعري رضي الله عنه قال بعد إسلامه شعراً كثيراً حسناً يعتذر فيه إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم ا.

قال ابن كثير: كان من أكبر أعداء الإسلام ومن الشعراء الذين استعملوا قواهم في هجاء المسلمين، ثم منَّ الله عليه بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الإسلام والقيام بنصره والذّب عنه.

ومن القصائد الرائعة التي قالها في مدح النبي صلى الله عليه وسلم  وندمه على محاربة الإسلام، وتأخره في الدخول فيه:

منع الرُّقادَ بلابلٌ وهموم

والليل معتلجُ الرواق بهيم

ممّا أتاني أن أحمد لامني

فيه فبت كأنني محموم

يا خير من حملت على أوصالها

عيرانة، سُرُحُ اليدين غشوم

إني لمعتذر إليك من الذي

أسديت إذ أنا في الضلال أهيم

أيام تأمرني بأغوى خُطة

سهم وتأمرني بها مخزوم

وأمدُّ أسباب الرّدى ويقودني

أمر الغواة وأمرهم مشؤوم

فاليوم آمن بالنبي محمد

قلبي ومخطئ هذه محروم

مضت العداوة وانقضت أسبابها

ودعت أواصر بيننا وحلوم

فاغفر فِدىً لك والديّ كلاهما

زللي فإنك راحم مرحوم

وهكذا انتهى الفتح الأكبر ولم يهتك لأهل مكة عرض أو ينهب منهم درهم، بل كان يوم دخول المسلمين أكثر أمناً من اليوم الذي سبقه، فقد أخذت قريش الأمان قبل أن تطلبه، ولم يضطرها المسلمون بقيادة محمد صلى الله عليه وسلم  إلى التفاوض فضلاً عن الاستجداء وهكذا تمكن النبي صلى الله عليه وسلم  بعفوه العظيم أن يهز ضمائر قريش، ولم يترك لهم فرصة في التفكير سوى سماحة هذا الدين الكريم، وبقوة العفو وعمق الغفران دخل الإسلام قلوب المكيين، فحولهم من أعداء إلى أكثر الناس ولاء للمسلمين ودعوته الإنسانية. إن هذا العفو وتلك العدالة المتسامحة تزداد إشراقاً كلما تفكرنا فيها، وأجلنا النظر في تفاصيلها.

إن بلادنا والكثير من بلاد المسلمين بل والإنسانية جمعاً بحاجة أن تقف ملياً عند هذه الوقائع ليس فقط لتبدي دهشتها أمام صورتين متناقضتين الأولى وقفت فيها قريش بكل جبروتها وظلمها وقهرها للمسلمين، والثانية ترسم لنا حقيقة المسلمين بقيادة نبيهم وهدي رسالته وقد تغاضت عن ذلك الماضي الأسود بالظلم لتستبدله بعفو كامل، وعدالة شاملة.

إننا نهيب بكل أبناء الوطن من ظَلَمَ منهم ومن ظُلِم إلى الاطلاع والوقوف والتأمل ومن ثم الاقتداء بما قدمه الرسول وأصحابه من طي صفحة الماضي أمام قريش والتعلق بالحاضر والمستقبل، والسير قدماً نحو البناء وتقاسم الواجبات، وحفظ الحقوق.

الثامن عشر: غزوة حنين وتعامله مع هوازن:

قال تعالى: "لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الارْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذلِكَ جَزَآء الْكَـفِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذلِكَ عَلَى مَن يَشَآء وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [التوبة: 25-27]..

 بيَّن القرآن الكريم أن المسلمين انهزموا، وهربوا ما عدا النبي صلى الله عليه وسلم ، ونفر يسير من أصحابه "وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الارْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ" (التّوبَة: 25).

 بيَّن القرآن الكريم أن الله نصر رسوله صلى الله عليه وسلم  في هذه المعركة، وأكرمه بإنزال السكينة عليه وعلى المؤمنين، فقال تعالى: "ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ" (التّوبَة: 26).

 بيَّن القرآن الكريم أن الله أمدَّ نبيه محمد صلى الله عليه وسلم  بالملائكة في حنين، قال تعالى: "وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذلِكَ جَزَآء الْكَـفِرِينَ" (التّوبَة: 26).

وأكد سبحانه على أنه يقبل التوبة من عباده، ويوفق من شاء إليها، قال تعالى: "ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذلِكَ عَلَى مَن يَشَآء وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (التّوبَة: 27).

انتصر المسلمون على هوازن بفضل الله ووقع من أبنائهم ونسائهم في سبي المسلمين، وبعد انتهاء المعركة جاء وفد هوازن لرسول الله صلى الله عليه وسلم  بالجعرانة وقد أسلموا فقالوا: يا رسول الله إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا منَّ الله عليك، وقام خطيبهم زهير ابن صرد أبو صرد فقال: يا رسول الله، إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا لابن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثم أصابنا منها مثل الذي أصابنا منك، رجونا عائدتهما وعطفهما، وأنت رسول الله خير المكفولين، ثم أنشأ يقول:

امنن علينا رسول الله في كرم

فإنك المرءُ نرجوه وتنتظر

إلى أن قال:

امنن على نسوة قد كنت ترضعها

إذ فوك بملوءه من محضها دررٌ

امنن على نسوة قد كنت ترضعها

وإذ يزينك ما تأتي وما تذر

فكان سبب إعتاقهم عن بكرة أبيهم، فعادت فواضله عليه السلام عليهم قديماً وحديثاً، وخصوصاً وعموماً فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم  من الوفد قال لهم: "نساؤكم وأبناؤكم أحب إليكم أم أموالكم فقالوا: يا رسول الله خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا؟ بل أبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما ما كان لي، ولبني عبد المطلب، فهو لكم وإذا أنا صليت بالناس فقوموا، فقولوا إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم  إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  في أبنائنا ونسائنا، فإني سأعطيكم عند ذلك، وأسأل لكم، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  بالناس الظهر قاموا، فقالوا ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: أمّا ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو ولرسول الله، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم  وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو سليم فلا، وقال عُيينة: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال العباس بن مرداس السُّلمُّي: أما أنا وبنو سليم فلا فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال عباس بن مرداس لبني سليم: وهنتموني؟ فقال رسول الله: "من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ستُ فرائض من أول فيء نصيبه»، فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم.

وفي رواية: - فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم  في المؤمنين فقال: "إن إخوانكم هؤلاء جاؤونا تائبين، وإني أردت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحبّ منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا، فليفعل"- فقال الناس: طيبنا يا رسول الله لهم، فقال لهم: "إنا لا ندري من أذن منكم فيه ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم»ـ فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم  فأخبروه أنهم طيبوا، وأذنوا.

1 - إسلام زعيم هوازن: مالك بن عوف:

وقد سر رسول الله صلى الله عليه وسلم  بإسلام هوازن وسألهم عن زعيمهم مالك بن عوف النصري، فأخبروه أنه في الطائف مع ثقيف، فوعدهم بردّ أهله، وأمواله عليه، وإكرامه بمائة من الإبل إن قدم عليه مسلماً، فجاء مالك مسلماً، فأكرمه وأمّره على قومه، وبعض القبائل المجاورة، ولقد تأثر مالك بن عوف وجادت قريحته لمدح النبي صلى الله عليه وسلم  فقال:

ما إن رأيت ولا سمعت بمثله

في الناس كلهم بمثل محمد

أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتذى

فمتى تشاء يخبرك عما في غد

وإذا الكتيبة عرّدت أنيابها

بالسمهري وضرب كل مهند

فكأنه ليث على أشباله

وسط الهباءة خادرٌ في مرصد

لقد كانت سياسته صلى الله عليه وسلم  مع خصومه مرنة إلى أبعد الحدود وبهذه السياسة الحكيمة استطاع صلى الله عليه وسلم  أن يكسب هوازن وحلفاءها إلى صف الإسلام، واتخذ من هذه القبيلة القوية رأس حربة يضرب بها قوى الوثنية في المنطقة ويقودها زعيمهم مالك بن عوف الذي قاتل ثقيف في الطائف حتى ضيق عليهم، وقد فكر زعماء ثقيف في الخلاص من المأزق بعد أن أحاط الإسلام بالطائف من كل مكان، فلا تستطيع تحركاً ولا تجارة، فمال بعض زعماء ثقيف إلى الإسلام مثل عروة بن مسعود الثقفي الذي سارع إلى اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو في طريقه إلى المدينة بعد أن قسم غنائم حنين، واعتمر من الجعرانة، فالتقى به قبل أن يصل إلى المدينة، وأعلن إسلامه، وعاد إلى الطائف وكان من زعماء ثقيف محبوباً عندهم، فدعاهم إلى الإسلام وأذّن في أعلى منزله، فرماه بعضهم بسهام، فأصابوا فطلب من قومه أن يدفنوه مع شهداء المسلمين في حصار الطائف.

إن الإنسان ليعجب من فقه النبي صلى الله عليه وسلم  في معاملة النفوس، وفي سعيه الحثيث لتمكين دين الله تعالى، لقد استطاع أن يزيل معالم الوثنية، وبيوتات العبادة الكفرية في مكة، وما حولها، ورتب صلى الله عليه وسلم  الأمور التنظيمية للأراضي التي أضيفت للدولة الإسلامية، فعين عتاب بن أسيد أميراً على مكة، وجعل معاذ بن جبل مرشداً، وموجهاً ومعلماً مربياً، وعين على هوازن مالك بن عوف قائداً، ومجاهداً، ثم اعتمر، ورجع إلى المدينة صلى الله عليه وسلم .

2- إسلام كعب بن زهير الشاعر :

لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم  من الطائف، جاءه كعب بن زهير الشاعر ابن الشاعر وكان قد هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ضاقت به الأرض، وضاقت عليه نفسه، وحثه أخوه "بُجَيْرة" على أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم  تائباً مسلماً، وحذَّره من سوء العاقبة، إن لم يفعل ذلك، فقال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتي اشتهرت بقصيدة "بانت سعاد" فقدم المدينة، وغدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  حيث صلَّى الصبح، ثم جلس إليه ووضع يده في يده، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم  لا يعرفه، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كعب بن زهير جاء يستأمنك تائباً مسلماً، فهل أنت قابل منه؟ فوثب عليه رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "دعه عنك، فقد جاء تائباً"، وأنشد كعب قصيدته اللَّامية التي قال فيها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول

متيمٌ إثرها لم يفد مكبول

وما سعاد غداة الطرف إذ رحلوا

إلا أغنُّ قرير العين مكحول

ومنها:

إن الرسول لنور يستضاء به

مهند من سيوف الله مسلول

في عصبة من قريش قال قائلهم

ببطن مكة لما أسلموا زُولُوا

شُمُّ العرانين أبطال لبُوسُهُم

من نسج داود في الهيجا سرابيل

ويقال: إنه لما أنشد رسول الله قصيدته، أعطاه بردته، وهي التي صارت إلى الخلفاء.

قال ابن كثير: هذا من الأمور المشهورة جداً.

ويقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم  قال له بعد ذلك: لولا ذكرت الأنصار بخير، فإن الأنصار لذلك أهل، فقال:

من سرّه كرم الحياة فلا يزال

في مقنب من صالحي الأنصار

ورثوا المكارم كابراً عن كابر

إن الخيار هم بنو الأخيار

المكرهين السّمهريَّ بأذرُع

كسولف الهندي غير قصار

والناظرين بأعين محمرة

كالجمر غير كليلة الأبصار

والبائعين نفوسهم لنبيهم

للموت يوم تعانق وكرار

والقائدين الناس عن أديانهم

بالمشرفي وبالقنا الخطَّار

يتطهرون يرونه نسكاً لهم

بدماءِ من خلقوا من الكفار

إلى أن قال:

لو يعلم الأقوام علمي كله

فيهم لصدَّقني الذين أُمَاري

قوم إذا خوت النجوم فإنهم

للطارقين النازلين مقاري

وبإسلام كعب بن زهير تستطيع القول بأن الشعراء المعارضين للدَّعوة الإسلامية قد انتهى دورهم، فقد أسلم ضرار بن الخطاب، وعبد الله بن الزَّبعري، وأبو سفيان بن الحارث، والحارث بن هشام، والعباس بن مرداس، وتحوَّلوا إلى الصَّفِّ الإسلامي واستظلوا بلوائه عن قناعة، وإيمان، ولم يكتف بعضهم بأن تكون كلمته في الدفاع عن الإسلام، بل كل سيفه إلى جانب كلمته، وهذا من بركات فتح مكة - التاسع عشر: عفو الصديق رضي الله عنه :

1 - حديث الإفك:

حاك المنافقون في أعقاب غزوة بني المصطلق حادثة الإفك بعد فشل كيدهم في المحاولة الأولى لإثارة النعرة الجاهلية، فقد ألمت بالبيت النبوي هذه النازلة الشديدة، والمحنة العظيمة التي كان القصد منها النيل من النبي صلى الله عليه وسلم  ومن أهل بيته الأطهار، وكانت حلقة من سلسلة فنون الإيذاء والمحن التي لقيها رسول الله صلى الله عليه وسلم  من أعداء الدين، وكان من لطف الله تعالى بنبيِّه وبالمؤمنين أن كشف الله زيفها، وبطلانها، وقد سجل التاريخ بروايات صحيحة موقف المؤمنين من هذه الفرية، لا سيما موقف أبي أيوب، وأم أيوب، وهي مواقف يتأسى بها المؤمنون عندما تعرض لهم في حياتهم مثل هذه الفرية، فقد انقطع الوحي، وبقيت الدروس لتكون عبرة، وعظة للأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وتحدثنا عائشة رضي الله عنها عن براءتها ونزول الوحي في ذلك:

وقد لبث الوحي شهراً لا يوحي إليه في شأني بشيء، قال: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم  حيث جلس، ثم قال: "أما بعد: يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرِّئك الله، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه"، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم  مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله عني فيما قال: قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم  قالت: فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن: إني والله لقد علمت، لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، فلئن قلت لكم، إني بريئة، والله يعلم أني بريئة، لا تصدِّقوني بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أنِّي منه بريئة لتصدقُني، والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف قال: "فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ" (يُوسُف: 18) قالت: ثم تحولت، فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا حينئذ أعلم أنِّي بريئة، وأن الله مبرِّني ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحياً يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم  في النوم رؤيا يبرِّئني الله بها.

قالت: فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم  ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاءِ حتى أنه ليتحدر منه العرق مثل الجمان، وهو يوم شات من ثقل القول الذي ينزل عليهـ قالت: فلما سُرِّي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو يضحك، فكانت أوَّل كلمة تكلَّم بها: "يا عائشة أما الله عز وجل  فقد برَّأك» فقالت أمي قومي إليه، قالت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عز وجل ، وأنزل الله: "إِنَّ الَّذِينَ جَآءوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلّ امْرِىء مّنْهُمْ مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَّوْلآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَـتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هَـذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ * لَّوْلاَ جَآءو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآء فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآء فَأُوْلَـئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَـذِبُونَ * وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِى الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِى مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـذَا سُبْحَـنَكَ هَـذَا بُهْتَـنٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ * وَيُبَيّنُ اللَّهُ لَكُمُ الاْيَـتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَـحِشَةُ فِى الَّذِينَ ءامَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ" [النور: 11-20].

فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره وكان ممن وقع في الحديث ولم يتثبت وخاض فيه والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله: "وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِى الْقُرْبَى وَالْمَسَـكِينَ وَالْمُهَـجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـتِ الْغَـفِلَـتِ الْمُؤْمِنـتِ لُعِنُواْ فِى الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" [النور: 22-23].

قال أبو بكر: بلى والله إنِّي أحبُّ أن يغفر الله لي، فأرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، قال: والله لا أنزعها منه أبداً.

2- العفو في حروب الردة:

كان لأبي بكر بعد نظر، وبصيرة نافذة، ونظرة بعواقب الأمور، ولذلك كان يستعمل الحزم في محله، والعفو عندما تقتضي إليه الحاجة، فقد كان حريصاً على جمع شتات القبائل تحت راية الإسلام، فكان من سياسته الحكيمة عفوه عن زعماء القبائل المعاندة بعد رجوعهم إلى الحق، فإنه لما استخضع قبائل اليمن المرتدة وأراهم سطوة دولة المسلمين وقوة شكيمتهم ومضاء عزيمتهم، واعترفت القبائل بما أنكرت واستكانت لحكم الإسلام وأطاعوا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم  رأى أبو بكر أنه من تأليف القلوب ترك استعمال القوة مع زعماء هذه القبائل، بل اللين هنا والرفق أوفق، فرفع العقوبة عنهم وألان القول لهم، ووظف نفوذهم في قبائلهم لصالح الإسلام والمسلمين.

فعفا عن زلتهم وأحسن إليهم، فقد فعل ذلك مع قيس بن يغوث المرادي وعمرو بن معد يكرب، فقد كانوا من صناديد العرب وأفرسهم وأكثرهم شجاعة، فعزّ على أبي بكر أن يخسرهما وحرص على أن يستخلصهما للإسلام ويستفذهما من التردد بين الإسلام والردة، فقد قال أبو بكر لعمرو: أما تخزي أنك كل يوم مهزوم أو مأسور لو نصرت هذا الدين لرفعك الله، فقال عمرو: لا جرم لأفعلن، ولن أعود فأطلقه الصديق، ولم يرتد عمرو بعده قط، بل أسلم وحسن إسلامه، ونصره الله وأصبح له بلاء عظيم في الفتوحات.

وندم قيس على ما فعل، فعفا عنه الصديق، وكان للعفو عن هذين البطلين من أبطال عرب اليمن آثاره العميقة والعريضة، فقد تألف به الصديق قلوب أقوام قد عادوا إلى الإسلام بعد الردة خوفاً أو طمعاً، وعفا عن الأشعث بن قيس، وبذلك أسر الصديق قلوبهم، وامتلك أفئدتهم، فكانوا في مستقبل الأيام نصراً للإسلام وقوة للمسلمين، وأصبحت لهم يد عظيمة في هذا المجال.

أ- الأشعث بن قيس الكندي:

كان ممن قاتل المسلمين مع المرتدين في اليمن ولما تم القضاء على ردة كندة وعاد عكرمة بن أبي جهل ومعه السبايا والأخماس، وبرفقتهم الأشعث بن قيس، الذي صار مبغضاً إلى قومه، ولاسيما نساؤهم، لأنهم عدوه سبب ذلتهم ولأنه عندما صالح المسلمين كان أول ما بدأ به اسمه، فكانت نساء قومه يسمينه: عُرف النار، ومعناه بلغتهم: الغادر، ولما قدم الأشعث على أبي بكر، قال: ماذا تراني أصنع بك، فإنك قد فعلت ما علمت؟ قال: تمنُّ علي فتفكني من الحديد وتزوجني أختك، فإني قد راجعت وأسلمت، فقال أبو بكر: قد فعلت فزوجه أم فروة ابنة أبي قحافة، فكان في المدينة حتى فتح العراق.

وفي رواية جاء فيها: فلما خشي أن يقع به قال: أو تحتسب في خير فتطلق إساري وتقيلني عثرتي وتقبل إسلامي، وتفعل بي مثل ما فعلته بأمثالي وترد عليّ زوجتي وقد كان خطب أم فروة بنت أبي قحافة مقدمه على رسول الله صلى الله عليه وسلم  فزوجه وأخرها إلى أن يقدم الثانية فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم  وفعل الأشعث ما فعل، فخشي ألا ترد عليه، قال: تجدني خير أهل بلادي لدين الله تعالى، فتجافى له عن عدمه، وقبل منه ورد عليه أهله، وقال: انطلق فليبلغني عنك خير، وخلى عن القوم فذهبوا، وقسم أبو بكر في الناس الخمس.

ب- وفد بني أسد وغطفان إلى الصديق وحكمه عليهم:

لما قدم وفد بزاخة أسد وغطفان على أبي بكر يسأله الصلح، خيّرهم أبو بكر بين حرب مُجلية أو خطة مخزية، فقالوا: يا خليفة رسول الله أما الحرب المجلية فقد عرفناها، فما الخطة المخزية؟ قال: تؤخذ منكم الحلقة أي السلاح والكُراع وتتركون أقواماً تتبعون أذناب الإبل حتى يُرى الله خليفة نبيه والمؤمنين أمراً يعذرونكم به، وتؤدون ما أصبتم منا، ولا نؤدي ما أصابنا منكم، وتشهدون أن قتلانا في الجنة، وأن قتلاكم في النار، وتدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، فقال عمر: أما قولك تدون قتلانا، فإن قتلانا قتلوا على أمر الله لا ديات لهم، فامتنع عمر وقال عمر في الثاني: نعم ما رأيت وأخذ الصديق برأي الفاروق رضي الله عنه وخضعت بنو أسد وغطفان لشروط أبي بكر.

ج- عيينة بن حصن وطليحة الأسدي:

بعد أن تم القضاء على قوة طليحة الأسدي ببزاخة، عاد فريق كبير من العرب إلى حظيرة الإسلام، فقد أقبلت بنو عامر بعد هزيمة بزاخة يقولون: ندخل فيما خرجنا منه فبايعهم خالد على ما بايع عليه أهل بزاخة من أسد وغطفان وطيء قبلهم وأعطوه بأيديهم على الإسلام ولم يقبل أحداً من أسد ولا غطفان ولا هوازن ولا سليم ولا طيء إلا أن يأتوه بالذين حرقوه ومثلوا وعدوا على أهل الإسلام في حال ردتهم فأتوه بهمــ فمثل خالد بن الوليد بالذين عدوا على الإسلام، فأحرقهم بالنيران، ورضخهم بالحجارة ورمى بهم من الجبال، ونكسهم في الآبار، وخزقهم بالنبال، وبعث بقرّة بن هبيرة بالأسارى، وكتب إلى أبي بكر: إن بني عامر أقبلت بعد إعراض، ودخلت في الإسلام بعد تربص، وإني لم أقبل من أحد قاتلني أو سالمني شيئاً حتى يجيئوني بمن عدا على المسلمين فقتلتهم كل قتلة وبعثت إليك بقرّة وأصحابه، وكان عيينة بن حصن من بين الأسرى فأمر خالد بشد وثاقه تنكيلاً به وبعثه إلى المدينة ويداه إلى عنقه، إزراء عليه وإرهاباً لسواه فلما دخل المدينة على هيئته تلقاه صبيان المدينة مستهزئين وأخذوا يلكزونه بأيديهم الصغيرة قائلين: أي عدو الله، ارتددت عن الإسلام فيقول: والله ما كنت آمنت قط، وجيء به إلى خليفة رسول الله، ولقي من الخليفة سماحة لم يصدقها وأمر بفك يديه، ثم استتابه، فأعلن عيينة توبة نصوحاً واعتذر عما كان منه وأسلم وحسن إسلامه.

ومضى طليحة حتى نزل كلباً، على النقع، فأسلم ولم يزل مقيماً في كلب حتى مات أبو بكر، وكان إسلامه هناك حين بلغه أن أسداً، وغطفان، وعامراً قد أسلموا ثم خرج نحو مكة معتمراً في إمارة أبي بكر، ومرّ بجنبات المدينة، فقيل لأبي بكر: هذا طليحة، فقال: ما أصنع به خلوا عنه، فقد هداه الله للإسلام، وقد جاء عند ابن كثير: وأما طليحة فإنه راجع الإسلام بعد ذلك أيضاً وذهب مكة معتمراً أيام الصديق واستحى أن يواجهه مدة حياته وقد منع الصديق المرتدين من المشاركة في فتوحاته بالعراق والشام، ويحتمل أن يكون ذلك من باب الاحتياط لأمر الأمة، لأن من كان له سوابق في الضلال والكيد للمسلمين لا يؤمن أن يكون رجوعه من باب الاستسلام لقوة المسلمين، فأبو بكر رضي الله عنه ، من الأئمة الذين يرسمون للناس خط سيرهم ويتأسى بهم الناس بأقوالهم وأفعالهم فهو لذلك يأخذ بمبدأ الاحتياط لما فيه صالح الأمة، وإن كان في ذلك وضع من شأن بعض الأفراد، وهذا درس عظيم تتعلمه الأمة في عدم وضع الثقة بمن كانت لهم سوابق في الإلحاد ثم ظهر منهم العودة إلى الالتزام بالدين.

إن وضع الثقة الكاملة بهؤلاء وإسناد الأعمال القيادية لهم قد جرّ على الأمة أحياناً ويلات كثيرة وأوصلها إلى مآزق خطيرة، على أن أخذ الحذر من مثل هؤلاء لا يعني اتهامهم في دينهم ولا نزع الثقة منهم بالكلية، وهذا معلم من سياسة الصديق في التعامل مع أمثال هؤلاء.

رجع طليحة الأسدي إلى دار قومه، فأقام بها حتى خرج إلى العراق، وقد كان إسلامه صحيحاً ولم يغمض عليه فيه.

إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لم يستعن في حروب الردة ولا في حركة الفتوحات بمرتد، فقد كتب إلى عماله ألا يستعينوا بمرتد في جهاد العدو، ويؤكد على خالد بن الوليد وعياض بن غنم ألا يغزو معهم أحد قد ارتد حتى يرى رأيهم فيهم، فلم تشهد أيامه مرتداً، ويقول الشعبي: كان أبو بكر رضي الله عنه لا يستعين في حروبه بأحد من الردة حتى مات.

ولذلك كان بعض من ارتد وحسن إسلامهم بعد ذلك يستحيون من مواجهة أبي بكر، فطليحة بن خويلد مثلاً يذهب إلى مكة معتمراً، وما استطاع مقابلة أبي بكر حتى مات، وأما عمر رضي الله عنه فقد استنفرهم بعد أن تابوا وصلح حالهم وأخذوا قسطاً من التربية الإسلامية إلا أنه لم يولِّ منهم أحداً، وقد جاء في رواية أنه قال لسعد بن أبي وقاص في شأن طليحة بن خويلد الأسدي وعمرو بن معدي كرب الزبيدي: استعن بهما ولا تولينهما على مائة، فنستفيد من سنة الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر اللذين قال عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر".

نستفيد من سنتهما أن أبواب التوبة والرجوع مفتوحة لمن أراد، ويكون معصوم الدم والمال، وله ما للمسلمين وعليه ما عليهم غير أنه لا يُولى شيئاً من أمور المسلمين المهمة خاصة الأعمال القيادية، وذلك لاحتمال أن تكون توبته نفاقاً، وإذا كانت كذلك، وتولى قيادة المسلمين، فإنه يفسد في الأرض ويقلب موازين الحياة فيقرب أمثاله من المفسدين ويبعد المصلحين الصادقين، ويحوّل المجتمع الإسلامي إلى مجتمع تسوده مظاهر الفساد، فكانت هذه السنة الراشدة من الخليفتين الراشدين لحماية المجتمع من تسلل المفسدين إلى قيادته وتوجيهه ولعل حكم هذه السنة أيضاً ملاحظة عقوبة المفسدين بنقيض قصدهم، الذين يفسدون من أجل الحصول على الزعامات والقيادات، إذا أظهروا التوبة، وعادوا إلى الحق والعدل، يحرمون من هذه القيادات عقوبة لهم، وردعاً لكل من تسوّل له نفسه أن يخرج عن الصواب ويبحث عن الزعامة لو بمعاداة الخير والهدى والرشاد وتعطي لهم فرصة للرجوع والاندماج.

العشرون: صلح الحسن بن علي مع معاوية رضي الله عنه:

إن المصالحة خطوة مهمة في بناء الوطن ولن تتم بلا حوار ونقاش بين كل فئات الوطن وشرائح نسيجه، حوار لا يكون فيه غالب ولا مغلوب، بل يتسم بالكثير من المساواة والعدل، أملاً في الوصول دولة القانون، ودولة الحرية ودولة التنمية، ودولة المواطن ودولة الدستور ودولة الكرامة.

إن ما قام به الحسن بن علي بن أبي طالب يعد سابقة تاريخية مهمة في وقائع الممارسة السياسية، وهو إلى جانب العفو العام بعد فتح مكة يعدان حالتين تاريخيتين فريدتين ينبغي الوقوف عندهما ملياً واستخراج قيم العدالة والمصالحة والعفو في مفهومنا نحن المسلمين ولا توجد الكثير من الحوادث في التاريخ الإنساني تروي لنا تنازل القادر على الحكم واستبداله بحياة بسيطة وكان الحسن يطلب معنى عميقاً هو حماية نفسه من سؤال الله تعالى له عن دماء تراق بسببه، كما إن الحسن ترفع عن مبررات حاول الكثير من أتباعه أن يذكرونه بها تتمثل في أن معاوية هو من قاتل والده علي رضي الله عنه ، ولكن الحسن كان عزمه لا يلين على أن المصالحة بين فئات الأمة ومجموعاتها هي الأولى وفيها المصلحة الراجحة وبالتالي تقدم على ما سواها من مشاعر ومعاني خاصة وشخصية.

لم تنقص الحسن رضي الله عنه الشرعية، فقد بويع الحسن بيعة عامة وبايعه الأمراء الذين كانوا مع والده وكل الناس الذين بايعوا لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، وباشر سلطته كخليفة، فرتب الأعمال وأمّر الأمراء وجند الجنود وفرق العطايا، وزاد المقاتلة في العطاء مائة فاكتسب بذلك رضاءهم، وكان في وسعه أن يخوض حرباً لا هوادة فيها ضد معاوية وكانت شخصيته الفذة من الناحية السياسية والعسكرية، والأخلاقية والدينية تساعد على ذلك مع وجود عوامل كوجود قيس بن سعد بن عبادة، وحاتم بن عدي الطائي وغيرهم من قادة المسلمين الذين لهم من القدرات القيادية الشيء الكثير، إلا أن الحسن بن علي مال إلى السلم والصلح لحقن الدماء، وتوحيد الأمة، ورغبة فيما عند الله وزهده في الملك، وغير ذلك من الأسباب التي سيأتي بيانها وتفصيلها وقد تنازل الحسن بن علي من موقف قوة، وهناك دلائل تشير إلى ذلك منها:

1- الشرعية التي كان يملكها:

لقد اختير الحسن بن علي بعد والده اختياراً شورياً وأصبح الخليفة الشرعي على الحجاز واليمن والعراق وكل الأماكن التي كانت خاضعة لوالده، وقد استمر في خلافته ستة أشهر، وتلك المدة تدخل ضمن الخلافة الراشدة التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم  بأن مدتها ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً، فقد روى الترمذي بإسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  حيث قال: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك".

وقد علق ابن كثير على هذا الحديث فقال: إنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من دلائل نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  وبذلك يكون الحسن بن علي خامس الخلفاء الراشدين.

وقد تحدث عن شرعية الحسن بن علي بالخلافة كثير من علماء أهل السنة منهم: أبو بكر العربي، والقاضي عياض، وابن كثير، وشارح الطحاوية، والمناوي، وابن حجر الهيثمي. ولو أراد الحسن أن يتعب معاوية بحكم أن الشرعية معه لأمكن ذلك، ولقام بترتيب حملة إعلامية منظمة في أوساط أهل الشام لكسب ثقتهم أو على الأقل زعزعة موقف معاوية بينهم، فقد كان يملك قوة معنوية ونفوذاً روحياً لا يستهان به بحكم الشرعية التي يستند إليها، ولكونه حفيد الرسول  صلى الله عليه وسلم ا.

2- تقييم الحسن بن علي للموقف وقدراته القيادية:

فعندما قال له نفير الحضرمي: إن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة، فقال: كانت جماجم العرب بيدي يسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت فتركتها ابتغاء وجه الله. فهذه شهادة الحسن رضي الله عنه ، فإنه كان في وضع قوي، وبأن أتباعه على استعداد لمحاربة من يريد أو مسالمتهم، كما كان رضي الله عنه يملك من الملكات الخطابية والفصاحة البيانية، وصدق العاطفة وقوة التأثير والقرب من رسول الله ما يجعله أكثر قوة وتماسكاً.

3- وجود بعض القيادات الكبيرة في صفة:

كان معسكر الحسن بن علي فيه من القيادات الكبيرة، كأخيه الحسين رضي الله عنه ، وعبد الله بن جعفر، وقيس بن سعد بن عبادة، وهو من دهاة العرب، وعدي بن حاتم وغيرهم فلو أراد الخلافة لأعطى المجال لقيادته للتحرك نحو تعبئة الناس والدخول في الحرب مع معاوية، وعلى الأقل يكون خليفة على دولته إلى حين.

4- معرفته لنفسية أهل العراق:

كانت له قدرات خاصة في التعامل مع أهل العراق، ومعرفة نفوسهم، ولذلك زاد لهم في العطاء منذ بداية خلافته، كما أن مهمته التي قادها في نجاح مشروعه الإصلاحي كانت أصعب من حربه لمعاوية، ومع ذلك تغلب على الكثير من العوائق التي واجهته، فقد حاولوا قتله، ورفض بعض الناس الصلح، وغير ذلك من العوائق إلا أنه تغلب عليها كلها وحقق الأهداف التي رسمها من حقن الدماء، ووحدة الأمة، وأمن السبيل، وعودة حركة الفتوحـ الخ مما يدل على قدراته القيادية الفذة.

5- تقييم عمرو بن العاص ومعاوية لقوات الحسن رضي الله عنه :

فقد جاء في البخاري: استقبل الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني أرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فقال معاوية: أي عمرو، إن قُتل هؤلاء من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر بن كرير، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه.

 فعمرو بن العاص رضي الله عنه ، القائد العسكري الشهير، والسياسي المحنك، والذي عركته الحروب يقول: إني أرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها.

 وأما معاوية رضي الله عنه ، فتقييمه للموقف العسكري بأنه لا يستطيع أحد أن ينتصر ويحقق حسماً عسكرياً إلا بعد خسائر فادحة للطرفين، ولا يستطيع معاوية حتى لو كان هو المنتصر أن يتحمل تركة الحرب من أرامل وأيتام وقتل خير المسلمين، وما يترتب على ذلك من مفاسد كبرى اجتماعية وسياسية واقتصادية وأخلاقية للأمة الإسلامية، ولذلك اختار معاوية شخصيتين كبيرتين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  ومن أصحاب النفوذ في المجتمع الإسلامي، ولهم حضور واحترام عند الحسن وهما من قريش فالشخصيتان اللتان أرسلهما معاوية رضي الله عنه تدل على حرصه نجاح الصلح مع الحسن، بأي ثمن ممكن، وقد ظل زمام الموقف بيد الحسن بن علي رضي الله عنه ويد أنصاره، ولو لم يكن الحسن مرهوب الجانب لما احتاج معاوية إلى أن يفاوض ويوافق على ما طلب من الشروط والضمانات، ولكان عرف ضعف جانب الحسن، وانحلال قوته عن طريق عيونه ولدخل الكوفة من غير أن يكلف نفسه مفاوضة أحد أو ينزل على شروطه ومطالبه.

كان الحسن بن علي رضي الله عنه ذا خلق يجنح إلى السلم، وكان رضي الله عنه يملك رؤية إصلاحية واضحة المعالم خضعت لمراحل وبواعث، وتغلب على العوائق وكتب شروطه، وترتب على صلحه نتائج، وأصبح هذا الصلح من مفاخر الحسن على مر العصور وتوالي الأزمان فكان في صلحه مع معاوية، وحقنه لدماء المسلمين، كعثمان في جمعه للقرآن، وكأبي بكر في حربه للمرتدين.

6 - أهم مراحل الصلح:

مر الصلح بمراحل من أهمها:

المرحلة الأولى:

دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم  للحسن بأن يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، فتلك الدعوة المباركة التي دفعت الحسن رضي الله عنه إلى الإقدام على الصلح بكل ثقة وتصميم، فقد قال صلى الله عليه وسلم : "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"، فلم تكن نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن الحسن بن علي أنه سيصلح الله به بين فئتين من المسلمين مجرد أنباء يسمعه الحسن والمسلمون ويصد قوته كالنبوءات النبوية الأخرى، بل كانت الكلمة الموجهة الرائدة للحسن بن علي رضي الله عنه في اتجاهاته وتصرفاته ومنهج حياته، لابد أنها حلت في قرارة نفسه، واستولت على مشاعره، وامتزجت بلحمه ودمه واعتبرها كوصية من الرسول صلى الله عليه وسلم  وهو نبيه وجده وهو يتكلم بهذه الكلمات رأى السرور في أسارير وجهه والبريق في عينيه صلى الله عليه وسلم ، فتمسك به كهدف من أهداف حياته، وكالمثل الأعلى له في مستقبله، ولقد ظهرت آثار هذه النبوءة في جميع حركاته وسكناته حتى في الحديث مع والده الكبير الذي يحبه حب الأبناء البررة للآباء العظام الذين خصهم الله بمواهب ومناقب، قلما يشاركهم فيها أفراد الأمة، وكان من أعرف الناس بها بحكم النبوة، والصحبة، ويجعله إجلال العارفين والمعجبين، وقد أشار على أبيه علي بن أبي طالب بعد مقتل عثمان: أن يعتزل الناس إلى حيث شاء من الأرض حتى تثوب إلى العرب عوازب أحلامها، وقال له: لو كنت في جحر ضب لاستخرجوك منها فبايعوك دون أن تعرض نفسك لهم، وما عزم علي على قتال أهل الشام، وعزم على التجهز، وخرج من المدينة وهو عازم على أن يقاتل بمن أطاعه من عصاه، جاء إليه الحسن بن علي وقال: يا أبت دع هذا، فإن فيه سفك دماء المسلمين ووقوع الاختلاف بينهم.

ولكن عليًّا لم يقبل ما أشار به الحسن، ولمن يكن ليترك الناس في فتنة دون أن يؤدي ما يدين الله به من أمر بمعروف ونهي عن منكر، ورد الأمر إلى نصابه والحق إلى أصحابه لكل وجهة هو موليها، وكان علي رضي الله عنه مصيباً في رأيه، وقد ظهرت المعجزة النبوية، وبلغت ذروتها بتربية الحسن بن علي على التربية الربانية، من كون هذا الإمام الفذ سيداً جليلاً.

وليست السيادة بالقهر وسفك الدماء أو إهدار الأموال والحرمات، بل السيادة بصيانتها وإزالة البغضاء والشحناء، فصلحه وحقنه لدماء المسلمين بلغ فيه ذروة السيادة التي لا يستطيعها من فكر بالقوة، وهو يملك طرفاً منها، وقد صالح الحسن معاوية وحوله الألوف، فيهم من هو طامع مدسوس، ولكن فيهم الكثير الكثير من المخلصين الأوفياء، فما أراد أن تراق بسببه قطرة دم، أو يخدش مسلم في هذا السبيل، وإن الرئاسة للأقوام إن لم تكن لصيانتها وحياطتها وحفظها وترقيتها، فهي نوع من الطاغوت الأعمى والتهور الأحمق، والمغامرة والمقامرة التي تجلب معها الدمار والخراب والإذلال والسباب، وينتهي أصحابها إلى غضب الله، ولعنة التاريخ، وهل تدافع أمواج الدماء البشرية عبر العصور والقرون إلا من الحرص على الرئاسة والسلطان والتكالب على الدنيا، لقد كان الحسن زاهداً في الدنيا والملك والرئاسة، ولو أرادها لأدار الحرب الطحون سنين وسنين، ولكنه كان ينظر إلى الدار الآخرة، ويريد حفظ دماء أمة محمد  صلى الله عليه وسلم ا.

المرحلة الثانية:

شرط البيعة الذي وضعه الحسن رضي الله عنه أساساً لقبوله مبايعة أهل العراق له، ذلك الشرط الذي نص على أنهم يسالمون من يسالم ويحاربون من يحارب، فقد أدخل الحسن رضي الله عنه بشرطه في عقلية العراقيين بأن خيار السلم قابل للنقاش والأخذ والعطاء، وليس فيه إرادة السلم على الحرب، فهو يشتمل عليهما معاً، وإن كان يوحي بالسلم، وهذا دليل على عبقريته وحسن قيادته، ومعرفته بالأمور، كما أنه رضي الله عنه تقدم للخلافة لما كانت مصلحة الإسلام والمسلمين في ذلك.

المرحلة الثالثة:

وقوع المحاولة الأولى لاغتيال الحسن رضي الله عنه بعد أن كشف عن نيته في الصلح مع معاوية رضي الله عنه ، وهذه المحاولة يبدو أنها قد جرت بعد استخلافه بقليل.

المرحلة الرابعة:

خروج الحسن بجيش العراق من الكوفة إلى المدائن وإرساله للقوة الضاربة من الجيش وهي الخميس إلى مسكن بقيادة قيس بن سعد بن عبادة.

المرحلة الخامسة:

خروج معاوية رضي الله عنه من الشام وتوجهه إلى العراق بعد أن وصل خبر خروج الحسن من الكوفة إلى المدائن بجيوشه.

المرحلة السادسة:

تبادل الرسل بين الحسن ومعاوية ووقوع الصلح بينهما رضوان الله عليهما.

المرحلة السابعة:

محاولة اغتيال الحسن رضي الله عنه ، فبعد نجاح مفاوضات الصلح بين الحسن ومعاوية رضي الله عنه شرع الحسن رضي الله عنه في تهيئة نفوس أتباعه على تقبل الصلح الذي تم، فقام فيهم خطيباً ليبين لهم ما تم بينه وبين معاوية، وفيما هو يخطب هجم عليه بعض عسكره محاولين قتله، لكن الله عز وجل أنجاه كما أنجاه من قبل.

وكان موقف الحسن تجاه ما حصل له في معسكره وهو ما أخرجه ابن سعد من طريق هلال بن خباب، قال: جمع الحسن بن علي رؤوس أصحابه في قصر المدائن فقال: يا أهل العراق، لو لم تذهل نفسي عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت: مقتلكم أبي ومطعنكم بغلتي، وانتهابكم ثقلي، أو قال: ردائي عن عاتقي، وإنكم قد بايعتموني أن تسالموا من سالم وتحاربوا من حارب، وإني قد بايعت معاوية، فاسمعوا له وأطيعوا، قال: ثم نزل فدخل القصر.

المرحلة الثامنة:

تنازل الحسن بن علي عن الخلافة وتسليمه الأمر إلى معاوية رضوان الله عليهم أجمعين: بعد أن أنجا الله عزوجل الحسن بن علي من الفتنة التي وقعت في معسكره، ترك المدائن وسار إلى الكوفة، وخطب في أهلها فقال: أما بعد فإن أكيس الكيس التُقى، وإن أحمق الحمق الفجور، فإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إما كان حق لي تركته لمعاوية إرادة إصلاح هذه الأمة وحقن دمائهم، أو يكون حقاً كان لامرئ كان أحق به مني، ففعلت ذلك: "وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ" (الأنبيَاء: 111).

7 - من أهم أسباب ودوافع الصلح:

وأما أهم الأسباب والدوافع للصلح الذي تم بين الحسن ومعاوية فهي:

أ- الرغبة فيما عند الله وإرادة إصلاح هذه الأمة:

قال الحسن بن علي رضي الله عنه رداً على نفير بن الحضرمي عندما قال له: إن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة، فقال: كانت جماجم العرب بيدي، يسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله.

ب- دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم :

إن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم  بأن يصلح بين فئتين عظيمتين من المسلمين، دفعت الحسن إلى التخطيط والاستعداد النفسي للصلح والتغلب على العوائق التي في الطريق، فقد كان هذا الحديث الكلمة الموجهة الرائدة للحسن في اتجاهاته وتصرفاته ومنهج حياته، فقد حلت في قرارة نفسه، واستولت على مشاعره وأحاسيسه، واختلطت بلحمه ودمه، ومن خلال هذا التوجيه، واستيعابه وفهمه له، بنى مشروعه الإصلاحي، وقسم مراحله، وكان متيقناً من نتائجه، فالحديث النبوي كان دافعاً أساسياً وسبباً مركزياً في اندفاع الحسن للإصلاح.

ج- حقن دماء المسلمين:

قال الحسن رضي الله عنه :- خشيت أن يجيء يوم القيامة سبعون ألفاً، أو أكثر أو أقل كلهم تنضج أوداجهم دماً، كلهم يستعدي الله فيم أهُريق دمه؟

وقال رضي الله عنه : ألا إن أمر الله واقع، إذ ما له دافع وإن كره الناس، إني ما أحببت أن لي من أمة محمد مثقال حبة من خردل يهراق فيه محجمة من دم،قد علمت ما ينفعني ممّا يضرني، الحقوا بطيتكم.

د الحرص على وحدة الأمة:

قام الحسن بن علي رضي الله عنه خطيباً في إحدى مراحل الصلح، فقال: أيها الناس، إني قد أصبحت غير محتمل على مسلم ضغينة، وإني ناظر لكم كنظري لنفسي، وأرى رأياً فلا تزدروا علي رأيي إن الذين تكرهون من الجماعة أفضل مما تحبون من الفرقة.

وقد تحقق بفضل الله ثم حرص الحسن على وحدة الأمة ذلك المقتصد العظيم، فقد ارتأى رضي الله عنه أن يتنازل عن الخلافة حقناً لدماء المسلمين وتجنباً للمفاسد العظيمة التي ستلحق الأمة كلها في المآل إذا بقي مصراً على موقفه، من استمرار الفتنة وسفك الدماء، وقطع الأرحام، واضطراب السبل وتعطيل الثغور وغيرها وقد تحققت بحمد الله وحدة الأمة بتنازله عن عرض زائل من أعراض الدنيا حتى سمّي ذلك العام عام الجماعة، وهذا يدل على فقه الحسن في معرفته لاعتبار المآلات، ومراعاته التصرفات.

ونلحظ أن الحسن بن علي كان يناقش أتباعه ويبين لهم دوافعه ويرتقي بهم نحو قناعته ولم يكن ممن تقوده الجماهير، وهمه ما يطلبه المستمعون، وإنما شق طريقه وفق تصوراته وفهمه لحقائق الأمور ونأى بنفسه أن يتأثر بضغط عوام الناس ما دامت الخطوات التي يسير بها فيما يرضي الله، ويؤمن مصلحة المسلمين، وهذا درس كبير لكثير من القيادات الشعبية في كون القائد هو الذي يقود عامة الناس ويرتقي بهم نحو أهدافهم، وفي مثل ظروف الحسن عادة يكون الزعماء بين أمور:

 ما تطلبه الجماهير.

 من لا يهتم ولا يرد على أحد.

 عمل الصواب والحق والارتقاء بالجماهير.

ونرى الحسن بن علي اختار الطريق الثالث وهو عمل الصواب والحق والارتقاء بالجماهير نحو الأهداف السامية التي رسمها، ولذلك قام بتقديم رؤية واضحة وخطوات تنفيذية عبر مراحل وتمهيدات، ووضع شروط وتغلب على عوائق، واهتم بإقناع المخالفين لوجهة نظره وهذا هو الصواب والله أعلم.

ولهذا لما قيل للحسن من بعض المعترضين على الصلح: يا عار المؤمنين، قال: للعار خير من النار، وفي روايا ابن سعد: - إني اخترت العار على النار.

هـ- مقتل أمير المؤمنين علي:

ومن الأسباب التي دعت أمير المؤمنين الحسن بن علي إلى الصلح ما روّع به من مقتل أبيه، فقد ترك ذلك فراغاً كبيراً في جبهة العراق، وأثَّر اغتياله على نفسية الحسن رضي الله عنه ، فترك فيها حزناً وأسى شديدين، فقد قتل هذا الإمام العظيم بدون وجه حق، ولم يرع الخوارج سابقته في الإسلام وأفضاله العظيمة، ولخدماته الجليلة التي قدمها للإسلام فقد كانت حياته حافلة بالقيم والمثل والعمل على تكريس أحكام الشريعة على مستوى الدولة والشعب.

لقد كان علياً رضي الله عنه معلماً من معالم الهدى وفارقاً بين الحق والباطل، فكان طبيعي أن يتأثر المسلمون لفقده، ويشعروا بالفراغ الكبير الذي تركه، فقد كان وقع مصيبة مقتله على المسلمين عظيماً، فجللهم الحزن، وفاضت مآقيهم بالدموع ولهجت ألسنتهم بالثناء والترحم عليه، وكان مقتله سبباً في تزهيد الحسن في أهل العراق؛ أولئك الذين غمرتهم مكارم أخلاق أمير المؤمنين وشرف صحبته، فأضلتهم الفتن والأطماع، وانحرفوا عن الصراط المستقيم، ونستثني من أولئك الصادقين المخلصين لدينهم وخليفتهم الرّاحل العظيم رضي الله عنه وأرضاه، فقد كان مقتله ضربة قوية وجهت لعهد الخلافة الراشدة، وكانت من أسباب زوالها فيما بعد.

و- شخصية معاوية:

إن تسليم الحسن بن علي الخلافة إلى معاوية، مع أنه كان معه أكثر من أربعين ألفاً بايعوه على الموت، فلو لم يكن أهلاً لها لما سلمها السبط الطيب إليه، ولحاربه.

ز اضطراب جيش العراق وأهل الكوفة:

كان لخروج الخوارج أثر في إضعاف أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، كما أن الحروب في الجمل وصفين والنهروان تسببت في ملل أهل العراق للحرب، ونفورهم منها، وخاصة أهل الشام في صفين، فإن حربهم ليست كحرب غيرهم، فمعركة صفين الطاحنة لم تفارق مخيلتهم، فكم يتَّمت من الأطفال، ورمّلت من النساء، بدون أن يتحقق مقصودهم، ولولا الصلح أو التحكيم الذي رحب به أمير المؤمنين علي وكثير من أصحابه لكانت مصيبة على العالم الإسلامي لا يتخيل آثارها السيئة، فكان هذا التخاذل عن المسير مع علي رضي الله عنه إلى الشام مرة أخرى إلى فريق منهم تميل إليه نفوسهم وإن كانوا يعلمون أنَّ علياً على حق، فقد استلم الحسن رضي الله عنه الخلافة، وجيش العراق مضطرب وأهل الكوفة مترددون في أمرهم، وهذا ليس على إطلاقه؛ فجيش الحسن يمكن تقويته، كما أن هناك فصائل منه على استعداد للقتال، وعلى رأسهم قيس بن سعد الخزرجي وغيره من القادة.

ح- قوة جيش معاوية:

وفي الجانب الآخر كان معاوية رضي الله عنه يعمل بشتى الوسائل سراً وعلانية على إضعاف جانب أهل العراق منذ عهد علي رضي الله عنه ، فاستغل ما أصاب جيشه من تفكك وخلاف، واجتمعت لمعاوية رضي الله عنه عوامل ساعدت على قوة جبهته، منها طاعة الجيش له، واتفاق الكلمة عليه من أهل الشام، وخبرته الإدارية في ولاية الشام، وثبات مصادره المالية، وعدم تحرجه من دفع الأموال من أجل تحقيق أهدافه التي يراها مصلحة للأمة.

8 - شروط الصلح:

تحدثت الكتب التاريخية والمصادر الحديثة، وأشارت إلى حصول الصلح وفق شروط وضعها الطرفان، ومن أهم شروط الصلح:

أ- العمل بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخلفاء:

وقد ذكر هذا الشرط مجموعة من العلماء منهم: ابن حجر الهيثمي، حيث ذكر صورة الصلح بين الحسن ومعاوية، وجاء فيها: صالحه على أن يُسلم إليه ولاية المسلمين، وأن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين، وهذا دليل على توقير الحسن بن علي لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي إلى حدَ جعل من إحدى الشروط على معاوية ابن أبي سفيان H : أن يعمل ويحكم في الناس بكتاب الله وسنة رسوله والخلفاء الراشدين، ففي هذا الشرط ضبط لدولة معاوية في دستورها ومرجعيتها ومنهجها في الحياة.

ب- الأموال:

ذكر البخاري في صحيحه أن الحسن قال لوفد معاوية، عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر بن كريز: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به.

ورُوي أن الحسن قال لمعاوية: إن عليّ عِدَات ودُيوناً، فأطلق له بيت المال نحو أربعمائة ألف أو أكثر، وذكر ابن عساكر: يسلم له بيت المال فيقضي منه ديونه ومواعيده التي عليه، ويتحمل منه هو ومن معه عيال أهل أبيه وولده وأهل بيته، وذهب بعض المؤرخين إلى أن إبقاءه ما في بيت المال معه "خمسة ملايين درهم" استبقاه لأولئك المحاربين الذين كانوا معه، يوزعه بينهم، ويبقى لمعيشته له ولأهل بيته ولأصحابه، ولا شك أن توزيع الأموال على بعض الجنود يساعد في تخفيف شدة التوتر.

ج- العفو العام:

ويتضمن اتفاق الصلح بين الجانبين أن الناس كلهم آمنون، لا يؤخذ أحد منهم بهفوة أو إحنة، ومما جاء في رواية البخاري: أن الحسن قال لوفد معاوية: - وإن هذه الأمة عاشت في دمائها، فكفل الوفد للحسن العفو للجميع فيما أصابوا من الدماء، وقد تم الاتفاق على عدم مطالبة أحد بشيء كان في أيام علي، وهي قاعدة بالغة الأهمية تحاول دون الالتفات إلى الماضي وتركز على فتح صفحة جديدة تركز على الحاضر والمستقبل، وقد تم التوافق المبني على الالتزام والشرعية، حيث تم الصلح على أساس العفو المطلق من كل ما كان بين الفريقين قبل إبرام الصلح، وبالفعل لم يعاقب معاوية أحداً بذنب سابق، وتأسس بذلك صلح الحسن على الإحسان والعفو، وتأليف القلوب.

وبهذا الصلح أخرج الحسن الأمة من مشكلة استمرت منذ اغتيال عثمان، ولم تنته إلا باغتيال علي رضي الله عنه.

إن هذه المصالحة قامت على إعطاء الأمان للناس والعودة إلى الشرعية المتأسسة على المرجعية المتفق عليها في المجتمع وتقديم وحدة الأمة على المصالح الفئوية، والمتابع لمسار تاريخ المسلمين بعد المصالحة يلحظ بوضوح الآثار الكبيرة التي ترتبت عليها سواء بتحقيق الأمن والرفاه الاجتماعي أو بتوسع رقعة الدولة وزيادة مواردها، وهو أمر يحتم علينا اليوم السعي بغية الوصول إلى صيغ المصالحة بين فئات المجتمع المتنوعة، وتطبيقات راسخة تؤسس لمرحلة جديدة من الأمن والاستقرار، وهو أمر يسترعي انتباهنا إلى أن الحوار مع كل فئات المجتمع مهما اختلفت بات أمراً ملحاً، لا يجوز التراخي فيه فضلاً عن فداحة الخطأ في إشاحة النظر عنه، فمجتمعنا وبرغم الكثير من الاحتكاكات التي سقط جراء بعضها قتلى في كل الاتجاهات وعلى مختلف الجبهات لا يزال يملك استناداً لهذه الخبرة التاريخية أن يفتح باباً واسعاً للحوار والمصالحة ربما يصير بعد ذلك نموذجاً ومثالاً يحتذى به.

د- مبدأ الشورى والاختيار:

وأشارت شروط الصلح إلى مبدأ الشورى والاختيار جاء في نهي الصلح الذي ذكره ابن حجر الهيثمي:- بل يكون الأمر من بعده "أي معاوية" شورى بين المسلمين وروى عن الحسن قوله: أما ولاية الأمر من بعده، فيما أنا بالراغب في ذلك ولو أردت هذا الأمر لم أسلمهـ هنا يتأكد لنا هذا الفهم الدقيق الذي استمر عليه المسلمون حتى بعد ما مروا به من صعوبات جمة أدت إلى العديد من المواجهات الداخلية الدامية، إلا أن الحسن رجع بالأمة لأصلها الأول وهو أن الحكم مبدؤه وانتهاؤه الشورى بين المسلمين خصوصاً وهو من قال لأبيه رضي الله عنه عند بيعته أن يوسع دائرة الاختيار لتشمل كافة أقاليم الدولة المسلمة، وكان الحسن ينظر برؤية الشاب الذي يعي متطلبات عصره والتطور الذي لحق بتركيبة المجتمع المسلم بعد أن دخلته شعوب كبيرة وعريقة، وبغض النظر بعد ذلك من توريث معاوية الأمر لابنه يزيد، فإن الأساس العلمي والبناء القيمي يؤكد أن المسلمين لم يكن لهم من سبيل سوى الشورى لاختيار الحاكم ومراقبة سير السلطة.

9- نتائج المصالحة بين المسلمين:

ما إن تمت المصادقة على المصالحة بين المسلمين في الشام والعراق وإعلانها بين الناس، حتى باتت تظهر بجلاء نتائجها الإيجابية، فاجتمعت الأمة فيما عرف بعام الجماعة وانطلقت عجلة الفتوحات بعد أن توقفت سنين عديدة، وازدهرت الحركة العلمية في المدينة المنورة التي قادها الصحابة العلماء ومن تلك النتائج:

أ- توحد الأمة تحت قيادة واحدة:

نقش في الذاكرة التاريخية للمسلمين بأن العام الذي تمت فيه المصالحة الكبرى عام 41هـ اسم عام الجماعة، فمنذ ذلك التاريخ لعقود عديدة كانت تقود الأمة حكومة واحدة ومن عاصمة سياسية واحدة، ومما لاشك فيه أن الفضل فيه لله ثم للإمام الحسن بن علي رضي الله عنه ، وقد قادت المصالحة أن بايع كل الصحابة الأحياء معاوية وفي ذلك يقول ابن حزم: فبويع الحسن ثم سُلّم الأمر إلى معاوية وبايع الصحابة كلهم أولهم عن آخرهم بايع معاوية، ورأى إمامته، ونتعلم من فقه الحسن وموقف الصحابة من بيعة معاوية فهمهم العميق لآيات النهي عن الاختلاف.

قال تعالى: "وَأَنَّ هَـذَا صِرطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّـكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (الأنعَام: 153).

ونهى الله عزوجل هذه الأمة عمّا وقعت فيه الأمم السابقة من الاختلاف والتفرق من بعد ما جاءتهم البينات وأنزل الله إليهم الكتب فقال سبحانه: "وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءهُمُ الْبَيّنَـتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" (آل عِمرَان: 105).

لقد تحقق بفضل الله ثم بنجاح الحسن بن علي في صلحه مع معاوية مقصد عظيم من مقاصد الشريعة من وحدة المسلمين واجتماعهم والمصالحة بين المسلمين والسعي إليها والأخذ بالأسباب نحو تأليف قلوب المسلمين، وتوحيد صفهم من أعظم الجهاد في نظر الإسلام، لأن هذه الخطوة مهمة جداً في إعزاز المسلمين، وإقامة دولتهم وبسط العدل بين الناس ورفع الظلم عنهم.

وهذا يلقي علينا اليوم مسؤوليات كبيرة تجاه الوطن ويجعل مسائل الحفاظ على لحمة مجتمعنا وهويته، وإقامة العدل وتحقيق المساواة وحماية الحريات، هي أولويات خطاب وتطبيقات المصالحة بعيداً عن أي تنازع سياسي يحاول فيه كل طرف أن يثبت أحقيته في الحكم، بل الأولى اليوم أن نتوافق على بناء الوطن وإرجاع الحقوق وبناء دولة القانون وتربية المواطن الصالح المتعلم والمتدرب على قيم العدل والحرية والشورى.

ب- عودة الفتوحات إلى ما كانت عليه:

لقد كانت من أهم الأعمال التي انطلقت منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم  وحتى مقتل عثمان رضي الله عنه حركة الفتوحات العظيمة التي حملت الإسلام للناس بقيمه الرفيعة ومبادئه الحميدة ومقاصده الكريمة، وكانت النتيجة أن دخل الناس في دين الله أفواجاً ولكن فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه أكبر معوق أصاب الدعوة الإسلامية بعد حركة الردة في عهد أبي بكر حيث أدى استشهاد عثمان إلى توقف الجهاد واتجاه سيوف المسلمين إلى بعضهم في فتنة كادت تعصف بالأمة الإسلامية لولا أن تداركتها رحمة الله عز وجل بصلح الحسن بن علي مع معاوية رضي الله عنه وقد امتلأت المصادر التاريخية بالنصوص التي تبين أثر الفتنة في انحسار حركة الجهاد وكانت من نتائج المصالحة عودة حركة الجهاد إلى ما كانت وأصبحت تعمل في عهد معاوية على ثلاث جبهات رئيسة هي: جبهة الروم، وجبهة المغرب، وجبهة سجستان وخراسان وما وراء النهر. إن توقف حركة الفتوحات يدل على مدى الأزمة التي تنجر إليها الدولة والمجتمع عندما تنقسم القوى، وتتعارض الإرادات، وتستبد بالأمر بعضها دون الآخر، وبالمصالحة تعود الدولة والمجتمع إلى العافية وتنطلق في عملية نهضوية واسعة وعميقة وتنمو الموارد، ولن تقوم مصالحة بعيداً عن صياغة دستورية واضحة المعالم تبين الحقوق وتحفظها وتسرد الواجبات وتكفل الالتزام بها؛ ولقد مررنا في وطننا باختناقات عديدة على المستوى السياسي والثقافي والتربوي والاقتصادي والحقوقي والعسكري، والأمني والاجتماعي، ونحن اليوم أحوج ما نكون لصياغة مصالحة لا تستثني أحداً لعلنا ننطلق في البناء ونتراجع عن الهدم.

ج- تحقيق الأمن الداخلي:

ومن نتائج المصالحة المهمة أن الدولة تفرغت لحركة تمرد واسعة تمثلت في الخوارج، فقد ترتب على المصالحة التضييق والتصدي للخوارج واتسمت حركة الخوارج في عهد معاوية بالعشوائية والارتجال وقلة التنظيم، وكانت أشبه ما يكون بعمليات انتحار جماعي لأنهم يخرجون بفئات قليلة لا تلبث أن تستأصل لمواجهة العنف الداخلي في أي مجتمع لابد من دولة قوية يلتف حولها شعبها، ولابد من مصالحة داخل الوطن تنهي حالة الاحتقان وتقطع الطريق على أي محاولة لاستغلال أوضاع سياسية أو اقتصادية أو ثقافية غير طبيعية، وذلك بالحوار والمصالحة وإصلاح تلك الأوضاع بحلول وإجابات تنطلق من صعوبة الواقع وليس فقط تجريد الأفكار.

د- بروز النهضة العلمية في المدينة:

بعد المصالحة ترك الحسن الكوفة بعد تنازله لمعاوية ورجع بمن معه من أصحابه وبني هاشم إلى المدينة واستقر بها، وكان الهاشميون محل الإجلال والتكريم والاحترام من معاوية وكانت زعامتهم عند الحسن بن علي، وكانت المدينة في تلك الفترة يسكنها عدد كبير من علماء الصحابة يضاف إليهم عدد من التابعين ممن تتلمذوا على الصحابة العلماء وساروا بسيرتهم ونهجوا نهجهم، وهؤلاء كانوا خليطاً من المهاجرين والأنصار ومن غير المهاجرين والأنصار، وقد نتج عن المصالحة استقرار أدى إلى حدوث نهضة علمية واسعة قادها علماء الصحابة من أمثال الحسن بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وكانت أجواء المدينة خيراً على الحياة العلمية حيث تفرغ طلاب العلم فيها لرواية الحديث وتفسير القرآن، واستنباط الأحكام الفقهية، فقصدها الناس من أجل العلم، فقد كان بها الهدوء والاطمئنان الذي يساعد على العلم والبحث.

هـ- الخبرة التاريخية من فتح مكة وصلح الحسن بن علي رضي الله عنه :

تؤكد الخبرتان التاريخيتان الفرق الواضح بين العفو والمصالحة من جهة وبين العدالة الحاسمة التي تسعى لفتح كافة الملفات السابقة وملاحقة كل الجزيئات مما يشغل الوطن بأسره لسنوات أو عقود لا أحد يقدر نهايتها، ثم إلى متى سنواصل تطبيق تلك العدالة بدون أي تحول تجاه الانتقام والتوسع في القصاص، مما يعود بنا من جديد لنقطة البداية، فيصبح الظالم مظلوماً يطالب هو بتطبيق العدالة الحاسمة على من كان مظلوماً وضحية بالأمس القريب كان العفو في فتح مكة انطلاقة جديدة للإسلام والمسلمين ودعوتهم بين العالمين، وماذا لو استسلم المسلمون لمشاعرهم البشرية الراغبة بأقل تقدير في تقدير العدل الحاسم الذي تفصل فيه التهم وتجمع الأدلة ويصبح للقضاء كلمته الأخيرة، وغالباً ما يضيق مجال الصفح بعد أن تنكأ الجراحات من جديد، وبالتأكيد فإن تطبيق هذا العدل الحاسم كان سيقضي على شخصيات مهمة شاركت في رسم تاريخ البشرية جمعاء في حركة الفتوحات الإسلامية ونظام الحكم ونشر العلم، الذين بنوا وأسسوا دولة مهمة في مجمل التاريخ الإنساني وما كان لنا أن نقرأ صفحات من تاريخ الحركة العلمية والفكرية والفقهية، واتجاهات الزهد ومدارس التصوف، والعلوم التطبيقية التي ساهمت كالطب والهندسة، والكيمياء وما سواها في تاريخ المسلمين.

لقد كان الكثير مما ذكرنا وأكثر، مما نتج عن حركة الاستعاضة بالعفو والصفح الجميل عن تطبيق مفهوم العدل الحاسم، الأمر الذي تحقق بامتناع القيادة والأصحاب عن المطالبة بالعدالة الصارمة لغايات أسمى وأهداف أعظم من الناحية السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية.

فمن الناحية السياسية يحفظ العفو الجميل وحدة الأمة السياسية حيث يركز في حركة ما بعد العفو على تصحيح الأخطاء وتقوية الدولة وإشراك الجميع دون إقصاء لمن كان مهيمناً على الأمر من قبل وتعميق مفاهيم الشراكة والتعاون والتعايش، وتوثيق وتدوين مبادئ هذا التشارك والتعايش وتثقيف وتنشئة الأجيال عليه.

وأما من جهة الأمن فإن العدل الحاسم قد يقود إلى رفض بعض من سيمسهم هذا العدل بسبب مخاوف من نتائج هذا العدل التي قد تكون سلباً للحياة أو الأموال والنفوذ وهو ما لن تقبله الكثير من الجهات الحاكمة سابقاً.

وهي إذ ترفض هذه الفكرة فإنها لا تزال تملك الكثير من عناصر القوة الميدانية والسياسية مما يجعل الأوطان تقف على شفا حروب وصراعات أهلية قد لا يخرج منها أي منتصر ولا نحصد منها سوى ترسخ ثقافة الانتقام والملاحقة.

وأما من الناحية الاقتصادية، فإننا لن نختلف كثيراً في تلمس ما يترتب على رفض العفو والمصالحة والتغافر من آثر على الوطن والمواطن بعد أن يتخندق المتخاصمون وتنطلق مدافع الحرب وأما الاعتبارات الاجتماعية، فإن العفو العام يزيد بلا شك من تآلف مكونات ووشائح المجتمع المتنوعة ثقافياً ولغوياً وعرقياً ودينياً في حال اختلاف الأديان وهذا مقصد إستراتيجي يجب التفكير فيه بدلاً من الإصرار على طريقة تنتهي إلى تنافر وتمزق مكونات المجتمع، وإعادة تخندقها خوفاً من الانتقام باسم العدالةـ وأخيراً لا آخراً فإن العفو يضع خبرة تاريخية تتأسس عليها ثقافة الأجيال الأمر الذي يوحد ضمير الوطن ويزيد من مساحات التعايش والقبول بالاختلاف وتتعمق ثقافة تقديم المصلحة العامة على الخاصة والممتدة إلى الآنية المؤقتة.

إننا في وطننا اليوم بحاجة إلى أن نتماسك ونتغافر، لنؤسس ونمهد لخبرة العدل في إحقاق الحقوق والقسط في مراعاة المشاعر والعفو والتسامح لفتح شموس الأمل، وصروح البناء التي ستتحول إلى مناهج للتعليم وموجهات للفكر ومحددات للثقافة، وإطار لبناء دستور الدولة التي لا يقوم على الإقصاء والانتقام واللمز كما هو واقع الحال في بعض الدساتير التي تغلبت نزعة الانتقام على واضعيها.

الحادي والعشرون: جنوب إفريقيا: التوازن بين العدل والمسؤولية والاستقرار والسلام المدني والمصالحة:

دشن الإفراج عن الزعيم نيلسون مانديلا بتاريخ 11290 بداية مسار معقد ومتفاوض حوله، خص السلم المدني والانتقال الديمقراطي بين حكومة البيض وتجمع المؤتمر الوطني، وأعلن رسمياً عن ذلك بيان الرئيس دي كليرك في نفس الشهر الذي أفرج فيه عن مانديلا.

انصبت المفاوضات بين الطرفين في مرحلة أولى دامت قرابة 3 أشهر على وضع أسس التفاوض والتدابير المستعجلة، وصدر "بيان الكاب" في شهر ماي 1990، والذي عبر عن "الالتزام المشترك لتبديد مناخ العنف والتهديد أيًّا كان مصدرهما، فضلاً عن تحقيق الالتزام وفق عملية متفاوضة سلمية".

لفهم السياق وما يشمله من المسارات والصيغ والأشكال التي طرح بها، وعولج على ضوئها موضوع تصفية ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، يتعين استحضار الشروط الخاصة للصراع المرير الذي عرفته جنوب إفريقيا.

على خلاف باقي التجارب التي كان الصراع فيها من أجل استلام السلطة أو استعادتها مدنياً، واجه السود نظام الأبارتيد تأسس رسمياً منذ 1948م بما هو نظام فصل عنصري حكمته سياسة الحديد والنار وأطرته أنظمة قانونية خاصة، كقانون مناطق الجماعات، قوانين الأرض والإقامة والطوارئ وتسجيل السكان وتنقلهم.

وفي ظله اختبر ومارس النظام العنصري كل أشكال الانتهاكات الجسيمة، وبالمقابل واجهت هذا النظام حركات سياسية عسكرية مدنية وثقافية ظلت مستفيدة على الدوام من دعم إنساني عالمي متنامٍ، ومن القيادة المعنوية لنيلسون مانديلا.

وعرفت المواجهة كل فنون الحرب المدنية والعسكرية، وهي المواجهة التي انتهت بعد قرابة ثلاثة عقود إلى وضعية "لا غالب ولا مغلوب" أو كما وصفها فيما بعد عند بدء المفاوضات، القس "ديسموند توتو" نحن أهل جنوب إفريقيا لا يمكن أن ننجو وننتصر إلا معاً، سوداً وبيضاً باعتبارنا مرتبطين بالظروف والتاريخ، مكافحين من أجل الخروج من هذا المستنقع المتمثل في نظام الأبارتيد، لا يمكن لأية مجموعة أن تنتصر وحدها.

على مدار قرابة ست سنوات، خضع مسلسل تصفية ملفات الانتهاكات الجسيمة لعدة مراحل في مرحلة أولى، وبمقتضى اتفاق "الكاب" ماي 90، اتفق على آليات وإجراءات ومساطر متدرجة في الزمان والمكان في أفق التصفية الشاملة ومن بينها بصفة رئيسة:

 إنشاء فريق عمل عهد إليه بإعداد "تعريف للجرائم السياسية في الحالة الخاصة بجنوب إفريقيا على قاعدة الإفادة من القواعد والآليات اللازمة لموضوع الإفراج عن المعتقلين السياسيين ومنح الحصانة فيما يتعلق بالجرائم السياسية لمن يتواجدون داخل جنوب إفريقيا وخارجها".

 قيام الحكومة باتخاذ الإجراءات لمنح الحصانة المؤقتة لقياديين وأعضاء في المؤتمر الوطني بهدف "تمكينهم من العودة للمساهمة في تنفيذ التزامات بيان الكاب".

وعلى ضوء تقرير أعد بخصوص تعريف الجرائم السياسية، أبرم الطرفان (الحكومة وحزب المؤتمر الوطني) اتفاقاً ثانياً في غشت 1990م عرف بمذكرة بريتوريا، وضعت بموجبها خطة "للإفراج عن السجناء المتصلين بالمؤتمر الوطني وبعدم إجراء محاكمات مباشرة".

بعد حصول هذا الاتفاق، وتتويجاً لإجراءات هذه المرحلة الأولى، صدر في نوفمبر 1990م بالجريدة الرسمية إعلان حكومي لوزارة العدل أقر المبادئ التوجيهية لتعريف الجرائم السياسية ومنح المعتقلين والمنفيين المتورطين في النزاعات المسلحة العفو والإعفاء من المقاضاة والحصانة المؤقتة.

مكَّن هذا الإعلان والذي صاغ بدقة المصالح المتوازنة للطرفين من إضفاء الشرعية على المبادئ التوجيهية لاتفاق الكاب "ماي 90" ومذكرة بريتوريا "غشت 90" وفي إطارها تمت دراسة كل حالة على حدة حسب "الباعث السياسي للجرم والسياق الذي اقترف فيه وطبيعة الهدف السياسي وطابعه القانوني ومستوى فداحته وهدفه والعلاقة بين الفعل والهدف السياسي المراد تحقيقه وفيما إذا كان قد اقترف تنفيذاً لأمر أو بموافقة المنظمة أو المؤسسة أو الهيئة المعنية".

شكلت هذه الإجراءات مدخلاً مهماً لرفع حالات الطوارئ وإطلاق سراح المعتقلين وفي استعادة أجواء الأمن والشروع في المفاوضات حول الدستور الانتقالي وتسريع وتيرة التحاق باقي الأطراف والأحزاب السياسية بعملية المصالحة الوطنية التي ستنتظم كقوى سياسية إلى جانب حزب المؤتمر الوطني في "المجلس التنفيذي الانتقالي" "ومجلس التفاوض المتعدد".

في سياق هذا الوضع وعلى خلفيته طرحت بصفة متداخلة ثلاثة قضايا بالغة التعقيد: البحث في الانتهاكات وتعويض الضحايا وإعادة تأهيلهم والعفو العام في إطار قضية واحدة هي المصالحة الوطنية.

ولدعم مسار الوحدة الوطنية والمصالحة، كمسار سياسي انتقالي بالدرجة الأولى، أصل الدستور الانتقالي لمبدأ المصالحة ذاته بتأكيده على أن:

"يضع هذا الدستور جسراً تاريخياً بين ماضي مجتمع مزقته الانقسامات والصراعات والمعانات والظلم وبين مستقبل مبني على الاعتراف بحقوق الإنسان والديمقراطية والتعايش السلمية، وآفاق الاعتراف بتنمية ممنوحة لجميع سكان جنوب إفريقيا كيفما كان لون بشرتهم أو عرقهم أو طبقتهم الاجتماعية أو جنسهم، كما أن البحث عن الوحدة الوطنية والرفاهية لجميع سكان جنوب إفريقيا يفترضان المصالحة بينهم جميعاً".

لم يكن إنجاز المرحلة الانتقالية أمراً سهلاً أو على طريقة مستوية فقد استغرقت هذه المرحلة قرابة أربع سنوات من يناير 1990 إلى انتخاب مانديلا رئيساً بتاريخ 2741994م، وهي المرحلة التي وصفها القس ديسموند "إلى حدود 1994 كنا نعيش فوق صفيح ساخن وعلى حافة الهاوية".

كان من بين القرارات الأولى التي اتخذها نيلسون مانديلا بعد انتخابه من طرف الجمعية الوطنية المنتخبة ديمقراطياً تشكيله لمفوضية الحقيقة والمصالحة ودعوته الجميع إلى التعاون معها.

أنشئت مفوضية جنوب إفريقيا للحقيقة والمصالحة من 17 شخصية مشهود لها بالكفاءة والتخصص من عالم الطب والقضاء والحقوق، وروعيت فيها التمثيلية الإقليمية والسياسية والدينية وتوزع أعضاؤها على ثلاث لجن رئيسة: لجنة الانتهاكات، ولجنة إصلاح الضرر وإعادة الاعتبار، ولجنة العفو.

أسندت رئاسة اللجنة إلى رجل الدين البارز والعميد السابق لجوهانسبيرج القس "ديسموند توتو" يمثل الكتاب القيم "لا مستقبل دون صفح" للقس ديسموند عن تجربة مفوضية الحقيقة والمصالحة مصدراً ثرياً لفهم أعمق لتجربة جنوب إفريقيا وفضلاً عن كونه صادراً عن رئيس اللجنة فإن صاحبه في نفس الوقت شخصية قادمة من أعماق التسامح ومن مذهب عقدي يحتل فيه الاعتراف مكانة بارزة في النسق الديني.

أما بخصوص المرتكزات الفلسفية، الإنسانية، الحقوقية، لهذه التجربة فيمكن الوقوف على ملامح رئيسة منها:

 استند عمل مفوضية الحقيقة والمصالحة على التأصيل الدستوري لمفهوم المصالحة واستهدف في عملها إيجاد "توازن دقيق بين متطلبات العدل والمسؤولية والسلام المدني والمصالحة".

 استبعدت اللجنة خيار "نورنبورغ" الذي أحدث غداة الحرب العالمية لمحاكمة مجرمي النازية، حيث "لا أحد من المعسكرين كان في موقع فرض عدالة المنتصرين فلا أحد منهما انتصر انتصاراً حاسماً يسمح له بذلك، بل وصلنا إلى مأزق على المستوى العسكري".

 بخصوص طبيعة اللجنة، وفيما إذا كانت جهازاً قضائياً أو شبه قضائي وهو إشكال أثر في كل التجارب، اعتبر رئيسها "أن المفوضية وسيلة أكثر فعالية من المحكمة للوصول إلى الحقيقة، مادام أن المعنيين كانوا مطالبين بالإدلاء باعترافات كاملة من أجل الحصول على العفو، وهكذا انقلبت العملية القضائية وأصبح على المهتمين أن يثقلوا كاهلهم بالوقائع وهم مستعدون للبوح بكل شيء".

فيما يتعلق بتقدير وسائل الاتهام والإثبات ضد المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة وقوة الأدلة وهي من اعتقد الإشكاليات التي اعترضت الخبراء الدوليين، يؤكد القس "توتو" بعض استنتاجاته المريرة في بعض جوانب هذا الموضوع.

"لقد سمح الحفاظ على السر والسلطوية معاً على إخفاء الحقيقة في مناطق الظل من تاريخنا، والملفات أصبحت صعبة التناول والشهود مجهولين في الغالب أو ماتوا، أو يرفضون التحدث، وكل ما تبقى فعلياً، وفي أغلب الحالات هو الذكريات المؤلمة والشكوك الغريزية والخطيرة والصادقة بالنسبة لمن بقوا على قيد الحياة، لكنها شكوك يستحيل تحويلها إلى حجج دامغة وموضوعية يسند بعضها بعضاً وتصمد أمام صرامة القانون» علماً أن عدداً هاماً من الذين مثلوا أمام لجنة الحقيقة والمصالحة كانوا من "مرتكبي الجرائم والانتهاكات والجنح والذين لم يفتهم استعمال الوسائل المهمة للدولة لإتلاف الدلائل وإخفاء جرائمهم".

 وبخصوص إشكالية العفو على الجناة، وضعها وحلها في مرتكزات التوازن بين العدل والمسؤولية والاستقرار والسلم المدني كمكونات أساسية لمعادلة المصالحة ولم يتم النظر في العفو بصفة عامة أو آلية.

"في حالة جنوب أفريقيا ما كان للعفو أن يكون عاماً أو أتوماتيكياً، كان من الضروري أن يتقدم طالبوه بطلب فردي، ثم التقدم أمام لجنة هي الوحيدة المؤهلة لاتخاذ القرار إذا كان يستجيب للشروط الصارمة المطلوبة حتى يمنح لهم العفو- لهذا السبب تم استبعاد الخيار الثاني المتعلق بعفو عام إذ بالإضافة إلى الأسباب التي سبق ذكرها، أحسسنا إحساساً عميقاً بأن طلب العفو العام يشبه رغبة في فقدان الذاكرة، ولقد لاحظ أحدنا بأن لا أحد منا له السلطة في محو الماضي بضربة من العصا السحرية.

وضعت اللجنة قضية العفو كخيار ثالث بين اختيارين متطرفين: محاكمة نورنبورغ أو فقدان الذاكرة وهنا تبرز قيمة الاجتهاد الذي قدمته جنوب إفريقيا.

تجلى هذا الاختيار في عفو ممنوح بشكل فردي مقابل اعترافات كاملة ذات علاقة بالانتهاكات الخطيرة المرتبكة".

يتعين التذكير بأن سلطة المفوضية في إقرار العفو أو رفضه استندت إلى اختصاص تشريعي أقره البرلمان وحددت شروطه بدقة في:

 أن تكون الأفعال التي يطلب بسببها العفو، قد اقترفت ما بين السنة شهدت مجزرة شاربفيل بداية الستينات وسنة تولي الرئيس مانديلا منتصف التسعينات .

 أن تكون ذات دوافع سياسية، ومورست من طرف حركات معترف بها رسمياً.

 أن يتقدم المعنيون اعترافات المدانة قد احترمت قاعدة التناسب.

كما نص القانون على أنه عند استكمال هذه الشروط يصبح العفو قائماً وبإمكان الضحايا الاعتراض عليه وتبريره باعتبار أن القضاء هو الجهة المختصة لعرض استئنافهم بخصوصه.

الثاني والعشرون: مفوضية جنوب إفريقيا للحقيقة والمصالحة:

الإنشاء والعضوية:

1- مصدر الإنشاء:

تأسست مفوضية جنوب إفريقيا للحقيقة والمصالحة، إثر تصديق متبادل بين رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان، حيث وافق نيلسون مانديلا وبموجب إعلان على قانون الوحدة والمصالحة الوطنية لعام 1995.

2- اعتبارات الإنشاء:

 أوردت ديباجة القانون الاعتبارات السياسية والدستورية والإنسانية من وضع المفوضية.

 تم التأكيد على أهداف المفوضية في الديباجة، وفي نطاق المقتضيات المنظمة للاختصاصات (انظر الفقرة الموالية المتعلقة بالاختصاص النوعي).

 تمثلت الاعتبارات التاريخية لإنشاء المفوضية في:

 دستور جمهورية جنوب إفريقيا لعام 1993 (قانون رقم 200 لعام 1993) يوفر جسراً تاريخياً بين ماضي مجتمع شديد الانقسام، موسوم بالنزاع والصراع والمعاناة والظلم، وبين أفق مستقبلي مبني على الاعتراف بحقوق الإنسان والديمقراطية والتعايش السلمي بين مواطني جنوب إفريقيا، بغض النظر عن اللون والعرق والطبقة والعقيدة والجنس.

 إحقاق الحقيقة فيما يتعلق بأحداث الماضي، وبالدوافع والأحداث التي ارتكبت خلالها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وإعلانها، حتى لا يتكرر ارتكاب أفعال مماثلة في المستقبل.

 أن السعي إلى الوحدة الوطنية ورفاهية كل مواطني جنوب إفريقيا والسلام كما ينص على ذلك الدستور وإقرار المصالحة بين مواطني جنوب إفريقيا وإعادة إعمار المجتمع.

3- العضوية والتكوين:

 تميزت مفوضية جنوب إفريقيا من هيئة مركزية ومن لجان خاصة.

أ تشكيل المفوضية

تكونت المفوضية من:

 عدد لا يقل عن11 ولا يزيد عن 17 مفوضاً.

 يقوم الرئيس بتعيين المفوضين بالتشاور مع مجلس الوزراء.

 اختير المفوضون من بين أشخاص مناسبين ولائقين غير منحازين ولا يحتلون مكانة سياسية عالية.

 عدم اختيار أكثر من شخصين ليسا من مواطني جنوب إفريقيا.

 أعلن قرار الرئيس بتعيين المفوضين في الجريدة الرسمية.

 أعلن الرئيس أحد المفوضين رئيساً، وآخر نائباً لرئيس المفوضية.

 جاز لأي مفوض أن يستقيل من منصبه كمفوض في أي وقت شاء، بتقديم استقالة مكتوبة إلى الرئيس.

 جاز للرئيس أن يقيل أي مفوض من منصبه بسبب إساءة التصرف، أو العجز أو عدم الكفاءة التي تحددها لجنة مشتركة بعد تلقي كتاب من الجمعية الوطنية ومن مجلس الشيوخ.

اللجان الخاصة:

عملت اللجان الخاصة تحت إشراف المفوضية باعتبارها متفرعة عنها، ورفعت إليها تقارير مؤقتة وتوصيات، وعند إتمام مهامها قدمت تقريراً شاملاً عن كل أنشطتها وقراراتها المرتبطة بإنجاز مهامها، وهذه اللجان هي:

أ- لجنة انتهاكات حقوق الإنسان

تكونت من رئيس ونائبي رئيس، وهما مفوضان عينتهما المفوضية، ومفوضون آخرون في وظائف حددتها اللجنة، كما استعانت اللجنة بمواطنين من جنوب إفريقيا مناسبين مؤهلين، ذوو خبرة بإجراءات التحقيق وتقصي الحقائق.

ب- لجنة العفو

تكونت من رئيس ونائب رئيس وثلاثة أعضاء آخرين مناسبين ومؤهلين.

عين رئيس الجمهورية رئيس اللجنة، وهو قاضٍ، ونائباً للرئيس، وعضواً آخر، كما عين بعد التشاور مع المفوضية، مفوضين اثنين كأعضاء في اللجنة.

ج- لجنة التعويض وإعادة التأهيل

تتكون اللجان من رئيس ونائب للرئيس وخمسة أعضاء على الأكثر ومفوضين تعينهم المفوضية، كما تعين اللجنة أشخاصاً مناسبين مؤهلين، ويبقى رئيس اللجنة ونائبه من المفوضين الذين تعينهم المفوضية.

الاختصاصات وتحديد المسؤوليات وقضية العفو

4- الاختصاص الزمني

حدد القانون الاختصاص الزمني في الفترة التاريخية الممتدة من 1 مارس1960 إلى الفترة المسماة بتاريخ الانقطاع المقترح في الدستور، وبذلك فإن الاختصاص الزمني قد شمل ما يربو على 34 سنة.

5- الاختصاص النوعي

ورد الاختصاص النوعي العائد للمفوضية بمقتضى القانون من خلال الفقرة المتعلقة بالأهداف ومن خلال الإحالات الخاصة بموضوع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

أكدت الأهداف على:

 تعزيز الوحدة والمصالحة الوطنية في روح من التفاهم تتعالى فوق صراعات وانقسامات الماضي من خلال:

 رسم صورة كاملة قدر الإمكان لطبيعة وأسباب ومدى الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والتي ارتكبت خلال الفترة من 1 مارس آذار 1960 إلى تاريخ الانقطاع، ويتضمن ذلك سوابق، وظروف، وعوامل وسياق تلك الانتهاكات، ووجهات نظر الضحايا، ودوافع، ووجهات نظر الأشخاص المسؤولين عن ارتكاب الانتهاكات، وذلك من خلال إجراء تحقيقات وعقد جلسات استماع.

 تسهيل منح العفو للأشخاص الذين يكشفون كشفاً كاملاً عن كل الحقائق المتعلقة بأفعال مرتبطة بهدف سياسي، والذين يمتثلون لكل مستلزمات هذا القانون.

 تحديد وإعلان مصير ومكان الضحايا، ورد الكرامة المدنية والإنسانية لهؤلاء الضحايا، بإعطائهم فرصة لسرد رواياتهم الخاصة عن هذه الانتهاكات التي كانوا ضحاياها، وبالتوصية بإجراءات تعويضيةـ بخصوص هذه الانتهاكات.

 إعداد تقرير يعطي بياناً كاملاً قدر الإمكان لفعاليات واستنتاجات الموفضية، ويتضمن توصيات لإجراءات للحيلولة دون انتهاك حقوق الإنسان في المستقبل.

كما أكد القانون بخصوص موضوع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان على:

الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما فيها الانتهاكات التي كانت جزءاً من نمط منتظم من الإساءة.

طبيعة وأسباب ومدى الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ويتضمن ذلك السوابق والظروف، والعوامل والسياق، والدوافع ووجهات النظر التي أدت إلى ارتكاب هذه الانتهاكات.

هوايات كل الأشخاص والسلطات، والمؤسسات والتنظيمات المتورطة في هذه الانتهاكات.

تحديد ما إذا كانت هذه الانتهاكات نتيجة تخطيط مقصود من جانب الدولة أو من جانب دولة سابقة أو أي من أجهزتهما، أو أي تنظيم سياسي، أو حركة تحرير أو أية مجموعة أخرى أو فرد آخر.

المسؤول عن هذه الانتهاكات، سواء كانت سياسية أو غير سياسية.

وبخصوص مفهوم الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان حدد قانون المفوضية بأنها، تعني انتهاك حقوق الإنسان من خلال:

القتل، أو الاختطاف، أو التعذيب أو المعاملة المهينة لأي شخص.

أية محاولة أو مؤامرة، أو تحريض أو إثارة، أو أمر أو تدبير ارتكاب فعل، يكون قد نتج عن صراعات الماضي، وتم ارتكابه خلال الفترة من 1 مارسآذار 1960 إلى تاريخ الانقطاع داخل أو خارج الجمهورية، وكان ارتكابه نتيجة، أو تخطيطاً، أو توجيهاً أو أمراً من أي شخص يتصرف بدافع سياسي.

6 - تحديد المسؤوليات وقضية العفو:

أشرنا في معرض القسم المتعلق بتاريخ العدالة الانتقالية إلى السياق الخاص بجنوب إفريقيا وإلى موضوع تحديد المسؤوليات كما فسره رئيس المفوضية القس ديسموند توتو.

 اندمج موضوع تحديد المسؤوليات في تجربة جنوب إفريقيا مع قضية العفو المشروط في تلازم متداخل.

 قاربت تجربة جنوب إفريقيا موضوع المسؤوليات في إطار توازن دقيق دمج بين متطلبات السلم المدني والتوجه إلى المستقبل وإعادة البناء مستلهمة في ذلك روح المصالحة القوية بين أطراف النزاع ومقومات الثقافة الدينية المسيحية.

 أصل قانون المفوضية لموضوع المسؤوليات من خلال إشارات وتأكيدات قوية ودالة، بحيث تم التنصيص في الديباجة وفي صلب القانون صراحة على أن هناك حاجة إلى التفاهم وليس إلى الانتقام.

 هناك حاجة إلى الإصلاح وليس إلى الرد بالمثل.

 هناك حاجة إلى النزعة الإنسانية وليس إلى التمثيل بالغير مثل العفو قيمة خاصة من قيم المصالحة، كما جسد آلية مهمة في إطار الكشف عن الحقيقة.

 واعتبار للمكانة التي احتلها العفو في تجربة جنوب إفريقيا، فيتعين التوقف عنده بتفصيل، وذلك إدراكاً لسياقه وقواعده وشروطه وعلاقته مع قضية المصالحة، كما يتعين التذكير بأن العفو في تجربة جنوب إفريقيا شمل الأفراد من الجهتين معاً، أعوان الدولة وأعضاء الحركات المسلحة المعارضة.

 استندت ديباجة قانون المفوضية على التأصيل الدستوري القاضي: "وبما أن الدستور يذكر أنه من أجل تعزيز مثل هذه المصالحة وإعادة البناء، فإن العفو سيمنح فيما يخص أفعالاً وإغفالات وإساءات مرتبطة بأهداف سياسية تم ارتكابها في سياق صراعات الماضي".

 يتجلى العفو المشروط كما أكده قانون المفوضية، في شرط حسن النية وتم منحه بعد الكشف عن الحقائق، يؤكد القانون:

 إذا كان مقدم الطلب قد كشف عن كل الحقائق ذات الصلة، فإن اللجنة تمنح العفو فيما يخص هذا الفعل، أو الإهمال أو الإساءة.

 في هذا القانون، طالما لا يدل السياق على خلافه، فإن تعبير "فعل مرتبط بهدف سياسي" يعني أي فعل أو إهمال يؤدي إلى إساءة أو جنحة ترتبط بهدف سياسي وفق نصيحة، أو مخطط، أو توجيه، أو أمر أو اقتراف داخل أو خارج الجمهورية خلال الفترة من 1مارس آذارإلى تاريخ الانقطاع قام به:

 أي عضو أو مناصر لمنظمة سياسية أو حركة تحرير معروفة للعموم، لمصلحة تلك المنظمة أو الحركة، بنية حسنة لتأييد صراع سياسي قامت به مثل تلك المنظمة أو الحركة ضد الدولة أو ضد أية دولة سابقة أو ضد أية منظمة سياسية أو حركة تحرير معرفة للعموم.

 أي موظف في الدولة أو في أية دولة سابقة، أو أي عضو في قوات أمن الدولة أو أية دولة سابقة خلال أو في مجال واجباته وضمن مجال سلكته الظاهرة أو الضمنية، موجه ضد منظمة سياسية أو حركة تحرير معروفة للعموم ومتورطة في صراع سياسي ضد دولة أو أية دولة سابقة أو ضد أي أعضاء أو مناصرين لمثل تلك المنظمة أو الحركة، والذي تم اقترافه بحسن نية بهدف مجابهة أو مقاومة الصراع المذكور.

 ولتقرير ما إذا كان الفعل، يكتسي صبغة الإهمال والإساءة، ومرتبطاً بهدف سياسي، تم الرجوع إلى المعايير التالية:

 دافع الشخص الذي اقترف الفعل، أو الإهمال أو الإساءة.

 السياق الذي من خلاله وقع الفعل، أو الإهمال أو الإساءة، وبشكل خاص ما إذا كان الفعل أو الإهمال أو الإساءة قد تم اختراقها من ثورة سياسية، أو شغب، أو رد فعل لذلك.

 الطبيعة القانونية الواقعية للفعل، أو الإهمال أو الإساءة، بما في ذلك جسامة الفعل، أو الإهمال أو الإساءة.

 موضوع أو هدف الفعل، أو الإهمال أو الإساءة، وخاصة إذا كان الفعل، أو الإهمال أو الإساءة، موجهة بشكل أساسي ضد معارض سياسي أو موظفين للدولة أو ضد أملاك خاصة، أو ضد أفراد.

 إذا كان الفعل، أو الإهمال أو الإساءة قد تم اغترافها خلال تنفيذ أمر صادر من، أو لمصلحة أو بموافقة المنظمة، أو المؤسسة، أو الحركة أو مجموعة التحرير التي كان مقترف الفعل عضواً فيها، أو عميلاً أو مناصراً لها.

 العلاقة بين الفعل، أو الإهمال أو الإساءة وبين الهدف السياسي المقصود، وبشكل خاص الصفة المباشرة أو العلاقة القريبة، وكذلك حجم الفعل، أو الإهمال أو الإساءة بالنسبة إلى الهدف المقصود، بدون أن يشمل أي فعل، أو إهمال أو إساءة أي شخص مذكور قد تصرف:

 لفائدة شخصية: بشرط ألا يتم استبعاد أي فعل، أو إهمال أو إساءة اقترفها شخص تصرف أو تلقى أموالاً أو أي شيء ذي قيمة بوصفه مخبراً لدولة، أو أي دولة سابقة، أو لمنظمة سياسية، أو حركة تحرير، على أساس أن هذا الشخص قد تلقى نقوداً أو أي شيء ذي قيمة لقاء معلوماتهـ أو: انطلاقة من ضغينة شخصية، أو بغض، أو نكاية موجهة ضد ضحية الأفعال المقترفة.

كما حدد قانون المفوضية، حالات موضوع العفو، المعروضة على القضاء، أو تلك التي صدرت بشأنها أحكام قضائية، وهكذا نص على:

 إذا كان أي شخص:

 قد تم اتهامه أو كان تحت المحاكمة بخصوص إساءة ناتجة عن فعل أو إهمال تم منح العفو عنها وفق شروط هذا البند.

 أو قد تمت إدانته، أو لا يزال ينتظر الحكم، أو كان تحت الحجز بغرض إنهاء حكم في السجن مفروض بخصوص إساءة ناتجة عن فعل أو إهمال، تم منح العفو عنها، فإن الإجراءات الجنائية تصبح ملغاة فوراً حال نشر الإعلان، وكذلك ينتهي مفعول الحكم المفروض حال هذا النشر، وكذلك يتم إطلاق سراح الشخص الموضوع تحت الحجز فور النشر.

إذا تم منح عفو لشخص فيما يخص أي فعل أو إهمال قد شكلا سنداً لحكم مدني تم النطق به في أي وقت قبل منح العفو، فإن نشر الإعلان لن يكون له أي تأثير على تنفيذ الحكم المعني على هذا الشخص.

عندما يكون قد تمت إدانة شخص بأي إساءة ناتجة عن فعل أو إهمال مرتبطين بهدف سياسي وبخصوصها قد تم منح عفو وفق شروط هذا القانون، فإن أي تدوين أو تسجيل لهذه الإدانة يعتبر محذوفاً من كل الوثائق الرسمية، وكذلك فإن الإدانة لكل الأغراض بما فيها تطبيق أي قانون للبرلمان أو أي قانون آخر، تعتبر كأنها لم تحدث: شرط أن تتمكن اللجنة من إصدار توصية إلى الجهة المختصة باتخاذ هذه الإجراءات بالطريقة التي تراها ضرورية لحماية الأمن العام.

وإذا قررت اللجنة رفض منح العفو فإن عليها إعلام الشخص الذي قدم طلب العفو، وأي شخص يعتبر ضحية للفعل، أو الإهمال أو الإساءة التي هي موضوع الطلب، وتعلن المفوضية كتابة بقرارها وأسباب رفضها، وإذا تم تعليق أي محاكمات جنائية أو مدنية إلى حين اتخاذ قرار بشأن طلب للعفو.

وإذا تم رفض هذا الطلب، فإنه يجب أن يتم إخبار المحكمة المعنية بهذا الرفض، ولا يجب أن تستنتج المحكمة المعنية أي استنتاجات سلبية من متابعة المحاكمات التي تم تعليقها إلى حين اتخاذ قرار بشأن طلب للعفو.

رسالة من نلسون مانديلا للعرب تستحق القراءة

إخوتي في بلاد العرب

إخوتي في تونس ومصر

أعتذر أولاً عن الخوض في شؤونكم الخاصة، وسامحوني إن كنت دسست أنفي فيما لا ينبغي التقحم فيه، لكنني أحسست أن واجب النصح أولاً، والوفاء ثانياً لما أوليتمونا إياه من مساندة أيام قراع الفصل العنصري يحتمان علي ردّ الجميل وإن بإبداء رأي محّصته التجارب وعجمتُه تجارب الأيام، وأنضجته السجون... أحبتي ثوار العرب.

لازلت أذكر ذلك اليوم بوضوح، كان يوماً مشمساً من أيام كيب تاونـ خرجت من السجن بعد أن سلخت بين جدرانه عشرة آلاف يومـ خرجت إلى الدنيا بعدما ووريت عنها سبعاً وعشرين سنة لأني حلمت أن أرى بلادي خالية من الظلم والقهر والاستبداد.

ورغم أن اللحظة أمام سجن فكتور فستر كانت كثيفة على المستوى الشخصي إذ سأرى وجوه أطفالي وأمهم بعد كل هذا الزمن، إلا أن السؤال الذي ملأ جوانحي حينها هو، كيف سنتعامل مع إرث الظلم لنقيم مكانه عدلاً؟

أكاد أحس أن هذا السؤال هو ما يقلقكم اليومـ لقد خرجتم لتوكم من سجنكم الكبير، وهو سؤال قد تُحدد الإجابة عليه طبيعة الاتجاه الذي ستنتهي إليه ثوراتكم.

إن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلمـ فالهدم فعل سلبي والبناء فعل إيجابيـ أو على لغة أحد مفكريكم حسن الترابي فإن إحقاق الحق أصعب بكثير من إبطال الباطل.

أنا لا أتحدث العربية للأسف، لكن ما أفهمه من الترجمات التي تصلني عن تفاصيل الجدل السياسي اليومي في مصر وتونس تشير بأن معظم الوقت هناك مهدر في سب وشتم كل من كانت له صلة قريبة أو بعيدة بالأنظمة السابقة، فذاك أمر خاطئ في نظري، أنا أتفهم الأسى الذي يعتصر قلوبكم وأعرف أن مرارات الظلم ماثلة، إلا أنني أرى أن استهداف هذا القطاع الواسع من مجتمعكم قد يسبب للثورة متاعب خطيرة، فمؤيدو النظام السابق كانوا يسيطرون على المال العام وعلى مفاصل الأمن والدولة، وعلاقات البلد مع الخارج، فاستهدافهم قد يدفعهم إلى أن سيكون إجهاض الثورة أهم هدف لهم في هذه المرحلة التي تتميز عادة بالهشاشة الأمنية وغياب التوازنـ أنتم في غنى عن ذلك أحبتي.

إن أنصار النظام السابق ممسكون بمعظم المؤسسات الاقتصادية التي قد يشكل استهدافها أو غيابها أو تحييدها كارثة اقتصادية أو عدم توازن أنتم في غنى عنه الآن.

عليكم أن تتذكروا أن أتباع النظام السابق في النهاية مواطنون ينتمون لهذا البلد، فاحتواؤهم ومسامحتهم هي أكبر هدية للبلاد في هذه المرحلة، ثم إنه لا يمكن جمعهم ورميهم في البحر أو تحييدهم نهائياً ثم إن لهم الحق في التعبير عن أنفسهم وهو حق ينبغي أن يكون احترامه من أبجديات ما بعد الثورة.

أعلم أن مما يزعجكم أن تروا ذات الوجوه التي كانت تنافق للنظام السابق تتحدث اليوم ممجدة الثورة، لكن الأسلم أن لا تواجهوهم بالتبكيت إذا مجدوا الثورة، بل شجعوهم على ذلك حتى تحيدوهم وثقوا أن المجتمع في النهاية لن ينتخب إلا من ساهم في ميلاد حريته.

إن النظر إلى المستقبل والتعامل معه بواقعية أهم بكثير من الوقوف عند تفاصيل الماضي المرير.

أذكر جيداً أني عندما خرجت من السجن كان أكبر تحدٍ واجهني هو أن قطاعاً واسعاً من السود كانوا يريدون أن يحاكموا كل من كانت له صلة بالنظام السابق، لكنني وقفت دون ذلك وبرهنت الأيام أن هذا كان الخيار الأمثل ولولاه لانجرفت جنوب إفريقيا إما إلى الحرب الأهلية أو إلى الديكتاتورية من جديد، لذلك شكلت "لجنة الحقيقة والمصالحة" التي جلس فيها المعتدي والمعتدى عليه وتصارحا وسامح كل منهما الآخر.

إنها سياسة مرة لكنها ناجعة.

أرى أنكم بهذه الطريقة وأنتم أدرى في النهاية سترسلون رسائل اطمئنان إلى المجتمع الملتف حول الديكتاتوريات الأخرى أن لا خوف على مستقبلهم في ظل الديمقراطية والثورة،، مما يجعل الكثير من المنتفعين يميلون إلى التغيير، كما قد تحجمون خوف وهلع الديكتاتوريات من طبيعة وحجم ما ينتظرها، تخيلوا لو أننا في جنوب إفريقيا ركزنا كما تمنى الكثيرون على السخرية من البيض وتبكيتهم واستثنائهم وتقليم أظافرهم؟ لو حصل ذلك لما كانت قصة جنوب إفريقيا واحدة من أروع قصص النجاح الإنساني اليوم.

أتمنى أن تستحضروا قولة نبيكم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

نلسون روهلالا مانديلا هوانتون جوهانزبيرغ.

الثالث والعشرون: مقترح تم تقديمه من خبراء قانونيين للمجلس الوطني الانتقالي المؤقت:

 بخصوص قانون العدالة الانتقالية:

بعد الاطلاع على الإعلان الدستوري المؤقت الصادر في 3 أغسطس 2011.

 وعلى القانون المدني:

 وعلى قانون المرافعات المدنية والتجارية.

 وعلى قانون العقوبات والقوانين المكملة له.

 وعلى قانون الإجراءات الجنائية وتعديلاته.

 وعلى التشريعات العسكرية النافذة.

 وعلى القانون رقم 19 لسنة 1989م بشأن إقرار مزايا لقتلى العمليات العسكرية والمفقودين والأسرى.

 وعلى القانون رقم 62006 بشأن نظام القضاء وتعديلاته.

 وعلى القانون رقم 42010 بشأن التحكيم.

 وعلى ما أصدره المجلس الوطني الانتقالي المؤقت من بيانات بشأن الحريات العامة وحقوق الإنسان.

 وبناءً على ما عرضه مسؤول شؤون العدل وحقوق الإنسان بالمكتب التنفيذي.

أصدر القانون الآتي:الفصل الأول

أحكام عامة

مادة (1)

تعريفات

في هذا القانون تعني المصطلحات الآتية المعاني المبينة قرين لكل منها:

 العدالة الانتقائية: مجموعة من الإجراءات التشريعية والقضائية والإدارية والاجتماعية التي تعالج ما حدث خلال فترة النظام السابق في ليبيا وما قامت به الدولة من انتهاكات لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية والعمل على إصلاح ذات البين بالطرق الودية بين بعض فئات المجتمع.

الهيئة: هي هيئة تقصي الحقائق والمصالحة المنصوص عليها في هذا القانون.

الوقائع: كل فعل يشكل جرماً أو انتهاكاً لحقوق الإنسان.

تسري أحكام هذا القانون على الوقائع التي حدثت من 1 سبتمبر 1969 إلى حين تحقيق الأهداف المرجوة من هذا القانون ولا تسري على الأشخاص الذين أتموا الصلح في ظل النظام السابق كما لا تسري على المنازعات التي صدرت بشأنها أحكام قضائية تم تنفيذهاـمادة (3)

أهداف القانون

يهدف هذا القانون إلى ما يلي:

1- ترسيخ السلم الاجتماعي.

2- ردع انتهاكات حقوق الإنسان.

3- بث الطمأنينة في نفوس الناس وإقناعهم بأن العدالة قائمة وفعالة.

4- تحديد مسؤوليات أجهزة الدولة عن انتهاكات حقوق الإنسان.

5- توثيق الوقائع موضوع العدالة الانتقالية وحفظها ثم تسليمها للجهات الوطنية المختصة.

6- تعويض الضحايا والمتضررين.

7- تحقيق مصالحات اجتماعية.

الفصل الثاني

هيئة تقصي الحقائق والمصالحة

مادة (4)

تنشأ هيئة مستقلة تسمى هيئة تقصي الحقائق والمصالحة مقرها مدينة طرابلس، ويكون لها الشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة على أن يكون لها فرع في كل دائرة مجلس محليــ وتختص بما يلي:

1- تقصي الحقائق حول الوقائع المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان في الفترة المشار إليها في المادة (2) واتخاذ ما يلزم من إجراءات بشأنها بما في ذلك التوصية بإحالة المسؤولين عن ارتكابها إلى القضاء المختص.

2- دراسة وتحقيق الوقائع ذات الطبيعة الجماعية وأعمال العنف والاعتداء الممنهج أو العشوائي من جماعات أو تشكيلات نظامية أو غير نظامية والأضرار التي لحقت بالأرواح والأعراض أو الأموال بسببها.

3- إعداد تقرير عن كل واقعة تعرض عليها على أن يشمل التقرير ما يلي:

أ- بياناً وافياً بالوقائع مدعوماً بالأدلة.

ب- النتائج التي تم التوصل إليها من خلال الدراسة والتحقيق متضمنة تحديداً دقيقاً للمسؤولية وللأشخاص ذوي العلاقة بها.

ج- ما قامت به الهيئة في سبيل محاولات الصلح بين الأطراف.

د- توصيات الهيئة بشأن طرق معالجة الأمر أو حل المنازعة بما في ذلك التوصية بإحالة أشخاص أو وقائع إلى المحاكم المختصة.

4- مواصلة البحث بشأن حالات الاختفاء القسري والكشف عن مصير المختصين مع إيجاد الحلول المناسبة بالنسبة لمن لم تثبت وفاتهم.

5- تقديم مقترحات بتفعيل عملية نزع السلاح وتسريح المقاتلين ودمجهم في المجتمع.

6- تنمية وإثراء سلوك الحوار وإرساء مقومات المصالحة دعماً للتحول الديمقراطي والتواصل مع مؤسسات المجتمع المدني والتعريف بأداة الهيئة واختصاصاتها.

مادة 5

يكون للهيئة مجلس إدارة يتكون من رئيس وعدد عشرة أعضاء ويصدر بتسميتهم قرار من المجلس الوطني الانتقالي المؤقت ويعتبر مجلس الإدارة هو السلطة العليا للهيئة يتولى إدارة شؤونها وتمثيلها في علاقاتها بالغير وأمام القضاء.

مادة 6

يختص مجلس الإدارة بما يلي:

1 تسمية رئيس وأعضاء اللجان الفرعية في المجالس المحلية.

2 وضع اللائحة الداخلية لعمل الهيئة واللجان التابعة لها.

3 مراجعة تقارير اللجان ووضع التقرير النهائي عند انتهاء عملها.

مادة 7

يشترط فيمن يختار عضواً في الهيئة أو اللجان لها ما يلي:

1 أن يكون ليبي الجنسية وأن يكون من ذوي الخبرة والكفاءة والحيدة والدراية والحكمة والقدرة على إنجاز العمل.

2 أن يكون حسن السير والسلوك.

3 ألا يكون ممن انخرط في حركة اللجان الثورية أو كان أحد أفراد الحرس الثوري أو الحرس الشعبي أو الأجهزة الأمنية السرية.

4 ألا يكون محكوماً عليه في جريمة تتعلق بالوظيفة العامة أو المهنة أو أي جريمة مخلة بالشرف.

5 ألا يكون قد فصل من الوظيفة أو المهنة بقرار تأديبي.

6 ألا يقل عمره عن أربعين سنة.

مادة 8

يحلف رئيس وأعضاء مجلس إدارة الهيئة وأعضاء اللجان قبل مباشرة أعمالهم اليمين التالية:

(أقسم بالله العظيم أن أؤدي عملي بالأمانة والصدق والنزاهة) ويكون أداء اليمين بالنسبة لرئيس وأعضاء المجلس أمام المجلس الوطني الانتقالي المؤقت وحلف أعضاء اللجان أمام رئيس مجلس إدارة الهيئة.

مادة 9

تبادر الهيئة ولجانها الفرعية القيام باتخاذ ما يلزم للنظر في المنازعات كما يتولى عرض المنازعات على الهيئة كل من:

1 وزير العدل أو وزير الداخلية.

2 النائب العام.

3 أطراف المنازعة أو أحدهم ويجوز أن يكون العرض من وكلائهم وفقاً لما تنص عليه أحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية وللهيئة سلطة تقدير صفة وأهلية أطراف المنازعة.

المادة 10

للهيئة واللجان التي تشكلها حق الاطلاع على كافة المستندات والأدلة تحت أي يد كانت والاستماع إلى أقوال من ترى حاجة للاستماع إليهم.

مادة 11

تكون جلسات اللجان علنية ما لم تقرر هذه اللجان لاعتبارات تتعلق بالنظام العام أو الآداب العامة إجراءها في سرية.

مادة 12

ليس في أحكام هذا القانون ما يخل بحق المتضرر أو وكيله في سلك سبل الانتصاف القضائي لجبر الأضرار عن الانتهاكات المرتكبة حقه أو في غل يد النيابة العامة عن رفع ومباشرة الدعوى الجنائية تجاه المتهمين بارتكاب تلك الانتهاكات.

مادة 13

تعتمد الهيئة قرارات اللجان الفرعية المسببة وتمنحها قوة السند الواجب النفاذ وإذا تبين لها أن هناك نقصاً أو قصوراً في التحقيقات أو تناقضاً في النتائج أن تعيد التقرير إلى اللجنة الفرعية المختصة لمزيد من الدراسة والتقصي وجمع الأدلة مع الأخذ في الاعتبار ماتراه مناسباً بشأن الموضوع المعروض وتختص الهيئة بالنظر في المنازعات المثار بشأنها تنازع في اختصاص أكثر من لجنة فرعية.

مادة 14

مع عدم الإخلال بأحكام القانون رقم 19 لسنة 1989 المشار إليه لكل من تضرر بسبب جرائم النظام السابق الحق في الحصول على التعويض المناسب ويكون التعويض بصورة أو أكثر من الصور الآتية:

1 دفع تعويض مادي يتم تحديده بقرار مسبب من الهيئة وفقاً للمعايير والضوابط المنصوص عليها باللائحة التنفيذية لهذا القانون ويعطي قرار الهيئة قوة السند الواجب النفاذ.

2 تعويض معنوي ويشمل الاعتذار للمتضرر أو الإقرار له بما ارتكب في حقه من تجاوزات أو انتهاكات.

3 تخليد الذكرى على النحو الذي يحدده مجلس الوزراء.

4 بأي صورة من الصور الأخرى التي يصدر بتحديدها قرار من مجلس الوزراء بناءً على اقتراح الهيئة.

مادة 15

ينشأ صندوق يسمى "صندوق تعويض الضحايا" تكون له الشخصية القانونية والذمة المالية المستقلة يتولى دفع التعويضات المستحقة بموجب هذا القانون وتحدد بقرار من المجلس الوطني الانتقالي موارد الصندوق وكيفية تمويله ويصدر بتنظيم الصندوق لائحة تنفيذية تصدر من مجلس الوزراء على أن تتضمن طريقة دفع التعويضات ومواعيدها وكيفيتها ويحل الصندوق محل صاحب الحق في مطالبة الملزم بالتعويض.

مع مراعاة المادة 88 من القانون المدني للصندوق اتخاذ إجراءات الحجز الإداري على أموال المدين وفقاً لأحكام القانون رقم 1521970 بشأن الحجز الإداري.

مادة 16

كل من يمتنع عن تمكين الجهات المختصة بتنفيذ هذا القانون من الاطلاع على أي أدلة أو مستندات في حوزته أو قام بإتلافها أو حجبها أو يرفض المثول أمام لجان تقصي الحقائق والمصالحة يعاقب بالعقوبات المقررة قانوناً مع مراعاة تدابير العفو المعمول بها بهذا الشأن.

مادة 17

تصدر اللائحة التنفيذية لهذا القانون بقرار من رئيس مجلس الوزراء.

مادة 18

يعمل بهذا القانون من تاريخ صدوره وينشر في الجريدة الرسمية.

الرابع والعشرون: أسس شرعية للمصالحة الوطنيةللشيخ الدكتور صادق الغرياني:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

فإن المصالحة من الصلح والإصلاح، ومعناه الإغضاء والتساهل، وعدم التقصي في استيفاء الحقوق بين المتنازعين، بترك كل فريق بعضاً من حقه، ليجتمعا على كلمة سواء وهو مدعو إليه طبعاً، ومرغب فيه شرعاً في الكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال تعالى: "لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـحٍ بَيْنَ النَّاسِ" (النِّساء: 114). وقال تعالى: "وَالصُّلْحُ خَيْرٌ" (النِّساء: 128). وقال تعالى: "فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّـلِمِينَ" [الشورى: 40]..

وفي الصحيح أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اذهبوا بنا نصلح بينهم"، وفي الصحيح" "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم".

ومن أحكام الصلح المرغوب فيه ما يلي:

-1 أن من ثبت له من المتخاصمين الحق، من دم أو عرض أو مال، الأفضل له بعد ثبوت حقه وبيانه له أن يتسامح ويتجاوز ويتصدق بالحق على صاحبه، فذلك كفارة له، قال تعالى بعد أن ذكر أن "النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالاْنْفَ بِالاْنْفِ وَالاْذُنَ بِالاْذُنِ وَالسّنَّ بِالسِنّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ" (المَائدة: 45) قال: "فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ" (المَائدة: 45).

2- التصالح والتسامح المرغب فيه شرعاً، إنما يكون مع من صدرت منه الهفوة والخطأ وتاب منه، فهذا هو المعني بالعفو والصلح في قوله تعالى: "فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ" (الشّورى: 40) وقوله: "وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الاْمُورِ" (الشّورى: 43). وقوله تعالى: "وَلاَ تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيّئَةُ" (فُصّلَت: 34).

أما من كان مشهوراً بالبغي مجاهراً بالعدوان والإجرام، فالانتصار والقصاص منه شرعاً أولى لقول الله تعالى: "وَالَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ" (الشّورى: 39). فقد جاءت الآية في معرض المدح عقب قوله تعالى: "وَالَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمْ" (الشّورى: 38). ومحلها من كان مشهوراً بالبغي والعدوان.

3- الصلح المرغب فيه شرطه ألا يحل حراماً أو يحرم حلالاً، قال صلى الله عليه وسلم : "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً، والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً".

4- لا يجوز إقرار مبدأ في الصلح يترتب عليه ظلم بريء، وذلك مثل إقرار عقوبة جماعية على أهل بلدة بأسرها وقع منها على الحرمات والدماء، لأن البلاد المتهمة بالتعدي لابد أن يوجد فيها الصغير والمرفوع عنه القلم والكبير العاجز ومن لم يرض بفعل أهلها، ولا قدرة له على منعهم، فإقرار مبدأ عقوبتهم جميعاً، كتهجيرهم من ديارهم هو صلح بما حرمه الله تعالى من الظلم، وقد قال الله تعالى: "وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً" (الفُرقان: 19). وقال تعالى: "يَـأَيُّهَآ الَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآء بِالْقِسْطِ" (المَائدة: 8). وقال تعالى: "وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" (الأنعَام: 164).

5- لا يجوز لأحد ظُلم أن يتولى القصاص من الظالم بنفسه، بل عليه أن يرفع ذلك إلى القضاء فالقصاص واسترداد المظالم لا يكون إلا عن طريق الأئمة والحكام، وذلك بإجماع الأمة.

6- الحاكم الذي يرفع إليه الأطراف خصوماتهم لينظر فيها يندب له أن يأمر الأطراف بالصلح والعفو، ولا يحوجهم إلى تتبع الصغير والكبير من حقوقهم، وذلك بشرطين:

الأول: موافقة جميع الأطراف على مصالحته والرضا بها، فإن رد أحد الأطراف الصلح يجب على من يتولى الصلح استيفاء الحق لأصحابه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم  للزبير حين رد خصمه الصلح على النبي  صلى الله عليه وسلم : "أسْقِ ثمَّ احْبسْ يَبْلُغَ الجَدْرَ" إحالة.

الثاني: أن لا يتبين للحاكم الحق بعد أن يكون قد نظر في الدعاوي وسماع البينات، فحينها، أن تبين له فلا بد أن يبين لصاحب الحق حقه، بعد أن ذلك إن أراد أن يترك صاحب الحق حقه فالأمر له، وذلك لما جاء في رسالة عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري: (فالحرص على الصلح ما لم يتبين لك فصل القضاء).

7- الصلح والتنازل عن الحق كله أو بعضه، لا يكون إلا ممن ملك ذلك الحق، فلا يجوز الصلح أو التنازل عن الحق من غير صاحبه الذي يملكه، سواء كان الذي لا يملكه الدولة أو الأفراد، فقد قال الله تعالى: "وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَـناً" (الإسرَاء: 33)، ومعنى هذا أنه ليس لأحد أياً كان، الحكومة أو غيرها، أن تعفو عن أحد أجرم في حق الوطن، بقتل أو نهب مال أو غيره، إلا ممن له ولاية على ذلك شرعاً.

8- المهجرون عن بلدانهم يجوز عند الخوف من الثأر والانتقام منهم إبقاؤهم بأماكن مؤقتة خارج مناطقهم التي دارت فيها المعارك بينهم وبين جيرانهم، وذلك إلى قيام المحاكم الانتقالية لتنظر في قضاياهم، ليعرف المذنب من البريء، وحينها يقع القصاص من الظالم عن طريق المحاكم، ويرجع الأبرياء إلى ديارهم وذويهم.

9- إلى أن يتم تفعيل المصالحة، إما بإنشاء المحاكم، أو بالعمل على تهدئة النفوس، المطلوب من الدولة أن تؤوي هؤلاء المهجرين في وضع لائق، لأن بقاءهم لاجئون دون إيواء يثير فيهم الإحساس بالمذلة، وإحياء الثارات القبلية القديمة مع جيرانهم، فيلجأون إلى حمل السلاح.

10- المطلوب من الدولة أن تسرع بإنشاء هذه المحاكم الخاصة بالمصلحة الوطنية، لأن الإسراع بها يخفف من التوتر والاحتقان الحاصل بين الطرفين.

11- المصالحة الوطنية تعد من القضايا الوطنية العامة، أي تعني الوطن كله، وليست قضية خاصة بين البلدين المطلوب المصالحة بينهما، لذا يجب أن تتبناها الدولة، ولا تترك على أنها قضية خاصة يوكل أمرها إلى الأطراف التي تضررت، لأن الخصم لا يكون حكماً.

12- الكتائب الذين قاتلوا الثوار، يؤخذ كل واحد منهم بما وقع منه من تعد على الدماء والحرمات والأموال، فإن الباغي إذا كان خروجه لعناد وعصبية من غير تأويل، فإنه يضمن بخروجه على الإمام العدل كل ما أتلفه من نفس ومال وجراح وفروج، فيقتص منه في الأطراف والنفوس، ويرد منه المال إن كان قائماً ويغرمه إن فات إلا أن يشاء صاحب الحق أن يترك حقه فله ذلك.

13- المصالحة الوطنية المتعلقة بتولي مناصب الدولة لا تكون بإسناد مناصب قيادية في الإدارات والمؤسسات إلى من تعاونوا مع نظام القذافي من الفئات التالية:

أ- من تلطخت أيديهم بالدماء.

ب- من كان معروفاً بسرقات الأموال واستغلال النفوذ.

ج- من كان معروفاً من اللجان الثورية بالنشاط وحضور الملتقيات وقول الزور بالمدح الكاذب والنفاق وملاحقة الأبرياء والوشاية بهم وذلك لأن هؤلاء جميعاً لا يجوز إسناد المناصب القيادية إليهم، فإن ما ارتكبوه يعد جرحة بالغة تسلب عدالتهم، ولا يجوز أن يولي غير العدل، لقوله تعالى: "قَالَ اجْعَلْنِى عَلَى خَزَآئِنِ الاْرْضِ إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ" [يوسف: 55].

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

ذو القعدة 1432هـ 26ا

الخامس والعشرون: مقترح بآليات وأساليب تحقيق المصالحة الوطنية:

1- تشكيل هيئة وطنية للمصالحة تلحق بها اللجان الآتية:

أ- اللجنة العليا للصلح الاجتماعي وتنبثق عنها لجان فرعية على مستوى المناطق، وتتبعها لجان صلح محلية على مستوى كل مجلس محلي.

ب- لجنة الملاحقة والتقصي: وتختص بملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات في داخل البلاد وخارجها وتقصي الحقائق حيال أوضاع المفقودين وضحايا القتل والاغتصاب.

ج- لجنة التعويضات ورد الاعتبار: وتختص بمتابعة وتقدير ما لحق بالضحايا من أضرار مادية ومعنوية، ووضع آليات تعويضهم وتحديد أساليب الاعتذار لهم.

د- لجنة التسامح والعفو: وتختص بالنظر في طلبات العفو المقدمة بشأن الجرائم التي ارتكبت لأسباب سياسية وبالتصرف على ضوء ذلك.

 تعمل هذه اللجان جميعها تحت إشراف الهيئة الوطنية للمصالحة التي ينبغي أن تكون مستقلة ولا تتبع لأي جهة، ويتم تحديد صلاحيات هذه اللجان وحدود اختصاصاتها وآليات اختيارها وعلاقاتها ببعضها بلائحة من الهيئة الوطنية للمصالحة.

2- توفير الإمكانيات اللازمة لقيام الهيئة بمهامها.

3- اتخاذ ما يلزم من ترتيبات سياسية واقتصادية واجتماعية لتحقيق المصالحة الوطنية.

4- الاهتمام بالثوار من خلال استيعابهم وتنمية قدراتهم وتقديم الدعم المادي لهم في شكل منح وإعانات وحوافز نقدية وعينية من أجل لا يتجاوز السنة، والاهتمام بأسر الشهداء والجرحى والمفقودين.

5- فتح حوار واسع مع أسر الشهداء وضحايا النظام لتحديد المطالب والأولويات.

6- إعادة بناء مؤسسات الجيش والأمن الوطني ومؤسسات الإصلاح والتأهيل والاستفادة من خبرات الدول في مجال المصالحة والعدالة الانتقالية.

7- إطلاق حملات في الصحف ووسائل الإعلام المختلفة وعن طريق منظمات المجتمع المدني لتعميق حالة الوعي بأهمية المصالحة، والحث على التمسك بها والعمل من أجلها وخلق مناخ عام تسوده مشاعر الصفح والتسامح والعفو والاعتذار.

8- ضرورة العمل على حشد التأييد والدعم الدولي لهذا التوجه.

9- ضرورة الاستفادة من مجالس الحكماء والشورى بكل منطقة واعتمادها لجان توعية قاعدية تسهم في تهيئة ظروف الحوار حول عديد من الموضوعات مهما كانت مؤلمة وحساسة.

10- اتخاذ ما يلزم من إجراءات لإثبات قدرة الدولة على تأمين الحدود وفرض الأمن والنظام من خلال ممارسة مهام الضبط والإحضار، ومهام الدوريات الثابتة (البوابات) والمتحركة، وإدارة المنافذ بأنواعها، وكذلك منع المظاهر المسلحة في الميادين والشوارع والشروع في تجميع وسحب الأسلحة.

11- ضرورة توخي نوايا صادقة، وقراءة صحيحة للأوضاع الراهنة والمستقبلية وهو ما يتطلب البدء الفوري في مشاورات ومناقشات بمختلف أنحاء البلاد حتى تتكون قناعة عامة أن المصالحة الوطنية هي الخيار الأمثل.

12- ضرورة وضع برنامج زمني لإنجاز المصالحة الوطنية في أمد لا يجاوز خمسة عشر شهراً.

13- الإعلان عن ميثاق وطني للمصالحة يلتزم به جميع الليبيين.

14- البحث في مدى ضرورة إعداد قانون يحقق العدالة الانتقالية والنظر في إمكانية العمل به.

15- إزالة رواسب الماضي ومحو آثاره من خلال:

أ- الكف عن المضايقات وأعمال القبض غير القانونية والمداهمات والوقوف بحزم ضد أي أعمال انتقامية فردية كانت أم جماعية.

ب- الاستعداد للصفح وتحميل تبعات ما جرى للنظام السابق واعتبار الليبيين جميعاً ضحايا له.

ج- الاهتمام بالجرحى والمفقودين والمحتجزين من ضحايا النظام ورعاية أسرهم.

د- وضع حد لاستمرار معاناة النازحين جراء الأحداث والبحث في إمكانية إعادة أسر الفارين إلى الخارج وتقديم ضمانات لعودتهم لممارسة حياتهم ببلادهم بحرية وكرامة.

هـ- اتخاذ الإجراءات الكفيلة بسرعة إعادة إعمار المناطق المتضررة وتهيئة ظروف عودة حياة آمنة ومستقرة بها.

و- نبذ أي أعمال خارجة عن القانون تقع مستقبلاً، وتصنيفها على أنها أعمال فردية، وعدم سحبها على المكون الاجتماعي الذي ينتمي إليه مقترفها، وتحميل من قام بها تبعاتها ومسؤوليتها.

-16 إقامة مؤتمر عام للمصالحة الوطنية، بالتنسيق مع الجهات المعنية.

مقدمة من: بلقاسم رمضان بريبش حكماء ومجلس شورى الصيعان (بدر تيجي)

 مقترح هيكلة الهيئة الوطنية للمصالحة

الهيئة الوطنية للمصالحة تنقسم إلى:

1- اللجنة الوطنية للصلح الاجتماعي وتتفرع عنها:

أ- اللجنان الفرعية للصلح الاجتماعي.

ب- اللجان المحلية للصلح الاجتماعي.

2- اللجنة العليا للتقصي والملاحقة.

3- اللجنة العليا للتعويض ورد الاعتبار

4- اللجنة العليا للتسامح والعفو.

السادس والعشرون: منتدى خبراء طرابلس وثيقة مبادىء المصالحة الوطنية

"فلنتصافح لخدمة ليبيا"

"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ" (الحُجرَات: 10)..

"لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـحٍ بَيْنَ النَّاسِ" [النساء: 114]

"وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَـكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلَـحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بِاللَّهِ" [هود: 88] صدق الله العظيم..

يعي الليبيون جميعاً أن نظام الطاغية ومن خلال الحرب القذرة التي فرضها علينا، عمل بخبث ومهارة شيطانية على استهداف اللحمة الوطنية واستقصد زرع بذور الشقاق والفتنة وبواعث الاحتراب بين القبائل والمدن الليبية بغية إدخال البلاد في سرداب الفوضى الأهلية المظلم، وللأسف كل أنواع العدوان والتخريب والفساد مارسه في الغالب ليبيون ضد ليبيين سواء على مستوى أفراد أو قبائل أو حتى مدن، مما أوجد جروحاً وآلاماً عميقة في النسيج الاجتماعي الليبي، ولكن وبحمد الله وتوفيقه، لا زال الشعب الليبي على قدر من الوعي والإدراك لدرء مكامن الفتنة وبذور الشقاق، ومثلما هو حريص على تطبيق شرع الله في القصاص والعدل ومحاسبة كل من أجرم في حقه، فهو أيضاً مدرك لأهمية المصالحة الوطنية كخيار حضاري ومطلب شعبي لا غنى عنه للنهوض بالوطن وبناء ليبيا الجديدة على أسس المحبة والإخاء والعدل والقانون ونبذ سياسة العنف والتطرف والتهميش والإقصاء بهذا الخصوص، وفي سبيل تحقيق المصالحة الوطنية على الوجه الأكمل دون إضاعة حقوق أو تكريس مظالم، كان واجب علينا ألا نجعل من التشفي والانتقام والثارات والعقاب الجماعي سبيلاً نسلكه، وأن نرد الأمر لصاحب الأمر عز وجل فهو الذي منَّ علينا بهذا النصر "وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ" [آل عمران: 126]، وأن نجعل من كتاب الله وسنة الحبيب المصطفى مرجعاً ودليلاً للخروج بوثيقة مباديء للمصالحة الوطنية يتفق عليها كل الليبيون كأساس ومرجع للمصالحة بحيث تحدد مفهوم المصالحة وآلية تنفيذها وتبين حقوق وواجبات جميع الأطراف أولى منتدى خبراء طرابلس منذ تأسيسه اهتماماً خاصاً لمسألة المصالحة الوطنية لما فيها من خير البلاد والعباد، وعكف في العديد من اجتماعاته على دراسة ومناقشة مختلف الأفكار والحلول وخرج بوثيقة مبادىء للمصالحة الوطنية، كفيلة إن شاء الله بنزع الحقد والضغائن من القلوب وترضية النفوس وإحقاق الحق وإقامة الحد والاعتراف بالذنب وتسوية النزاعات بالطرق السلمية حتى يتفرغ الليبيون لإصلاح ما تم إفساده طيلة الأربع عقود الماضية والانطلاق في مرحلة البناء والتشييد في جو تسوده الطمأنينة والأمن والاستقرار..

أولاً: الثوابت والمسلمات:

 تظل المصالحة الوطنية ضرورة ملحة ومطلباً أولياً لتوطيد واستتباب الأمن والاستقرار والذي هو حجر الأساس لبناء الدولة الجديدة، وهي هدف شعبي ومجتمعي يهم كل شرائح المجتمع لن تكون هناك دولة ناجحة بدون تصالح ومصالحة وطنية بكل ما تحمله هاتان الكلمتان من معاني، فالتصالح والمصالحة هما العمود الفقري للنهوض والتقدم والاستقرار علينا أن نعي جميعاً بأنه لا خيار سلمي وحضاري لنا في هذه الظروف التاريخية الحرجة غير تحقيق التصالح والمصالحة بين كل الفرقاء إذا كنا فعلاً نريد بناء دولة مدنية ديمقراطية دستورية مؤسساتية، قوامها القانون والعدالة الاجتماعية  المصالحة الوطنية هي تكريس وتجسيد اللحمة الوطنية على أساس الإخاء والتسامح والتآزر، ونبذ مظاهر التنازع والتنافر والفتن..

ثانياً: مفهوم المصالحة:

 المصالحة الوطنية تعني المصارحة والمكاشفة المساءلة والاعتراف العدل والقصاص الاعتذار والعفو الإنصاف والتعويض المجزي وتقتضي الشفافية والمصداقية والشجاعة في تحديد من هو المذنب في حق الشعب الليبي سواء كان فرداً أو جماعة أو قبائلاً أو مدناً المصالحة الوطنية تقتضي إعطاء كل ذي حقاً حقه، فالاعتراف بالفضل لأصحاب الفضل واجب، واعتذار المسيء للمسيء إليه واجب، وعلى جميع المستويات يظل الهدف الأساسي للتصالح والمصالحة هو رأب الصدع بين المتنازعين والفرقاء وذلك بتحقيق العدل ورد المظالم بين الأطراف دون تنازل الأضعف في المعادلة المصالحة الوطنية لا تعني عفى الله عما سلف ولا تعني بالضرورة محاولة إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه وإنما محاولة إيجاد الحل الوسط والتعامل مع المشاكل والنزاعات بما يحقق الصلح بين الأطراف المتنازعة في ظل العرف والقانون والتشريعات النافذة..

ثالثاً: أهداف المصالحة:

 إنهاء الضغائن وترضية النفوس وتسوية النزاعات بالطرق الودية وبأقل التكاليف عودة الحياة الطبيعية إلى مدننا وقرانا وتحقيق السلم الاجتماعي  السعي لحقن دماء المتنازعين وصيانة أعراضهم وحفظ مُمتلكاتهم وأموالهم ضمان حسن الجوار بين المدن والقرى والقبائل المتجاورة  تأمين الطرق والمواصلات بين المدن والقرى عودة النشاطات الاقتصادية (التجارة، التنقل، السعي في الأرض، إلخ) إلى جميع أنحاء البلاد التأكيد على ثقافة العفو والصفح عند المقدرة وتنمية روح الإخاء والتعاون بين المواطنين لتحقيق الصالح العام  ترسيخ ثقافة السلام والأمن والبناء والاستقرار ونبذ ثقافة التخويف والتمزق والإقصاء والهدم إعادة بناء وتعمير المناطق المتضررة تعويض الأهالي المتضررين تعويضاً مجزياً كفالة أسر الشهداء علاج الجرحى والمصابين  تسليم المتهمين في القتل والإجرام من أعوان النظام السابق إلى جهات الاختصاص والذين كانوا طرفاً في ما آلت إليه البلاد من كوارث وتهجير بتلك المناطق توفير أماكن إقامة لائقة تتوفر بها كافة وسائل العيش الكريم للعائلات التي تضررت من الحرب وتركت أماكن إقامتها الأصلية إلى حين إيجاد ما يناسب هذه المشكلة من حلول، قد تستغرق مدة طويلة إتاحة الفرصة لكل من أجرم في حق الشعب للاعتذار وطلب العفو من شعبنا الكريم...

رابعاً: القواعد التي يجب أن تبنى عليها المصالحة:

 الشريعة الإسلامية والسنة النبوية والأعراف السائدة في المصالحات بالمناطق المختلفة ما لم تخالف شرع ا

 أنه من غير العدل عقاب الكل بجريرة البعض "وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" (الأنعَام: 164).

 أن القصاص واجب شرعي "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يأُولِي الالْبَـبِ" (البَقَرَة: 179).

 أنه من الضرورة ضمان حقوق أولي الحقوق وأولي الدم.

 أنه من الضرورة الاعتراف بالمظالم وردها أو تعويضها.

 أن الاعتذار وطلب الصفح والعفو واجب.

 قبول الطرف المتضرر الاعتذار وطلب الصفح والعفو أو طلب القصاص والتعويض.

 قبول شروط الطرف المتضرر من قبل المسبب للضرر ما لم تخالف شرع الله.

خامساً: آليات تحقيق المصالحة:

 تشكيل لجنة وطنية عليا للمصالحة تحت رئاسة الهيئة العامة للأوقاف على أن تضم في عضويتها:

 مندوب عن الأوقاف (يرأس اللجنة).

 مجموعة من شيوخ الدين والوعّاظ.

 مجموعة من القانونيين.

 مندوبين عن القبائل يتم ترشيحهم من قبل مدنهم وقبائلهم.

 أخصائيين في علم الاجتماع وعلم النفس.

 مندوب حقوق الإنسان.

 مندوبين عن مؤسسات المجتمع المدني الراغبة في ذلك.

 مجموعة متميزة من الإعلاميين.

 يتم تعيين أعضاء اللجنة على أساس الكفاءة والنزاهة والمقدرة على إنجاز أهداف اللجنة.

 تشكيل لجان فرعية متخصصة لتقصي الحقائق والقيام بمهام المبادرات الميدانية.

 تشكيل لجان الحكماء والأعيان بمختلف المناطق مهمتها الاتصال بكل الخيّرين في كل المدن والمناطق والقبائل والتشاور معهم في كيفية حل مشاكلنا الاجتماعية والسياسية.

سادساً: اختصاصات اللجنة وصلاحياتها:

 تصنيف أنواع النزاع (قتل عرض سرقة تعدي استيلاء).

 تحديد المناطق التي تحتاج إلى تدخل اللجنة للصلح.

 اعتبار قرار اللجنة الوطنية العليا بعد التوافق عليه من طرف المتنازعين حلاً نهائياً للإشكال وله من القوة ما يجعله سنداً قانونياً.

 إعداد وثيقة شرف تنشد بدور القبائل التي تنازلت عن جزء من حقها لغرض إتمام المصالحة الوطنية.

 الاطلاع على أية معلومات أو وثائق أو سجلات لها علاقة بأداء مهامها واستجواب أي شخص مهما كان منصبه وطالما له علاقة بالأمر.

 عقد جلسات استماع علنية ومفتوحة للجمهور على أن يسمح للشخص ذي الصلة أن يقدم طلباً للجنة بعقد الجلسات خلف أبواب مغلقة.

 التوصية بإصدار العفو على من يستحقه وهذا العفو لا يمكن تحقيقه إلا بعد توفر الشروط التالية:

 أن يعترف المتهم أمام اللجنة بكل الحقيقة ولا يخفي منها شيئاً.

 أن يكون المتهم قد اقترف الجرم بناء على أوامر أتت إليه من رؤسائه.

 أنه اعتقد بتنفيذ هذه الأوامر يقدم خدمة للوطن.

الملتقى الأول لمجالس الحكماء والشورى بليبيا "من أجل المصالحة الوطنية"

الزاوية في الفترة من 1 3 محرم الحرام 1433 هـ الموافق 26 28112011 م

والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين الصادق الوعد الأمين

السابع والعشرين: ميثاق شرف للمصالحة الوطنية

نحن المجتمعون في الملتقى الأول لمجالس الحكماء والشورى بليبيا المنعقد بمدينة الزاوية خلال الفترة من غرة محرم الحرام وحتى الثالث منه 1433 هجري الموافق 26 28112011 ميلادية تحت شعار "من أجل المصالحة الوطنية"، وتحت راية الاستقلال التي تمثل استحضاراً لتضحيات الأجداد والآباء من أجل استقلال وتوحيد ليبيا وطناً موحداً حراً لجميع الليبيين بنسيجهم الحضاري والثقافي والتاريخي المتنوع، وتثميناً لتضحيات الجيل الحاضر في سبيل التخلص من حكم الطغيان والظلم والاستبداد.

واستلهاماً لمبادئ الشريعة الإسلامية الغراء التي تحض على العفو والتسامح وتدعو إلى العدل والإنصاف مصداقاً لقوله تعالى: "فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (الأنفَال: 1)، ووفاءً لدماء الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم وبذلوا دماءهم الزكية لرفع الظلم وإنهاء الاستبداد وتحقيق الحرية لكي ينعم بها كل الليبيين والليبيات، وعقداً للعزم على معالجة ما نشأ عن معارك التحرير المجيدة من تبعات وآثار سلبية، وتطلعاً إلى مستقبل مشرق يتطلب توجيه كل الجهود والطاقات والموارد نحو بناء ليبيا الجديدة التي تقوم على احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون والمساواة بين المواطنين.

وإدراكاً بأن ما شهده المجتمع الليبي خلال حرب التحرير هو ثورة شعبية عارمة تهدف إلى تحول سياسي واجتماعي وتاريخي ينهي وإلى الأبد عهد الظلم والاستبداد، ويتطلع إلى فجر مشرق تسود فيه الحرية ويتحقق فيه العدل والإنصاف.

فقد تم التوافق على الآتي:

أولاً: المصالحة الوطنية من أولويات العمل الوطني وهي مسؤولية الجميع وأساسها العدل والإنصاف القائم على المساءلة وإعادة الحقوق إلى أصحابها ورد المظالم وجبر الضرر والاعتراف بحق الضحايا ورد الاعتبار إليهم وتكريس الإحساس بالمواطنة تحقيقاً للسلم والأمن الأهليين.

ثانياً: التأكد على شخصية العقوبة وعدم اللجوء إلى ممارسات العقاب الجماعي والتهجير وحرق المساكن والحرمان من الخدمات العامةـــإلخ، امتثالاً لقوله تعالى: "أَلاَّ تَزِرُ وزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" (النّجْم: 38).

ثالثاً: عدم استيفاء الحق بالذات، واللجوء إلى القضاء فيما ينشأ بين الليبيين من خلافات أو نزاعات، ومنع الاحتكام للسلاح، وتبني لغة الحوار والوسائل السلمية التزاماً بمبادئ الشريعة الإسلامية واسترشاداً بالعرف الاجتماعي السائد.

رابعاً: الالتزام بالوحدة بين أبناء الشعب وتعزيز اللحمة الوطنية وذلك بنبذ الجهوية والمركزية والإقصاء والتهميش على أسس قبلية أو عرقية أو مذهبية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة المستدامة لجميع مدن وقرى ليبيا.

خامساً: الالتزام بحماية ثورة السابع عشر من فبراير والعمل على تحقيق أهدافها المتمثلة في الحرية واحترام حقوق الإنسان وكرامته وسيادة القانون وتسخير موارد ليبيا وثرواتها لمصلحة الشعب الليبي من أجل تحقيق رفاهيته وضمان مستقبل الأجيال القادمة، فلا نكوص عن هذه الأهداف ولا عودة للظلم والاستبداد والطغيان.

المجد والخلود للشهداء الأبرار عاشت ليبيا حرة أبية..

والله ولي التوفيق..

الملتقى الأول لمجالس الحكماء والشورى بليبيا صدر بمدينة الزاوية

 في الثالث من محرم الحرام 1433هـ الموافق 2811-2011 م

الثامن والعشرين: الملتقى الأول لمجالس الحكماء والشورى بليبيا "من أجل المصالحة الوطنية"

الزاوية في الفترة من 1 3 محرم الحرام 1433هـ.

الموافق 26-28-11-2011 مالبيان الختامي للملتقى

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أيها الشعب الليبي العظيم:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إن الملتقى الأول لمجالس الحكماء والشورى بليبيا المنعقد بمدينة الزاوية المجاهدة وهو يختتم أعماله مساء هذا اليوم ليترحم على شهداء ثورة السابع عشر من فبراير المجيدة، ويتمنى الشفاء العاجل للجرحى والسلامة والعودة للمفقودين، ويهنئ الأسرى على سلامتهم، ويسجل بكل فخر واعتزاز الامتنان للثوار الذين سجلوا ملحمة بطولية رائعة شهد بها العالم، وأنهت أكثر من أربعة عقود من الظلم والقمع والاستبداد، وأنارت بدمائهم الزكية دروب العزة والكرامة والشموخ لأبناء هذا الشعب العظيم، وإذ نسجل ذلك فإننا نحيي كل الذين وقفوا مع قضيتنا من بلدان وهيئات ومنظمات دولية وإقليمية، كما نحيي كافة قادة وشعوب الدول الشقيقة والصديقة التي احتضنت مشروع ثورتنا وساهمت في إنجاحها، وفي نفس الوقت فإنه لا يفوتنا إلا أن نتقدم بالشكر الجزيل لكل مجالس الحكماء والشورى والخبراء والمشايخ والأعيان وأهل الرأي والمشورة والبحاث والمشاركين وأصحاب المداخلات واللجان المشرفة الذين ساهموا في إنجاح هذا الملتقى وما نتج عنه من ميثاق شرف للمصالحة الوطنية وتوصيات، كما نتوجه بجزيل الشكر والعرفان لكافة وسائل الإعلام التي لعبت دوراً فعالاً في إنجاح ملتقانا هذا، وفي الوقت نفسه نتقدم بالاعتذار لكل من كان الوقت حاجزاً دون تمكينه من المشاركة أو إبداء الرأي كما نلتمس العذر عن أي تقصير قد حصل أثناء انعقاد هذا الملتقى.

وختاماً نأمل من المولى عز وجل أن يكلل أعمالنا بالنجاح ويجنب بلادنا ويلات الفتن والمكائد ويحمي ثورتنا وشبابنا، كما ندعوه عز وجل أن يبارك كل الجهود التي تبذل في الصلح والمصالحة وبناء الدولة الجديدة على أسس سليمة أساسها العدل والقانون والمساوة واحترام الإنسان وحقوقه وآدميته وكرامته، وأن يحقق الأمن والسلام في كافة ربوع ليبيا الحبيبة.

هذا وقد أصدر الملتقى التوصيات التالية:

1- تشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية على مستوى ليبيا تتبعها لجان فرعية في المدن والمناطق المختلفة، ولجنة لمتابعة تنفيذ التوصيات على أن تتكون هذه اللجان من أهل الرأي والمشورة وممن لهم خبرة في فض المنازعات وتسوية الخلافات.

2- تستعين اللجنة العليا للمصالحة الوطنية باللجان الفرعية في بعض المدن والمناطق لفض النزاعات وحل الخلافات فيما بين المدن والمناطق الأخرى، في حين تقوم اللجان الفرعية بحل الخلافات التي تقع في مدنها ومناطقها.

3- التأكيد على أن الشريعة الإسلامية هي القاعدة الأساسية لأي مصالحة وطنية.

4- التعجيل بإصدار قانون العدالة الانتقالية وبما يحفظ حقوق الليبيين وتفعيل الأجهزة الأمنية والضبطية والدوائر الجنائية بالمحاكم، والتعجيل بإحالة المحتجزين والمتحفظ عليهم إلى القضاء.

5- ضرورة تقديم كل من سفك دماء الليبيين أو انتهك أعراضهم أو اختلس أموالهم أو شارك أو حرض على ارتكاب هذه الجرائم ضدهم إلى المحاكم.

-6 إنشاء صندوق مالي تموله الدولة لتعويض المتضررين من اعتداءات قوات وأعوان الطاغية ويشمل التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية.

7- العمل على خلق البيئة المناسبة والظروف الموضوعية الملائمة لتحقيق السلم والأمن الأهليين وذلك بالإسراع بتأسيس الجيش والأمن الوطنيين، وتنظيم حمل السلاح، واستيعاب الثوار فيهما وفقاً لرغباتهم وتأهلهم مهنياً، وخلق فرص عمل مناسبة لهم لإدماجهم في المجتمع الجديد الذي ثاروا من أجله.

8- العمل على وضع ميثاق شرف لوسائل الإعلام بحيث تلتزم هذه الوسائل بالعمل على تعزيز الوحدة الوطنية والابتعاد عن كل ما من شأنه إثارة النعرات القبلية أو الجهوية أو العرقية أو المذهبية.

9- إعادة النظر ومراجعة السياسة التربوية والمناهج التعليمية بحيث ترسخ روح الوحدة الوطنية وتسهم في نشر ثقافة التسامح والسلم الاجتماعيين ونبذ العنف وتأكيد ثقافة الحوار بين الأفراد والجماعات وزرع روح المصالحة في أوساط الشباب.

10- عدم اللجوء إلى ممارسات العقاب الجماعي كالتهجير وحرق المساكن والحرمان من الخدمات العامة.

11- ضرورة مشاركة المرأة مشاركة فعالة في لجان المصالحة الفرعية ولجنة المصالحة العليا.

12- ضرورة أن تساند الدولة عمليات المصالحة بتسخير إمكانياتها المادية للمساهمة في تنفيذها.

13- دعوة الوعاظ وأئمة المساجد إلى أن يضمنوا خطبهم ومواعظهم الدعوة للتصالح والمصالحة والتسامح والعفو.

14- الاستفادة من تجارب الدول التي مرت بظروف مماثلة، والاستعانة بالمنظمات الدولية المختصة مع مراعاة خصوصيات المجتمع الليبي.

15- إصدار قانون للعزل السياسي يتضمن منع من ارتكبوا جرائم وانتهاكات في حق الشعب الليبي أو سرقوا أموالهُ من تولي مناصب قيادية في أجهزة ومؤسسات الدولة.

16- إعادة هيكلة مؤسسات الدولة التي مارست أعمال قمع ضد الشعب الليبي وتطهيرها من أعوان النظام المنهار وإعادة النظر في مهامها لتكون في خدمة الوطن والمواطن بدلاً من التجسس عليه وقمعه واضطهاده.

17- دعم أسر الشهداء والمفقودين ورعايتهم والاهتمام برعاية أوضاع الجرحى والمعتقلين للتخفيف من الأضرار المادية والنفسية التي لحقت بهم ولتوفير مستوي معيشي لائق لهم.

18- الإسراع بتنفيذ برامج الإعمار في المناطق المتضررة لما له من أثر لإزالة الآثار السلبية والتأهيل النفسي تمهيداً لولوج عهد جديد يسوده التفكير الإيجابي لتحقيق المصالحة.

19- حث مؤسسات المجتمع المدني على المساهمة الفاعلة في إنجاح خطوات المصالحة الوطنية.

20- إعادة هيكلة الجامعات والمعاهد العليا والتعليم الإسلامي بما يضمن تحقيق التواصل بين الشباب والطلبة من مدن ليبيا المختلفة.

وفي الختام نكرر شكرنا وتقديرنا وامتناننا للجميعوالمجد والخلود للشهداء الأبراروعاشت ليبيا حرة أبية

والله ولي التوفيق

الملتقى الأول لمجالس الحكماء والشورى بليبيا

صدر بمدينة الزاوية في الثالث من محرم الحرام 1433هـ الموافق 28112011 م         

التاسع والعشرون: مشروع المصالحة الوطنية شروط وآليات

توطئة الأستاذ سليمان عبد القادر

لا يخفى على عاقل، بعد الإرث الطويل لنظام الظلم والفساد والاستبداد، أن الوطن في حاجة إلى خطوة تهيئ لمرحلة البناء وإقامة الدولة المدنية التي تستند إلى قيم الإسلامـ هذه الخطوة تتمثل في مشروع للمصالحة الوطنية يتحقق فيه تبيان الحقائق، وإرساء العدالة، وتحقيق المصالحةـ والحقيقة إن شعار المصالحة الوطنية تردد على الألسنة وطرق الآذان طوال الفترة الماضية، لكن الأمر المهم المستهدف في هذه الوريقات هو كيف يكون هذا المشروع مستوعباً لكل ما حدث في الفترة الماضية من تجاوزات وانتهاكات مارسها النظام بأذرع من أبناء الشعب المغرر بهم أو الذين أعمتهم سؤرة الطمع والجشع؟، بمعنى أن يكون مشروع المصالحة الوطنية لجلِّ ما حدث في البلد من انتهاكات طوال الأربع عقود الماضية وإلا اقتصر على ما حدث أيام ثورة السابع عشر من فبراير المجيدةـ والثاني أن نضع الآليات المناسبة التي تجعل من هذا المشروع واقعاً ملموساً يأخذ مداه الطبيعي ولكن يصل بعون الله عز وجل إلى غايته ومستقره، حتى لا يختزل في شعارات وهتافات قد لا تتجاوز الحناجر.

أولاً معالم المصالحة الوطنية:

1- يتبادر إلى بعض الأذهان أن مشروع المصالحة الوطنية التي نريد هو معالجة لما حدث أثناء ثورة السابع عشر من فبراير، متناسين أن هذه الثورة وما حدث فيها، نتاج منطقي للظلم والفساد والاستبداد الذي عشعش طوال الأربعة عقود الماضية، ولم يكن وليد اللحظة، ولا يمكن اختزاله في حادث معين أو قضية بعينها.

لقد شوه النظام السابق جهاد الأبطال الذين صنعوا الاستقلال وشوه نضالاً وحراكاً ثقافياً واجتماعياً كان من أسس هذا الاستقلال، وشوه النظام نخبة ثقافية وأودعها السجون حقبة السبعينيات، واستولى على أموال الموسرين بحجة تصفية البرجوازية وصادر الممتلكات الخاصة وحارب الناس في قوت أولادهم، وانبرى يطلق الأوصاف المقيتة لكل معارضيه، وأدخل البلد في حروب لا طائل من ورائها ذهب جرائها آلاف الضحايا من أبناء هذا الشعب، وجنى الوطن من ورائها فقداً لعدد كبير من أبنائه بالإضافة إلى قائمة طويلة من اليتامى والمتضررينـ وأعدم معارضيه على رؤوس الأشهاد وزج بالآلاف من أبناء الشعب في السجون والمعتقلات ليواجهوا أقذر أساليب الكبت والتعذيب، وشرد آلاف الأسر من ورائهم في الداخل بقانون العقوبات الجماعية الذي هدم بموجبه حتى البيوت، أما من تمكنوا من الهجرة القسرية، قام بملاحقتهم قتلاً وتهديداً ورصداً وتشويهاً، وحارب الناس في قوتهم، وسهل سبل الفساد حتى صار الشعار "رزق حكومة" س، "واخنب واهرب" و"اللي ما تاخذه، يأخذه غيرك"ـ ولم تكن هذه الانتهاكات تنفذ من رأس النظام مباشرة، بل استخدم فيها أذرعاً من أبناء الشعب، معتمداً في التغرير على تجاذبات قبلية وجهوية، وأطماع شخصية استجاب لها السذج وضعاف النفوس، ومعتمداً على الضيق في فرص العمل والكسب الذي نتج عن سياساته المتقلبة ونظرياته المزعومة، حتى ألجأ قطاعاً عريضاً من الموظفين والعاطلين والشباب بل وحتى من المتقاعدين والنساء المطلقات إلى العمل ضمن جهاز الأمن الداخلي في كتابة التقارير والوشاية بالمواطنين من أجل لقمة العيش، ليحصد الوطن جراء ذلك جرحاً غائراً بأياديه فمن وقع عليهم الانتهاك هم من أبنائه، ومن مارس هذا الانتهاك من أبنائه أيضاً، وقد يتذبذب البعض بين الصنفين حيناً من الزمن.

إن الانتهاك لدى البعض لم ينته بمجرد موت رأس النظام وهروب أعوانه المقربين وكتائبه بل كل من مارس الانتهاك بطريق مباشر أو غير مباشر لا بد أن يقع في دائرة استرداد الحقوق،ـ وليس المقام لمناقشة هذه الرؤية ومدى أحقية هذا الرأي، ولكن يجب التأكيد على أن مشروع المصالحة الوطنية لا بد أن يكون البلسم الذي نعالج به بعد توفيق الله عز وجل هذه الجروح ونزيل به الألغام الاجتماعية التي خلفها نظام الظلم والفساد والاستبداد بين أبناء المجتمع الواحد.

2- كما هو معلوم فإن الانتهاكات التي مارسها النظام البائد، مارسها بأذرع من أبناء هذا الشعب، واعتمد فيها على تجاذبات قبلية وجهوية كغطاء تضيع به حقائق الأشياء وبشاعة الجرائمـ والحقيقة أن التجييش القبلي والجهوي والمناطقي، ما انفك متكئاً لكل ناعق يحاول بإثارته تحقيق مطالبه الشخصية، حتى أصبحت القبيلة والمنطقة لدى البعض، المشجب الذي يعلق عليه ضعف ما يرفع من شعارات، والصهوة القصيرة التي يمتطيها لتحقيق مطامعه الشخصية، فيرفع شعار القبيلة وما لاقته من تهميش، أو يرفع شعار الجهة وما لاقته من تهميش، فقط ليجمع حوله المناصرينـ من هنا نقول: إن مشروع المصالحة الوطنية يجب أن ينحَّى إلى شخصنة القضايا قدر الاستطاعة والممكن، بحيث لا تكون القضية قضية قبيلة معينة ضد قبيلة أخرى، أو قضية جهة ضد جهة أخرى أو منطقة ضد منطقة أخرى، بل قضية فرد أو أفراد ضد فرد آخر أو أفراد آخرينـ إننا يجب أن نجرد القضايا من البعد القبلي والجهوي لأنهما بعدان تستثار فيهما الحميات والنعرات التي تحجب حقائق الأشياء وتشوش على صوت العقل والمنطق والإنصافـ يجب أن ينحى مشروع المصالحة إلى تحديد المسؤولية الفردية فيما وقع ويقفل الطريق على كل ما من شأنه أن يخرق النسيج الاجتماعي للمجتمع الليبي.

3- ما حدث خلال الأربعة عقود الماضية يفوق الوصف، وبعض الجرائم لا يتخيلها العقل السوي وتأباها النفوس المتزنة، وإلا ما ذنب أطفال صغار يحرموا من حقوقهم المدنية ويحرموا حتى من لقمة العيش لجرم اقترفه أبوهم أو أحد أفراد أسرتهم، هذا إذا سلمنا بالجرمـ ما ذنب أسرة يهدم عليها بيتها وتشرد في الشارع بلا مأوى ولا حتى سقف يظلهم لمخالفة اقترفها أحد أبناءهم، هذا إذا سلمنا بالمخالفة- كيف يستسيغ المنطق أن يمثل بجثث المعارضين وتنبش قبورهمـ ولكن على بشاعة ما حدث وفظاعته فإن سفينة الأمان في المجتمع يجب ألا تخرق بأيادي العابثين، والمصالحة الوطنية يجب ألا تخول أحداً كائناً من كان أن يسترد حقه أو مظلمته بشكل فردي، مهما كان حجم الظلم الذي وقع عليه، بل لا بد من أطر قانونية تنصف المظلوم وتجبر الضرر وترد الحقوق، حتى لا يتحول المجتمع إلى ثقافة الغابة التي يأخذ فيها كل حقه بيدهـ بل إن مشروع المصالحة يجب أن يذهب أبعد من ذلك، بأن يعتبر كل فعل يمارس بذريعة استرداد الحقوق خارج الأطر القانونية، جريمة يعاقب صاحبها مهما كان بشاعة الظلم والانتهاك الذي وقع عليه- وهذا ليس استخفافاً بالانتهاكات ولا تهميشاً للمظلومين، بل حتى لا يتحول المجتمع إلى مجتمع أدغال- ولأن ظاهرة استرداد الحقوق بشكل فردي ودون أطر قانونية، إذا فتح بابها، فإن المئات ستسول لهم أنفسهم الاعتداء على الأعراض والممتلكات بحجة استرداد الحقوق، وحينها يفقد الأمن الذي هو الأساس الذي تقوم عليه الدولة، ونقع في عين ما كان يعاب على النظام البائد.

4- إن ما وقع من انتهاكات لم يقتصر على الضرر المادي من الاستيلاء على الأملاك إلى الحبس والتشريد وحتى القتل، بل هناك انتهاكات معنوية تمثلت في تشويه الأفراد والأفكار، ومشروع المصالحة الوطنية يجب أن ينحى إلى تبيين الحقائق كأساس تقوم عليه المصالحة، ثم يأتي بعد ذلك مسألة جبر الضرر وهذا واجب أن تتحمل فيه الدولة المسؤولية، لأننا سنواجه قضايا متشابكة وخصوصاً في مسألة الأملاكـ لابد أن تجذر لشيئين لا ينفك عنهما مشروع المصالحة الوطنية، هما القدرة على العفو والتحل به، وهذا ليس ضد جبر الضرر في شيء، بل هو أمر لا بد منه لطي صفحة الماضي وعدم العودة إليها بتاتاً، وهنا يجب التأكيد على أن مصلحة الوطن تتطلب قدوات تنبري تؤصل لهذا الشرف العظيم من أنفسهم وأموالهم كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم  يوم فتح مكة حيث وضع الثأر لدم ابن عمه، ووضع ربا عمه العباس رضي الله عنه .

والأمر الآخر نبذ عقلية ونفسية الانتقام، لأنها نار إذا ما اشتعل أوارها لن تبقي أخضر ولا يابسـ إن ثورتنا المجيدة لم تقم لتنتقم طائفة من طائفة أخرى ولا قبيلة من قبائل أخرى ولا منطقة أو جهة من مناطق وجهات أخرى، هذه الثورة ليست لتغيير السلم الاجتماعي لينخفض أفراد ويصعد آخرون، ولا لتغيير الخارطة الاجتماعية لتذل قبائل وتعز قبائل أخرى، بل إن الثورة جاءت لتبيين الحقائق ورفع الظلم وأسبابه ومظاهره، الثورة لينعم كل مواطن ليبي بحقوقه على أي بقعة من تراب هذا الوطن، ليتحصل كل مواطن ليبي على الرعاية الكاملة وحقه في الحرية والعيش الكريم، ليس لأنه ابن قبيلة معينة، وليس لأنه ابن مدينة معينة، وليس لأنه قام بدور معين، بل لأنه مواطن ليبي فحسبـ وهذا لا ينفي أن نعترف لأهل الفضل بفضلهم، ولكن لا نريد لهذا الفضل الذي قام به البعض تجاه وطنهم وشعبهم أن يتحول إلى قيد تقمع به الحريات وتهدر به الحقوق وتجنى به المميزاتـ إننا لا نريد أن ندفع ظلماً بظلم آخر، ولا نريد أن ندفع انتهاكاً بانتهاك آخر ولا نريد أن نسترد حقوقاً بمنع حقوق الآخرينـ إننا نريد أن نجذر لمجتمع يقوم على العدل ونبذ الظلم، نريد أن نجذر لمجتمع يحترم الحقوق وينبذ الانتهاك، نريد أن نبني مجتمعاً يقدس الحريات العامة وينبذ مصادرتها، وبالتالي فإنه من الأهمية بمكان أن لا يتحول الضحية في وقت مضى إلى جلاد، ولا نريد أن يتحول المجني عليه إلى جانٍ، نريد لثقافة الانتهاك أن تختفي من عقول الأجيال القادمة ولهذا فعلينا أن نحذر ونحن نسترد الحقوق ونرفع المظالم من أن نؤصل للانتهاك والظلم في صورة جديدة وبأيادي أخرى، فسلمية الوسائل وقانونية الإجراءات وتغليب العفو والبعد عن الانتقام هي السمات الحقيقية لهذه المصالحة الوطنية.

5- إن المنطلق الذي ننطلق منه في مشروع المصالحة الوطنية هو أهميتها لكي تتعافى الأجيال القادمة من ويلات الظلم والانتهاك، وأهميتها من أجل المحافظة على اللحمة الوطنية، وأهميتها لطي مرحلة الماضي وعدم تكرارها في صورة أخرى من أجل ذلك فإن الدولة المتمثلة في السلطات التشريعية والتنفيذية يجب أن تتحمل المسؤولية في عملية الجبر وتتحمل المسؤولية في عملية إعادة التأهيلـ إننا سنواجه قضايا متشابكة تتجلى فيها الحقيقة وتعجز أداة الانتهاك عن الجبر أو أن تكون الحقوق المسلوبة انتقلت إلى طرف ثالث ورابع بصورة قانونية وقامت عليها أنشطة ومشاريع تستفيد منها أطراف أخرى كقضايا العقارات مثلاً، وهنا لابد أن تكون الدولة كما أسلفت هي الطرف الرئيس الذي يقع عليه المسؤولية لأهمية طي هذه الصفحة للوطنـ ومن ناحية أخرى أن قضايا الانتهاك وتناولها عبر مشروع المصالحة الوطنية الغرض منه هو سل السخائم والأحقاد ليعيش المجتمع حياة اجتماعية صحية وبقدر ما في هذا المشروع من اجترار للماضي البغيض إلا أنه من الأهمية بمكان، الأمر الذي يحتم المحافظة على سرية ملفاته والتعامل معها بمنتهى الحرص والسرية من ناحية ارتباطها بالأشخاص، وهذا لا يمنع شفافية الأداء بالقدر الذي يمنع الإهمال أو الفسادـ ومسؤولية الدولة في إعادة التأهيل ومسؤولية الدولة في سرية هذا الملف بحيث لا تتناوله وسائل الإعلام إلا بالنذر الذي يبرز العمل فيه دون التطرق إلى أسماء الأشخاص ولا القضايا المتعلقة بهم.

ثانياً أهداف المصالحة الوطنية:

مشروع المصالحة الوطنية مشروع يعكس أولاً وآخراً رقي هذا الشعب وعظمة القيم الإسلامية التي يستند إليها، وهو علاوة على ذلك سيحقق إن شاء الله الأهداف التالية:

 إرساء السلم الاجتماعي.

 إرساء ثقافة الاحتكام إلى القانون.

 الحفاظ على اللحمة الوطنية.

 إعادة التأهيل والتعويض المعنوي.

 تجنيب الوطن ويلات الانتقام.

 نشر ثقافة العفو والتسامح.

 نشر ثقافة الشفافية.

ثالثاً آليات إطلاق مشروع المصالحة الوطنية:

عرض مشروع المصالحة الوطنية على المجلس الوطن الانتقالي، والحكومة المؤقتة بغية اعتمادها المبدئ واستكمال اللوائح التسييرية وربط ما صدر عنها بالمنظومة القضائية وإعطاء ما يصدر عنها صفة الأحكام القضائية ملزمة التنفيذ.

 تبني هذا المشروع دستوراً ليكون أحد الأسس الذي تقوم عليه دولة ليبيا الجديدة، ويحظى بالعناية والتنفيذ من قبل هيئات الدولة المتعاقبة.

 اختيار شخصيات من المجتمع تقوم على هذه المؤسسة يتوفر فيها الرمزية الاجتماعية، والتخصص، والخبرة الحقوقية، والمصداقية لدى الشعب الليبي، ولأهمية المصداقية فيجب أن يترك المجال مفتوحاً بعد الإعلان عن المؤسسة لجميع المواطنين، إذا كان هناك مطعن أو تحفظ على شخصية من القائمين على هذه المؤسسة، حتى يتقدموا به إلى الهيئة القضائية في ظرف شهر من الإعلان عن المؤسسة.

 إطلاق مؤسسة تقوم على إبراز الحقيقة وإرساء مبدأ العفو والتعويضات المادية والمعنوية تحظى بالحصانة الدستورية وتسمى بـ"هيئة الحقيقة والعدالة والمصالحة"، يكون لها فروع في كل مدينة ومنطقة بشكل يضمن وصولها إلى كل المواطنين في ليبيا.

 الإعلان عن هذه الهيئة عبر مؤتمر صحفي يتواجد فيه القائمون على هذه الهيئة وممثلون عن المجلس والحكومة بالإضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني.

 يتم التعريف بهذه الهيئة في القنوات المحلية والفضائية وعبر المجالس المحلية في المدن وتوجيه المساجد لتناول موضوع المصالحة والتنويه على أهميته والهيئة التي تقوم عليه وعنوان الفرع في كل مدينة من المدن، بحيث نضمن الإلمام بها من قبل جميع المواطنين.

 طباعة مطويات تعريفية بالهيئة وأهدافها وآليات عملها وتوزيعها في جميع المدن والتنويه إلى فرع الهيئة في كل مدينة من المدن ومنطقة من المناطق وطرق الاتصال به.

 عمل رقم تلفون للهيئة يمكن من خلاله التعرف على عنوان الفرع ويمكن من خلاله التواصل مع المركز الرئيس بغية تقديم أي شكاوى على أداء أي فرع من الفروع.

رابعاً هيكل "هيئة الحقيقة والعدالة والمصالحة":

الرئيس مدير مكتب

النائب الأول النائب الثاني المالية الإدارية الأرشيف العلاقات

المتابعة التفتيش

تتكون الهيئة من مركز رئيس وفروع تغطي جميع المدن والمناطق بشكل يضمن وصولها لكل مواطن في ليبيا أو لكل مقيم إقامة قانونية.

1 - المركز الرئيس

ويتكون من التالي:

أ- رئيس الهيئة وهو المسؤول الأول في هذه الهيئة ويتحدث باسمها ويخول من يراه مناسباً للحديث باسم الهيئة ويرأس اجتماعات مجلس الإدارة، وله إصدار القرارات التي تعين في عمل الهيئة واتخاذ الإجراءات ضد كل ما من شأنه إعاقة عمل الهيئة - وتذيل كل أحكام الهيئة وقراراتها باسم الرئيس والنائبين.

ب- النائب الأول ويقوم على دائرة المتابعة التي تعنى بمتابعة تنفيذ ما يصدر عن فروع الهيئة من أحكام وقرارات لدى جهات التنفيذ المالية والتوثيقية والمادية والمعنوية في الدولة، وتذليل الصعوبات التي تحول دون تنفيذها.

ج- النائب الثاني وهو يتولى دائرة التفتيش والمتابعة لجميع فروع الهيئة بشكل يضمن الشفافية والمصداقية.

د مجلس إدارة الهيئة يتكون من التالي:

(1) المدير الإداري وله دائرة تشرف على كل إدارات الهيئة ودورتها المستندية بشكل يضمن السرعة في الأداء وعدم البيروقراطية في جميع فروع الهيئة.

(2) المدير المالي وله دائرة تشرف على كل حسابات الهيئة ومصاريفها ومرتبات القائمين عليها.

(3) مدير الأرشيف وله دائرة تقوم على توثيق كل أعمال الهيئة بشكل يمكن الوصول إليه فقط من قبل المختصين أو من تخوله الجهات الرسمية ويضمن المحافظة عليها.

(4) مدير العلاقات والإعلام وله دائرة تقوم على التعريف بالهيئة وعمل الوسائل المساعدة التي تمكن من وصولها لكل المواطنين والمقيمين إقامة قانونية.

2- الفروع

فرع هيئة الحقيقة

والعدالة والمصالحة

الأمانة العامة

جرائم النيابة، جرائم الاعتقال، جرائم العرض، جرائم القتل والقضاء، الممتلكات والتعذيب

يتكون الفرع من التالي:

أ- رئيس الفرع الذي يتحمل مسؤولية العمل في الفرع وما يصدر عنه وهو حلقة الوصل بين الفرع والمركز الرئيس وله اجتماع دوري مع رئيس الهيئة ومجلس الإدراة.

ب- مسؤول دائرة جرائم القتل وهي تعنى بجرائم القتل التي وقعت في عهد النظام السابق من جهات متنفذة.

ج- مسؤول دائرة جرائم العرض وهي تعنى بجرائم انتهاك العرض التي وقعت في عهد النظام السابق من جهات متنفذة.

د- مسؤول دائرة جرائم الاعتقال والتعذيب وهي تعنى بجرائم الاعتقال والتعذيب التي ارتكبها النظام السابق عبر أجهزته الأمنية واللجان الثورية وغيرها.

هـ- مسؤول دائرة جرائم الاعتداء على الممتلكات وهي تعنى بجرائم الاستيلاء على المباني والشركات والأراضي والمصانع والآليات التي مارستها الأجهزة الأمنية واللجان الثورية والمتنفذين.

و- مسؤول دائرة الجرائم النيابية والقضائية وهي تعنى بقضايا الرشوة واستخدام السلطات للاستصدار أحكام قضائية تنتهك حقوق آخرين.

خامساً آليات عمل "هيئة الحقيقة والعدالة والمصالحة" المباشرة تجاه المواطنين:

لضمان سرعة العمل وجودته تكون آلياته على الشكل التالي:

1- الاستقبال والتوثيق وهذه مهمة يقوم بها موظفون تابعون للأمانة العامة في كل فرع ومهمتهم التالي:

استقبال المواطن وفتح ملف لقضيته وتعبئة استمارة بها معلومات مفصلة

إعطاء رقم للقضية وتحديد نوعيتها (قتل، عرض، اعتقال تعذيبـــإلخ).

تحديد موعد أول للمواطن مع الدائرة المسؤولة عن القضية.

تحويل استمارة المعلومات على الدائرة المختصة، بعد إدخالها في منظومة الحاسب الآلي المعتمدة للعمل في الفرع بحيث يسهل مراجعتها والتوثيق.

2- التحقيق والتحري وهي مهمة يقوم بها موظفون يتمتعون برتبة المستشار تابعون للدائرة المعنية بالنظر في القضية حسب نوعها وتعنى بالتالي:

الجلوس مع صاحب القضية.

التسجيل الدقيق لكل القضية وفق معايير توضع للنظر في القضايا.

التدقيق على الوثائق إذا كانت هناك وثائق وأخذ صور منها.

التدقيق على الشهود إذا كان هناك شهود.

معرفة أدوات الانتهاك الجهة والأشخاص تحديداً ومعلومات عنهم.

توثيق التواريخ وعناوين الشهود.

الجلوس مع المدعى عليهم ومواجهتهم بالوثائق ومطالبتهم بالاعتراف كجزء من المصالحة.

إصدار القرار فيما يتعلق بالقضية حسب نوعيتها.

3- الحقيقة والعفو وهذا القسم يعنى بالتالي:

اعتراف الجاني وندمه على ما صدر منه من انتهاكات

تغليب جانب العفو والصفح من قبل المجني عليه وهذا لا يمنعه من التعويض المادي أو المعنوي

طي صفحة الماضي وعدم الانتقام

4- التعويضات وهي وحدة تعنى بالتالي:

تقدير التعويضات وفق معايير ولائحة توضع للتعويض

استرداد الممتلكات وفق معايير ولائحة توضع للاسترداد

عمل برامج التعويض المعنوي بالنسبة للجرائم ضحايا الحروب والاختفاء والتشويه كتسمية الشوارع والمدارس وعمل المتاحف التاريخيةــ إلخ

التأكد من أن المجني عليه لم يستلم تعويضات وخصوصاً في قضايا الممتلكات

متابعة التعويض من قبل الجهات المعنية وإعلام الإدارة العليا

5- إعادة التأهيل وهذه الوحدة تقوم على إعادة التأهيل لكل أطراف القضية

التأهيل النفسي للمجني عليه

التأهيل الصحي للمجني عليه

رعاية أبناء المجني عليه وكفالتهم إذا كانت القضية قتل أو إعاقة مانعة

تهجير أهل الجاني إلى منطقة أخرى بحيث يبدأوا حياة جديدة إذا كانت القضية تستاهل هذا الإجراء كقضايا

الاغتصاب وهتك الأعراض.

رعاية أبناء الجاني وأسرته إذا استدعى الأمر حبسه أو تنفيذ القصاص فيه

رد الاعتبار للمجني عليه وخصوصاً في قضايا التلاعب النيابي والقضائي

تزويج من وقع عليهن الاغتصاب بشكل يحفظ كرامتهن ولا يخدش بسمعتهن

وأخيراً: هذا المقترح أضعه بين يديك وأتمنى أن ينال حظه من المناقشة والتصويب، والله أسأل أن يبارك في جهودكم وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم وأن يجنبنا الزلل وحظوظ النفس "إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى * وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّـلِحَـتِ فَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَـتُ الْعُلَى * جَنَّـتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانْهَـرُ خَـلِدِينَ فِيهَا وَذلِكَ جَزَآء مَن تَزَكَّى" [طه: 74-76]..

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

سليمان عبدالقادر الأحد، 7 صفر، 1433 الموافق 11-2012

 

الثلاثون: خطر الذنوب وعواقبها على الفرد والمجتمع:

إن الذنوب تؤثر على مرتكبها تأثيراً كبيراً، وذلك من نواحٍ عدة، أذكر منها فيما يؤثر على الفرد:

1 - إضعاف الإرادة:

الذنوب تضعف القلب عن إرادته فتقوي إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئاً فشيئاً أي أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية، فلو مات نصفه لما تاب إلى الله.

2 - استمرارها وصعوبة التخلص منها:

تؤدي الذنوب إلى أن ينسلخ من القلب استقباحها فتصير له عادة، فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس ولا كلامهم فيه، وهو عند أرباب الفسوق هو غاية التفكك وتمام اللذة حتى يفتخر أحدهم بالمعصية يحدث بها من لم يعلم أنه عملها، فيقول: يا فلان عملت كذا وكذا.

3 - الطبع على القلب وتغطيته:

من آثار الذنوب الطبع على القلب وتغطيته، وقد أخبر القرآن الكريم عن ذلك، قال تعالى: "وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَـنِ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ" (الزّخرُف: 36).

4 - إزالة النعم وإحلال النقم:

والذنوب تؤدي إلى إزالة النعم عن المذنب وإحلال النقم به، قال تعالى: "وَمَآ أَصَـبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ" (الشّورى: 30).

وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القدر إلا الدعاء، إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه".

5 - الاضطراب والقلق النفسي:

إن المعصية تؤثر على نفس المذنب فتجعله قلقاً متوتر الأعصاب ذا نفسية مضطربة حائرة، تشعر بالضيق، ولا تحس بلذة الطمأنينة والأمان، قال تعالى: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيـمَةِ أَعْمَى" (طه: 124).

الشعور بالذنب من المشاعر المدمرة لنفسية الإنسان، وكثير من الأمراض النفسية الكثيرة الانتشار في أيامنا هذه عودها إلى شعور الفرد الشاعر بالذنب، ولذلك لم يكن غريباً أن يقع الشعور بالذنب ضمن أعراض كثيرة من الأمراض النفسية والعقلية، فمن بين أعراض مرض القلق يوجد الشعور بالذنب أو الميل نحو لوم الذات، وتأنيبها وتعنيفها وعقابها، ومن بين أعراض مرض الاكتئاب يوجد أيضاً الشعور بالذنب.

آثار الذنوب على المجتمع:

للذنوب والمعاصي آثارها وعواقبها الوخيمة على المجتمعات والأمم فبسببها أهلك الله الأمم الخالية:

قال تعالى: "فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الاْرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (العَنكبوت: 40).

ومن ألوان العذاب التي عاقب الله بها أرباب الذنوب والمعاصي في الأمة الإسلامية جرياً على سنة الله في الكون لكل من ابتعد عن منهج الله وشرعه منها:

-1 انقسام الأمة إلى شيع وأحزاب متناحرة:

يخبرنا القرآن الكريم أن الأمة الإسلامية عرضة لهذا العذاب إن حادت عن منهج الله، يقول تعالى: "قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ " (الأنعَام: 65).

ومعنى من فوقكم أي ينزل الصواعق، أو من جهة أمرائكم، ومعنى أو من تحت أرجلكم بالخسف والزلازل أو من جهة سفلتكم وخدمكم ومعنى يلبسكم شيعاً أي يخلط عليكم أمركم فتنقسمون إلى فرق متناحرة وشيع متحاربة.

2- الإصابة بالجوع والخوف ونقص الثمرات:

إن من أعظم ما تُبتلى به المجتمعات بسبب الذنوب هو الجوع الذي يعني فقدان أساسيات الحياة من الطعام والشراب، والخوف الذي يعني انعدام الأمن والطمأنينة النفسية وحلول الفزع والرعب في النفوس.

قال تعالى: "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ" (النّحل: 112).

وقد ربط الله بين الاستغفار وإنزال الرزق والخيرات من السماء في مواضع متعددة في القرآن الكريم: "وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ" (هُود: 3).

وقال سبحانه: "وَيقَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآء عَلَيْكُمْ مّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ" (هُود: 52).

ويقول تعالى عن نوح N : "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَآء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْولٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراًَ" [نوح: 10-12].

فمفهوم المخالفة في الآيات يفيد أن الاستمرار على المعاصي يمنع هذه الخيرات، وأما من ابتعد عن السيئات فإن هذه الخيرات ستكون من نصيبه وهذا ما أفاده مفهوم الموافقة.

مثل قوله تعالى: "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـتٍ مّنَ السَّمَآء وَالاْرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَـهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ" (الأعرَاف: 96).

وقال عز وجل : "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَـبِ ءامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلاْدْخَلْنَـهُمْ جَنَّـتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ لاَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ سَآء مَا يَعْمَلُونَ" [المائدة: 65-66].

وبين الرسول صلى الله عليه وسلم  نماذج مختلفة لأنواع العقوبات التي حلت بالمجتمعات في مقابل ذنوب خاصة، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال: "يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يُعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المئونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا، مما أنزل الله إلا جعل بأسهم بينهم".

فقد بيَّن عليه الصلاة والسلام أن سبب تسليط العدو وأخذ بعض ما في أيديهم من السلطان والمال هو نقض المسلمين لعهد الله وعهد رسوله الذي أمر الله بالوفاء به، قال عز وجل : "وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً" [الإسراء: 34]..

وأن عدم تحكيمهم لكتاب الله سبب للفتن والقلاقل والشقاق وزوال الأمن، وهذا ما نراه واضحاً بيّناً في أيامنا هذه من زوال نعمة الأمن

3 - الإصابة بالفتن:

لقد حذر الله الأمة المسلمة إن خالفت ربها ونبيها، قال تعالى: "فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (النُّور: 63).

وهذه الفتنة عامة تشمل مختلف أنواع العقوبات:

كانتشار القتل فيما بينهم، أو الزلازل والبراكين، أو تسلط السلطان الجائر عليهم، أو ظهور أنواع من الأمراض أو الفقر، أو الشدة في الحياة إلى غير ذلكـ وهذه الفتنة إذا نزلت فإنها تعم الجميع فلا يستثنى منها أحد لقوله تعالى: "وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" [الأنفال: 25]..

ويقول الأستاذ سيد قطب، عند قوله تعالى: "فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ" (النُّور: 63). ليحذروا أن تصيبهم فتنة تضطرب فيها المقاييس، وتختل فيها الموازين، وينتكث فيها النظام، فيختلط الحق بالباطل والطيب بالخبيث، وتفسد أمور الجماعة وحياتها، فلا يأمن على نفسه أحد، ولا يقف عند حده أحد، ولا يتميز فيها خير من شر، وهي فترة شقاء للجميع "أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (النُّور: 63) في الدنيا أو في الآخرة، جزاء المخالفة عن أمر الله، ونهجه الذي ارتضاه.

ومما تقدم يتضح خطر الذنوب، الأمر الذي يقتضي المسارعة إلى التوبة من الفرد بالاستغفار والإنابة، ومن المجتمع بتحكيم شرع الله الذي فيه خير الفرد والمجتمع.

الحادي والثلاثون: الدعوة إلى التوبة وشروطها

التوبة: معرفة العبد لقبح الذنوب وضررها عليه، فيقلع عنها مخلصاً في إقلاعه عن الذنب لله تعالى، نادماً على ما بدر منه في الماضي من المعاصي قصداً وجهلاً، عازماً عزماً أكيداً على عدم العودة إليها في المستقبل، والقيام بفعل الطاعات والحسنات، متحللاً من حقوق العباد بردها إليهم أو محصلاً البراءة منهم.

وباب التوبة دائماً مفتوح يدخل منه كل من استيقظ ضميره، وأراد العودة والمآب، لا يصد عنه قاصد ولا يغلق في وجه لاجىء، أيًّا كان، وأيًّا ما ارتكب من الآثام.

وأما شروط التوبة التي تتعلق بترك الذنب هي:

1- الإسلام:

التوبة لا تصح إلا من مسلم، أما الكافر فإن توبته تعني دخوله الإسلام، يقول الإمام ابن حجر نقلاً عن القرطبي في المفهم: اعلم أن التوبة إما من الكفر وإما من الذنب، فتوبة الكافر مقبولة قطعاً، وتوبة العاصي مقبولة بالوعد الصادق.

قال عز وجل: "وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنّى تُبْتُ الاْنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً" (النِّساء: 18).

والمراد من الآية نفي وقوع التوبة الصحيحة من المشركين وأنه ليس من شأنها أن تكون لهم فقوله: "وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ" (النِّساء: 18)، أي لا توبة لأولئك ولا لهؤلاء.

 وقال عز وجل "إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَن يَشَآء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـلاً بَعِيداً" (النِّساء: 116).

 وقال تعالى: "فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءاتَوُاْ الزَّكَوةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ وَنُفَصّلُ الاْيَـتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" (التّوبَة: 11).

2- الإخلاص:

ولا تصح التوبة الشرعية إلا بإخلاص، ومن ترك الذنب لغير الله لا يكون تائباً اتفاقاً.

والتوبة من الأعمال الصالحة ينبغي أن تكون خالصة لله عز وجل .

 قال تعالى: "وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (النُّور: 31).

 وقال تعالى: "إِن تَتُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا" (التّحْريم: 4). فَقَيّد الله التوبة في الآية بأنها تكون خالصة.

 وقال عز وجل: "إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً" (النِّساء: 146).

3- الاعتراف بالذنب:

إن الهداية التامة إلى الصراط المستقيم لا تكون مع الجهل بالذنوب، ولا مع الإصرار عليها، فإن الأول جهل ينافي معرفة الهدى، والثاني غي ينافي قصده وإرادته فلذلك لا تصح إلا من بعد معرفة الذنب والاعتراف به، وطلب التخلص من سوء عواقبه أولاً وآخراً.

4- الإقلاع عن الذنب:

هو الشرط الأساسي للتوبة المقبولة، فالذي يرجع إلى الله وهو مقيم على الذنب لا يعد تائباً وفي قوله: "وَتُوبُواْ" (النُّور: 31) إشارة إلى معنى الإقلاع عن المعصية، لأن النفس المتعلقة بالمعصية قلما تخلص في إقبالها على عمل الخير، لذلك كان على التائب أن يجاهد نفسه فيقتلع جذور المعاصي من قلبه، حتى تصبح نفسه قوية على الخير مقبلة عليه، نافرة عن الشر متغلبة عليه بإذن الله تعالى.

والإقلاع عن الأمر: الكف عنه، يقال: أقلع فلان عما كان عليه، أي كف عنه.

5- الندم:

الندم ركن من أركان التوبة لا تتم إلا به وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم  إلى قيمة الندم، فقال: &artshow-87-178827.htm#171;الندم توبة»، والتوبة لولم يصحبها الندم لربما أدى ذلك إلى عودة المرء للذنوب، لأن الندم يجعل التائب متوجعاً متحسراً على المعصية، ذاكراً للجريمة التي صنعها منكراً لها، نافراً منها، وهذا التصور يدفع التوبة إلى استدامة التوبة، وكثرة الاستغفار، والقيام بأعمال صالحة، يرضى الله تعالى عنها.

قال تعالى: "ذلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَـئِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ" (الحَجّ: 32).

قال ابن مسعود رضي الله عنه : إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه.

6 - العزم على التوبة:

والعزم مترتب على الندم، وهو يعني الإصرار على عدم العودة إلى الذنوب ثانية.

والقرآن الكريم مدح العزم والعزيمة في عدة مواضع، يقول تعالى: "فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ" (آل عِمرَان: 159).

وقال تعالى: "وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَى ءادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً" (طه: 115).

أي لم نجد له صبراً وعزيمة، حيث لم يحترز عن الغفلة من وساوس الشيطان، وهذه الآية تشير إلى أن المؤمن لابد وأن تكون عنده عزيمة قوية، وإرادة فعالة والتائب أكثر الناس حاجة إلى العزيمة والإرادة القوية، حتى يتمكن من السيطرة على شهواته ورغباته، فيقف أمامها وقفة صمود وقوة، تجعله لا يعود إلى الذنوب ثانية، فتكون توبته صحيحة مقبولة.

7 - رد المظالم إلى أهلها:

ومن شروط التوبة التي لا تتم إلا بها: رد المظالم إلى أهلها وهذه المظالم إما أن تتعلق بأمور مادية أو بأمور غير مادية، فإن كانت مظالم مادية، كاغتصاب المال أو سرقته، فيجب على التائب أن يردها إلى أصحابها إن كانت موجودة، أو أن يتحللها منهم، وإن كانت مظالم غير مادية فيجب على التائب أن يطلب من المظلوم العفو عن ظلامته وأن يعمل على إرضائه وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام: "من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه".

8- الاستقامة:

إن التائب بعد أن أخلص في توبته، وأقر بذنوبه نادماً عليها، لابد أن يسلك درب الاستقامة والاعتدال في فعل الطاعات وفي السير على منهج الله تعالى.

قال تعالى: "فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (هُود: 112).

9 - الإصلاح:

 قال تعالى: "فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (المَائدة: 39).

 وقال تعالى: "إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (آل عِمرَان: 89).

 وقال تعالى: "ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ" (النّحل: 119).

ولقد شجع الله على التوبة وعلى مزيد من الأعمال الصالحة لمن تاب وأقبل على الله طائعاً، ووعد من يعمل الأعمال الصالحة بأن يبدل الله سيئاته حسنات، فقال جل من قائل: "إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَـلِحاً فَأُوْلَـئِكَ يُبَدّلُ اللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً" (الفُرقان: 70).

10- إظهار الاستقامة:

إذا كانت المعاصي والذنوب التي ارتكبها التائب سابقاً وتاب عليها فيما بينه وبين ربه وقد ستره الله فلا حاجة له إلى إعلان توبته منها.

وأما إذا كانت من الذنوب التي اشتهر بفعلها أو ممارستها، كمن اشتهر بالإفساد في الأرض، أو بالسرقة، أو ترويع الأمن براً، أو بحراً، أو جواً، أو كان ممن ألف كتباً ضد الإسلام، أو دعا فيها إلى مخالفة الشريعة الإسلامية في أمر من الأمور، فإنها تحتاج من التائب إلى كتابة أو نشر ما يظهر براءته مما كتب أو ما كان يمارسه سابقاً بالقول أو الفعل.

قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَـتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّـهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّـعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ"[البقرة: 159-160].

إن الثبات على التوبة النصوح والعودة إلى رحاب الطهر والعفاف وإرضاء الخالق عز وجل يحتاج إلى توفيق الله عز وجل ومن الوسائل التي تساعد الإنسان على الثبات على التوبة، هجر أصدقاء السوء، ومكان المعصية، ومجاهدة الشيطان، ومحاسبة النفس واستدامة الندم، والإكثار من الاستغفار، وممارسة الأعمال الصالحة والذكر والدعاء والرجاء وحسن الظن.

الثاني والثلاثون: الحدود كفارات لأصحابها:

ذهب جمهور العلماء، ومنهم الشافعية والحنابلة، وابن حزم، إلى أن الحد مطهر لصاحبه من الذنب، ويرفع عنه المؤاخذة في الدار الآخرة.

يقول الإمام النووي: من ارتكب ذنباً يوجب الحد فحُدّ سقط عنه الإثم.

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال وحوله عصابة من أصحابه في المجلس: "بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفىّ منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه» فبايعناه على ذلك.

1- أثر التوبة في حد الحرابة:

إن الاعتداء على ممتلكات الناس، وأرواحهم وأعراضهم وإرهابهم وتهديدهم سواء كان في البر، أو البحر، أو الجو، كل ذلك من الإفساد في الأرض الذي يجب محاربته توصيداً للأمن الذي هو أجلّ نعمة أنعم الله بها على العباد، وقد وضع الله لهذه الجريمة عقوبة تتلائم مع بشاعتها، وتأتي عليها وتحقق الغرض الذي ينشده المجتمع، قال تعالى: "إِنَّمَا جَزَآء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الاْرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلَـفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الاْرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الاْخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [المائدة: 33-34].

هذه الآية الكريمة بيان من الله عزوجل عن حكم من أفسد في الأرض وحارب الله ورسوله، لا جزاء له في الدنيا إلا القتل، أو الصلب وقطع اليد والرجل من خلاف، أو النفي من الأرض، خزياً لهم وأما في الآخرة إن لم يتب في الدنيا عذاب عظيم.

والآية الكريمة تضمنت أموراً ثلاثة هي:

 جزاء المحاربين في الدنيا.

 جزاء المحاربين في الآخرة.

 توبتهم قبل القدرة عليهم.

أ- عقوبة المحارب في الدنيا:

نصت الآية الكريمة على أن المحاربين مسلمين كانوا أو ذميين، وإذا لم يتوبوا فعقوبتهم القتل أو الصلب أو قطع اليد والرجل من خلاف أو النفي من الأرض، وهذه العقوبة تكون حسب جرائمهم، وهي تعد لهم خزياً وعاراً في الحياة الدنيا، والسبب في ذلك شناعة المحارب وعظم ضررها، لأن فيها سد سبيل الكسب على الناس.

والله عز وجل عندما بين عقوبة المحاربين عبّر بحرف (أو) والعلماء قد اختلفوا فيه: هل هذا العقاب لتنوع الجرائم فتكون بذلك، أو لتنويع العقاب بتنوع الجريمة؟ أم أن الواو للتخيير، فيكون الإمام مخيراً غير مقيد بنوع الجريمة، وهو في هذا ينظر إلى مقدار الترويع بما يتناسب مع قوة الجناة، من غير نظر إلى نوع ما ارتكبوه من جرائم ولا إلى مقداره، إنما ينظر فقط إلى مقدار الزجر والردع.

ب- توبة المحارب وأثرها:

لقد استثنى الله تعالى من العقوبات السابقة الذين تابوا قبل القدرة عليهم، قال تعالى: "إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (المَائدة: 34) .

والتائب له حالتان:

الأولى: توبة المحارب قبل القدرة عليه:

إذا تاب المحاربون قبل القدرة عليهم بعد أن ارتكبوا جريمة من جرائم الحرابة سقط عليهم حق الله تعالى من قتل وصلب، وقطع اليد والرجل من خلاف، والنفي من الأرض، وأخذوا بحقوق الآدميين.

وقد فصل صاحب المغني المسألة وبين في الحكم فيما يختص بحقوق الآدميين فقال: "إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ" (البَقَرَة: 160)، أي المحاربون من قبل أن يقدر عليهم سقطت عنهم حدود الله تعالى، وأخذوا بحقوق الآدميين من الأنفس والجراح والأموال، إلا أن يعفي لهم عنها، ولا نعلم خلافاً في هذا بين أهل العلم، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وأبو ثور، والأصل في هذا قوله تعالى: "إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (المَائدة: 34).

فعلى هذا يسقط عنهم تحتم القتل والصلب والقطع والنفي، ويبقى عليهم القصاص في النفس والجراح وغرامة المال والذي لا قصاص فيه.

وأما إذا ارتكب المحاربون جرائم أخرى غير القتل وأخذ الأموال والقذف والزنا والسرقة وشرب الخمر فإن فيها قولين:

الأول: أنها تسقط بالتوبة، لأنها حدود الله إلا القذف فإنه لا يسقط، لأنه حق من حقوق الآدميين.

والثاني: أنها لا تسقط، لأنها حقوق لا تختفي بالحرابة وذكر ابن رشد الحفيد أقوالاً أربعة فيما تسقطه التوبة.

فقال:

القول الأول: أن التوبة إنما تسقط عنه حد الحرابة فقط ويؤخذ بما سوى ذلك من حقوق الله وحقوق الآدميين.

والقول الثاني: أن التوبة تسقط عنه حد الحرابة وجميع حقوق الله من الزنا والشراب والقطع في السرقة ويتبع بحقوق الناس في الأموال والدماء، إلا أن يعفو أولياء المقتل.

والثالث: أن التوبة ترفع جميع حقوق الله ويؤخذ بالدماء وفي الأموال بما وجد بعينه في أيديهم ولا تتبع دمهم.

والرابع: أن التوبة تسقط جميع حقوق الله، وحقوق الآدميين من مال ودم إلا من كان من الأموال قائم العين بيده.

والحكمة في إسقاط الجريمة والعقوبة في هذه الحالة عنهم من ناحيتين:

الأولى: تقدير توبتهم وهم يملكون العدوان واعتبارها دليل صلاح واهتداء.

والثاني: تشجيعهم على التوبة وتوفير مؤنة الجهد في قتالهم من أيسر سبيل.

ثانياً: توبة المحارب بعد القدرة عليه:

إذا تاب المحارب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه شيء لا من حقوق الله ولا من حقوق العباد، لأن الاستثناء في الآية "إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ" (البَقَرَة: 160).

حدد قبول التوبة بما قبل القدرة، قال القرطبي: إنما لا يسقط الحد من المحاربين بعد القدرة عليهم لأنهم متهمون بالكذب في توبتهم والتصنع فيها، إذا نالتهم يد الإمام أو لأنه لما قدر عليهم صاروا بمعرض أن ينكل بهم، فلم تقبل توبتهم بعد القدرة عليهم.

2 أثر التوبة في حد القتل:

القتل العمد هو أبشع الجرائم، وأشدها عند الله وعند الناس، وقد جاءت الآيات والأحاديث تبين شناعة هذه الجريمة ومصير من تلطخ بها.

 قال تعالى: "أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الاْرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً" (المَائدة: 32).

 وقال تعالى: "وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً" [النساء: 93].

وعن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق".

وقد اتخذ الإسلام التدابير اللازمة لحماية النفس وصيانة الجماعة.

وذهب جمهور السلف والخلف إلى القول بأن القاتل له توبة، ولو كان متعمداً لعموم الآيات، والأحاديث الدالة على قبول توبة التائب، وأن الله يغفر الذنوب جميعاً وإن عظمت:

أ قال تعالى: "وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَـهَا ءاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَـعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيـمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَـلِحاً فَأُوْلَـئِكَ يُبَدّلُ اللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً" [الفرقان: 68-70].

ب ومما يدل على قبول الله عز وجل توبة القاتل قوله عز وجل "قُلْ يعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً" (الزُّمَر: 53).

ج - وقال تعالى: "وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ" [الشّورى: 25] .

د - وقال تعالى: "فَمَن تَابَ مِن بَعدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيهِ" [المَائدة: 39] .

هذه نصوص قرآنية تنص على قبول الله تعالى توبة كل من أسرف على نفسه في الذنوب مهما كانت هذه الذنوب.

هــ - عن أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة؟ فقال: لا فقتله، فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم ومن يحول بينه وبين التوبة، انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء".

و- وعن أنس  رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تعالى: "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك، ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة".

فالقاتل إذا تاب إلى الله فإن توبته مقبولة إن شاء الله تعالى، ويقول ابن القيم في ذلك: ويعوَّض الله المقتول، لأن مصيبته لم تجبر بقتل قاتله، والتوبة النصوح تهدم ما قبلها، فيعوض هذا عن مظلمته، ولا يعاقب هذا لكمال توبته .

ز - التوبة وعقوبة القصاص:

- جعل الله تعالى لولي القتيل سلطاناً على القاتل، قال تعالى: "وَمَن قُتِلَ مَظْلُومَاً فََقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَنَاً" [الإسرَاء: 33] .

فكون ولي القتيل له سلطان على القاتل، فمقتضى ذلك أنه حق من حقوقه، ولا يسقط هذا الحق بالتوبة، فولي الدم مخير بين أمور ثلاثة: إما القصاص بواسطة الإمام، والدية المغلظة، أو العفو، والإجماع منعقد على ذلك .

3 - أثر التوبة فيما يتعلق بحقوق العباد المالية:

حرم الله L أكل أموال الناس بالباطل في قوله تعالى: "وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَلَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ" [البَقَرَة: 188] ، أي لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل من غير الوجه الذي أباحه الله، وأصل الباطل: الشيء الذاهب، والأكل بالباطل أنواع، قد يكون بطريق الغصب والنهب، وقد يكون بطريق اللهو كالقمار، وقد يكون بطريق الرشوة والخيانة..إلخ.

وإذا أراد العبد التوبة، وكان أخذ مالاً بصورة من الصور السابقة أو بغيرها وجب عليه رده إلى مالكه، أو استحلاله منه، إن كان معروفاً وأمكن الوصول إليه .

أما إذا كان المالك مفقوداً كان لم يستطع الوصول إليه، أو كان مسافراً، أو مات ولم تعرف ورثته،، أو انقرضوا فعليه أن يتصدق بهذا المال في حالة اليأس في الوصول إلى صاحبه، أما إذا كان مال من الدولة فعليه إرجاعه إليها لأنه ملك لكل الشعب.

4 - أثر التوبة فيما يتعلق بحقوق العباد غير المالية:

إن الغيبة، والنميمة، والشتم، والتجسس، والخيانة، والمكر، والخديعة، والغدر، وعدم الوفاء، بالعهد، وشهادة الزور والظلم، والكذب، وعقوق الوالدن، وهجر الأقارب.. هي من الأمور التي نهى الله تعالى عنها وحذر من فعلها في كتابه الكريم وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولكن قد يقع المرء في إحدى هذه المنهيات، فما هو أثر التوبة في هذه الأمور حتى يسقط عنه العذاب الأخروي .

فمثلاً المغتاب إذا تاب فعلم به من اغتابه فيجب عليه في هذه الحالة استحلاله وطلب العفو منه لقوله تعالى : "من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يك له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه" .

أما إذا لم يعلم المغتاب بالأمر، فإنه يستغفر له ولا يعلمه، لأن في إعلامه جلباً للعداوة والبغضاء في النفوس وإيذاء لمن اغتيب .

وعلى التائب: أن يفعل مع المظلوم حسنات كالدعاء له والاستغفار وعمل صالح يهدي إليه يقوم مقام اغتيابه وقذفه، قال الحسن البصري: كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته .

والشتم والتجسس وغير ذلك من حقوق الآدميين فإنها تحمل على ما سبق، أما شهادة الزور فيشترط في صحة التوبة منها أن يندم عليها ويعزم على عدم العودة إليها ، ويعلن براءته من تلك الشهادة الكاذبة فيعمل على إصلاح ما أفسد بشهادته المزورة ضد ذلك الإنسان أو الجماعة وكذلك شأن النمام .

5 - أثر التوبة في تكفير الكبائر:

إن من ارتكب كبيرة وستر نفسه ولم يقم عليه الحد وتاب توبة نصوحاً، فإنه يكون داخلاً تحت عفو الله ورحمته ومغفرته، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء والذي يؤكد توبة مرتكب الكبيرة عموم الأدلة من القرآن الكريم والسنة التي تفتح الأمل أمام توبة التائبين في الإقبال على الله، والعودة إلى رحابه تعالى.

أ - قال تعالى: "وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَن السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ" [الشورى: 25]، تجيء هذه الآية لترغيب من يريد التوبة والرجوع عما هو فيه من ضلالة قبل أن يُقضى في الأمر القضاء الأخير ويفتح لهم الباب على مصراعيه، فالله يقبل عنهم التوبة ويعفو عن السيئات، فهو يعلم التوبة الصادقة ويقبلها، كما يعلم ما أسلفوا من السيئات ويغفرها .

ب - قال تعالى: "وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحَاً ثُمَّ اهتَدَى" [طه: 82] .

ج - وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : "يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. أتدري ما حقهم عليه؟ قال: الله ورسوله أعلم قال: أن لا يعذبهم".

هـ - وعن جابر رضي الله عنه ، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ فقال: "من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار".

ش - عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله، وابن أمته، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء" .

6 - أثر التوبة على الإنسان:

قال تعالى: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِرِينَ" [البَقَرَة: 222] .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: قال الله تعالى : "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، والله، لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إليَّ شبراً تقرّبت إليه ذراعاً، ومن تقرّب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإذا أقبل إليَّ يمشي أقبلت إليه أهرول" .

التوبة ندامة على ماضٍ سيئ، وعهد وإصرار على مستقبل مشرق، وتسام، وإرادة، ونبل، وعزيمة، وتصميم وهي ميزات القدرة الإنسانية وصلابتها لمستقبل جديد، وهي تغيير جذري لنفس الإنسان، وسلوكه، وتفكيره، فهي عنصر أساسي لتكامل الشخصية المسلمة، وإذا تقبل التائب نفسه شع بين جنبات نفسه أنوار السعادة والقرب الإلهي، فينطلق بإرادة قوية، وعزيمة صادقة لطاعة ربه، صادقاً في عزيمته على التغلب على أهوائه وشهواته وتوجيه طاقاته نحو الأمثل والأكمل مراقباً لسلوكه وتصرفاته .

7 - أثر التوبة على الصحة النفسية:

إن التزام المسلم بالتمسك بتعاليم القرآن الكريم تزيل عن نفسه الاكتئاب والإحباط، أو أي توتر نفسي، والتوبة هي الدعوة الإلهية للإنقاذ من أي اضطراب نفسي وآلام نفسية تدعو إلى اليأس والقنوط ، وهي تحرر المذنب من آثامه وخطاياه، وتشعره بالتفاؤل والراحة النفسية .

- قال تعالى: "قُلْ يعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ" [الزُّمَر: 53] .

ففي قوله: "لاَ تَقْنَطُواْ" [الزُّمَر: 53] إشارة إلى أن المؤمن يجب أن يكون دائماً في حالة وسط لا يسرف ولا يتجاوز الحدود حتى في تأنيب الضمير وتعذيب النفس، والتيقظ من الغفلات والشعور بالتقصير من جانب الله تعالى، لأن اليأس القاتل لا محل له في النفس المؤمنة مهما كثرت الذنوب والهموم والآلام نتيجة الشعور بفداحة المعاصي والذنوب، والتوبة النصوح من أهم مظاهر الصحة النفسية المترتب عليها، أن يتقبل الإنسان ذاته، ويرضى عن إمكانياته، واستعداداته، وقدراته التي منحها الله تعالى له .

إن للتوبة قيمة عظيمة في تمتع الفرد بالصحة العقلية والنفسية، فلا يفقد المسلم الأمل إطلاقاً ولا يمكن أن يستسلم لليأس، فباب الإصلاح دائماً مفتوح ، والشعور بالأمان النفسي والاطمئنان إنما يولده الإحساس بقبول التوبة، وقد نص القرآن في كثير من آياته على قبول التوبة ومغفرة الذنوب، يقول تعالى: " إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ " [الزُّمَر: 53] .

وهذا ما يحتاج التائب أن يعمله ويدركه، ليعيد الثقة في نفسه وروحه، بل والأعظم من ذلك أن يعلم أن الله تعالى لا يغفر له ذنوبه فقط، بل أن توبته الصادقة سبب لدخوله الجنة وحجابه، قال تعالى : "إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يَظْلِمُونَ شَيْئاً" [مريَم: 60] .

- وقال تعالى : "يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُم أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدخِلَكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَرُ يَومَ لَا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ نُورُهُم يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِر لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ" [التّحْريم: 8] .

وقال تعالى: "الَّذِينَ يَحمِلُونَ العَرْشَ وَمَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِم وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَستَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ" [غَافر: 7] .

8 - أثر التوبة في الناحية الاجتماعية والخلقية:

والمتتبع لآيات التوبة في القرآن الكريم يجد أنها في مجموعها دعوة ربانية للتطهير من المعاصي والآثام، فتارة يعرض التوبة من جريمة القتل، وأخرى التوبة من الحرابة والإفساد في الأرض، وتارة التوبة من انتهاك الأعراض بالزنا، وهكذا سواء كانت الذنوب كبائر أم صغائر، فهي في مجموعها تدل على كرم الله وفضله في تقبل توبة التائبين ورفعهم إلى البررة الأطهار الأخيار من المؤمنين الصالحين وكأن هذا المنهج الرباني في قبوله توبة المؤمنين يعلم المؤمنين في المجتمعات المسلمة كيفية التعامل مع من تاب وأناب وصدق في توبته من المعاصي مهما تنوعت أو كثرت، لأن الإنسان قد فُطر على الحياة وسط الجماعة، فلا يسعد إلا بتكوين علاقات اجتماعية مرضية مع الآخرين وهو بذلك يشعر بذاته فيحس بالانتماء لهم .

والتوبة سلاح خلقي عظيم، ففيها الندم والتغيير والتحول وهي علاج للأمراض الخلقية عند الإنسان المذنب وذلك برجوعه إلى رحاب الله تعالى، والندم على ما اقترفته يد الإنسان من معاصي وآثام، وتغير أخلاقيات التائب إنما هي ثمار التوبة النصوح، فنراه صادقاً مخلصاً في أعماله صابراً.

إن التوبة تدفع الإنسان عادة إلى إصلاح الذات وتقويمها حتى لا يقع مرة أخرى في الأخطاء والمعاصي، ويساعد ذلك على تقدير الإنسان لنفسه والقرآن الكريم نبه وكذلك السنة إلى تقويم التوبة لما اعوج من سلوك وأخلاقيات، وهذا التأثير إنما هو مقترن بصلاح العمل، قال تعالى: "فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً" [النِّساء: 16] .

وقال تعالى: "ثُمَّ تَابَ عَلَيهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" [التّوبَة: 118] .

فالتوبة تغيّر في أخلاقيات التائب وسلوكه وأفكاره الخاطئة وتجعله قريباً من الله، قريباً من الآخرين.

الخاتمة

وبعد، فهذا ما يسره الله لي من جمع وترتيب وتحليل في هذا الكتاب، فيما يتعلق (بالعدالة والمصالحة الوطنية).

فما كان فيه من صواب فهو محض فضل الله عليَّ، فله الحمد والمنَّة، وما كان فيه من خطأ فأستغفر الله تعالى وأتوب إليه والله ورسوله بريء منه، وحسبي أني كنت حريصاً ألا أقع في الخطأ، وعسى ألا أحرم من الأجر.

وأدعو الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب إخواني المسلمين، وأن يذكرني من يقرؤه في دعائه، فإن دعوة الأخ لأخيه في ظهر الغيب مستجابة إن شاء الله تعالى.

وأختم هذا الكتاب بقول الله تعالى: "رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَنِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ" [الحَشر: 10] .

كتب صدرت للمؤلف

السيرة النبوية: عرض وقائع وتحليل أحداث.

سيرة الخليفة الأول أبو بكر الصديق  رضي الله عنه : شخصيته وعصره.

سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب  رضي الله عنه : شخصيته وعصره.

سيرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان  رضي الله عنه : شخصيته وعصره.

سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  رضي الله عنه : شخصيته وعصره.

سيرة أمير المؤمنين الحسن بن علي بن أبي طالب. شخصيته وعصره.

الدولة العثمانية: عوامل النهوض والسقوط.

فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم.

تاريخ الحركة السنوسية في إفريقيا.

تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي.

عقيدة المسلمين في صفات رب العالمين.

الوسطية في القرآن الكريم.

الدولة الأموية، عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار.

معاوية بن أبي سفيان، شخصيته وعصره.

عمر بن عبد العزيز، شخصيته وعصره.

خلافة عبد الله بن الزبير.

عصر الدولة الزنكية.

عماد الدين زنكي.

نور الدين زنكي.

دولة السلاجقة.

الإمام الغزالي وجهوده في الإصلاح والتجديد.

الشيخ عبد القادر الجيلاني.

الشيخ عمر المختار.

عبد الملك بن مروان بنوه.

فكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة.

حقيقة الخلاف بين الصحابة.

وسطية القرآن في العقائد.

فتنة مقتل عثمان.

السلطان عبد الحميد الثاني.

دولة المرابطين.

دولة الموحدين.

عصر الدولتين الأموية والعباسية وظهور فكر الخوارج.

الدولة الفاطمية.

حركة الفتح الإسلامي في الشمال الأفريقي.

صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير البيت المقدس.

إستراتيجية شاملة لمناصرة الرسول A دروس مستفادة من الحروب الصليبية.

الشيخ عز الدين بن عبد السلام سلطان العلماء.

الحملات الصليبية (الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة) والأيوبيون بعد صلاح الدين.

المشروع المغولي عوامل الانتشار وتداعيات الانكسار.

سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت في عهد المماليك.

الإيمان بالله جل جلاله.

الإيمان باليوم الآخر.

الشورى في الإسلام.

السلطان محمد الفاتح.

الإيمان بالقدر.

الإيمان بالرسل والرسالات.

الإيمان بالملائكة.

الإيمان بالقرآن والكتب السماوية.

العدالة والمصالحة الوطنية ضرورة دينية وإنسانية.

هوامش الكتاب

الهباء: غبار الحرب: الخادر: المقيم في عرينه.

تفسير السعدي، ص: 90.

تفسير السعدي، ص: 519.

قال السيوطي في الدر: وأخرج ابن سعد، والبزار، وابن المنذر، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل.

تفسير القرآن الكريم، د. عبد الله شحاتة (7/2741).

البخاري رقم (2457).

البخاري رقم (6077).

التحريش: أي حملهم على الحروب والفتن.

أخرجه مسلم رقم (2812).

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (5/ 113) أبو نعيم الأصفهاني.

أخرجه البخاري رقم (2710).

إصلاح ذات البين، ص: 141 كامل أحمد.

البداية والنهاية لابن كثير (8/16).

فتح الباري (5/306 - 307) رقم (2704).

الفتح (13/66).

كانت لا تمسك شيئاً مما جاءها من رزق تصدقت به.

المسور بن مخرمة الزهري، الإصابة لابن الحجر رقم (7993).

إصلاح ذات البين، ص: 143.

المصدر نفسه، ص: 143.

الفتح (10/491 - 492) رقم (6073).

إصلاح ذات البين، ص: 143.

فتح الباري (5/309) رقم (2708).

الجدر: أي يصل الماء إلى أصول النخل.

الفتح (5/309) رقم (2708).

إصلاح ذات البين، ص: 144.

فتح الباري (12/305).

إصلاح ذات البين، ص: 168.

فتح القدير للشوكاني (3/223).

أخرجه البخاري، ك الديات، باب: من قتل له قتيل.

المحلى لابن حزم (2/242).

إصلاح ذات البين، ص: 169.

سنن ابن ماجه (2/898) الترمذي (4/14).

المحلى لابن حزم (12/257).

بدائع الصنائع للكاساني (7/246).

إصلاح ذات البين، ص: 173.

سنن أبي داود (2/452) صحيح.

صحيح ابن ماجه رقم (2043).

فتح الوهاب لأبي يحيى زكريا الأنصاري (2/134).

إصلاح ذات البين، ص: 175.

فتح الباري (5/306).

الكافي في فقه الإمام المبجل أحمد بن حنبل (2/208) عبد الله بن قدامة.

بدائع الصنائع للكاساني (6/49).

إصلاح ذات البين، ص: 176.

بدائع الصنائع (6/48).

العسيف: الأجير.

البخاري، ك الحدود رقم (6827).

فتح الباري لابن حجر(12/141).

سنن أبي داوود رقم (3476).

موطأ مالك، ك الحدود رقم (29).

المصدر نفسه رقم (685).

إصلاح ذات البين، ص: 184.

متفق عليه.

متفق عليه.

رواه مالك في الموطأ.

المصدر نفسه.

متفق عليه.

متفق عليه.

رواه مسلم.

رواه مالك في الموطأ.

رواه مسلم.

متفق عليه.

متفق عليه.

سنن الترمذي (3/ 624) سنن أبي داود (3/304).

رواه البخاري في التاريخ الكبير (1/63).

سنن أبو داود (4/280) رقم 4919.

درست: درس درساً ودروساً: عفا وذهب أثره.

الأسطام: المسعار وهو حديدة عريضة الرأس.

رواه أحمد (6/320) سنن أبي داود رقم (3853).

إصلاح ذات البين، ص: 41، 42.

الوفاء بأحوال المصطفى (10/212) لابن الجوزي.

الحائط: البستان.

البخاري، ك بدء الخلق (1/458).

إصلاح ذات البين، ص: 223.

المصدر نفسه، ص: 223.

سنن الدارمي (1/103).

إصلاح ذات البين، ص: 222.

البخاري رقم (32830) مسلم ك التوبة.

الأدب المفرد للبخاري رقم (68) (1/216).

إصلاح ذات البين، ص: 236.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير (3/287).

إصلاح ذات البين، ص: 238.

إصلاح ذات البين، ص: 239..

سنن ابن ماجه رقم (225).

إصلاح ذات البين، ص: 240.

إصلاح ذات البين، ص: 242.

السيرة النبوية لابن هشام (2/659).

إصلاح ذات البين، ص: 246.

فيلسوف وصحفي فرنسي توفي 1778م.

متعة الحديث، عبد الله الداوود، ص: 246.

الرحيق المختوم، ص: 465 صفي الرحمن.

جمهرة رسائل العرب (2/26 - 27).

إصلاح ذات البين، ص: 248.

المصدر نفسه، ص: 248، السيرة النبوية (1/293).

إصلاح ذات البين، ص: 249.

سنن النسائي رقم (103140).

إصلاح ذات البين، ص: 274.

مدارج السالكين (2/478).

المصدر نفسه (2/279).

إعلام الموقعين (1/109 - 110).

إصلاح ذات البين، ص: 276.

رواه مسلم (4/2199).

إصلاح ذات البين، ص: 278.

المصدر نفسه، ص: 278.

سنن ابن ماجه (2/776) رقم 2315.

المجتمع الإسلامي محمد الصادق عفيفي، ص: 99.

التفسير الكبير للرازي (28/129).

متفق عليه.

إعلام الموقعين (1/109 - 110).

الإنسان والمال في الإسلام، ص: 121 عبد النعيم حسنين.

تفسير النسفي، ص: 40.

إصلاح ذات البين، ص: 283.

إصلاح ذات البين، ص: 284.

المصدر نفسه، ص: 286.

سنن أبي داود رقم (4955).

شريح بن هاني بن زيد.

إصلاح ذات البين، ص: 286.

موسوعة تفسير يوسف عليش متولي (1/324، 325).

موسوعة تفسير سورة يوسف (1/333).

موسوعة تفسير سورة يوسف (1/343).

المصدر نفسه (2/1422).

موسوعة تفسير سورة يوسف (2/1423).

سورة يوسف د. أحمد نوفل، ص: 191.

المصدر نفسه، ص: 191.

سورة يوسف د. أحمد نوفل، ص: 194.

موسوعة تفسير سورة يوسف، ص: 1423.

سورة يوسف، أحمد نوفل، ص: 135.

موسوعة تفسير سورة يوسف، ص: 1427.

الشأفة: الأصل.

السيرة النبوية (3/110) لابن هشام.

تيسير الكريم الرحمن للسعدي (2/446).

القليب: البئر المفتوحة.

البخاري رقم (520).

مسلم رقم (1794).

السيرة النبوية الصحيحة للعمري (ذ1/149).

البخاري رقم (3687). رقم (4815).

والد الرسول من الرضاعة.

الروض الأنف (2/33) وما بعدها.

المصدر نفسه (2/48).

السيرة النبوية للصلابي (1/215)، زاد اليقين لأبي شنب، ص: 37.

السيرة النبوية (1/215) للصلابي.

المصدر السابق نفسه.

سنن ابن ماجه رقم (4024)، سنن الترمذي رقم (2398).

أي تدفعوا دية قتلاهم.

اللبد: الصوف.

المطالب العلية لابن حجر (4/243) رقم (4261).

السيرة النبوية لابن هشام (4/ 43 - 44).

السيرة النبوية لابن هشام (1/295 - 300)، السيرة للصلابي (2/398).

التاريخ الإسلامي للحميدي (7/182)

السيرة النبوية للصلابي (2/399).

دراسات في السيرة، عماد الدين خليل، ص: 245.

البداية والنهاية لابن كثير (4/290)، د. محمد فوزي فياض.

صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص: 396.

السيرة النبوية للصلابي (2/406)

فقه السيرة للغزالي، ص: 379 - 380.

البخاري رقم 4280.

السيرة النبوية للصلابي (2/406).

السيرة النبوية للندوي، ص: 339.

فقه السيرة للسيوطي، ص: 282.

السيرة النبوية للندوي، ص: 329.

البخاري رقم (4288).

مسلم رقم (1329).

مصنف عبد الرزاق (5/83 - 84).

السيرة النبوية للصلابي (2/407).

السيرة النبوية لابن هشام (4/62).

السيرة النبوية للصلابي (2/407).

البيهقي في السنن الكبرى (9/118).

السيرة النبوية للصلابي (2/408).

السيرة النبوية لأبي شهبة (2/451).

فتح الباري رقم (4280).

السيرة النبوية لأبي شهبة (2/451).

سنن أبي داود رقم (4504).

السيرة النبوية للصلابي (2/410).

البخاري رقم (5288).

انقحمت: رميت بنفسي.

الحاكم (3/281).

التاريخ الإسلامي (7/216 - 217) للحميدي.

الكردوسة: طائفة عظيمة من الخيل أو الجيش جمع كراديس.

سير أعلام النبلاء (2/195).

الشعيبة: مرفأ السفن من ساحل بحر الحجاز.

الاعتجار بالعمامة هو أن يلفها على رأسه.

الحبرة: ضرب من ثياب اليمن.

البيهقي في الدلائل (5/46)

سنن أبي داود رقم 3562.

كنز العمال رقم 30170، المغازي للواقدي (2/853).

التاريخ الإسلامي للحميدي (7/220).

مسلم رقم (2313).

عك: مخلاف من مخاليف مكة التهامية.

السيرة النبوية للصلابي (2/419).

يعني يوم اليرموك.

مغازي الواقدي (2/851 - 853).

سنن الترمذي رقم (2735).

التاريخ الإسلامي (7/223 - 225).

السيرة النبوية لابن هشام (4/59 - 60).

البخاري رقم (3171).

البداية والنهاية (4/307).

السيرة النبوية للصلّابي (2/424).

المغازي (2/848).

السيرة النبوية (2/424) للصلّابي.

البداية والنهاية (4/308).

السيرة النبوية (2/425)، الرواق: مقدم الليل.

بهيم: لا ضوء فيه إلى الصباح.

عيرانة: راحلة.

غشوم: شجاع.

البداية والنهاية (4/363 - 364).

مسند أحمد (2/184).

البخاري رقم (4318).

الهباءة: غبار الحرب.

الخادر: المقيم في عرينه والخادر ستر يمد للجارية من ناحية البيت.

السيرة النبوية لابن هشام (4/192).

المصدر نفسه (4/153).

المصدر نفسه (2/443).

مكبول: مقيد.

السيرة النبوية، لأبي شهبة (2/487).

المصدر نفسه.

البداية والنهاية (4/373).

البداية والنهاية (4/373).

مقنب: جماعة.

المشرفي: السيف والقنا: الرماح: الخطار: المهتز.

أماري: أجادل.

خوت: سقطت، الطارقون: الذين يأتون الليل.

السيرة النبوية لابن هشام (4/167، 168).

من معين السيرة للشامي، ص: 431، 432 ،433.

السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصليَّة، ص: 440.

كناية عما رميت به من الإفك.

قلص دمعي: ارتفع وذهب.

هو يعقوب N .

ما رام: ما برح وما فارق مجلسه.

البرحاء: شدة الكرب من شدة الوحي.

الجمان: حبات اللؤلؤ الصغير.

سري: انكشف عنه ما يجده من الهم والثقل.

البخاري رقم (4141)، مسلم رقم (2770).

تاريخ الدعوة إلى الإسلام، ص: 256، يسري محمد.

الصديق أول الخلفاء للشرقاوي، ص: 115، 116.

تاريخ الدعوة إلى الإسلام، ص: 256.

حركة الردة للعتوم، ص: 107.

تاريخ الطبري (4/155).

نفس المصدر السابق.

أبو بكر الصديق للصلابي، ص: 210.

تاريخ الطبري (4/82).

الصديق أول الخلفاء، ص: 87.

أي: نزل في قبيلة كلب.

التاريخ الإسلامي (9/59).

المصدر نفسه (9/67).

أبو بكر الصديق، للصلابي، ص: 215.

المصدر نفسه.

التاريخ الإسلامي (9/59).

يطعن فيه.

عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة، سليمان العودة، ص: 55.

البداية والنهاية (6/347).

التاريخ الإسلامي (10/375).

المصدر نفسه.

سنن الترمذي المناقب باب 52، رقم (3742).

تاريخ العراق في ظل الحكم الأموي، ص: 67، علي حسن الخربوطلي.

سنن الترمذي مع شرحة تحفة الأحوذي (6/397 - 395).

مرويات خلافة معاوية، خالد الغيث، ص: 155.

شرح النووي على صحيح مسلم (12/201).

البداية والنهاية (11/134).

شرح الطحاوية، ص: 545.

فيض القدير (2/409).

الصواعق المحرقة (11/206).

الدولة الأموية للصلابي (1/183).

البداية والنهاية (11/206).

الدولة الأموية للصلابي (1/184).

المصدر نفسه (1/185).

البخاري، ك الصلح رقم (2704).

الدولة الأموية للصلابي (1/186).

مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري، ص: 134.

المصدر السابق نفسه.

البخاري رقم (7109).

البداية والنهاية (7/229 - 230).

المرتضى للندوي، ص: 198

خامس الخلفاء الراشدين الحسن بن علي، ص: 290 للصلابي.

مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري، ص: 156.

خامس الخلفاء الراشدين للصلابي، ص: 290.

المصدر نفسه، ص: 291.

مرويات خلافة معاوية، ص: 139.

تذهل نفسي: تسلو نفسي.

الطبقات، تحقيق السلمي (1/324).

أكيس: أعقل، والكيس: العقل.

البداية والنهاية (11/206).

البخاري رقم (7109).

البداية والنهاية (11/206).

بطيتكم: جهتكم ونواحيكم.

الضغينة: الحقد.

خامس الخلفاء الراشدين للصًّلاًّبي، ص: 308.

اعتبارات المآلات ومراعاة نتائج التعرفات، ص: 167.

تاريخ دمشق (14/88).

الطبقات، تحقيق السُّلمي (1/329) إسناده ضعيف جداً.

الناهية عن طعن أمير المؤمنين معاوية، ص: 57.

خلافة علي بن أبي طالب، عبد الحميد علي، ص: 345.

الدولة الأموية للصَّلابي (1/190).

خامس الخلفاء الراشدين الحسن بن علي للصَّلاَّبي، ص: 358.

الدولة الأموية (1/191).

الصواعق المرسلة (2/399).

الشيعة وأهل البيت، ص: 54.

البخاري، ك الصلح رقم (2704).

تاريخ الإسلام للذهبي، عهد معاوية، ص: 64.

تاريخ دمشق (14/90).

في التاريخ الإسلامي شوقي أبو خليل، ص: 288.

خامس الخلفاء الراشدين، ص: 324 للصلابي.

البخاري، ك الصلح (2/963).

الدور السياسي للصفوة في صدر الإسلام، ص: 342، الدولة الأموية للصلابي (1/192).

خامس الخلفاء الراشدين للصلّابي، ص: 327.

الحديث عن جنوب أفريقيا أخذ من كتاب دليل حول العدالة الانتقالية، إعداد أحمد شوقي بنيوب تقديم الدكتور الطيب البكوش بدعم من مؤسسة الصندوق الوطني للديمقراطية.

دليل حول العدالة الانتقالية أحمد شوقي، ص: 45.

انظر: دليل حول العدالة الانتقالية، ص: 45 - 50 أحمد شوقي.

دليل حول العدالة الانتقالية، ص: 67 - 75.

قام بتقديم هذه المسودة للمجلس الوطني الانتقالي كل من الدكتور الكوني عبودة والدكتور الهادي بو حمرة.

البخاري رقم (2693).

البخاري رقم (643).

الترمذي رقم (1272).

البخاري رقم (2509).

سنن ابن ماجه، ك القدر رقم (4022) (2/1334).

التوبة في ضوء القرآن الكريم د. آمال نصير، ص: 123.

التوبة وصحة المسلم العقلية، مجلة كلية الملك خالد العسكرية العدد السادس، ص: 70 عبد الرحمن العيسوي.

تفسير الألوسي (7/180).

التوبة في ضوء القرآن الكريم، ص: 129.

أي بالقحط والجدب.

أي يطلبوا الخير لسان العرب (4/267).

سنن ابن ماجه رقم (22).

التوبة في ضوء القرآن الكريم، ص: 131.

تفسير الرازي (24/42)، تفسير الألوسي (17/47).

في ظلال القرآن (4/2535 - 2536).

التوبة في القرآن الكريم، ص: 132.

التوبة في ضوء القرآن الكريم، ص: 21.

في ظلال القرآن (1/258)، (5/2790).

فتح الباري، شرح صحيح البخاري (11/103).

تفسير المنار (4/448 - 450).

فتح الباري (11/103).

مدارج السالكين (1/179).

التوبة في ضوء القرآن الكريم، ص: 48.

لسان العرب (8/292).

سنن ابن ماجه رقم الحديث 4252.

التوبة في ضوء القرآن، ص: 50.

عمدة القاري شرح صحيح البخاري - باب التوبة، ج22، ص 280.

التوبة في ضوء القرآن الكريم، ص: 51.

البخاري، ك الرقائق، باب القصاص يوم القيامة (7/197).

التوبة في ضوء القرآن الكريم، ص: 55.

التوبة في ضوء القرآن الكريم، ص: 149، 150.

المصدر نفسه، ص: 317.

شرح صحيح مسلم، ك الحدود (11/224).

فتح الباري، ك الإيمان (1/68).

التوبة في ضوء القرآن الكريم، ص: 320.

تفسير القرطبي (6/157) بتصرف.

التوبة في ضوء القرآن الكريم، ص: 320.

المغني (8/295).

المصدر نفسه (8/295).

بداية المجتهد ونهاية المقتصد (2/343).

في ظلال القرآن (2/880).

التوبة في ضوء القرآن الكريم، ص: 338.

الجامع لأحكام القرآن (6/158).

سنن ابن ماجه، ك الديات، باب التغليظ في قتل مسلم.

رواه مسلم، ك التوبة (2/499).

سنن الترمذي، باب الدعوات رقم (106).

مدارج السالكين (1/399).

التوبة في ضوء القرآن الكريم، ص: 359.

معالم التنزيل للبغوي (1/165 - 166).

التوبة في ضوء القرآن الكريم، ص: 459.

البخاري، ك الرقائق، باب القصاص (7/197).

التوبة في ضوء القرآن، ص: 467.

مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية، ص: 254.

التوبة في ضوء القرآن، ص: 468.

المصدر نفسه، ص: 468.

في ظلال القرآن (5/3157).

البخاري ك التوحيد (8/163).

مسلم، ك الإيمان (1/52).

مسلم، ك الإيمان (1/33).

مسلم، ك التوبة، (2/ 489 - 290).

التوبة في ضوء القرآن الكريم، ص: 517.

المصدر نفسه، ص: 517.

المصدر نفسه، ص: 517.

التوجيه والإرشاد النفسي، حامد زهران، ص: 332.

التوبة وصحة المسلم العقلية، مجلة كلية الملك خالد، ص: 70 - 71.

التوبة في ضوء القرآن الكريم، ص: 524.

 

 

 

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم