إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

صفات جيل التمكين في المنظور القرآني

الاثنين 20 ربيع الأول 1438 الموافق 19 ديسمبر 2016  
صفات جيل التمكين في المنظور القرآني
د. رمضان خميس زكي الغريب

 

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد وآله وصحبه ومن والاه, اللهم إنا نبرأ من حولنا وطولنا وقواتنا ونلوذ بحولك وطولك وقوتك؛ فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا قبضتها يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك يا حنان يا منا يا بديع السماوات والأرض أن تجعل أقوالنا وأعمالنا وحركاتنا وسكناتنا فيك لك خالصة؛ إنك على كل شيء قدير، وبعد فقضية التمكين وجنده من القضايا التي تهم كل مسلم ويسعى إلى وعيها والعلم بها كل حريص على عزه في الدنيا ونجاته وسعادته في الآخرة،ودراسة صفات جيل التمكين من الأهمية بمكان، وقد طرقت هذا الموضوع من خلال هذه الدراسة نظرا لأهميته وحرصا على الإفادة منه.

أهمية البحث ودواعي الكتابة فيه

لهذه الدراسة أهمية خاصة تتلخص في بعض الأمور وهي التي دفعتني لها ومن هذه الأمور ما يلي:

1-الحاجة الماسة للأمة خاصة والعالم عامة إلى جيل التمكين الذي يعمل على نشر الفضيلة والعدالة والأمن والسلام في ربوع الدنيا كما عاشه السابقون على مستوى المؤمن وغير المؤمن حتى على مستوى العجماء التي لا تعي وسعدت بوجود الجيل الذي يحقق الإسلام عقيدة وشريعة ومنهاجا وسلوكا.

2-الواقع المعيش الذي يحياه العالم الإسلامي ويكتوي بناره من جراء غياب الوجود الإسلامي الصادق كما أراده الله على ضوء قرآنه وسنة نبيه, فهذه الدراسة دعوة لإعداد هذا الجيل القرآني الذي يصلح الدنيا بالدين,ويغير وجهة العالم إلى إنسانية ترتبط بمنهاج ربها ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

3- تقديم صورة قرآنية صادقة للجيل الذي يتغياه العالم ذلك الجيل الذي عاش نماذج منه في فترات متفاوتة, وأعصار متباينة التمكين الحضاري بما تحمله الحضارة والحياة من معنى.

4- تقديم البديل الإنساني الذي يعمل لصالح البشرية أنى كان لونها أو دينها أو جنسها أو فكرها من خلال عرض بعض النماذج التي سعدت بتمكين دين الله في الأرض على يديها وإبراز الصفات الأساسية التي تحلى بها هذا الجيل.  

5- النموذج الغربي الذي يحمل جانبا من التقنية ورغبته في فرض هيمنته على العالم, وتصور بعض القاصرين أن هذا هو النموذج الإنساني الصالح الذي تسعد به البشرية؛ فكان الهدف عرض النموذج الإسلامي الذي يحمل فكرة المنهاج الرباني والتصورات الصحيحة للحياة والأحياء في ضوء أوامر ربه ونواهيه وتوجيهاته.

6- تبصير المؤمن بالصفات التي يمكن من خلالها أن يكون جنديا من جنود التمكين مهما كان حجمه أو مكانه رغبة في الدفع الحقيقي إلى التحلي بصفات هذا الجيل فالتصور فرع السلوك والحكم على الشيء فرع عن تصوره.

مشكلة البحث:

لما كانت الحياة لا تخلو من نماذج معرفية متعددة يدعو بعضها إلى فرض رؤاه ويدعو إلى قيمه وتصوراته أردت أن يقدم البحث نموذجا لجيل التمكين من خلال حصر صفاته الواردة في القرآن الكريم وذلك رغبة في تقديم النموذج القرآني للجيل الذي حمل راية التمكين وسعدت به البشرية حينا من الدهر ثم أراد لها نكد الطالع أن ينحصر عنها ضياؤهم ويأفل من سمائها نجمهم فكان من شقاء البشرية وعنائها مالا ينكره عاقل؛ فكانت هذه الدراسة.

أسئلة البحث

السؤال الأساس الذي دارت حوله الدراسة هو: ما صفات جيل التمكين كما يصورها القرآن الكريم؟

وتفرع عن هذا السؤال أسئلة فرعية أخرى هي:

من المراد بجيل التمكين؟

ما حاجة البشرية إليه؟

ما صفات جيل التمكين؟

ما دور الأمة في صناعة هذا الجيل؟

أهداف الدراسة:

من خلال الإجابة عن الأسئلة السابقة يمكن تحقيق الهدف العام وهو معرفة صفات جيل التمكين في ضوء القرآن الكريم, ومعرفة الأهداف الفرعية وهي معرفة المراد بجيل التمكين وإدراك مدى حاجة البشرية إليه ومعرفة صفات جيل التمكين.

حدود الدراسة:

اقتصرت الدراسة على حصر صفات جيل التمكين من خلال رصد ثلاثة نماذج ورد ذكرها في القرآن الكريم وهي: يوسف عليه السلام, وداود وسليمان –عليهما السلام-, وذو القرنين, وحرصت الدراسة على التركيز على أهم وأبرز صفاتهم من خلال عرض مواقف متعددة من حياتهم تبرز هذه الصفات وتصورها تصويرا واضحا ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

منهج البحث وأداته:

استخدم الباحث في هذه الدراسة المنهج الاستقرائي والاستنباطي, وكانت أداته تحليل محتوى الأدلة ذات الصلة بالموضوع,وما كتبه علماء التفسير وبعض كتابات غيرهم ممن عنوا بهذه الزاوية من زوايا الدراسات التأصيلية؛ بغية الوصول إلى أهداف البحث.

الدراسات السابقة:

فكرة التمكين من قضايا التفسير الموضوعي كما هو واضح, والتفسير الموضوعي من العلوم التي نمت حديثا وزادت الحاجة إليها وعلى الرغم من هذا إلا أن الدراسات التي عنيت بفكرة التمكين من القلة بمكان مقارنة بأهميتها, ومن الدراسات السابقة في التمكين ما يلي:

  1. المسلمون بين الأزمة والنهضة, من مطبوعات دار التوزيع والنشر الإسلامية, بدون تاريخ, للدكتور عبد الحي الفرماوي أستاذ التفسير وعلوم القرآن في كلية أصول الدين جامعة الأزهر, والكتاب يقع في 279 صفحة, وعرض لقضية التمكين في فصل من فصوله من صـ 225 إلى صـ 248 ويغلب عليه الجانب الدعوي,وعرض لقضية التمكين من حيث التعريف, وصور التمكين, والمطلوب بعد التمكين, ولم يعرض لقضية صفات جيل التمكين, وعلى كل فقد أفدت من الكتاب في الزاوية التي عرض لها.
  2. فقه النصر والتمكين: من منشورات مكتبة الصحابة، ومكتبة التابعين,ط أولى1422هـ 2001 مـ, للدكتور علي محمد الصلابي والكتاب صفحاته 636 صفحة تناول قضية التمكين تناولا شاملا من حيث الشروط, والأسباب, والمراحل, والأهداف, والكتاب أقرب إلى فقه الدعوة على الرغم من أنه دراسة جامعية, وقد أفدت من الكتاب بصفة عامة في أكثر من موضع.
  3. التمكين الحضاري في المنظور القرآني دراسة معرفية(ابستمولوجية) :لعبد الله محمد الأمين النعيم, والكتاب دراسة جامعية, وهو من مطبوعات إسلامية المعرفة ط أولى , 2004 هـ , ويقع في 342 صفحة, وقد عرض المؤلف فيه لمفاهيم التمكين, والحضارة, وأسباب التمكين, وأهدافه.  
  4. مراحل التمكين, دراسة قرآنية,وهي دراسة للباحث عنيت برصد المراحل التي يمر بها التمكين من خلال النماذج التي ذكرها القرآن الكريم للممكنين في الأرض, والدراسة عنيت برصد المراحل وسماتها ووسائل أهلها, وركزت على ذكر الفروق بين التمكين الفردي والتمكين الجماعي,والحديث عن سمات إنسان التمكين قائدا وجنديا, ومنهاج التمكين, وسماته, والسمات الحضارية لدولة التمكين,والدراسة خدمت جزءا من قضية التمكين لكن كانت حدودها المراحل والسمات, وقد نشرت في مجلة كلية دار العلوم في الفيوم 6/ 2007م.  
  5. سنة التمكين في ضوء القرآن الكريم, وهي دراسة للباحث عنيت برصد التمكين باعتباره سنة من سنن الله في الخلق, يخضع لناموس ثابت لا يتغير ولا يتبدل له شروط وأسباب وأهداف ومتطلبات, إذا تحققت أسبابه تحقق وإذا تغيبت تغيب بغض النظر عن أصحابه والداعين إليه, وقد نشرت هذه الدراسة في مجلة كلية دار العلوم – جامعة المنيا, إصدار خاص, يناير 2006م.

وقد تميزت هذه  الدراسة - صفات جيل التمكين بأنها- حسب علمي- أول دراسة علمية تفرد صفات التمكين ببحث مستقل, كما أنها حرصت على وضوح الفكرة وسهولة العبارة وسلاسة الجملة والاعتماد الأصيل على معين القرآن الكريم, فما.

هيكل البحث:

اشتمل البحث على مقدمة وأحد عشر مبحثا وجاء على النحو التالي:

المقدمة- وهي ذي, وقد عرضت فيها لأهم أسباب اختيار الموضوع ودوافع الكتابة فيه, ومشكلة البحث, وأسئلته, وأهدافه, وحدوده,  

المبحث الأول: جيل التمكين وحاجة البشرية إليه

المبحث الثاني: جيل سليم العقيدة.

المبحث الثالث: جيل عالم.

المبحث الرابع: جيل صحيح العبادة.

المبحث الخامس: جيل القيم.

المبحث السادس: جيل يعتز بالإسلام.

المبحث السابع: جيل يعمل في جماعة.

المبحث الثامن جيل نافع لغيره.

المبحث التاسع: جيل يأخذ بالأسباب.

المبحث العاشر: جيل مبتلى.

المبحث الحادي عشر: جيل يحسن الحياة في سبيل الله كما يحسن الموت في سبيل الله.

الخاتمة وشملت النتائج وأهم التوصيات.

فهرس المصادر والمراجع.

فهرس الموضوعات.

المبحث الأول

جيل التمكين وحاجة البشرية إليه

جيل التمكين الذي يمن الله عليه بأن يكون سببا من أسباب نشر الدين الله في أرضه, وبلاغ رسالته لعباده, جيل قرآني رباني فريد, جيل له صفات خاصة, ومواصفات محددة, ليس جيلا يحيا لنفسه فحسب, ولا يعيش دنياه فقط, بل هو جيل يصلح دنياه على منهاج مولاه, ينعم بنفسه في ضوء إدراكه لقوانين الله في الأرض, فالوعي أساس السعي.

وهو جيل ربى الرسول ( ) له نموذجا أصبح في فترة محدودة جيلا يفتح البلاد ويهدي العباد إلى طرق الهدى وسبل الرشاد, يأخذ بأيدي الناس إلى الإيمان الصادق والعمل المخلص, والحياة من أجل العقيدة التي يحيا من أجلها, فيحيا بها ويموت في سبيلها, هذا الجيل الفريد جمع في نفسه صفات أجيال متعددة, كما وصفهم (غوستاف لوبون) بأنهم جمعوا صفات ثلاثة أجيال في جيل واحد, فكانوا أشبه بالمعجزة التي تحققت على يدي الرسول().

إن هذا الجيل الفريد الذي يمكن الله للدين على يديه تنتظره البشرية عامة والأمة المسلمة خاصة انتظار الظامئ في الهاجرة للماء البارد والوارف الظليل, إنهم المصابيح المنيرة في كل عتمة مدلهمة وفتنة مهلكة, (هؤلاء هم السائرون على الدرب النير الواضح عبر العصور, هم الذين لم يركنوا إلى حولهم وقوتهم, ولا اعتمدوا على عقولهم وعلومهم, وإنما شع نور الهداية على عقولهم وقلوبهم فاستضاءوا به كما يستضيء المبصرون بنور الشمس, لقد سار هؤلاء ونور الله يشع عليهم, وعنايته تكلؤهم, بينما الناس من حولهم الذين لم يسلكوا سبيلهم يرفضون أن يستضيئوا بنور السماء ويأبون إلا أن يعتمدوا على أنوار خافتة باهتة, لا يستطيعون أن يكشفوا بها غياهب الظلام, فكانوا كمن يمسك بيده ذبالة في ليل بهيم عاصف, بينما الأولون يمسكون بنور الشمس الساطعة, هؤلاء الذين نصف حالهم يتفردون عمن سواهم بخصائص واضحة, وصفات بينة, تجعلهم يمثلون في عالم البشر نمطا فريدا, ..فإن لهم شخصية محددة المعالم, تراها في المسلمين الأوائل, كالرسل والأنبياء, وأتباعهم, كما تجدها في الذين يتمثلون الإسلام بصدق في هذه الأمة)().

هؤلاء هم جيل التمكين الذي نبحث عنه ونفتش عن صفاته في مضامين القرآن الكريم, المصدر المعرفي الأول, والدستور الخالد, والمعيار الحق.

إنه الجيل الذي يحمل راية الفتح من جديد, ويعيد الناس إلى العبودية الحقة, إنه جيل قرآني رباني فريد, بكل ما تعنيه هذه الكلمات من معنى, إنه جيل  يتصور أوامر القرآن ونواهيه, ويستلهم عطاءه وإشراقه, فيحيا بالقرآن, يتحرك به ليله ونهاره ومصبحه وممساه.

وإذا نظرنا إلى جيل التمكين الأول في هذه الأمة جيل الصحابة, وهو الجيل الذي عاش التمكين لحظة, لحظة, وخطوة خطوة, وجدنا هذه الصفة تكاد تكون أبرز صفاته, وإذا فتشنا عن ذلك وجدنا نماذج وقافة عند حدود القرآن وأوامره ونواهيه, لقد وقف عمر عند كلمة (الحر بن قيس) لم يجاوزها ووصف بأنه وقاف عند حدود الله فقد ذكر: ( ابن عباس - رضي الله عنهما- قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس وكان من النفر الذين يدنيهم عمر وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبابا فقال عيينة لابن أخيه يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه قال سأستأذن لك عليه. قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر, فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزل, ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى هم به فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله- تعالى- قال لنبيه- صلى الله عليه وسلم-: { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين }() . وإن هذا من الجاهلين . والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه وكان وقافا عند كتاب الله )(), لقد عاش هذا الجيل القرآني الفريد القرآن قولا وعملا, عيشة حقيقية واقعية, أثرت في فكره وتصوراته, وحركت حياته كلها من النقيض إلى النقيض, ( لقد استقى الجيل إذن من ذلك النبع وحده. فكان له في التاريخ ذلك الشأن الفريد .. ثم ما الذي حدث، اختلطت الينابيع.! صبت في النبع الذي استقت منه الأجيال التالية فلسفة الإغريق ومنطقهم، وأساطير الفرس وتصوراتهم. وإسرائيليات اليهود ولاهوت النصارى، وغير ذلك من رواسب الحضارات والثقافات. واختلط هذا كله بتفسير القرآن الكرم، وعلم الكلام، كما اختلط بالفقه والأصول أيضًا. وتخرج على ذلك النبع المشوب سائر الأجيال بعد ذلك الجيل ، فلم يتكرر ذلك الجيل أبدًا .

وما من شك أن اختلاط النبع الأول كان عاملاً أساسيا من عوامل ذلك الاختلاف البيِّن بين الأجيال كلها وذلك الجيل المميز الفريد.

هناك عامل أساسي آخر غير اختلاف طبيعة النبع . ذلك هو اختلاف منهج التلقي عما كان عليه في ذلك الجيل الفريد ..

إنهم - في الجيل الأول - لم يكونوا يقرؤون القرآن بقصد الثقافة والاطلاع، ولا بقصد التشوق والمتاع. لم يكن أحدهم يتلقى القرآن ليستكثر به من زاد الثقافة لمجرد الثقافة ، ولا ليضيف إلى حصيلته من القضايا العلمية والفقهية محصولاً يملأ به جعبته. إنما كان يتلقى القرآن ليتلقى أمر الله في خاصة شأنه وشأن الجماعة التي يعيش فيها، وشأن الحياة التي يحياها هو وجماعته ، يتلقى ذلك الأمر ليعمل به فور سماعه ، كما يتلقى الجندي في الميدان ( الأمر اليومي ) ليعمل به فور تلقيه ! ومن ثم لم يكن أحدهم ليستكثر منه في الجلسة الواحدة ، لأنه كان يحس أنه إنما يستكثر من واجبات وتكاليف يجعلها على عاتقه، فكان يكتفي بعشر آيات حتى يحفظها ويعمل بها كما جاء في حديث ابن مسعود() .

هذا الشعور . . شعور التلقي للتنفيذ .. كان يفتح لهم من القرآن آفاقًا من المتاع وآفاقًا من المعرفة ، لم تكن لتفتح عليهم لو أنهم قصدوا إليه بشعور البحث والدراسة والاطلاع ، وكان ييسر لهم العمل ، ويخفف عنهم ثقل التكاليف ، ويخلط القرآن بذواتهم ، ويحوله في نفوسهم وفي حياتهم إلى منهج واقعي ، وإلى ثقافة متحركة لا تبقى داخل الأذهان ولا في بطون الصحائف ، إنّما تتحول آثارًا وأحداثًا تحوِّل خط سير الحياة .)().

وقد كان, فقد غيرت تلك الثقافة الجديدة_ إن صح التعبير ثقافة القرآن, وتصورات القرآن, وعطاءات القرآن الحياة لديهم تغييرا جذريا, فكان الواحد منهم يتحرك بالقرآن وفي ذهنه أنه مصدر الهداية الحقيق بالاتباع, والمغني عما سواه من مناهج ورؤى,  من هنا قدر لهم أن يمكنوا لأنهم ملكوا المنهاج الواضح, وأحسنوا التعامل معه, فأحسنوا التعامل به وإسعاد الحياة من خلاله, فهو جيل رباني في تصوره وفي حركته, وفي حكمه على الأشياء, وفي تعامله مع الأحياء, (يعيش في الدنيا بقلوب أهل الآخرة, يعيش فوق الأرض وقلوبهم تهفو إلى عرش الله,حيث السبعة الذين يظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله,قد وصلوا بحبل الله عراهم, وأضاءوا بنوره خطاهم, وعمروا بحبه قلوبهم, وربطوا بذكره ألسنتهم, وشغلوا بطاعته جوارحهم, فهم بالله ولله, ومن الله وإلى الله, بالله اعتصامهم, ولله قيامهم, ومن الله استمدادهم, وإلى الله فرارهم, وعلى ضوء  كتابه حركتهم وسكونهم, يحبون في الله ويبغضون في الله, ويصلون في الله ويقطعون في الله, ويعطون لله ويمنعون لله, ويسالمون لله ويحاربون لله, فالله مبدؤهم والله منتهاهم)().

إنه الجيل الذي يعيد للبشرية صورة الجيل الأول الذي هداه الله بالقرآن وهدى به من حوله من البشر, َفِسرُ هدا يتهم نظرهم في القرآن وعملهم بمضامينه, (لقد هدى الله بدعوتهم إليه أعظم دول الأرض المجاورة لهم, دولة الرومان ودولة الفرس, فهذه محوها من لوح الوجود, بهدم سلطانها وإسلام شعبها, وتلك سلبوها ما كان خاضعا لسلطانها من ممالك الشرق وشعوبه الكثيرة, ثم فتحوا الكثير من ممالك الشرق والغرب حتى استولوا على بعض بلاد أوربا وألفوا فيها دولة عربية كانت زينة الأرض في العلوم والفنون والحضارة والعمران.)().

إنه الجيل الذي يتفهم القرآن, ويعيش القرآن, ويعمل بالقرآن, يفهم مقاصده ويتحرك من خلاله.

وهذا الجيل لا يولد طفرة ولا ينشأ هباء إنما يتم إعداده وتربيته وتقديمه للبشرية يرفع عنها نيرها, ويفك من رقبتها أغلالها – البشرية كلها مؤمنها وكافرها؛ لأن رسالته في هداية الناس إلى ربهم ولا يكون ذلك إلا عن تحريرهم من أوضار العقل, ومتاهات الفكر وظلم الإنسان للإنسان, لذلك مهمة القائمين على أمر المسلمين خطرة؛ لأن هذه المهمة من أساسيات واجباتهم, ومهمة العلماء والدعاة والغيورين على أمتهم ودينهم أصعب لأنهم عرفوا الداء وتشخيص الدواء.

المبحث الثاني: سليم العقيدة

العقيدة السليمة سر النجاة وروح الحياة, وعمل على غير عقيدة كبناء فوق الرمال, أو رقم على صفحات المياه, إنها صيحة في واد, ونفخة في رماد, من هنا عني القرآن الكريم بترسيخ العقيدة في نفوس الجيل الأول, ذلك الجيل الذي عاش التمكين الحضاري بكل صوره ومعانيه, ولقد كانت الآيات تنزل على هذا الجيل الذي كان منذ قليل في بداوة وبساطة لتربط كل أعماله بالله: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)().

وإذا تتبعنا الآيات المكية التي تعنى ببناء الشخصية المسلمة التي حملت راية التمكين وجدنا حظا وافرا منها يتناول هذه الصفة, حتى عد علماء علوم القرآن أن من خصائص القرآن النازل في مكة أنه يعنى ببناء العقيدة, (), ولا تقوم عقيدة بغير إخلاص ولا تبنى على غير أساس, لقد أخذ القرآن على تطاول فترات نزوله يبدئ ويعيد في ترسيخ هذه القضية قضية إخلاص العقيدة لله, حتى ترسو في صدور المؤمنين, فمرة يقول: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة)(), ومرة يقول: ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم)(), ومرة يرشدهم إلى اطلاعه- سبحانه- على الأعمال ظاهرها وباطنها فيقول: (قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات والأرض والله على كل شيء قدير)().

( لقد ظل القرآن المكي ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ثلاثة عشر عاماً كاملة، يحدَثه فيها عن قضية واحدة. قضية واحدة لا تتغير، ولكن طريقة عرضها لا تكاد تتكرر. ذلك الأسلوب القرآني يدعها في كل عرض جديدة، حتى لكأنما يطرقها للمرة الأولى.لقد كان يعالج القضية الأولى، والقضية الكبرى، والقضية الأساسية، في هذا الدين الجديد.. قضية العقيدة.. ممثلة في قاعدتها الرئيسية.. الإلوهية والعبودية، وما بينهما من علاقة.

لقد كان بخاطب بهذه الحقيقة (الإنسان).. الإنسان بما انه إنسان.. وفي هذا المجال يستوي الإنسان العربي في ذلك الزمان والإنسان العربي في كل زمان، كما يستوي الإنسان العربي وكل إنسان. في ذلك الزمان وفي كل زمان!

إنها قضية (الإنسان) التي لا تتغير. لأنها قضية وجوده في هذا الكون وقضية مصيره. قضية علاقته بهذا الكون وبهؤلاء الأحياء. وقضية علاقته بخالق هذا الكون وخالق هذه الأحياء. وهي قضية لا تتغير ، لأنها قضية الوجود والإنسان. ... وهكذا انقضت ثلاثة عشر عاماً كاملة في تقرير هذه القضية الكبرى، القضية التي ليس وراءها شيء في حياة الإنسان إلا ما يقوم عليها من المقتضيات والتفريعات.

ولم يتجاوز القرآن المكي هذه القضية الأساسية إلى شيء مما يقوم عليها من التفريعات المتعلقة بنظام الحياة، إلا بعد أن علم الله أنها قد استوفت ما تستحقه من البيان، وأنها استقرت استقراراً مكيناً ثابتاً في قلوب العصبة المختارة من بني الإنسان، التي قدر الله أن يقوم هذا الدين عليها، وان تتولى هي إنشاء النظام الواقعي الذي يتمثل فيه هذا الدين.

وأصحاب الدعوة إلى دين الله، والى إقامة النظام الذي يتمثل فيه هذا الدين في واقع الحياة، خليقون أن يقفوا طويلا أمام هذه الظاهرة الكبيرة، ظاهرة تصدي القرآن المكي خلال ثلاثة عشر عاماً لتقرير هذه العقيدة، ثم وقوفه عندها لا يتجاوزها إلى شيء من تفصيلات النظام الذي يقوم عليها، والتشريعات التي تحكم المجتمع المسلم الذي يعتنقها.)()

إن هذه المرحلة هي الأساس في البناء, وعلى قدر عظم المبني يكون عمق الأساس, لذلك لم يتعجل القرآن في صياغة الشخصية المسلمة في هذه الفترة بل رباها على مكث, وقومها على تؤدة ومهل, فكان منها بعد ما يعد في عداد المعجزات البشرية, والناظر في كلام ربعي بن عامر وهو يحدث رستم الفرس يجد هذا التصور الموقن والثقة المطلقة وهو يقول له:( جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد, ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام, ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة)().

والمتأمل في هذا الحديث الذي يمثل تصورا قرآنيا صادقا يشهد عمق النظرة, وسلامة الفطرة, وصدق اللهجة, وروعة البيان: (من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة...), فأي ضيق دنيوي كان أكثر من هذا الذي كان يعيشه الصحابة؟, وأي سعة دنيوية أكثر من التي كان يعيشها الفرس في هذا الزمان؟ لكن نظرة ربعي تبين أن الضيق الحقيقي في البعد عن الله وكتابه ومنهاجه, وأن السعة الحقيقية في التعرف على الله والسير على منهاجه, من هنا قال ربعي ما قال.

ومن الآيات التي رصدت مفردات العقيدة التي يجب على المسلم أن يؤمن بها قوله - تعالى-:(ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون)().  

(اشتملت هذه الآية على جمل عظيمة, وقواعد عميمة, وعقيدة مستقيمة,... إن الله- تعالى- لما أمر المؤمنين أولا بالتوجه إلى بيت المقدس, ثم حولهم إلى الكعبة شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين فأنزل الله –تعالى- بيان حكمته في ذلك, وهو أن المراد إنما هو طاعة الله -عز وجل- وامتثال أوامره, والتوجه حيثما وجه, واتباع ما شرع, فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل, وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق أو المغرب بر ولا طاعة إن لم يكن عن أمر الله وشرعه, ولهذا قال: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر } الآية كما قال في الأضاحي والهدايا: { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم }() وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية : ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا فهذا حين تحول من مكة إلى المدينة ونزلت الفرائض والحدود فأمر الله بالفرائض والعمل بها, وروي عن الضحاك ومقاتل نحو ذلك وقال أبو العالية: كانت اليهود تقبل قبل المغرب وكانت النصارى تقبل قبل المشرق فقال الله تعالى : { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب }, يقول: هذا كلام الإيمان وحقيقته العمل, وروي عن الحسن والربيع بن أنس مثله, وقال مجاهد: ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله -عز وجل- وقال الضحاك: ولكن البر والتقوى أن تؤدوا الفرائض على وجوهها, وقال الثوري: { ولكن البر من آمن بالله } الآية قال : هذه أنواع البر كلها وصدق- رحمه الله- فإن من اتصف بهذه الآية فقد دخل في عرى الإسلام كلها, وأخذ بمجامع الخير كله, وهو الإيمان بالله وأنه لا إله إلا هو, وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين الله ورسله,( والكتاب ) وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء حتى ختمت بأشرفها وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب, الذي انتهى إليه كل خير, واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة, ونسخ به كل ما سواه من الكتب قبله, وآمن بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد- صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين-, وقوله: { وآتى المال على حبه } أي أخرجه وهو محب له راغب فيه... هؤلاء الذين اتصفوا بهذا الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال فهؤلاء هم الذين صدقوا { وأولئك هم المتقون }؛ لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات)().

سحرة فرعون والعقيدة السليمة

والناظر في النماذج التي ذكرها القرآن من الصابرين على أمر الدعوة ومشاقها يجد أن العامل الأساس في صبرهم أنهم أصحاب عقيدة ثابتة ويقين راسخ فيما عند الله, ومن هذه النماذج سحرة فرعون, هؤلاء الذين خلد الله ذكرهم في القرآن مثلا للصابرين على محن الدعوة ونوازل الإيمان, وقد صاغ الله قصتهم في أكثر من سورة من سور القرآن, تصور مدى يقينهم وعمق إيمانهم, وإبراهيم وإسماعيل, وموسى وعبور البحر, والنبي في هجرته, وأصحاب الأخدود, ومؤمن آل يس, ومؤمن آل فرعون, وأم موسى,س وغير ذلك الكثير من مواقف الأنبياء والمرسلين والدعاة والمصلحين, غنية بمواقف العقيدة الصحيحة واليقين الثابت الذي تزول الجبال دونه ولا يزول.

إن العقيدة الصحيحة هي أساس الحركة الصحيحة وأساس العمل المستمر الذي لا يبالي بالعقبات مهما كانت, ولا توقفه الخطوب مهما تعاظمت.

المبحث الثالث: جيل عالم

جيل التمكين جيل عالم, العلم في حياته سبب أصيل في تمكينه, وصفة أساسية من صفاته, فلا يتصور جيل يتمكن بغير علم, أو ينهض بغير برهان, وقد ذكر العلم في القرآن مرات متعددة(), وكانت أول كلمة نزلت من الدستور الإلهي(اقرأ)(), وأقسم الله –تعالى- بأدوات العلم فقال: (ن والقلم وما يسطرون)(),وضم شهادة أولي العلم مع الملائكة وشهادته بأنه لا إله إلا هو العزيز الحكيم,وجعل العلم مؤهلا من مؤهلات الملك(إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم)(),وما من نبي إلا آتاه الله العلم.

والناظر في الآيات التي حفلت بالعلم وحفيت به يجد أنها لا تقصر العلم على العلم الشرعي أو علم الدين بل ارتبط العلم الذي يؤسس عليه التمكين في القرآن بالعلم بشقيه: علم الدين وعلم الكون والحياة, وغالبا ما تجد القرآن يذكر علم الكون والحياة مع علم الدين والشريعة, حتى يتوازى والأمر تبارك الله رب العالمين)(),وعندما ذكر الله –تعالى- العلماء علم الإنسان بالمنظور والمسطور, أو علم التكليف, وعلم التكوين, (ألا له الخلق الذين يخشون الله ذكرهم بعد ذكر عدد من أنماط علم الحياة, كعلم النبات والحيوان والجبال والأرض وعلم الاجتماع   (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ)(), ولعلك تلحظ هذا الترابط بين: السماء, الماء, الجبال, الناس, الدواب, الأنعام,وبين (الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ), إنها إشارة لا تحتاج إلا إلى مجرد النظر والاعتبار, فالعلم الذي يتغياه القرآن ليس فقط علم الدين, بل أيضا علم الحياة والأحياء.

ونظرة عجلى- فضلا عن المتأنية- إلى نماذج التمكين تؤكد لدينا هذه الحقيقة.

يوسف والعلم

الناظر في حياة يوسف يجد أن العلم صفة أساسية من صفاته, أخرجته من المحن التي مر بها واحدة بعد الأخرى, لقد أخرجه علمه بالله من محنة امرأة العزيز, وأخرجه علم التعبير من محنة السجن, وأخرجه علم التخطيط وأخرج شعب مصر بأكمله ومن حوله من سنوات عجاف لا تبقي ولا تذر.

والناظر في تكرار لفظ العلم في سورة يوسف من بدايتها إلى نهايتها أن له دلالة خاصة, وإشارة لا ينبغي أن نغفلها, فلقد بدأ لفظ العلم من أول السورة, تجد ذلك في قوله –تعالى-: (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(), وقوله: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)(),وقوله: ( قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)(), وقوله: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)(), وقوله: (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)(), لقد ذكر العلم في قصة يوسف عشرين مرة,وفي ذلك من الدلالات ما فيه.

موقفه من السنوات العجاف

مما يؤكد أن العلم الذي اتصف به يوسف لم يكن فقط علم الشريعة تلك الخطوة التي اتخذها لمواجهة الأزمة القادمة التي لو لم يستعد لها بهذا التخطيط الواعي, والنظرة الواعبة لأطاحت بمستقبل البلاد والعباد, إن يوسف لم يكتف بتعبير الرؤيا التي رآها الملك, بل قدم الحل بعد أن حدد المشكلة, ووصف الدواء بعد أن شخص الداء, وكانت وسيلته إلى هذا العمل العلم السليم الذي يصور المشكلة تصويرا صحيحا ويضع لها الحل المناسب.

ذو القرنين والعلم

وتميز ذو القرنين - وهو من النماذج التي ذكر القرآن تمكنها تميز بالعلم وظهرت ملامح هذا العلم في مواطن متعددة يمكن أن نحددها في الآتي:

اللمحة الأولى:في اتباعه الأسباب التي أتاحها الله له.

ويبدو لأول وهلة من النظر في الآيات التي ذكرت قصة ذي القرنين أنه شخص مميز يستطيع أن يفيد من كل ما لديه ولعل هذا بعض السر في تعبير القرآن عن ذكر حاله بقوله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا)(), أي: شيء من ذكره فالذكر ليس كل قصته بل شيء مما يثير النظر في حياته, وأمره كله لافت للنظر,وقد ذكر القرآن أنه اتبع الأسباب التي هيأها الله له وأفاد منها,بقوله: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا)(), لقد تكرر ذكر اتباع ذي القرنين للأسباب مرات ثلاثا, وذلك إن دل على شيء فإنما يدل على همته في اتباع الأسباب,والعلم جزء من الأسباب.    

اللمحة الثانية خطابه القوم الذين لا يكادون يفقهون قولا

وذلك واضح من قوله- تعالى-: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا)(),إن خطاب ذي القرنين لهؤلاء القوم يشعر بأنه كان على علم بلغتهم, ومعرفة بطريقة التحاور معهم, وهذا لون من ألوان العلم يقوم على أساسه التمكين وينتشر الدين في العالمين.

اللمحة الثالثة بناؤه السد بهذه الصفة

ومن الأشياء التي تدل على علم ذي القرنين بناؤه السد بهذه الطريقة التي كانت مثار دهشة أهل العلم والمختصين إلى الآن, وهذا ما صوره القرآن بقوله: (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حقا)(), لقد (قال ذو القرنين للذين سألوه أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدا { آتوني } : أي جيئوني بزبر الحديد, وهي جمع زبرة, والزبرة : القطعة من الحديد.....حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج قال : قال ابن عباس : { آتوني زبر الحديد } قال : قطع الحديد, وقوله: { حتى إذا ساوى بين الصدفين } يقول عز ذكره : فآتوه زبر الحديد فجعلها بين الصدفين حتى إذا ساوى بين الجبلين بما جعل بينهما من زبر الحديد ويقال : سوى والصدفان : ما بين ناحيتي الجبلين...., وقوله { قال انفخوا } يقول عز ذكره: قال للفعلة: انفخوا النار على هذه الزبر من الحديد, وقوله: { حتى إذا جعله نارا } في الكلام متروك وهو : فنفخوا حتى إذا جعل ما بين الصدفين من الحديد نارا { قال آتوني أفرغ عليه قطرا } فاختلفت القراء في قراءة ذلك فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة { قال آتوني } بمد الألف من { آتوني } بمعنى : أعطوني قطرا أفرغ عليه وقرأه بعض قراء الكوفة { قال آتوني } بوصل الألف بمعنى : جيئوني قطرا أفرغ عليه كما يقال: أخذت الخطام وأخذت بالخطام, وجئتك زيدا وجئتك بزيد وقد يتوجه معنى ذلك إذا قرئ كذلك إلى معنى أعطوني فيكون كأن قارئه أراد مد الألف من آتوني فترك الهمزة الأولى من آتوني وإذا سقطت الأولى همز الثانية, وقوله: { أفرغ عليه قطرا } يقول: أصب عليه قطرا والقطر: النحاس)().

إن بناء ذي القرنين السد بهذه الطريقة التي أثبت العلم الحديث أنها من أنفع الطرق يشي بأن هذا العبد عبد على علم, ولديه اطلاع واسع أهَّله لبناء السد بهذه الطريقة, (وفي القصة: أنه جعل الفحم والحطب في خلال زبر الحديد ثم قال: انفخوا يعني: في النار{ حتى إذا جعله نارا } أي صار الحديد نارا { قال آتوني }أي: آتوني قطرا أفرغ عليه و( الإفراغ ): الصب و( القطر): هو النحاس المذاب, فجعلت النار تأكل الحطب ويصير النحاس  مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس, قال قتادة : هو كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء)().

اللمحة الرابعة: علمه بالمنهاج الحق

وبدا ذلك واضحا في جوابه عن موقف هؤلاء القوم الذين وجدهم بعد أن وصل إلى مغرب الشمس, (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا)(), (معنى هذا أن الله تعالى مكنه منهم وحكمه فيهم وأظفره بهم وخيره إن شاء قتل وسبى, وإن شاء من أو فدى فعرف عدله وإيمانه فيما أبداه عدله وبيانه في قوله : { أما من ظلم } أي استمر على كفره وشركه بربه { فسوف نعذبه } قال قتادة بالقتل .. وقوله : { ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا } أي: شديدا بليغا وجيعا أليما, وفي هذا إثبات المعاد والجزاء وقوله: { وأما من آمن } أي: اتبعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له { فله جزاء الحسنى } أي في الدار الآخرة عند الله عز وجل { وسنقول له من أمرنا يسرا } قال مجاهد معروفا)().

وفي إدراكه للمنهاج الرباني الذي يقيم به العدالة إشارة إلى أنه على علم, وعلمه ليس علما في ناحية دون ناحية, بل علم شمل علم الشريعة وعلم توظيف الحياة.

داود وسليمان والعلم

وإذا انتقلنا إلى داود وسليمان وجدنا صفة العلم صفة أساسية في حياتهما ووسيلة من وسائل التمكين لديهما, سواء كان ذلك العلم علما شرعيا تقوم عليه النفوس, أو علما كونيا تبنى عليه حضارة الإنسان ويمكن أن نلحظ ذلك في الآتي:

حكمهما في الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم

وقد تضمن ذلك علمهما العلم الشرعي المؤهل للحكم بين الناس وفصل القضاء وفض المنازعات, على الرغم من اختلاف رؤية كل منهما عن الآخر, إلا أن القرآن الكريم أثنى عليهما كليهما, ومدحهما معا فقال: ( وداود وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ)().

لقد حكم داود بحكم ورأى سليمان أن الصواب في خلافه, فعاد داود إلى حكم سليمان ونزل عليه دون أدنى غضاضة, وهذا إن دل فإنما يدل على أن علمهما علم رباني موصول بالله لا ينفصل عنه فلا يضر داود أن يرجع في رأيه ما دام الصواب في خلافه.

(والحرث: إنما هو الحرث الأرض, وجائز أن يكون ذلك كان زرعا و جائز أن يكون غرسا و غير ضائر الجهل بأي ذلك كان, وقوله : { إذ نفشت فيه غنم القوم } يقول: حين دخلت في هذا الحرث غنم القوم الآخرين من غير أهل الحرث ليلا فرعته أو أفسدته { وكنا لحكمهم شاهدين } يقول:و كنا لحكم داود وسليمان والقوم الذين حكما بينهم فيما أفسدت غنم أهل الغنم من حرث أهل الحرث شاهدين لا يخفى علينا منه شيء و لا يغيب عنا علمه و قوله : { ففهمناها } يقول : ففهمنا القضية في ذلك { سليمان } دون داود { وكلا آتينا حكما وعلما } يقول: و كلهم من داود و سليمان و الرسل الذين ذكرهم في أول هذه السورة أتينا حكما و هو النبوة و علما: يعني و علما بأحكام الله)()

ومن علم الشريعة الذي أوتيه داود وسليمان ما صوره القرآن بقوله: (وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ)(). ومن دلالات علم داود وسليمان علم الشريعة ما نقله ابن جرير من ثناء الأنبياء على ربهم ومنه ثناء داود على ربه بقوله: (إن داود عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملكا عظيما وعلمني الزبور, وألان لي الحديد, وسخر لي الجبال يسبحن والطير, وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب, ثم إن سليمان أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح, وسخر لي الشياطين يعملون لي ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات, وعلمني منطق الطير, وآتاني من كل شيء فضلا, وسخر لي جنود الشياطين والإنس والطير, وفضلني على كثير من عباده المؤمنين, وآتاني ملكا عظيما لا ينبغي لأحد من بعدي, وجعل ملكي ملكا طيبا ليس علي فيه حساب)().

ومن العلم الذي يخدم التمكين أو علم الحياة والكون الذي أوتيه داود وسليمان ما ذكره القرآن في قوله -تعالى-:(وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ)().

( { وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم } يعني: صنعة الدروع قال قتادة : إنما كانت الدروع قبله صفائح: وهو أول من سردها حلقا كما قال تعالى:{ وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات وقدر في السرد } أي: لا توسع الحلقة فتقلق المسمار, ولا تغلظ المسمار فتقد الحلقة, ولهذا قال: { لتحصنكم من بأسكم } يعني: في القتال,{ فهل أنتم شاكرون } أي: نعم الله عليكم لما ألهم به عبده داود فعلمه ذلك من أجلكم وقوله: { ولسليمان الريح عاصفة } أي: وسخرنا لسليمان الريح العاصفة { تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها } يعني: أرض الشام, { وكنا بكل شيء عالمين }, وذلك أنه كان له بساط من خشب يوضع عليه كل ما يحتاج إليه من أمور المملكة والخيل والجمال والخيام والجند ثم يأمر الريح أن تحمله فتدخل تحته ثم تحمله وترفعه وتسير به وتظله الطير تقيه الحر إلى حيث يشاء من الأرض فينزل وتوضع آلاته وحشمه قال الله تعالى: { فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب } وقال تعالى : { غدوها شهر ورواحها شهر }...., وقوله : { ومن الشياطين من يغوصون له } أي: في الماء يستخرجون اللالىء والجواهر وغير ذلك, { ويعملون عملا دون ذلك } أي غير ذلك كما قال تعالى : { والشياطين كل بناء وغواص * وآخرين مقرنين في الأصفاد } وقوله: { وكنا لهم حافظين } أي: يحرسه الله أن يناله أحد من الشياطين بسوء بل كل في قبضته وتحت قهره لا يتجاسر أحد منهم على الدنو إليه والقرب منه, بل هو يحكم فيهم, إن شاء أطلق وإن شاء حبس منهم من يشاء)().

ومن ذلك أيضا أن من حوله عنده علم استطاع به أن ينقل عرش بلقيس,

( قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)()

(المراد (بالكتاب) الجنس المنتظم لجميع الكتب المنزلة أو اللوح وتنكير (علم) للتفخيم والرمز إلى أنه علم غير معهود ومن ابتدائية أن آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك الطرف تحريك الأجفان وفتحها للنظر إلى شيء وارتداده انضمامها ولكونه أمرا طبيعيا غير منوط بالقصد أوثر الارتداد على الرد ولما لم يكن بين هذا الوعد وإنجازه مدة ما كما في وعد (العفريت) استغنى عن التأكيد وطوى عند الحكاية ذكر الإتيان به للإيذان بأنه أمر متحقق غني عن الإخبار به, وجيء بالفاء الفصيحة لا داخلة على جملة معطوفة على جملة مقدرة دالة على تحققه فقط كما في قوله- عز وجل-:( فقلنا اضرب بعصاك البحر فانفلق)() ونظائره بل داخلة على الشرطية حيث قيل فلما رآه مستقرا عنده أي: رأى العرش حاضرا لديه كما في قوله عز وجل: (فلما رأينه أكبرنه)() للدلالة على كمال ظهور ما ذكر من تحققه واستغنائه عن الإخبار به ببيان ظهور ما يترتب عليه من رؤية سليمان عليه السلام إياه واستغنائه أيضا عن التصريح به إذ التقدير فأتاه به فرآه فلما رآه الخ فحذف ما حذف لما ذكر للإيذان بكمال سرعة الإتيان به, كأنه لم يقع بين الوعد به وبين رؤيته عليه الصلاة والسلام إياه شيء ما أصلا وفي تقييد رؤيته باستقراره عنده -عليه الصلاة والسلام- تأكيد لهذا المعنى لإيهامه أنه لم يتوسط بينهما ابتداء الإتيان أيضا كأنه لم يزل موجودا عنده مع ما فيه من الدلالة على دوام قراره عنده منتظما في سلك ملكه)().

إن الإتيان بعرش بلقيس بهذه الصورة وفي ذلك الزمن اليسير فيه دلالة قاطعة على علم سليمان وليس سليمان وحده بل المجلس الذي يجالسه لم يكن أي نوع من البشر أو الخلق إنما هو نوع على علم يخدم القضية التي يريد نشرها, ولديه من العلم والمعرفة ما يجعله قادرا على التخطيط والتنفيذ, وكذلك كل أمة تسعى إلى التمكين لابد أن تربي جيلا من الجنود على صفة العلم, العلم الشرعي الذي يحمي الفكر من الانحراف والزيغ وعلم الكون والحياة الذي يحمي الأرض من السلب والنهب من أعدائها.










المبحث الرابع: جيل صحيح العبادة

جيل التمكين جيل عابد, فالعبادة زاده, وصلته بربه وعتاده, قرة عينه في عبادته, يهنأ بها, ويتمتع بالوقوف في محرابها, وإذا تخلى السائر عن زاده والمسافر عن عدته وعتاده لا يتخلى جيل التمكين عن عبادته, فهي الوقود الذي يمضي به مع الزمن, والطاقة التي يتزود بها في نوازل المحن, ولذلك سمعنا النبي يقول: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)(), ويقول: (أرحنا بها يا بلال)(), إن العبادة هي روح المؤمن الحق, ودوحته التي يأوي إليها, وسنده الذي يعتمد إليه, هذا بالنسبة للمؤمن بصفة عامة, والمؤمن الذي يسعى إلى التمكين بصفة أخص؛ لأنه بالعبادة يمضي على منهاج ربه, الذي أضاف التمكين إلى نفسه - تعالى- في كل الآيات التي ورد فيها لفظ التمكين في القرآن الكريم().

وإذا نظرنا في آية التمكين والتي تعد العمدة في بابها, وهي آية سورة النور وجدناها ترشد إلى هذا الزاد الذي يتحقق من خلاله التمكين, ويستمر على أساسه,فالله –تعالى- يقول:( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56))().

يقول ابن جرير في تفسير هذه الآية: ({ وعد الله الذين آمنوا }: بالله ورسوله, { منكم } أيها الناس, { وعملوا الصالحات } يقول: وأطاعوا الله ورسوله فيما أمراه و نهياه, { ليستخلفنهم في الأرض} يقول: ليورثنهم الله أرض المشركين من العرب والعجم, فيجعلهم ملوكها وساستها, { كما استخلف الذين من قبلهم } يقول : كما فعل من قبلهم ذلك ببني إسرائيل, إذ أهلك الجبابرة بالشام, وجعلهم ملوكها وسكانها, { وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم } يقول: وليوطئن لهم دينهم يعني ملتهم التي ارتضاها لهم, فأمرهم بها, وقيل وعد الله الذين آمنوا ثم تلقى ذلك بجواب اليمين بقوله: { ليستخلفنهم }؛ لأن الوعد قول يصلح فيه أن وجواب اليمين كقوله: وعدتك أن أكرمك ووعدتك لأكرمنك ....وقوله: { يعبدونني } يقول : يخضعون لي بالطاعة, ويتذللون لأمري ونهيي, { لا يشركون بي شيئا } يقول: لا يشركون في عبادتهم إياي الأوثان والأصنام ولا شيئا غيرها, بل يخلصون لي العبادة, فيفردونني بها دون كل ما عبد من شيء غيري, وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل شكاية بعض أصحابه إليه في بعض الأوقات التي كانوا فيها من العدو في خوف شديد مما هم فيه من الرعب والخوف و ما يلقون بسبب ذلك من الأذى والمكروه,{ فمن كفر بعد ذلك } قال: يقول : من كفر بهذه النعمة { فأولئك هم الفاسقون } وليس يعني الكفر بالله قال : فأظهره الله على جزيرة العرب فآمنوا ثم تجبروا فغير الله ما بهم, وكفروا بهذه النعمة فأدخل الله عليهم الخوف الذي كان رفعه عنهم , واختلف أهل التأويل في معنى الكفر الذي ذكره الله في قوله { فمن كفر بعد ذلك } فقال أبو العالية ما ذكرنا عنه من أنه كفر بالنعمة لا كفر بالله )().

وفي نظم الآيات بهذه الصورة ما فيه من تقديم الاستخلاف في الأرض على التمكين,والتعبير عن الاستخلاف بطريقة تفيد الثبات والاستقرار, من خلال التعبير بـ(في) وفي إضافة الدين إليهم, ووصفه بارتضائه – تعالى- هذا الدين لهم, وفي ذلك يقول أبو السعود في إرشاده: ( [وليمكنن لهم دينهم] عطف على [ليستخلفنهم], منتظم معه في سلك الجواب, وتأخيره عنه مع كونه أجل الرغائب الموعودة وأعظمها لما أن النفوس إلى الحظوظ العاجلة أميل, فتصدير المواعيد بها في الاستمالة أدخل, والمعنى: ليجعلن دينهم ثابتا مقررا بحيث يستمرون على العمل بأحكامه, ويرجعون إليه في كل ما يأتون وما يذرون والتعبير عن ذلك بالتمكين الذي هو جعل الشيء مكانا لآخر, يقال: مكن له في الأرض أي: جعلها مقرا له ومنه قوله تعالى: (إنا مكنا له في الأرض)() ونظائره, وكلمة[ في] للإيذان بأن ما جعل مقرا له قطعة منها لا كلها للدلالة على كمال ثبات الدين ورصانة أحكامه وسلامته من التغيير والتبديل لابتنائه على تشبيهه بالأرض في الثبات والقرار, مع ما فيه من مراعاة المناسبة بينه وبين الاستخلاف في الأرض, وتقديم صلة التمكين على مفعوله الصريح للمسارعة إلى بيان كون الموعود من منافعهم تشويقها لهم إليه وترغيبا لهم في قبوله عند وروده, ولأن في توسيطها بينه وبين وصفه أعنى قوله تعالى:( الذي ارتضى لهم), وفي تأخيرها عنه من الإخلال بجزالة النظم الكريم ما لا يخفى, وفي إضافة الدين إليهم وهو دين الإسلام ثم وصفه بارتضائه لهم تأليف لقلوبهم, ومزيد ترغيب فيه, وفضل تثبيت عليه, [وليبدلنهم] بالتشديد وقرئ بالتخفيف() من الإبدال من بعد خوفهم أي: من الأعداء أمنا ... وقيل: المراد الخوف من العذاب والأمن منه في الآخرة (يعبدونني) حال من الموصول الأول مفيدة لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد, أو استئناف ببيان المقتضى للاستخفاف وما انتظم معه في سلك الوعد (لا يشركون بي شيئا) حال من الواو أي يعبدونني غير مشركين بي في العبادة شيئا (ومن كفر) أي: اتصف بالكفر بأن ثبت واستمر عليه ولم يتأثر بما مر من الترهيب والترغيب فإن الإصرار عليه بعد مشاهدة دلائل التوحيد كفر مستأنف زائد على الأصل وقيل كفر بعد الإيمان وقيل كفر هذه النعمة العظيمة والأول هو الأنسب بالمقام (بعد ذلك) أي: بعد ذلك الوعد الكريم بما فصل من المطالب العالية المستوجبة لغاية الاهتمام بتحصيلها والسعي الجميل في حيازتها فأولئك البعداء عن الحق التائهون في تيه الغواية والضلال (هم الفاسقون) الكاملون في الفسق والخروج عن حدود الكفر والطغيان)().



العبادة من متطلبات التمكين

لقد وصف الله تعالى الجيل الذي وعده بالتمكين بقوله: (يعبدونني),وثنى بطلب ركيزة من ركائز العبادة بقوله: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) إيذانا بأن العبادة دعامة من دعامات التمكين وصفة من صفات أهله يتحلون بها في طريقهم إلى التمكين وبعد حصولهم عليه ووصولهم إليه.  

ووردت العبادة متطلبا من متطلبات التمكين, وأداة من أدوات استمراره واستقراره في قوله-تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41))().

( { إن مكناهم في الأرض }, أي: إن وطنا لهم في البلاد فقهروا المشركين وغلبوهم عليها وهم أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: إن نصرناهم على أعدائهم وقهروا مشركي مكة أطاعوا الله فأقاموا الصلاة بحدودها وآتوا الزكاة : يقول: وأعطوا زكاه أموالهم من جعلها الله له, { وأمروا بالمعروف } يقول : ودعوا الناس إلى توحيد الله والعمل بطاعته وما يعرفه أهل الإيمان بالله, { ونهوا عن المنكر } يقول: ونهوا عن الشرك بالله والعمل بمعاصيه الذي ينكره أهل الحق والإيمان بالله { ولله عاقبة الأمور } يقول: ولله آخر الخلق يعني: أن إليه مصيرها في الثواب عليها والعقاب في الدار الآخرة)().

وبعضهم يرى أن المراد من الاسم الموصول هنا الخلفاء الأربعة وحمله على العموم أولى؛ لأنه طلب يستمر مع المطلوب من أجله, وهو التمكين فلا يتصور جيل يسعى إلى التمكين دون أن يكون موصوفا بالعبادة والعبودية.

يقول الثعلبي: (وقوله سبحانه: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة).. الآية قالت فرقة: هذه الآية في الخلفاء الأربعة, والعموم في هذا كله أبين, وبه يتجه الأمر في جميع الناس, وإنما الآية آخذة عهدا على كل من مكن في الأرض على قدر ما مكن, والآية أمكن ما هي في الملوك)().

مفهوم العبادة في الإسلام

وقد يظن بعض الناس أن العبادة هي الركعات والسجدات التي يؤديها العبد لله- عز وجل- أو الصيام والزكاة والحج فقط, وهذا فهم قاصر لمفهوم العبادة في الإسلام, فالعبادة التي تؤدي إلى التمكين هي كل ما يعين علي رضا الله, من صلاة وصيام وزكاة وحج وصلة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر,وسعي إلى تحكيم شرع الله, ودعوة الناس إلى دينه, لذلك عرفوا العبادة بأنها:( فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيما لربه)(), بهذا التعبير العام الشامل, وقد عرف شيخ الإسلام ابن تيمية العبادة تعريفا جامعا واسعا إذ يقول-رحمه الله-: (العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه: من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة, فالصلاة, والزكاة, والصيام, والحج, وصدق الحديث, وأداء الأمانة, وبر الوالدين, وصلة الأرحام, والوفاء بالعهود, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والجهاد للكفار والمنافقين, والإحسان إلى الجار, واليتيم, والمسكين, وابن السبيل, والمملوك من الآدميين, والبهائم, والدعاء, والقراءة, وأمثال ذلك من العبادة, وكذلك حب الله ورسوله, وخشية الله, والإنابة إليه, وإخلاص الدين له, والصبر لحكمه, والشكر لنعمه, والرضا بقضائه, والتوكل عليه, والرجاء لرحمته, والخوف لعذابه, وأمثال ذلك هي من العبادة لله؛ وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له والمرضية له التي خلق الخلق لها, كما قال تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون() }().

لقد كانت مهمة الأنبياء والمرسلين, والدعاة والمصلحين تعبيد الناس لله, ودلالتهم عليه, وبذلك أرسل الله الرسل, وأنزل الكتب ( كما قال نوح لقومه: [ 59 الأعراف ] : { اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } كذلك وقول هود: [ 65 الأعراف ] وصالح [ 73 الأعراف ] وشعيب [ 85 الأعراف ] وغيرهم لقومهم وقال تعالى: [ 36 النحل ] : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة }, وقال تعالى: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون }, وقال تعالى: [ 92 الأنبياء ] : { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون }, كما قال في الآية الأخرى [ 51 المؤمنون ] : { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم }, وجعل ذلك لازما لرسله إلى الموت, كما قال [ 99 الحجر ] : { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين }, وبذلك وصف ملائكته وأنبياءه فقال تعالى: [ 19 الأنبياء ] : { وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون الليل والنهار لا يفترون }, وقال تعالى: [ في آخر الأعراف ] : { إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون } وذم المستكبرين عنها بقوله: [ 60 غافر ] { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين }, ونعت صفوة خلقه بالعبودية له فقال تعالى: [ 6 الإنسان ] { عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا } وقال: [ 63 الفرقان ] : { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } الآيات لما قال الشيطان [ 39 الحجر ] : { بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين } قال الله تعالى: [ 42 الحجر ] : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين }, وقال في وصف الملائكة بذلك: [ 26 الأنبياء ] : { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون }, وقال تعالى: [ 88 – 95مريم ] : { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا }, وقال تعالى عن المسيح الذي ادعيت فيه الإلهية والنبوة [ 59 الزخرف ] : { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل } ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح [ لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ] , وقد نعت الله رسوله بالعبودية في أكمل أحواله فقال في الإسراء: { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا } وقال في الإيحاء: [ 10 النجم ] { فأوحى إلى عبده ما أوحى }, وقال في الدعوة: [ 19 الجن ] { وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا }, وقال في التحدي [ 23 البقرة ] { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله })().

وإذا تتعبنا النماذج التي مكن الله لها على اختلاف مراحل التمكين عرفنا إلى أي مدى كانت صفة العبودية صفة ملازمة لهم في حياتهم, ويمكن أن نتتبع نماذج التمكين وهذه الصفة لديهم على النحو التالي:

يوسف والعبادة   

فيوسف برزت لديه صفة العبودية في صورة أوضح من أن يستدل عليها, في مواقفه المتعددة وقت البلاء ووقت الرخاء في المحنة والمنحة.

موقفه من امرأة العزيز

ففي موقفه من امرأة العزيز بدت عبوديته لله-عز وجل- في كلامه وفعله, فقد صاح صيحة استغاثة واضحة عندما رأى المحنة تقترب منه, والفتنة ترتمي على أقدامه, وكان سبب نجاته أنه من العباد المخلصين,( وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)().

( قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر() ( المخلِصين ) بكسر اللام وتأويلها: الذين أخلصوا طاعة الله, وقرأ الباقون بفتح اللام, وتأويلها: الذي أخلصهم الله لرسالته, وقد كان يوسف- صلى الله عليه وسلم- بهاتين الصفتين؛ لأنه كان مخلصا في طاعة الله- تعالى-, مستخلصا لرسالة الله تعالى)(), ومجيء الكلام بصورة الجملة الاسمية المبدوءة بإن يشعر بترتب اللاحق على السابق, يقول أبو السعود:(إنه من عبادنا المخلصين تعليل لما سبق من مضمون الجملة بطريق التحقيق والمخلصون هم الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته بأن عصمهم عما هو قادح فيهم وقرئ على صيغة الفاعل وهم الذين أخلصوا دينهم لله سبحانه وعلى كلا المعنيين فهو منتظم في سلكهم داخل في زمرتهم من أول أمره بقضية الجملة الاسمية لا أن ذلك حدث له بعد أن لم يكن كذلك فانحسم مادة احتمال صدور الهم بالسوء منه عليه السلام بالكلية)().

وكذلك في موقفه وكلامه عندما لوح له بالسجن,( قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34))(), وموقفه مع صاحبيه داخل السجن, وحديثه معهما عن العبادة الحقة والإله الحق, وأن هذا هو الدين القيم الذي لا دين يعدله ولا عقيدة توازيه, إذ يقول لهم: (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40)().

ومن يتتبع مواقفه-عليه السلام- يجد أنها مفعمة بالعبادة والعبودية, في موقفه مع إخوته, ومواقفه مع أهل مصر, ومواقفه مع عزيزها, وفي منهاجه الذي سار عليه, وتعامله مع الأشياء,ولقد وصفه الله تعالى غير مرة بأنه من المحسنين, ومن ذلك قوله- تعالى-:( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) ().

داود وسليمان والعبادة

وإذا انتقلنا إلى نموذج آخر من نماذج التمكين هو داود وسليمان- عليهما السلام- وجدنا صفة العبادة والعبودية ملازمة لهما,وصفة من صفاتهما,والله- تعالى- يقول:( اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ)(). (والمعنى اصبر على قولهم, واذكر لهم أقاصيص الأنبياء لتكون برهانا على صحة نبوتك, < ذا الأيد >: ذا القوة في العبادة, وكان يصوم يوما ويفطر يوما, وذلك أشد الصوم وأفضله, وكان يصلي نصف الليل, وكان لا يفر إذا لاقى العدو, وكان قويا في الدعاء إلى الله تعالى, وقوله : < عبدنا > إظهارا لشرفه بهذه الإضافة)(),ووصف الله سليمان أيضا بالعبودية فقال:( وَوَهَبْنَا لداود سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30)(), وذكر –تعالى- أنها دعوته- عليه السلام- ورجاؤه في ربه بقوله: (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19),أي:(وأدخلني برحمتك مع عبادك الصالحين الذي اخترتهم لرسالتك وانتخبتهم لوحيك يقول : أدخلني من الجنة مداخلهم)().

إن العبودية الحقة لها مظاهر تبرزها, وأسس تقوم عليها,وعلى اختلاف مظاهر العبودية من العبد لربه فإن أبرز ما يجسد هذه العبودية من العبد مظهران: هما القرآن والصلاة,(وهذان اللفظان هما في الأصل عنوان للدين بأكمله, فمن الناحية النظرية يحتلان الأهمية الأولى, ومن الناحية العملية يحتلان درجة من الأهمية تالية, فمن وجد القرآن والصلاة وجد الله.....وقد أثبت القرآن الكريم الأهمية الأساسية لهذين الشيئين بقوله-تعالى-:(والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين)(), وكأن المصلح هو فقط الذي تتضمن حياته القرآن والصلاة, ومحاولات مثل هؤلاء الناس في نظر الخالق هي محاولات المصلحين الذين يبارك الله عملهم في الدنيا, ويهبهم في الآخرة نعيمه, والله –تعالى- يقول: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)(), ومعنى إدراك الصلاة وهدفه لا يمكن أن يوجد في مجموعة ألفاظ بعينها, أو في هيكل ظاهري معين, إن المطلوب والمقصود هو إيجاد حقيقة عظيمة تسيطر على وجود الإنسان وتشكل حياته كلها وتبنيها...إن ما يريده الله-تعالى- من قراءة القرآن ليس مجرد التلاوة بل التلاوة الحق, فهو – تعالى- يقول: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به)(), هذه تلاوة الحق من ينالها ويدركها يصبح قارئا حقا للقرآن, وهو المؤمن بالمعنى الصحيح, وإذا أردنا أن نعرف تلاوة الحق فلنقرأ هذه الآية: (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون)(), يفهم من هذه الآية تعريف المؤمنين, فهم الذين يتلون القرآن فتضيف تلاوتهم إلى إيمانهم, وتحرك أطيب المشاعر لديهم, وهو ما تم التعبير عنه في موضع آخر بـ(عرفان الحق): (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين)(), وزيادة الإيمان مع عرفان الحق تعبيران لحقيقة واحدة,فالذين يؤمنون حقا بالقرآن الكريم حين يقرؤونه تتضح أمامهم الحقيقة كاملة من خلال آياته الكريمة, تلك الحقيقة التي يعجز عن إدراكها العلم الإنساني ... والصلاة في الحقيقة علامة لحياة المؤمن وهي محورها الأساسي, فحياته كلها في صلاة)().

والناظر في ترابط القرآن والصلاة بالإصلاح يجد التلازم بينهما وبينه في مواطن متعددة ذلك أن الصلاة والقرآن من أقوى العوامل في تغيير النفس البشرية, وقد مضت سنة الله –تعالى-بأن التغيير الحقيقي يبدأ من تغيير ما بالنفس, (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)().  





المبحث الخامس: جيل القيم

جيل التمكين جيل يعيش القيم, يتحرك بها ليسود من خلالها؛ ذلك أن أي حضارة سليمة وتمكين حقيقي دعامته جناحان, لا يحلق إلا بهما, أو ساقان لا يمضي إلا عليهما, جانب المادة وجانب القيم, وإذا فقدت حضارة من الحضارات التوازن بين هذين الجناحين, والتوائم بين تلكم الساقين, أصبحت حضارة شوهاء, ترف بجناح واحد, عرجاء تمضي – إن مضت بقدم واحدة, سرعان ما تتهاوى وتذهب أدراج الرياح, والواقع الذي يعيشه العالم الغربي اليوم هو مسخ من الحضارة؛ لأنه تقدم في جانب المادة, وعجز في جانب القيم, فتضخم عقله وضمر ضميره, بل تلاشى إلى حد الذوبان, أما التمكين الحضاري الذي يسعى القرآن إلى رصد أسسه, وتبصير المسلمين به فهو تمكين يعنى بجانب القيم كما يعنى بجانب المادة, ويحترم المبادئ كما يعتمد على التقنية والسبق التطبيقي لعلوم الحياة, وإذا تتبعنا نماذج التمكين التي عني القرآن بتسجيلها, مثالا يحتذى, وأسوة تقتدى, وجدنا جانب القيم يتعالى فيها ويرتفع حتى يحلق بجانب المادة في أفق سام ومنزلة عالية, ويمكننا أن نرصد ذلك على النحو التالي:

يوسف وجانب القيم

إن نبي الله يوسف الذي تربع على عرش مصر, وحسبك بمصر- في وقتها- وفرة رزق وسعة زرع وضرع, حتى كانت سلة غلال الشرق بأسره, تتجلى فيه هذه الصفة في مواطن متعددة , ويمكن أن نرصدها في النقاط التالية:

في موقفه من امرأة العزيز

في تلك المحنة التي هي أشد من محنة الجب, إنها محنة الحب, ومن هذه المرأة ذات المنصب والجمال, في بيتها وتحت ستر من رغباتها, وهي تدعوه هذه الدعوة الواضحة, التي عبر القرآن عنها تعبيرا غاية في الرقي والتهذيب بقوله: (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك)(),ذلك التعبير الذي لا يرقى إليه إلا القرآن, (لقد كانت المراودة في هذه المرة مكشوفة , وكانت الدعوة فيها سافرة إلى الفعل الأخير . . وحركة تغليق الأبواب لا تكون إلا في اللحظة الأخيرة , وقد وصلت المرأة إلى اللحظة الحاسمة التي تهتاج فيها دفعة الجسد الغليظة , ونداء الجسد الأخير: (وقالت:هيت لك !). هذه الدعوة السافرة الجاهرة الغليظة لا تكون أول دعوة من المرأة . إنما تكون هي الدعوة الأخيرة . وقد لا تكون أبدا إذا لم تضطر إليها المرأة اضطرارا . والفتى يعيش معها وقوته وفتوته تتكامل , وأنوثتها هي كذلك تكمل وتنضج , فلا بد كانت هناك إغراءات شتى خفيفة لطيفة , قبل هذه المفاجأة الغليظة العنيفة. (قال:معاذ الله . إنه ربي أحسن مثواي. إنه لا يفلح الظالمون). .(معاذ الله). .أعيذ نفسي بالله أن أفعل (إنه ربي أحسن مثواي). وأكرمني بأن نجاني من الجب وجعل في هذه الدار مثواي الطيب الآمن (إنه لا يفلح الظالمون). . الذين يتجاوزون حدود الله , فيرتكبون ما تدعينني اللحظة إليه . والنص هنا صريح وقاطع في أن رد يوسف المباشر على المراودة السافرة كان هو التأبي, المصحوب بتذكر نعمة الله عليه , وبتذكر حدوده وجزاء من يتجاوزون هذه الحدود . فلم تكن هناك استجابة في أول الموقف لما دعته إليه دعوة غليظة جاهرة بعد تغليق الأبواب , وبعد الهتاف باللفظ الصريح الذي يتجمل القرآن في حكايته وروايته)().

لقد ارتفع يوسف بنفسه وتعالى على نداء الجسد, وشهوات النفس واستعصم بربه, (وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين)(), وقد كان فقد صرف الله عنه كيدهن, (فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم)(), إن نداء المبدأ والقيم التي عاش يوسف لها ويعيش له كل ماض في سبيل التمكين, هو الذي جعله يعتصم بحول الله – تعالى- وطوله وقوته, ليعلي جانب القيم والمبادئ الأساسية.

في حديثه مع صاحبي السجن

كما تلحظ جانب القيم في حياة يوسف من خلال تعامله مع صاحبيه في السجن هذين الفتيين اللذين جمعت جدران السجن بينهما وبين يوسف, وصور القرآن هذا الموقف بقوله: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ)().

وتلمح أكثر من قيمة في هذا الحوار, منها: قيمة الإحسان تلك التي لمحها هؤلاء وهذه الصفات لا تظهر بمجرد الحديث بل كان عمله معهما غاية في الإحسان, ونهاية في حسن العشرة, وهذا الظرف الذي يعيشون فيه, ظرف المحنة والسجن يحتاج إلى همم عالية وروح طيبة وصدر واسع منشرح لمن حوله حتى يقيل عثراتهم ويأخذ بأيديهم إلى ما يريد, ولا تكفي فيه الكلمات والعبارات, وظهور إحسانه لديهم هو الذي دفعهم إلى وصفه بالإحسان, ومنها نداؤه لهما بلفظ الصحبة مع الفارق البيِّن والبعد الشاسع بينه وبينهما,(ناداهما بعنوان الصحبة في مدار الأشجان ودار الأحزان التي تصفو فيها المودة وتخلص النصيحة ليقبلا عليه ويقبلا مقالته وقد ضرب لهما مثلا يتضح به الحق عندهما حق اتضاح)(), كما تظهر القيم لديه في هذا الحوار من خلال دعوتهما إلى الإيمان الذي هو حياة النفس السوية, بقوله لهما: ( ذلك الدين القيم)() (أي: تخصيصه تعالى بالعبادة الدين القيم الثابت المستقيم الذي تعاضدت عليه البراهين عقلا ونقلا, (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أن ذلك هو الدين القيم لجهلهم بتلك البراهين, أو لا يعلمون شيئا أصلا, فيعبدون أسماء سموها من تلقاء أنفسهم, معرضين عن البرهان العقلي, والسلطان العقلي)(), وتفسيره لهما رؤياهما بتلك الطريقة التي فيها مراعاة لنفسيهما, وحرص بالغ عليهما (وبعد تحقيق الحق ودعوتهما إليه وبيانه لهما مقداره الرفيع ومرتبة علمه الواسع شرع في تفسير ما استفسراه ولكونه بحثا مغايرا لما سبق فصله عنه بتكرير الخطاب فقال:(يا صاحبي السجن أما أحدكما) وهو الشرابي وإنما لم يعينه ثقة بدلالة التعبير وتوسلا بذلك إلى إبهام أمر صاحبه حذار مشافهته بما يسوءه)(),

في موقفه مع رسول الملك

إن رسول الملك حين جاءه ليخرجه من غيابات السجن, ذلك المكان الذي لا يرضاه إنسان لغيره فضلا عن نفسه, ما سارع يوسف إلى تلقف رسالته, ولا ألقى نفسه بين يديه, لينقذه مما هو فيه, وذلك بعد أن فسر رؤيا الملك, وأعجب الملك به, (وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة إن ربي بكيدهن عليم)(), (لقد رد يوسف أمر الملك باستدعائه حتى يستوثق الملك من أمره, وحتى يتحقق من شأن النسوة اللاتي قطعن أيديهن . . بهذا القيد . . تذكيرا بالواقعة وملابساتها وكيد بعضهن لبعض فيها وكيدهن له بعدها . . وحتى يكون هذا التحقق في غيبته لتظهر الحقيقة خالصة , دون أن يتدخل هو في مناقشتها . . . كل أولئك لأنه واثق من نفسه , واثق من براءته, مطمئن إلى أن الحق لا يخفى طويلا , ولا يخذل طويلا )()

إنه لم يبادر إلى الاستجابة الفورية, للخلاص من هذا الجب الآخر بعد الجب الأول؛ لأن براءته في نظره وإظهار نصاعة صفحته أحب إليه من السراح المجرد, والإطلاق العادي؛ لأنه يعلي جانب القيم والمبادئ على جانب الراحة الجسدية مهما كانت, إنه الذي نادى من قبل (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين)().

موقفه من رغبة الملك في استخلاصه لنفسه

كما تلمح هذه الصفة في موقفه من رغبة الملك في أن يستخلص يوسف لنفسه, وإباءه الخروج قبل أن تخرج تهمته التي دخلت معه() وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)().

( لقد تبينت للملك براءة يوسف, وتبين له معها علمه في تفسير الرؤيا , وحكمته في طلب تمحيص أمر النسوة كذلك تبينت له كرامته وإباؤه , وهو لا يتهافت على الخروج من السجن , ولا يتهافت على لقاء الملك . وأي ملك ? ملك مصر ! ولكن يقف وقفة الرجل الكريم المتهم في سمعته , المسجون ظلما , يطلب رفع الاتهام عن سمعته قبل أن يطلب رفع السجن عن بدنه ; ويطلب الكرامة لشخصه ولدينه الذي يمثله قبل أن يطلب الحظوة عند الملك.  كل أولئك أوقع في نفس الملك احترام هذا الرجل وحبه فقال:)ائتوني به أستخلصه لنفسي). . فهو لا يأتي به من السجن ليطلق سراحه ; ولا ليرى هذا الذي يفسر الرؤى ; ولا ليسمعه كلمة "الرضاء الملكي السامي ! " فيطير بها فرحا . . كلا ! إنما يطلبه ليستخلصه لنفسه , ويجعله بمكان المستشار والنجي والصديق . . فيا ليت رجالا يمرغون كرامتهم على أقدام الحكام - وهم أبرياء مطلقو السراح - فيضعوا النير في أعناقهم بأيديهم ; ويتهافتوا على نظرة رضى وكلمة ثناء , وعلى حظوة الأتباع لا مكانة الأصفياء . . يا ليت رجالا من هؤلاء يقرؤون هذا القرآن , ويقرؤون قصة يوسف , ليعرفوا أن الكرامة والإباء والاعتزاز تدر من الربح - حتى المادي - أضعاف ما يدره التمرغ والتزلف والانحناء ! وقال الملك:ائتوني به أستخلصه لنفسي . . ويحذف السياق جزئية تنفيذ الأمر لنجد يوسف مع الملك . . )فلما كلمه قال:إنك اليوم لدينا مكين أمين). . فلما كلمه تحقق له صدق ما توسمه . فإذا هو يطمئنه على أنه عند الملك ذو مكانة وفي أمان . فليس هو الفتى العبراني الموسوم بالعبودية . إنما هو مكين . وليس هو المتهم المهدد بالسجن . إنما هو أمين . وتلك المكانة وهذا الأمان لدى الملك وفي حماه . فماذا قال يوسف؟    

إنه لم يسجد شكرا كما يسجد رجال الحاشية المتملقون للطواغيت . ولم يقل له:عشت يا مولاي وأنا عبدك الخاضع أو خادمك الأمين , كما يقول المتملقون للطواغيت ! كلا إنما طالب بما يعتقد أنه قادر على أن ينهض به من الأعباء في الأزمة القادمة التي أول بها رؤيا الملك , خيرا مما ينهض بها أحد في البلاد ; وبما يعتقد أنه سيصون به أرواحا من الموت وبلادا من الخراب , ومجتمعا من الفتنة - فتنة الجوع - فكان قويا في إدراكه لحاجة الموقف إلى خبرته وكفايته وأمانته , قوته في الاحتفاظ بكرامته وإبائه)()

إن يوسف لم يحرص على خروجه من السجن حرصه على إثبات براءته من أطراف القضية, (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ)().



طلبه الولاية في سني القحط

ومن القيم التي ظهرت في حياة الصديق يوسف قيمة المبادرة والتي يسميها القرآن المسارعة إلى الخيرات, وتدور على ألسنة فقهاء الدعوة بالإيجابية, تلك التي دفعت يوسف إلى طلب الولاية في هذه الظروف القاحلة, التي يهرب منها أشد الرجال, لكن يوسف بما وهب من حسن التصرف وجودة التدبير والتخطيط, والرغبة في نفع الغير, وحسن الاعتماد على الله يسارع إلى طلب هذا الذي يكلفه الكثير من الجهد والوقت.

(ولعل إيثاره -عليه السلام- لتلك الولاية خاصة إنما كان للقيام بما هو أهم أمور السلطنة إذ ذاك من تدبير أمر السنين حسبما فصل في التأويل لكونه من فروع تلك الولاية لمجرد عموم الفائدة وجموم العائدة كما قيل, وإنما لم يذكر إجابة الملك إلى ما سأله -عليه السلام- من جعله على خزائن الأرض إيذانا بأن ذلك أمر لا مرد له, غني عن التصريح به, لا سيما بعد تقديم ما يندرج تحته من أحكام السلطنة بحذافيرها, من قوله: (إنك اليوم لدينا مكين أمين), وللتنبيه على أن كل ذلك من الله- عز وجل- وإنما الملك آلة في ذلك)().

رفضه أخذ أحد غير الجاني

صور القرآن موقف يوسف هذا بقوله: ( قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ)().

لقد رفض يوسف أن يأخذ غير أخيه, مرسيا هذه القيمة العالية, قيمة العدالة والانضباط في تنفيذ الحكم الذي رضيه إخوانه, ونلاحظ هنا أنه ما عبر عن أخيه بلفظ السارق (فلم يقل: معاذ الله أن نأخذ بريئا بجريرة سارق؛ لأنه كان يعلم أن أخاه ليس بسارق . فعبر أدق تعبير يحكيه السياق هنا باللغة العربية بدقة: (قال مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّـا إِذاً لَّظَالِمُونَ  (معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده) وهي الحقيقة الواقعة دون زيادة في اللفظ تحقق الاتهام أو تنفيه)().

إن استمساك يوسف بهذه القيم العالية في تعامله مع الناس على اختلاف ألوانهم وأجناسهم لدليل على أن التمكين لا يمتد في فراغ من القيم, بل يعتمد عليها ويستند إليها في استمراره واستقراره في الوجود.

في عتبه الجميل مع إخوانه بعد معرفتهم به

وتلمح هذا العتب الرقيق في قوله لإخوانه الذي عبر عنه القرآن بقوله: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)().

في هذا الحال العجيبة التي يقف إخوة يوسف مع يوسف فيها, وهو يذكرهم بما فعلوه معه وكيف فرقوا بينه وبين أخيه, وكيف من الله عليه بجمعه بينه وبين أخيه بعد التفرقة, وبعد المدة, ( وقد اعترفوا له بالفضل والأثرة عليهم, في الخَلق والخُلُق, والسعة والملك, والتصرف والنبوة, أيضا -على قول من لم يجعلهم أنبياء, وأقروا له بأنهم أساءوا إليه, وأخطئوا في حقه{ قال لا تثريب عليكم اليوم } يقول: أي لا تأنيب عليكم ولا عتب عليكم اليوم, ولا أعيد عليكم ذنبكم في حقي بعد اليوم, ثم زادهم الدعاء لهم بالمغفرة فقال:{ يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين } قال السدي: اعتذروا إلى يوسف فقال: { لا تثريب عليكم اليوم } يقول: لا أذكر لكم ذنبكم, وقال ابن إسحاق والثوري { لا تثريب عليكم } أي: لا تأنيب عليكم اليوم عندي فيما صنعتم { يغفر الله لكم } أي, يستر الله عليكم فيما فعلتم { وهو أرحم الراحمين)(), وهذه شيم أصحاب القيم العالية,( لقد تمثل لعيونهم وقلوبهم صورة ما فعلوا بيوسف , ويجللهم الخزي والخجل وهم يواجهونه محسنا إليهم وقد أساءوا . حليما بهم وقد جهلوا . كريما معهم وقد وقفوا منه موقفا غير كريم( قالوا:تالله لقد آثرك الله علينا , وإن كنا لخاطئين). .اعتراف بالخطيئة , وإقرار بالذنب , وتقرير لما يرونه من إيثار الله له عليهم بالمكانة والحلم والتقوى والإحسان . يقابله يوسف بالصفح والعفو وإنهاء الموقف المخجل . شيمة الرجل الكريم . وينجح يوسف في الابتلاء بالنعمة كما نجح من قبل في الابتلاء بالشدة . إنه كان من المحسنين .)()

وهذا الموقف تصوير دقيق لإعلاء يوسف لجانب القيم الإنسانية فيعفو ويصفح عمن أساء إليه, بل يتعالى بعفوه وصفحه حتى يدعو لهم بالمغفرة, ويعدهم بأنه لن يذكر ذنبهم هذا, ولا يذكرهم به, ويكون هذا.. في الوقت الذي يسعى الشرق كله إلى يوسف رغبا فيما لديه, ويمضون إلى خزائن ملكه طوعا وكرها, وتلك شيم أصحاب القيم العالية, لا تتحكم فيهم المادة, ولا يصرف أمورهم إلا الجمع بين عالم المبادئ و القيم وعالم المادة المجردة.

ذو القرنين وجانب القيم

وإذا انتقلنا إلى ذي القرنين الذي طاف المشارق والمغارب وجدنا هذه الصفة لديه قد أخذت حظها بوضوح أيضا فهي صفة واضحة المعالم بينة الملامح, ويمكن أن نرصدها في الآتي:

قيمة العدالة والمنهاج الثابت

ويبدو ذلك من خلال قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا)().

يقول ابن كثير –رحمه الله-:  (معنى هذا أن الله- تعالى- مكنه منهم, وحكمه فيهم, وأظفره بهم, وخيره إن شاء قتل وسبى وإن شاء من أو فدى, فعرف عدله وإيمانه فيما أبداه عدله وبيانه في قوله: { أما من ظلم } أي: استمر على كفره وشركه بربه { فسوف نعذبه } ... وقوله: { ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا } أي: شديدا بليغا وجيعا أليما, وفي هذا إثبات المعاد والجزاء, وقوله : { وأما من آمن } أي: اتبعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له { فله جزاء الحسنى } أي: في الدار الآخرة عند الله -عز وجل- { وسنقول له من أمرنا يسرا } قال مجاهد: معروفا)(), إن قيمة العدالة التي يستوي أمامها الناس جميعا من أعلى قيم الإنسان في الأرض تلك التي كانت وما تزال هدفا للتمكين يعى إليها ويحرص عليها, وقد وضحت تلك الصفة لدى ذي القرنين في اختياره المنهاج الثابت في التعامل مع الناس على حد سواء وذلك واضح من قوله: (أما من ...وأما من) بهذه الصيغة التي تفيد العموم, وهذا هو ميزان العدالة ومجال القيم التي لا تحابي ولا تجامل, بل تقيم العدالة المطلقة مع الناس جميعا حسب ميزان ثابت لا يحيد ولا يميد, ولا يقدم أحدا على حساب أحد, لقد أعلن ذو القرنين هذا المنهاج الواضح البين في التعامل مع الناس.. كل الناس, بغض النظر عن لونهم أو جنسهم أو أي اعتبار آخر.

(إن المؤمن الصالح ينبغي أن يجد الكرامة والتيسير والجزاء الحسن عند الحاكم, والمعتدي الظالم يجب أن يلقى العذاب والإيذاء ... وحين يجد المحسن في الجماعة جزاء إحسانه حسنا, ومكانا كريما وعونا وتيسيرا, ويجد المعتدي جزاء إفساده عقوبة وإهانة وجفوة... عندئذ يجد الناس ما يحفزهم إلى الصلاح والإنتاج. أما حين يضطرب ميزان الحكم فإذا المعتدون المفسدون مقربون إلى الحاكم مقدمون في الدولة, وإذا العاملون الصالحون منبوذون أو محاربون, فعندئذ تتحول السلطة في يد الحاكم إلى سوط عذاب, وأداة إفساد,ويصير نظام الجماعة إلى الفوضى والفساد)().

وذو القرنين هنا بإعلانه هذا الدستور القِيَمِي العادل إنما يعمل على ترسيخ قيمة العدالة التي لا تخص أحدا بخيرها دون أحد, ولا تجامل فردا على حساب فرد, وهذه سمة الشخصية التي تستحق التمكين.

إعلاؤه لما آتاه الله

وبدا ذلك واضحا في قوله: (ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما)(), وذلك بعد أن طلب منه هؤلاء الذين لا يكادون يفقهون قولا أن يبني لهم سدا يحول بينهم وبين يأجوج ومأجوج, وفي موقفه هذا ما فيه من إرساء قيمة نشر الخير, وأنه لا شيء يعدل فضل الله عليه فيما آتاه وأن هذا الفضل العظيم أحب إلى نفسه وأشد خيرية من هذا (الخرج) الذي يعرضونه عليه, وتلاحظ هنا في تعبير القرآن عن عطائهم بلفظ(خرج), في الوقت الذي عبر فيه عن عطاء الله بلفظ(خراج) في سورة المؤمنون, في قوله- تعالى-: (فخراج ربك خير وهو خير الرازقين)(), فلا مقارنة بين ما يعطونه له من مال وعطاء مهما عظم وبين ما آتاه الله, يقول ابن كثير: (أي إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه كما قال سليمان عليه السلام { أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم } الآية وهكذا قال ذو القرنين : الذي أنا فيه خير من الذي تبذلونه ولكن ساعدوني بقوة أي بعملكم وآلات البناء)(), لأنه هنا يريد أن يعلمهم قيمة راقية من قيم الحياة الإنسانية السوية, وهي أن عطاء الله أعلى من عروض الأرض وزخارفها, ولم يتكالب على عطائهم, ولم يلتفت إلى عرضهم, قناعة بما لديه من خير وبر وتمكين ونصر, (إنه نموذج طيب للحاكم الصالح الذي يمكنه الله في الأرض وييسر له الأسباب فيجتاح الأرض شرقا وغربا, ولكنه لا يتجبر ولا يتكبر , ولا يطغى ولا يتبطر , ولا يتخذ من الفتوح وسيلة للغنم المادي , واستغلال الأفراد والجماعات والأوطان , ولا يعامل البلاد المفتوحة معاملة الرقيق ; ولا يسخر أهلها في أغراضه وأطماعه . . إنما ينشر العدل في كل مكان يحل به , ويساعد المتخلفين , ويدرأ عنهم العدوان دون مقابل ; ويستخدم القوة التي يسرها الله له في التعمير والإصلاح , ودفع العدوان وإحقاق الحق . ثم يرجع كل خير يحققه الله على يديه إلى رحمة الله وفضل الله , ولا ينسى وهو في إبان سطوته قدرة الله وجبروته , وأنه راجع إلى الله)()  

     داود سليمان وجانب القيم

وإذا انتقلنا إلى نموذج آخر من نماذج التمكين وجدنا أنه يسير على نفس المنوال وينسج على نفس الدرب, ويؤسس هذه في نفوس من يتعامل معه من الناس ونظرة عجلى – فضلا عن المتأنية في موقفه مع ملكة سبأ ومملكتها تبرز لنا ذلك بوضوح وجلاء, ومن هذه القيم:

اللمحة الأولى: قيمة العلم.

وبدا ذلك من خلال قوله –تعالى- : (ولقد آتينا وسليمان داود منا علما)(), تلك القيمة التي وظفها سليمان أفضل توظيف وأشمله, وذلك في تعبيد نفسه ومن حوله لله, وفي هذا ما فيه من تمام النعمة, وكمال الفضل, (لقد أخبر –تعالى- عما أنعم به على عبديه ونبييه: داود وابنه سليمان- عليهما السلام- من النعم الجزيلة, والمواهب الجليلة, والصفات الجميلة, وما جمع لهما بين سعادة الدنيا والآخرة, والملك والتمكين التام في الدنيا, والنبوة والرسالة في الدين, ولهذا قال تعالى:{ ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين) فأي نعمة أفضل مما أوتي داود وسليمان- عليهما السلام-. وقوله تعالى: { وورث سليمان داود }, أي: في الملك والنبوة, وليس المراد وراثة المال إذ لو كان كذلك لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود)(), وتلك القيمة الكبرى التي استوعبها داود وسليمان من أسس التمكين وصفات الشخصية الممكنة, التي تسعى إليه؛ إذ كيف تقوم حضارة أمة بلا علم, يهدي طريقها, وضياء يرشد سبيلها, ويهديها إلى الصراط المستقيم, وفي بدء قصة سليمان بهذه الصيغة (وهي خبر تقريري عن أبرز النعم التي أنعم الله بها على داود وسليمان - عليهما السلام- نعمة العلم . فأما عن داود فقد ورد تفصيل ما آتاه الله من العلم في سور أخرى . منها تعليمه الترتيل بمقاطع الزبور , ترتيلا يتجاوب به الكون من حوله , فتؤوب الجبال معه والطير , لحلاوة صوته , وحرارة نبراته , واستغراقه في مناجاة ربه , وتجرده من العوائق والحواجز التي تفصل بينه وبين ذرات هذا الوجود . ومنها تعليمه صناعة الزرد وعدة الحرب , وتطويع الحديد له , ليصوغ منه من هذا ما يشاء . ومنها تعليمه القضاء بين الناس , مما شاركه فيه سليمان .

وأما سليمان ففي هذه السورة تفصيل ما علمه الله من منطق الطير وما إليه،  بالإضافة إلى ما ذكر في سور أخرى من تعليمه القضاء , وتوجيه الرياح المسخرة له بأمر الله .

تبدأ القصة بتلك الإشارة: (ولقد آتينا داود وسليمان علما)وقبل أن تنتهي الآية يجيء شكر داود وسليمان على هذه النعمة , وإعلان قيمتها وقدرها العظيم , والحمد لله الذي فضلهما بها على كثير من عباده المؤمنين . فتبرز قيمة العلم , وعظمة المنة به من الله على العباد , وتفضيل من يؤتاه على كثير من عباد الله المؤمنين .

(لا يذكر هنا نوع العلم وموضوعه لأن جنس العلم هو المقصود بالإبراز والإظهار . وللإيحاء بأن العلم كله هبة من الله , وبأن اللائق بكل ذي علم أن يعرف مصدره , وأن يتوجه إلى الله بالحمد عليه , وأن ينفقه فيما يرضي الله الذي أنعم به وأعطاه . فلا يكون العلم مبعدا لصاحبه عن الله , ولا منسيا له إياه . وهو بعض مننه وعطاياه.

والعلم الذي يبعد القلب عن ربه علم فاسد , زائغ عن مصدره وعن هدفه . لا يثمر سعادة لصاحبه ولا للناس , إنما يثمر الشقاء والخوف والقلق والدمار , لأنه انقطع عن مصدره , وانحرف عن وجهته , وضل طريقه إلى الله . .)(), ولقد أدرك داود وسليمان قيمة هذا العطاء من الله, فسخر كل منهما عطية الله في مراده ومرضاته, تسبيحا له وذكرا, وحمدا لنعمه وشكرا, ودعوة لخلقه إلى صراطه المستقيم.

اللمحة الثانية: قيمة الحمد.

واللمحة الثانية لجانب القيم لدى داود وسليمان(عليهما السلام)تبرز من خلال قوله-تعالى- : (وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثي من عباده المؤمنين)(), ويظهر منها مدى شكرهما لله على نعمة العلم والملك والنبوة والمال, وغير ذلك من النعم, ودلالات الألفاظ التي عبر بها كل منهما غاية في الشكر لله, فقد بدءا بإظهار نعمة الله عليهما, وهذا في حد ذاته لون من ألوان الشكر. قال –تعالى-:( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)().

إن داود وسليمان أدركا النعمة وشكرا الله عليها شكرا عمليا توظيفيا, وأول علامات هذه القيمة العالية أنهما قالا: (الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين)(), ( كتب عمر بن عبد العزيز: إن الله لم ينعم على عبده نعمة فيحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل من نعمته, لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل قال الله - تعالى-: {ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين }, فأي نعمة أفضل مما أوتي داود وسليمان عليهما السلام)(), لقد شكرا بالقول كما شكرا بالفعل, كما قال سليمان عندما رأى أمة النمل وسمع كلامهم وفهم مرادهم وتبسم من صنعهم: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)(), (رب). . بهذا النداء القريب المباشر المتصل. (أوزعني)اجمعني كلي . اجمع جوارحي ومشاعري , ولساني وجناني وخواطري وخلجاتي , وكلماتي وعباراتي , وأعمالي وتوجهاتي . اجمعني كلي. اجمع طاقاتي كلها. أولها على أخرها وآخرها على أولها [ وهو المدلول اللغوي لكلمة أوزعني ] لتكون كلها في شكر نعمتك علي وعلى والدي . .

وهذا التعبير يشي بنعمة الله التي مست قلب سليمان - عليه السلام - في تلك اللحظة ويصور نوع تأثره , وقوة توجهه , وارتعاشة وجدانه , وهو يستشعر فضل الله الجزيل , ويتمثل يد الله عليه وعلى والديه , ويحس مس النعمة والرحمة في ارتياع وابتهال .

(رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي). . (وأن أعمل صالحا ترضاه). . فالعمل الصالح هو كذلك فضل من الله يوفق إليه من يشكر نعمته , وسليمان الشاكر الذي يستعين ربه ليجمعه ويقفه على شكر نعمته يستعين ربه كذلك ليوفقه إلى عمل صالح يرضاه . وهو يشعر أن العمل الصالح توفيق ونعمة أخرى من الله )(), وتلك شيم النفوس الكبيرة التي تدرك ما لربها عليها من حق فتسعى في شكره, والإفادة من نعمه في نشر رسالته وتبليغ دعوته, كما حدث من سليمان من دعوة بلقيس وشعبها إلى توحيد الله والدينونة له وحده لا شريك وترك عبادة الشمس حتى تم له ما أراد, وختمت القصة هذا الختام الحاني البديع(قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)().

اللمحة الثالثة: قيمة تفقد الرعية

ويبدو ذلك في قوله – تعالى-: ( وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)(), وفيها تلمح مدى حرص سليمان على رعيته ومملكته, مهما صغر شأنهم أو كبر ودلالة التعبير بالتفقد, وهي صيغة تفعل, وتلك شارة الملك الممكن الذي يريد لدولته الاستقرار, وتلك شيمة الحضارة التي تقوم على أسس ثابتة, ومبادئ راسخة لا يذوب فيها الصغير في جانب الكبير, ولا ينسى فيها الضعيف في جانب القوي بل كل في مكانه ومقامه, ولكل فيها مقام معلوم, ( وصيغة التفعل تدل على التكلف, والتكلف: الطلب. واشتقاق ( تفقد ) من الفقد يقتضي أن ( تفقد ) بمعنى طلب الفقد. ولكنهم توسعوا فيه فأطلقوه على طلب معرفة سبب الفقد, أي: معرفة ما أحدثه الفقد في شيء, فالتفقد: البحث عن الفقد ليعرف بذلك أن الشيء لم ينقص, ... وتفقد الجند من شعار الملك والأمراء وهو من مقاصد حشر الجنود وتسييرها . والمعنى: تفقد الطير في جملة ما تفقده, فقال لمن يلون أمر الطير: ما لي لا أرى الهدهد, ومن واجبات ولاة الأمور تفقد أحوال الرعية, وتفقد العمال ونحوهم, بنفسه كما فعل عمر في خروجه إلى الشام سنة سبع عشرة هجرية, أو بمن يكل إليه ذلك فقد جعل عمر محمد بن مسلمة الأنصاري يتفقد العمال)(),وهكذا كان سليمان يتفقد مَن حوله مِن رعيته, لا يشغله ملكه الواسع وحضارته القائمة عن تفقد طير حوله غاب بدون إذنه أو علمه, (. سليمان . في موكبه الفخم الضخم . ها هو ذا يتفقد الطير فلا يجد الهدهد . ونفهم من هذا أنه هدهد خاص , معين في نوبته في هذا العرض . وليس هدهدا ما من تلك الألوف أو الملايين التي تحويها الأرض من أمة الهداهد . كما ندرك من افتقاد سليمان لهذا الهدهد سمة من سمات شخصيته:سمة اليقظة والدقة والحزم . فهو لم يغفل عن غيبة جندي من هذا الحشر الضخم من الجن والإنس والطير , الذي يجمع آخره على أوله كي لا يتفرق وينتكث. وهو يسأل عنه في صيغة مترفعة مرنة جامعة: (ما لي لا أرى الهدهد ? أم كان من الغائبين), ويتضح أنه غائب , ويعلم الجميع من سؤال الملك عنه أنه غائب بغير إذن! وحينئذ يتعين أن يؤخذ الأمر بالحزم , كي لا تكون فوضى . فالأمر بعد سؤال الملك هذا السؤال لم يعد سرا . وإذا لم يؤخذ بالحزم كان سابقة سيئة لبقية الجند . ومن ثم نجد سليمان الملك الحازم يتهدد الجندي الغائب المخالف: (لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه). . ولكن سليمان ليس ملكا جبارا في الأرض , إنما هو نبي . وهو لم يسمع بعد حجة الهدهد الغائب , فلا ينبغي أن يقضي في شأنه قضاء نهائيا قبل أن يسمع منه , ويتبين عذره . . ومن ثم تبرز سمة النبي العادل: أو ليأتيني بسلطان مبين . أي حجة قوية توضح عذره , وتنفي المؤاخذة عنه. )()

   إن شخصية هذا الملك العادل والنبي الممكن لتوقف من يسعى إلى التمكين إلى تملي هذه القيم العالية, والمثل الرفيعة, عدالة واعية,وحزم بصير,وسؤال خبير,ومتابعة مستمرة لرعيته وجنده,لا يلهيه أمر عن أمر عن أمر, ولا يشغله عظمة سلطانه عن تفقد أركانه.

اللمحة الرابعة: عدم المعاجلة في العقوبة.  

وهذه قيمة أساسية من قيم التمكين الحضاري, الذي يقوم على أسس ويبنى على دعائم لا تهتز لأقل الأعاصير, وهذا واضح من موقف سليمان من الهدهد, فإنه ما عاجله العقوبة دون أن يقف على أمره, حتى ذكر ابن كثير في تفسيره قول سفيان بن عيينة وعبد الله بن شداد أنه( لما قدم الهدهد قالت له الطير: ما خلفك ؟ فقد نذر سليمان دمك! فقال: هل استثنى؟ قالوا: نعم, قال:{ لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين}, قال: نجوت إذا)(), بهذه الطريقة الواضحة والأسس البينة يتعامل سليمان مع رعيته دون مباغتة غاشمة, ولا مخاتلة ماكرة, بل منهاج واضح للعيان(سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين), فلا أحد أكبر من المسائلة, ولا أقل من أن يجري عليه قانون العدالة في المملكة الحضارية القائمة على التبين والوضوح, ولا يتوقف الأمر عند ذلك بل يأخذ في طريق إجرائية, طريق التنفيذ بأمره أن يأخذ كتابه ويلقيه إليهم, ثم ينظر ماذا يرجعون.

اللمحة الخامسة: في المعاملة الراقية والأدب الرفيع.

ويظهر ذلك من خلال كلام بلقيس عن كتاب سليمان (إني ألقي إلي كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم)(), فهو كتاب كريم في شكله وكريم في مضمونه, فقد قدم بطريقة غاية في الرقي(ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون)(), وفي مضمونه, من خلال العبارات السهلة في مبناها,القوية الجازمة في معناها, (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلو علي وأتوني مسلمين)(), ( وهذا الوصف (كريم) ربما خطر لها من خاتمه أو شكله . أو من محتوياته التي أعلنت عنها للملأ: إنه من سليمان , وإنه بسم الله الرحمن الرحيم . ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين . . وهي كانت لا تعبد الله . ولكن صيت سليمان كان ذائعا في هذه الرقعة , ولغة الكتاب التي يحكيها القرآن فيها استعلاء وحزم وجزم . مما قد يوحي إليها بهذا الوصف الذي أعلنته. وفحوى الكتاب في غاية البساطة والقوة فهو مبدوء باسم الله الرحمن الرحيم . ومطلوب فيه أمر واحد: ألا يستكبروا على مرسله ويستعصوا , وأن يأتوا إليه مستسلمين لله الذي يخاطبهم باسمه)(), وهذه سمة الأمم الراقية قولا وعملا وشكلا ومضمونا ومظهرا ومخبرا, رقي في التعامل أسلوبا ووسيلة وغاية, ولعل هذا ما لفت نظر هذه المرأة العاقلة, سليلة الملوك وربيبة العز.



المبحث السادس: جيل يعتز بالإسلام

جيل التمكين جيل يعتز بالإسلام الذي من الله به عليه واختاره له, بل اصطفاه لحمله ونشره وتعبيد الناس لله من خلاله, إنه يشعر أن هذا الدين هبة إلهية ومنحة ربانية, ونعمة من نعم الله – تعالى- عليه فهو يغالي بها ولا يراهن عليها, ولا يعطي الدنية فيها لأي أمر من الأمور.

والله – تعالى – يوجه عباده إلى هذه العزة الإيمانية والاعتزاز بالإسلام, والرفعة به عن كل قيم الأرض وتصوراتها فيقول: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)(), وهذا الاستعلاء والترفع ليس وليد فترة معينة ولا ظرف طارئ, بل وجه الله الأمة إليه وهي في حالة الضعف والقلة فترة نزول الآية الكريمة عقيب غزوة أحد, فضلا عن سائر الزمن إشارة إلى أن هذا هو ديدن المؤمن صحيح الإيمان مهما قل ماله, أو رق حاله, أو تكاثرت عليه الخطوب, وفي حديث ربعي مع رستم (فيما مضى) بيان لهذا المعلم أي بيان.

(إن هذا التوجيه يمثل الحالة الدائمة التي ينبغي أن يكون عليها شعور المؤمن وتصوره وتقديره للأشياء والأحداث والقيم والأشخاص سواء .

إنه يمثل حالة الاستعلاء التي يجب أن تستقر عليها نفس المؤمن إزاء كل شيء ، وكل وضع ، وكل قيمة ، وكل أحد ، الاستعلاء بالإيمان وقيمه على جميع القيم المنبثقة من أصل غير أصل الإيمان .

الاستعلاء على قوى الأرض الحائدة عن منهج الإيمان. وعلى قيم الأرض التي لم تنبثق من أصل الإيمان .وعلى تقاليد الأرض التي لم يصغها الإيمان ، وعلى قوانين الأرض التي لم يشرعها الإيمان ، وعلى أوضاع الأرض التي لم ينشئها الإيمان .

الاستعلاء . . مع ضعف القوة ، وقلة العدد ، وفقر المال ، كالاستعلاء مع القوة والكثرة والغنى على السواء .

الاستعلاء الذي لا يتهاوى أمام قوة باغية ، ولا عرف اجتماعي, ولا تشريع باطل ، ولا وضع مقبول عند الناس ولا سند له من الإيمان .

وليست حالة التماسك والثبات في الجهاد إلا حالة واحدة من حالات الاستعلاء التي يشملها هذا التوجيه الإلهي العظيم .

والاستعلاء بالإيمان ليس مجرد عزمة مفردة ، ولا نخوة دافعة ، ولا حماسة فائرة ، إنما هو الاستعلاء القائم على الحق الثابت المركوز في طبيعة الوجود . الحق الباقي وراء منطق القوة ، وتصور البيئة ، واصطلاح المجتمع ، وتعارف الناس ، لأنه موصول بالله الحي الذي لا يموت.)()

وإذا صحبنا نماذج التمكين وجدنا هذه الصفة ملازمة لهم في كل مرحلة من مراحل التمكين, ويمكن أن نمضي معهم على النحو التالي:

يوسف واعتزازه بالإسلام:

وإذا نظرنا إلى يوسف وجدنا اعتزازه بالإسلام وارتباطه به واضحا بلا لبس, بينا بلا غبش, ويمكنننا أن نرصد هذه الصفة لديه في النقاط التالية:

أولا: في إرشاد يعقوب له إلى نعمة الاصطفاء والاجتباء بالإسلام.

لقد أعلم يعقوب ولده وهو في يفاعته وصباه أن الاجتباء الحقيقي والاصطفاء الصادق هو أن يختارك الله لدينه, وبلاغه ونشره, وهداية الناس إليه, فقال له منذ البداية حين عرف منه رؤياه: (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم)() ( أي: كما أراك ربك الكواكب والشمس والقمر لك سجودا فكذلك يصطفيك ربك: ويعلمك ربك من علم ما يؤول إليه أحاديث الناس عما يرونه في منامهم وذلك تعبير الرؤى, { ويتم نعمته عليك } باجتبائه إياك, واختياره, وتعليمه إياك تأويل الأحاديث { وعلى آل يعقوب }: وعلى أهل دين يعقوب وملته من ذريته وغيرهم { كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق } باتخاذه هذا خليلا وتنجيته من النار, وفدية هذا بذبح عظيم() وقوله : { إن ربك عليم حكيم } يقول : { إن ربك عليم } بمواضع من هو أفضل ومن هو أهل للاجتباء والنعمة { حكيم } في تدبيره خلقه)()

(و كما أكرمك بالرؤيا فكذلك يجتبيك ويحسن إليك بتحقيق الرؤيا قال مقاتل: بالسجود لك, وقال الحسن: بالنبوة, والاجتباء اختيار معالي الأمور للمجتبى, وأصله من جبيت الشيء أي: حصلته, ومنه جبيت الماء في الحوض, قاله النحاس, وهذا ثناء الله تعالى على يوسف عليه السلام وتعديد فيما عدده عليه من النعم التي آتاه الله تعالى من التمكين في الأرض وتعليم تأويل الأحاديث وأجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا)().

ويتضح من ذلك نعم الله –تعالى- التي أنعم بها على يوسف, والتي أرشده إليها أبوه يعقوب حتى تكون نصب عينيه, وأمام ناظريه, من نعمة تعبير الرؤى, والنبوة والاجتباء ليكون من الداعين إلى طريق الله على بصيرة وعلم, وهذا ما عاشه يوسف بعدُ عيشة حقيقية وتعامل على أساسه في مواقفه التي مرت به في السراء والضراء, وفي الشدة والرخاء وفي وقت النعمة ووقت الابتلاء.

اللمحة الثانية: في موقفه من امرأة العزيز:

في تلك اللحظة التي عز فيها النصير, وقل الساند والمعين, يغالي يوسف بدينه, ولا يلين في موقفه, ويعلنها قوية مدوية حين (راودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون)(), وفي قول يوسف: إنه ربي يحمل على العزيز الذي أكرمه في داره وآواه إيواء الوالد ولده لا السيد لعبده وفتاه, ويمكن أن يحمل على الرب المطلق وهو الله – تعالى-, باعتبار أن كل نعمة أصلها ومردها إلى الله– تعالى-, يقول ابن جرير الطبري في هذه الآية الكريمة: ({ قال معاذ الله إنه ربي } يعني : أطفير يقول: إنه سيدي وقوله: { أحسن مثواي } أي: أحسن منزلتي وأكرمني وائتمنني فلا أخونه, أو { أحسن مثواي } أمنني على بيته وأهله, وقوله : { إنه لا يفلح الظالمون } يقول : إنه لا يدرك البقاء ولا ينجح من ظلم ففعل ما ليس له فعله وهذا الذي تدعوني إليه من الفجور ظلم وخيانة لسيدي الذي ائتمنني على منزله)() ويقول ابن كثير: ( وقيل الضمير لله تعالى أي إنه خالقي أحسن منزلتي بأن عطف على قلبه فلا أعصيه { إنه لا يفلح الظالمون } المجازون الحسن بالسيئ وقيل الزناة فإن الزنا ظلم على الزاني والمزني بأهله)().

ويصور أبو السعود شدة المحنة التي مر بها يوسف بأطرافها وجوها فيقول: (وإيراد الموصول لتقرير المراودة؛ فإن كونه في بيتها مما يدعو إلى ذلك, قيل لواحدة: ما حملك على ما أنت عليه مما لا خير فيه؟ قالت: قرب الوساد, وطول السواد, ولإظهار كمال نزاهته- عليه السلام- فإن عدم ميله إليها مع دوام مشاهدته لمحاسنها, واستعصاءه عليها مع كونه تحت ملكتها ينادي بكونه -عليه السلام- في أعلى معارج العفة والنزاهة, وغلقت الأبواب, قيل: كانت سبعة, ولذلك جاء الفعل بصيغة التفعيل دون الإفعال, وقيل للمبالغة في الإيثاق والإحكام, (قال معاذ الله) أي: أعوذ بالله معاذا مما تدعينني إليه وهذا اجتناب منه على أتم الوجوه, وإشارة إلى التعليل بأنه منكر هائل, يجب أن يعاذ بالله تعالى للخلاص منه, وما ذاك إلا لأنه -عليه السلام- قد شاهده بما أراه الله –تعالى- من البرهان النير على ما هو عليه في حد ذاته من غاية القبح ونهاية السوء, وقوله -عز وجل-:(إنه ربي أحسن مثواي) تعليلا للامتناع ببعض الأسباب الخارجية مما عسى يكون مؤثرا عندها, وداعيا لها إلى اعتباره, بعد التنبيه على سببه الذاتي الذي لا تكاد تقبله لما سولته لها نفسها, والضمير للشأن, ومدار وضعه موضعه ادعاء شهرته المغنية عن ذكره, وفائدة تصدير الجملة به الإيذان بفخامة مضمونها, مع ما فيه من زيادة تقريره في الذهن؛ فإن الضمير لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر, فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه فيتمكن عند وروده له فضل تمكن, فكأنه قيل: إن الشأن الخطير هذا وهو ربي أي: سيدي العزيز(أحسن مثواي) أي: أحسن تعهدي, حيث أمرك بإكرامي, فكيف يمكن أن أسيء إليه بالخيانة في حرمه, وفيه إرشاد لها إلى رعاية حق العزيز بألطف وجه, وقيل: الضمير لله -عز وجل- وربي خبر إن وأحسن مثواي خبر ثان, أو هو الخبر, والأول بدل من الضمير, والمعنى: أن الحال هكذا, فكيف أعصيه بارتكاب تلك الفاحشة الكبيرة؟ وفيه تحذير لها من عقاب الله -عز وجل-, وعلى التقديرين ففي الاقتصار على ذكر هذه الحالة من غير تعرض لاقتضائها الامتناع عما دعته إليه إيذان بأن هذه المرتبة من البيان كافية في الدلالة على استحالته, وكونه مما لا يدخل تحت الوقوع أصلا وقوله تعالى:(إنه لا يفلح الظالمون) تعليل للامتناع المذكور غب تعليل, والفلاح الظفر, وقيل: البقاء في الخير ومعنى أفلح دخل فيه كأصبح وأخواته, والمراد بالظالمين: كل من ظلم كائنا من كان, فيدخل في ذلك المجازون للإحسان بالإساءة, والعصاة لأمر الله- تعالى- دخولا أوليا, وقيل: الزناة؛ لأنهم ظالمون لأنفسهم وللمزني بأهله)().

وفي موقف يوسف هذا من امرأة العزيز هذا الموقف, وفي هذه الظروف المحيطة به من كونه فتى تكاملت فتوته,وفي بيتها, وتحت ستر رغبتها, وهو يتأبى هذا التأبي الكبير والكريم دلالة على اعتزازه بدينه الذي يأبى عليه مثل هذه السفاسف من أدران الحياة, وفي قوله: (معاذ الله) ما يشعر بمدى الوازع الذي يكفه عن هذه الفعلة النكراء, تلك التي أرادته عليها هذه المرأة ذات المنصب والجمال,وفي قوله: (إنه ربي)ما يشعر بمدى ارتباطه بربه الذي أنعم عليه ونجاه من محنة الجب والقتل, وفي ذلك من ارتباط يوسف بدينه ما فيه.  

اللمحة الثالثة في موقفه مع صاحبي السجن:

واللمحة الثالثة التي يبدو فيها اعتزاز يوسف بالإسلام والدين, وأنه العاصم له من الردى, والحافظ له من اتباع غير سبيل المؤمنين, موقفه من صاحبيه في السجن, والذي صورته الآيات تصويرا دقيقا في قوله- تعالى-:(واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون)(), أي: (واتبعت دينهم لا دين أهل الشرك, { ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء }, يقول: ما جاز لنا أن نجعل لله شريكا في عبادته وطاعته, بل الذي علينا إفراده بالإلوهية والعبادة, { ذلك من فضل الله علينا } يقول : اتباعي ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب على الإسلام, وتركي ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون من فضل الله الذي تفضل به علينا, فأنعم إذا أكرمنا به, { وعلى الناس } يقول: وذلك أيضا من فضل الله على الناس إذ أرسلنا إليهم دعاة إلى توحيده وطاعته { ولكن أكثر الناس لا يشكرون } يقول: ولكن من يكفر بالله لا يشكر ذلك من فضله عليه لأنه لا يعلم من أنعم به عليه ولا يعرف المتفضل به)().

لقد بدا من حديث يوسف مع صاحبيه في السجن مدى اعتزازه بالإسلام وارتباطه به, ودعوته غيره إليه, وربط كل خير يصل إليه بهذا الدين الذي هو أمان الإنسان في الدنيا والآخرة, بل أظهر يوسف لهم أن هذا الفضل من الله –تعالى- ليس عليه وعلى آل يعقوب فقط بل على الناس؛ إذ دعاهم به إلى الله –تعالى-, لقد حرص يوسف على دعوة الناس إلى هذا الدين الذي آمن به وعده فضلا من فضل الله عليه, ومارس هذه الدعوة في تلك الظروف التي يعذر فيها العبد بما يلقاه فيها من شدة وبلاء, لقد (بين يوسف أن الله خصه بهذا العلم؛ لأنه ترك ملة قوم لا يؤمنون بالله, يعني: دين الملك ومعنى الكلام عندي: العلم بتأويل رؤياكما والعلم بما يأتيكما من طعامكما والعلم بدين الله فاسمعوا أولا ما يتعلق بالدين لتهتدوا ولهذا لم يعبر لهما حتى دعاهما إلى الإسلام فقال: { يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار * ما تعبدون } الآية كلها على ما يأتي وقيل : علم أن أحدهما مقتول فدعاهما إلى الإسلام ليسعدا به, وقيل: إن يوسف كره أن يعبر لهما ما سألاه لما علمه من المكروه على أحدهما, فأعرض عن سؤالهما, وأخذ في غيره فقال: ( لا يأتيكما طعام ترزقانه ) في النوم ( إلا نبأتكما ) بتفسيره في اليقظة, قاله السدي, فقالا له: هذا من فعل العرافين والكهنة, فقال لهما يوسف -عليه السلام- : ما أنا بكاهن وإنما ذلك مما علمنيه ربي, إني لا أخبركما به تكهنا وتنجيما بل هو بوحي من الله عز وجل)() ,لقد عرف يوسف من حديثهما وعشرتهما أنهما على خير وفضل (وتوسم- عليه السلام- فيهما خيرا, وتوجها إلى قبول الحق, فأراد أن يخرج آثر ذي أثير عما في عهدته من دعوة الخلق إلى الحق, فمهد قبل الخوض في ذلك مقدمة تزيدهما علما بعظم شأنه, وثقة بأمره, ووقوفا على علو طبقته في بدائع العلوم؛ توسلا بذلك إلى تحقيق ما يتوخاه, وقد تخلص إليها من كلامهما, فكأنه قال تأويل ما قصصتماه علي في طرف التمام حيث رأيتما مثاله في المنام, وإني أبين لكما كل جليل ودقيق من الأمور المستقبلة, وإن لم يكن هناك مقدمة المنام, حتى إن الطعام الموظف الذي يأتيكما كل يوم أبينه لكما قبل إتيانه, ثم أخبرهما بأن علمه ذلك ليس من قبيل علوم الكهنة والعرافين, بل هو فضل إلهي, يؤتيه من يشاء ممن يصطفيه للنبوة فقال:(ذلكما) أي: ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات, ومعنى البعد في ذلك للإشارة إلى علو درجته وبعد منزلته,(مما علمني ربي) بالوحي والإلهام ,أي: بعض منه أو من ذلك الجنس الذي لا يحوم حول إدراكه العقول, ولقد دلهما بذلك على أن له علوما جمة, ما سمعاه قطعة من جملتها, وشعبة من دوحتها, ثم بين أن نيل تلك الكرامة بسبب اتباعه ملة آبائه الأنبياء العظام, وامتناعه عن الشرك فقال: (إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله), وهو استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من قوله: (ذلكما مما علمني ربي)؛ وتعليلا له, لا للتعليم الواقع صلة للموصول؛ لتأديته إلى معنى: أنه مما علمني ربي لهذا السبب دون غيره, ولا لمضمون الجملة الخبرية؛ لأن ما ذكر بصدد التعليل ليس بعلة لكون التأويل المذكور بعضا مما علمه ربه, أو لكونه من جنسه بل لنفس تعليم ما علمه, فكأنه قيل: لماذا علمك ربك تلك العلوم البديعة؟ فقيل: لأني تركت ملة الكفرة, أي: دينهم الذي اجتمعوا عليه, من الشرك وعبادة الأوثان, والمراد بتركها: الامتناع عنها رأسا, كما يفصح عنه قوله:( ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء), لا تركها بعد ملابستها, وإنما عبر عنه بذلك لكونه أدخل بحسب الظاهر في إقتدائهما به-عليه السلام-, والتعبير عن كفرهم بالله- تعالى- بسلب الإيمان به للتنصيص على أن عبادتهم له –تعالى- مع عبادة الأوثان ليست بإيمان به- تعالى- كما هو زعمهم الباطل ,وهم بالآخرة وما فيها من الجزاء هم كافرون على الخصوص دون غيرهم؛ لإفراطهم في الكفر( واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب) يعنى: أنه إنما حاز هذه الكمالات, وفاز بتلك الكرامات, بسبب أنه اتبع ملة آبائه الكرام, ولم يتبع ملة قوم كفروا بالمبدأ والمعاد, وإنما قاله- عليه السلام- ترغيبا لصاحبيه في الإيمان والتوحيد, وتنفيرا لهما عما كانا عليه من الشرك والضلال, وقدم ذكر تركه لملتهم على ذكر اتباعه لملة آبائه لأن التخلية متقدمة على التحلية, (ما كان) أي: ما صح, وما استقام, فضلا عن الوقوع(لنا) معاشر الأنبياء لقوة نفوسنا ووفور علومنا (أن نشرك بالله من شيء), أي شيء كان, من ملك أو جني أو إنسي, فضلا عن الجماد البحتة, ( ذلك) أي: التوحيد المدلول عليه بقوله (ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء), (من فضل الله علينا) أي: ناشئ من تأييده لنا بالنبوة, وترشيحه إيانا لقيادة الأمة)().

إن يوسف أحسن في الحديث إلى صاحبيه, في طريقة العرض, ووسيلة الدعوة, وأحسن في عرض دعوته التي يؤمن بها ويعتز باستمساكه بهديها, إنهم( لما استعبراه ووصفاه بالإحسان افترض ذلك فوصل به وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء, وهو الإخبار بالغيب, وأنه ينبئهما بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما, ويصفه لهما ويقول: اليوم يأتيكما طعام من صفته كيت, وكيت, فيجدانه كما أخبرهما, وجعل ذلك تخلصا إلى أن يذكر لهما التوحيد, ويعرض عليهما الإيمان, ويزينه لهما, ويقبح إليهما الشرك بالله, وهذه طريقة على كل ذي علم أن يسلكها مع الجهال والفسقة, إذا استفتاه واحد منهم أن يقدم الهداية والإرشاد والموعظة والنصيحة أولا, ويدعوه إلى ما هو أولى به وأوجب عليه مما استفتى فيه, ثم يفتيه بعد ذلك, وفيه أن العالم إذا جهلت منزلته في العلم فوصف نفسه بما هو بصدده, وغرضه أن يقتبس منه, وينتفع به في الدين لم يكن من باب التزكية)().

لقد أفاد يوسف في سبيل إبلاغ رسالته التي يعتز بها ودينه الذي يؤمن به كل سبيل, الزمان والمكان والظرف الذي يعيشه صاحباه, وهو زمن المحنة التي تكون النفوس فيها أقرب إلى الفطرة, وأبعد عن العناد أو تطلعات الحياة, وأفاد من نظرة صاحبيه له, وأنه في نظرهما- وهو كذلك- من المحسنين, بل عرفهما أن لديه من العلم والإحسان غير ما رأياه الكثير, وبين لهم أن سبب هذا الفضل كله هذا الدين الذي اتبعه على سنن آبائه, اهتدى بهداهم ومضى على سناهم, ونسج على منوالهم, وقدم هذه الدعوة لهما إلى التوحيد بعد أن قدم لهما تلك الخدمة التي تجذب النفوس وتقرب القلوب وتؤلف الأفئدة, وفي هذا الجهد الذي بذله معهما ما يشعر بحرصه على هدايتهما وعدم تفلتهما من دين الحق والصراط المستقيم.

اللمحة الرابعة: في دعائه ربه أن يتوفاه على الإسلام ويتم عليه نعمته.

بعد هذه الرحلة التي عاشها يوسف بين مضرة ومسرة, ومحنة ومنحة, وبلاء وعطاء, يكون آخر أمله في الدنيا ورجائه منها أن يتوفاه الله – تعالى- على الدين الذي اختاره له, دين آبائه- إبراهيم وإسحاق ويعقوب, وهو النعمة الكبرى, والمنة العظمى التي تمناها يعقوب له منذ البداية, (ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم)().

والآية تشعر بمدى اعتزاز يوسف بالإسلام, وحرصه على أن يتوفاه الله مسلما, كما هي وصية إبراهيم لأولاده ووصية  يعقوب ليوسف وإخوته: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133))().

( قال قتادة: لم يتمن الموت أحد نبي ولا غيره إلا يوسف- عليه السلام- حين تكاملت عليه النعم, وجمع له الشمل, اشتقاق إلى لقاء ربه- عز وجل- وقيل: إن يوسف لم يتمن الموت وإنما تمنى الوفاة على الإسلام, أي: إذا جاء أجلي توفني مسلما, وهذا قول الجمهور, وقال سهل بن عبد الله التستري: لا يتمنى الموت إلا ثلاث: رجل جاهل بما بعد الموت, أو رجل يفر من أقدار الله- تعالى- عليه, أو مشتاق محب للقاء الله عز وجل ...والآخرة, { توفني مسلما وألحقني بالصالحين} يريد آباءه الثلاثة- إبراهيم وإسحق ويعقوب فتوفاه الله - طاهرا طيبا- صلى الله عليه وسلم – بمصر, ودفن في النيل, في صندوق من رخام, وذلك أنه لما مات تشاحَّ الناس عليه, كل يحب أن يدفن في محلتهم, لما يرجون من بركته, واجتمعوا على ذلك, حتى هموا بالقتال, فرأوا أن يدفنوه في النيل, من حيث مفرق الماء بمصر, فيمر عليه الماء ثم يتفرق في جميع مصر, فيكونوا فيه شرعا, ففعلوا, فلما خرج موسى ببني إسرائيل أخرجه من النيل, ونقل تابوته بعد أربعمائة سنة إلى بيت المقدس, فدفنوه مع آبائه لدعوته:( وألحقني بالصالحين )().

إن الإسلام في نظر يوسف هو أعظم النعم, وأكبر المنن, لذلك حرص على الحياة عليه والموت عليه, وبدا ذلك في آخر دعواته لله –عز وجل-, لقد( أعقب ذكر نعمة الله عليه بتوجهه إلى مناجاة ربه بالاعتراف بأعظم نعم الدنيا والنعمة العظمى في الآخرة فذكر ثلاث نعم : اثنتان دنيويتان وهما : نعمة الولاية على الأرض ونعمة العلم والثالثة أخروية وهي نعمة الدين الحق المعبر عنه بالإسلام)().

إن يوسف –عليه السلام- ( ينزع نفسه من اللقاء والعناق والفرحة والابتهاج, والجاه والسلطان, والرغد والأمان...ليتجه إلى ربه في تسبيح الشاكر الذاكر! كل دعوته وهو في أبهة السلطان, وفي فرحة تحقيق الأحلام- أن يتوفاه ربه مسلما, وأن يلحقه بالصالحين....وهكذا يتوارى الجاه والسلطان, وتتوارى فرحة اللقاء واجتماع الأهل ولمة الإخوان, ويبدو المشهد الأخير, مشهد عبد فرد يبتهل إلى ربه أن يحفظ له إسلامه حتى يتوفاه إليه, وأن يلحقه بالصالحين بين يديه, إنه النجاح المطلق في الامتحان الأخير)().

بهذه الصورة الأخيرة في حياة يوسف ترتسم رغبته في الإسلام بداية ونهاية وأولا وآخرا, من بداية تعلمه من أبيه وإلى نهاية دعائه ربه أن يتوفاه عليه, وليس بعد هذا الاعتزاز اعتزاز.

داود وسليمان واعتزازهما بالإسلام:

ومن النماذج التي مكن الله –تعالى- لها داود وسليمان, وقد بدا اعتزازهما بفضل الله عليهما بالإسلام في أكثر من مرة,من ذلك ما يلي:

اعترافهما بفضل الله عليهما في النبوة وتعليم منطق الطير

وهذا ما صوره القرآن بقوله تعالى:(ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين(15) وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين)(),( يخبر تعالى عما أنعم به على عبديه ونبييه : داود وابنه سليمان عليهما السلام من النعم الجزيلة, والمواهب الجليلة, والصفات الجميلة, وما جمع لهما بين سعادة الدنيا والآخرة والملك والتمكين التام, في الدنيا والنبوة والرسالة في الدين, وقوله تعالى : { وورث سليمان داود } أي: في الملك والنبوة, وليس المراد وراثة المال إذ لو كان كذلك لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود فإنه قد كان لداود مائة امرأة ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة فإن الأنبياء لا تورث أموالهم كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : [ نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة ](), وقال: { يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء }, أي: أخبر سليمان بنعم الله عليه, فيما وهبه له من الملك التام, والتمكين العظيم, حتى إنه سخر له الإنس والجن والطير, وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضا, وهذا شيء لم يعطه أحد من البشر فيما علمناه مما أخبر الله به ورسوله)().

إن اعتراف داود وسليمان بهذا الفضل ونسبته لله –عز وجل- وشعورهم بأنه محض فضل من ربهم يشي باعتزازهما بهذه النعمة نعمة الدين والنبوة, وإدراكهما أنها محض عطاء وهبة تستحق الشكر ومن أبرز علامات الشكر نسبة النعمة إلى مولاها والمنحة إلى واهبها ومعطيها.

اللمحة الثانية: في موقف سليمان من هدية بلقيس.

(إن سليمان- عليه السلام- لم ينظر إلى ما جاءوا به بالكلية, ولا اعتنى به, بل أعرض عنه, وقال منكرا عليهم: { أتمدونن بمال ؟! } أي: أتصانعونني بمال لأترككم على شرككم وملككم ؟, { فما آتاني الله خير مما آتاكم }, أي: الذي أعطاني الله من الملك والمال والجنود خير مما أنتم فيه,{بل أنتم بهديتكم تفرحون} أي: أنتم الذين تنقادون للهدايا والتحف, وأما أنا فلا أقبل منكم إلا الإسلام أو السيف)().

ومن أعظم النعم على داود وسليمان والتي فخر بها واعتز بل استعلى بها على هؤلاء ليس فقط ما آتاه الله من الملك والمال والجنود فحسب بل قبل ذلك كله النبوة والدين وهما أعظم المنح وأجل المواهب من الله- عز وجل. يقول القرطبي:( أي: ما أعطاني من الإسلام والملك والنبوة خير مما أعطاكم فلا أفرح بالمال)().

وفي موقف سليمان من عطاء بلقيس وهديتها هذا الموقف ما يدل على مغالاته بإسلامه وأنه لا يساويه في نظره شيء وإن كان مال الدنيا, إنه بذلك يعلي من اعتزازه بالإسلام ولا يساوم عليه ولا ينخدع بغيره.

اللمحة الثالثة: في موقفه عند سماع كلام النملة.

وقد صور القرآن ذلك في قوله-تعالى-: (وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17)  حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون  (18)  فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين)(), قوله: { رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه } أي: ألهمني أن أشكر نعمتك التي مننت بها علي, من تعليمي منطق الطير والحيوان, وعلى والدي بالإسلام لك, والإيمان بك, { وأن أعمل صالحا ترضاه } أي: عملا تحبه وترضاه, { وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } أي: إذا توفيتني فألحقني بالصالحين من عبادك, والرفيق الأعلى من أوليائك)().

وهذا هو الربط البديع من سليمان بين عطاء الدنيا الذي وهبه الله له وعطاء الآخرة الذي سببه الإيمان بالله – تعالى- واتباع منهاجه.

اللمحة الرابعة: في دعوته أهل سبأ إلى الإسلام

وقد صور القرآن ذلك بقوله –تعالى-: ( قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)().

(وعنى بقوله: { أن لا تعلوا علي } : أن لا تكبروا ولا تتعاظموا عما دعوتكم إليه, وقيل: قوله: { أن لا تعلوا علي } أي: لا تمتنعوا من الذي دعوتكم إليه إن امتنعتم جاهدتكم: وقال ابن زيد { أن لا تعلوا علي وأتوني مسلمين } ذلك في كتاب سليمان إليها وقوله { وأتوني مسلمين } يقول : واقبلوا إلي مذعنين لله بالوحدانية والطاعة)(),(وقيل: لا تتعظموا ولا تترفعوا علي, ومعناه : لا تمتنعوا من الإجابة فإن ترك الإجابة من العلو والتكبير { وأتوني مسلمين } مؤمنين طائعين قيل: هو من الإسلام وقيل: هو من الاستسلام)(), لقد راعى سليمان كل وسائل الجذب لدينه الذي يؤمن به, حتى في العبارة التي أرسلها, والسفير الذي حملها, والجمل التي كتبها, والعزة بالإسلام التي أظهرها وأعدها,والقضية التي طرحها, نوعا, ووقتا, وكيفية, لقد كانت عبارته غاية في الدلالة على المقصود, (وغاية الوجازة مع كمال الدلالة على المقصود لاشتماله على البسملة الدالة على ذات الصانع تعالى وصفاته, صريحا أو التزاما, والنهي عن الترفع عن العلو الذي هو أم الرذائل, والأمر بالإسلام الجامع لأمهات الفضائل, وليس الأمر فيه بالانقياد قبل إقامة الحجة على رسالته, حتى يكون استدعاء للتقليد فإن إلقاء الكتاب إليها على تلك الحالة من أعظم الدلالة)().

لقد جمع كتاب سليمان عددا من الصفات التي تجعله يلقى القبول ويسترعي الانتباه ممن يأتيهم فقد كان( وجيزا لأن ذلك أنسب بمخاطبة من لا يحسن لغة المخاطب, فيقتصر له على المقصود لإمكان ترجمته وحصول فهمه, فأحاط كتابه بالمقصود, وهو تحذير ملكة سبأ من أن تحاول الترفع على الخضوع إلى سليمان والطاعة له, كما كان شأن الملوك المجاورين له بمصر وصور والعراق, فالإتيان المأمور به في قوله:( وأتوني مسلمين) هو إتيان مجازي مثل ما يقال: اتبع سبيلي و( مسلمين ) مشتق من أسلم إذا تقلد الإسلام. وإطلاق اسم الإسلام على الدين يدل على أن سليمان إنما دعا ملكة سبأ وقومها إلى نبذ الشرك والاعتراف لله بالإلهية والوحدانية, ولم يدعهم إلى اتباع شريعة التوراة لأنهم غير مخاطبين بها, وأما دعوتهم إلى إفراد الله بالعبادة والاعتراف له بالوحدانية في الإلهية, فذلك مما خاطب الله به البشر كلهم, وشاع ذلك فيهم من عهد آدم ونوح وإبراهيم, لقد جمع سليمان بين دعوتها إلى مسالمته وطاعته, وذلك تصرف بصفة الملك, وبين دعوة قومها إلى اتباع دين التوحيد, وذلك تصرف بالنبوءة؛ لأن النبي يلقي الإرشاد إلى الهدى حيثما تمكن منه كما قال شعيب: ( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت)(), وهذا نظير قول يوسف لصاحبي السجن: ( أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) الآية. وإن كان لم يرسل إليهم فالأنبياء مأمورون أمرا عاما بالإرشاد إلى الحق وكذلك دعاء سليمان هنا وقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: ( لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم)() فهذه سنة الشرائع لأن الغاية المهمة عندها هو إصلاح النفوس دون التشفي وحب الغلبة)().

ذو القرنين والاعتزاز بالإسلام

ومن الذين من الله عليهم بالتمكين ذو القرنين, وهو من العباد الذين برزت لديهم صفات جيل التمكين ومن صفاته التي وضحت اعتزازه بما من الله عليه من الإسلام وبدا ذلك لديه في رده على القوم الذين لا يكادون يفقهون قولا إذ عرضوا عليه (خرجا) يدفعونه له فكان رده ردا يعتمد على قوة ما لديه ونفاسة ما من الله –تعالى- به عليه, وصور القرآن هذا الحوار في قوله- تعالى-:(قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا  (94)  قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما)().

 (إنهم أرادوا أن يجمعوا له من بينهم مالا يعطونه إياه حتى يجعل بينه وبينهم سدا فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير: { ما مكني فيه ربي خير }, أي: إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه, كما قال سليمان عليه السلام { أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم } الآية وهكذا قال ذو القرنين : الذي أنا فيه خير من الذي تبذلونه)().

إنه خيط واحد دقيق يجمع بين أهل التمكين جنودا وقادة وأنبياء وصالحين على مدى الأزمان والأعصار, فالمنهج الذي يدفع سليمان هوهو المنهج الذي يدفع ذا القرنين, وهو المنهج الذي ينبغي أن ينطلق منه كل من يريد أن يكون جنديا من جنود التمكين.




المبحث السابع

جيل يعمل في جماعة

جيل التمكين جيل لا فرد, ومجموعة لا شخص, يعملون في تناغم, ويسعون في انتظام وانضباط, فلا يقوم التمكين على كواهل الأفراد, وإن كان الأفراد مادته وأساسه, ولا يعتمد فقط على الأشخاص وإن كان الأشخاص لحمته وسداه, لكن يقوم على أساس جماعي, يقدم كل فرد ما يحسنه, ويبادر كل شخص إلى ما يجيده, والناظر في آيات القرآن عامة وآيات التمكين والنماذج التي عاشته خاصة يجد أنها وردت بصيغة الجماعة, فإنك لا تجد خطابا للقرآن فيه دعوة إلى إعمار الحياة وإنماء الأرض بصيغة الفرد, ولا نداء للإنسان المؤمن بصيغة الفردية, ولا تكليفا يخاطب الإنسان بمفرده, فإذا تتبعنا ألفاظ التمكين التي رصدت تلك السنة من سنن الله وجدناها تأتي بلفظ الجمع كذلك, من ذلك قوله- تعالى-: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ(),

وقوله –تعالى-:  (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ )(),

وقوله-تعالى-: ( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)() ,

وقوله:( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ)(),

وقوله: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ )(),

وقوله: ( وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)() ,

وقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)().

والمتأمل لهذه الآيات يجد أنها كلها وردت بصيغة الجماعية, فآية النور وردت كلها بصيغة الجمع حتى في الأشياء التي يمكن أن يستقل فيها الفرد مثل العبادة, وعدم الشرك, وإقامة الصلاة, وإيتاء الزكاة, وطاعة الرسول, إشارة من الله – تعالى- إلى أن التمكين لا يكون إلا بجماعة, تمضي في انتظام, وتعمل عملا (مؤسسيا) يكمل فيه كل فرد عمل صاحبه, فالعمل الفردي مهما كانت جودته وإتقان صاحبه لا يؤهل لقيام حضارة, وإنشاء أمة, وتربية جيل, وتحكيم منهاج الله في أرضه وعباده, وكذلك آيات التمكين الباقية ترشد إرشادا صريحا واضحا إلى أنه لا يحصل  تمكين كامل إلا بجماعة,

وإذا تتبعنا نماذج التمكين في القرآن الكريم وجدنا هذا المعنى بينا واضحا على النحو التالي:

 

يوسف والعمل الجماعي

من النماذج التي برزت لديهم صفة الجماعية والدعوة إليها يوسف- عليه السلام- ولقد حفلت حياته بهذه الصفة وبدت في مواطن متعددة منها ما كان مواقف عملية حياتية ومنها ما كان مواقف تعليمية إرشادية, وكان ذلك على مدار حياته سواء قبل توليه الوزارة أو بعدها ومن أبرز هذه المواقف ما يلي:

موقفه من رؤيا الملك

إن يوسف عندما عرضت عليه رؤيا الملك لم يقدم حلا لها يقوم على إمكاناته هو فقط بل أراد الإفادة ممن حوله فأشركهم في حل الكارثة المتوقعة وأرشدهم إلى أن( يزرعوا.. ويحصدوا..ويذروا ..ويأكلوا..), وهكذا بصيغة الجمع فالأمر أمر دولة كاملة لا أمر فرد من الأفراد, ولهذه المزية التي عرفت عند يوسف وغيرها عندما سمع صاحب السجن الرؤيا طلب أن يرسلوه إلى من عنده حلها الناجع ودواؤها الشافي فقال: (فأرسلون),( أي: إلى يوسف وإنما لم يذكره ثقة بما سبق من التذكر وما لحق من قوله: (يوسف أيها الصديق), أي: أرسل إليه فأتاه فقال يا يوسف, ووصفه بالمبالغة في الصدق حسبما شاهده وذاق أحواله وجربها لكونه بصدد اغتنام آثاره واقتباس أنواره فهو من باب براعة الاستهلال,(أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات) أي: في رؤيا ذلك وإنما لم يصرح به لوضوح مرامه بقرينة ما سبق من معاملتهما ولدلالة مضمون الحادثة عليه حيث لا إمكان لوقوعه في عالم الشهادة أي: بين لنا مآلها وحكمها وحيث عاين علو رتبته -عليه السلام- في الفضل عبر عن ذلك بالإفتاء ولم يقل كما قال هو وصاحبه أولا (نبئنا بتأويله) وفي قوله: (أفتنا) مع أنه المستفتي وحده إشعار بأن الرؤيا ليست له بل لغيره ممن له ملابسة بأمور العامة وأنه في ذلك معبر وسفير كما آذن بذلك حيث قال: (لعلي أرجع إلى الناس) أي: إلى الملك ومن عنده أو إلى أهل البلد إن كان السجن في الخارج كما قيل فأنبئهم بذلك (لعلهم يعلمون) ذلك ويعملون بمقتضاه أو يعلمون فضلك ومكانك مع ما أنت فيه من الحال فتتخلص منه وإنما لم يبت القول في ذلك مجاراة معه على نهج الأدب واحترازا عن المجازفة إذ لم يعلموه على يقين من الرجوع ..., (قال) استئناف مبني على السؤال كأنه قيل فماذا قال يوسف عليه السلام في التأويل؟  فقيل: قال:(تزرعون سبع سنين دأبا) قرئ بفتح الهمزة وسكونها() وكلاهما مصدر دأب في العمل إذا جد فيه وتعب, وانتصابه على الحالية من فاعل تزرعون, أي: دائبين, أو تدأبون دأبا, على أنه مصدر مؤكد لفعل هو الحال أوَّل -عليه السلام- البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب, والعجاف واليابسات بسنين مجدبة, فأخذهم بأنهم يواظبون سبع سنين على الزراعة ويبالغون فيها إذ بذلك يتحقق الخصب الذي هو مصداق البقرات السمان وتأويلها, ودلهم في تضاعيف ذلك على أمر نافع لهم فقال:(فما حصدتم) أي: في كل سنة (فذروه في سنبله) ولا تذروه كيلا يأكله السوس كما هو شأن غلال مصر ونواحيها ولعله- عليه السلام- استدل على ذلك بالسنبلات الخضر وإنما أمرهم بذلك إذ لم يكن معتادا فيما بينهم وحيث كانوا معتادين للزراعة لم يأمرهم بها وجعلها أمرا محقق الوقوع وتأويلا للرؤيا مصداقا لما فيها من البقرات السمان (إلا قليلا مما تأكلون) في تلك السنين وفيه إرشاد منه -عليه السلام- لهم إلى التقليل في الأكل والاقتصار على استثناء المأكول دون البذر لكون ذلك معلوما من قوله: تزرعون سبع سنين )()

ذو القرنين والعمل الجماعي

ومن جنود التمكين الذين برزت لديهم صفة الجماعية ذو القرنين, وبدا ذلك واضحا من خلال تعامله مع من حوله, ومن هؤلاء تعامله مع الذين عرضوا عليه أن يقيم لهم سدا, فقد صور القرآن رغبته في غرس قيمة الجماعة والتشارك في نفوس هؤلاء برفضه أن يأخذ منهم (خرجا), وعلمهم أن قيمة الإنسان في تعاونه مع غيره, وصور القرآن هذا بقوله: ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93 قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا )().

والناظر في تعبير ذي القرنين معهم يلحظ هذا الحرص منه على جعلهم يشاركونه في العمل غير مكتف بعطائهم ولا قابلا له, تلحظ ذلك في ( أعينوني- آتوني- انفخوا...) بهذه الصورة التي تشي بحرصه على غرس قيمة الجماعة والمشاركة في نفوس هؤلاء.

وقوله: (أي ما مكنني فيه ربي وجعلني فيه مكينا قادرا من الملك والمال وسائر الأسباب خير أي مما تريدون أن تبذلوه إلى من الخرج فلا حاجة بي إليه فأعينوني بقوة أي بفعلة وصناع يحسنون البناء والعمل وبآلات لابد منها في البناء والفاء لتفريع الأمر بالإعانة على خيرية ما مكنه الله- تعالى- فيه من مالهم أو على عدم قبول خرجهم (أجعل) جواب للأمر بينكم وبينهم, وتقديم إضافة الظرف إلى ضمير المخاطبين على إضافته إلى ضمير يأجوج ومأجوج لإظهار كمال العناية بمصالحهم كما راعوه في قولهم: (بيننا وبينهم ردما), أي: حاجزا حصينا, وبرزخا متينا, وهو أكبر من السد وأوثق, يقال: ثوب مردم أي: فيه رقاع فوق رقاع, وهذا إسعاف بمرادهم فوق ما يرجونه, (آتوني زبر الحديد) جمع ُزبرة, كغُرف في غُرفة, وهي القطعة الكبيرة وهذا لا ينافي رد خراجهم؛ لأن المأمور به الإيتاء بالثمن أو المناولة, كما ينبئ عنه القراءة بوصل الهمزة(), أي: جيئوني بزبر الحديد على حذف الباء, كما في أمرتك الخير ولأن إيتاء الآلة من قبيل الإعانة بالقوة دون الخراج على العمل, ولعل تخصيص الأمر بالإيتاء بها دون سائر الآلات من الصخور والحطب ونحوهما لأن الحاجة إليها أمس؛ إذ هي الركن في السد, ووجودها أعز. قيل: حفر للأساس حتى بلغ الماء, وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينها الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما وكان مائة فرسخ وذلك قوله عز :( حتى إذا ساوى بين الصدفين), أي: أتوه إياها فأخذ يبني شيئا فشيئا حتى إذا جعل ما بين ناحيتي الجبلين من البنيان مساويا لهما.)()

لقد استعان ذو القرنين بهؤلاء وأفاد من إمكاناتهم حسب قدراتهم, لذلك طلب منهم أن يناولوه قطع الحديد, وطلبه منهم هو طلب للمناولة لا للجلب, فقوله: ( آتوني زبر الحديد ) هو أمر لهم بمناولة زبر الحديد. فالإيتاء مستعمل في حقيقة معناه وهو المناولة, وليس تكليفا للقوم بأن يجلبوا له الحديد من معادنه؛ لأن ذلك ينافي قوله: ( ما مكنني فيه ربي خير فأعينوني بقوة ), أي: أنه غني عن تكليفهم إنفاقا على جعل السد. وكأن هذا لقصد إقامة أبواب من حديد في مداخل الردم لمرور سيول الماء في شعب الجبل حتى لا ينهدم البناء بأن جعل الأبواب الحديدية كالشبابيك تمنع مرور الناس ولا تمنع انسياب الماء من بين قضبها, وجعل قضبان الحديد معضودة بالنحاس المذاب المصبوب على الحديد..)().

من هنا يظهر مدى حرص ذي القرنين على مشاركة هؤلاء الذين لا يكادون يفقهون قولا على القدر الذي يملكونه, وفي رفضه لعطائهم بيان لمفاضلة ما عنده على ما عندهم, وأنه على الرغم من عدم حاجته لمالهم وخرجهم إلا أنه يحرص على غرس قيمة المشاركة والعمل الجماعي لديهم, وبهذه الصفات يتعاون الناس فيما بينهم ويقدم كل ما يمكنه تقديمه فتصير الأمة كلها كأنها فرد يملك هذه الإمكانات الهائلة التي يمكن له أن يسخرها في نشر الخير والفضيلة وتمكين دين الله في الأرض.

داوود وسليمان والعمل الجماعي

ومن نماذج التمكين التي حفل القرآن بالحديث عنها داوود وسليمان, وقد عاش هذان النبيان صفة الجماعة والمشاركة مع من حولهم, وصور القرآن ذلك في أكثر من موطن، من ذلك قوله – تعالى-: (وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ )()

وقوله:(ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37) قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)(), وبدا ذلك في تعبيرات سليمان في قصة بلقيس ومملكة سبأ, ويمكن أن تلحظ ذلك من خلال ألفاظ: ( فضلنا-علمنا- وأوتينا- أتوا- لا يشعرون- فلنأتينهم- أيكم...).وقد وردت بصيغة الجمع كما نرى.

كما تلحظ صفة الجماعية في تعامل سليمان مع من حوله سواء كانوا من الإنس أو الجن أو الطير وبدا ذلك في طلبه من جلسائه أن يأتوه بعرش بلقيس وأدلى كل بما لديه من إمكانات وقدرات.

كما بدا ذلك في طلبه أن يدخله ربه في عباده الصالحين, وذلك بعد أن أدرك نعمة ربه عليه في سماعه لغة النمل وفهمه لها,وفي تعبيره عن إتيان بلقيس وملئها بجنود لا قبل لهم بها, وفي تعبير القرآن عن مسيره وجنده بصفة الجمع كما سبق, إلى غير ذلك من المظاهر التي تدل على جماعية الفكرة والحركة لدى سليمان عليه السلام.



المبحث الثامن: جيل نافع لغيره

جيل التمكين جيل نافع لغيره يرى حياته وسعادته في أن يكون مفتاحا للخير مغلاقا للشر, لا يعيش لنفسه, ولا يستعبده هواه, بل حركته وسكنته, ومصبحه وممساه, وليله ونهاره, في خدمة غيره ونفعه ودلالته على ما يرشده, لا يفتر من إرشاد من حوله إلى نفع يفيده, أو تحذيره من ضرر يؤذيه, فهو ضوء منير لمن حوله إذا غاب افتقد وإذا حضر لم يعرف, وتلك صفة من صفات الجيل الذي يسعى إلى تمكين دين الله في النفوس قبل أن يتمكن على الأرض, يرى أن (خير الناس أنفعهم للناس)().

إنه جيل يحيا لغيره أكثر من حياته لنفسه ورغباته, جيل يسخر نفسه لنشر رسالة الله, يذوب في تعبيد الناس لربه, دلالتهم عليه وإرشادهم إليه, والأخذ بأيديهم إلى صراطه المستقيم,لا يعنيه من الدنيا ما يعني عموم الناس من أهداف وأغراض, وغايات وأمنيات, لا يفني حياته من أجل لقمة طرية ونومة هنية وثوب قشيب, ولا تصغر أمانيه في هذه الحياة المحدودة والأقطار الضيقة, بل هو جيل يعطي أكثر مما يأخذ, ويبذل دون أن ينتظر, باع لله والله اشترى: ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(), إنه جيل يفني نفسه في سبيل إسعاد غيره, ما دام ذلك في رضا ربه, ولقد عاش رسول الله هذه القيمة العالية بصورة تكاد تتلاشى بجانبها صور الآخرين, وتذوب أمام عظمة عطائها وفنائها لغيرها أحوال غيره من العاملين,حتى أشفق ربه عليه , فنزلت الآيات متعددة تهون عليه الأمر, وتطيب قلبه وخاطره في ألا يذهب نفسه على من يدعوهم حسرات, فإن الله يهدي من يشاء,قائلا: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)(), ونزل قوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا)( ), ونزل قوله تعالى-: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)(), لقد كان النبي يفنى في نفع غيره دلالة له على الله, أو تحملا لتبعة, أو إنهاء لمعضلة, وكان يقول: ( أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي من المؤمنين فترك دينا فعلي قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته.)()

ومضى أصحابه على دربه, ونسجوا على منواله, حتى إن الراعي والخليفة ليشعر من دخيلة نفسه أنه أجير لدى الرعية, يرعى مصالحها, ويقوم على أمرها, ولم يقتصر هذا الحس على طبقة دون طبقة, أو فئة دون فئة,بل شمل هذا المعنى الصحابة والصالحين من بعدهم, ومن حرص على التمكين لابد أن يكون مؤهلا بهذه الصفة, وإلا فما فائدة التمكين إن لم يكن نصرة للحق, ودحرا للباطل, وإرشادا للخلق, ودلالة على الحق, وسعيا في مصالح الناس.

وإذا تتبعنا نماذج التمكين التي رست على وجه البسيطة وجدنا أن السعي في مصالح الناس والحرص على نفعهم من أبرز صفاتهم, ويمكننا أن نتتبعهم على النحو التالي:

 

يوسف ونفع الغير

الناظر في حياة يوسف يجد أن صفة نفع الغير من الصفات التي تميز بها والتي جمعت قلوب الناس عليه, وألقت مقاليد أفئدتهم بين يديه, ومن مواقفه في ذلك ما يلي:

 

اللمحة الأولى: موقفه مع صاحبي السجن:

لقد صور القرآن نفع يوسف لصاحبيه بقوله- تعالى-:( ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ)().

وقبل أن نقف مع نفعه لهما نُلمِحُ إلى (الذوق) العالي في قوله لهما: (يا صاحبي السجن), وما تحمل هذه العبارة من دلالات هذه النفس الكريمة العالية, ترى لمن حولها حقا عليها ولو كانوا زملاء سجن, ورفقاء محنة, لقد تضمن نفع يوسف لصاحبيه عددا من الأمور,منها الأنس به, وذهاب الوحشة والجفوة, حتى وصفاه بالإحسان, وكفى بذلك من نفع لا يقدر بمال, ولا يوزن بعطاء, خاصة في هذه الظروف القاسية, التي لا يحس بها إلا من ذاقها, (فمن ذاق عرف), لقد كان يوسف سبب أنسهم وذهاب وحشتهم؛ فأحبوه حبا شديدا, (لما اشتهر به في السجن من الجود والأمانة, وصدق الحديث, وحسن السمت, وكثرة العبادة, ومعرفة التعبير, والإحسان إلى أهل السجن, وعيادة مرضاهم, والقيام بحقوقهم, ولما دخل هذان الفتيان السجن, وأحباه حبا شديدا قالا له: لقد أحببناك حبا زائدا, فقال: بارك الله فيكما, إنه ما أحبني أحد إلا دخل علي من محبته ضرر؛ أحبتني عمتي فدخل علي الضرر بسببها, وأحبني أبي فأوذيت بسببه, وأحبتني امرأة العزيز فكذلك, فقالا: والله ما نستطيع إلا ذلك)(), فقد كان كل من رأى يوسف أحبه, وأنس به, وذلك لملامحه وخلاله, وجميل فعاله, والنفوس بطبعها تعشق الوجوه الصباح, سيما إذا صحبتها السجايا الملاح.

وفسر لهم رؤاهم تفسيرا غاية في الدقة والحيطة(أما أحدكما...وأما أحدكما...), على الرغم من علمه مَن مِنهما سيكون في خدمة الملك ومن سيكون في صحبة (ملك) الموت, لقد (طمئنهما ابتداء إلى أنه سيؤول لهم الرؤى؛ لأن ربه علمه علما لدنيا خاصا؛ جزاء على تجرده لعبادته وحده, وتخلصه من عبادة الشركاء, هو وآباؤه من قبله, وبذلك يكسب ثقتهما منذ اللحظة الأولى, بقدرته على تأويل رؤياهما, كما يكسب نفعهما كذلك لدينه,...ويبدو في طريقة تناول يوسف للحديث لطف مدخله إلى النفوس, وكياسة تنقله في الحديث في رفق لطيف وهي سمة هذه الشخصية البارزة في القصة بطولها..(قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي), بهذا التوكيد الموحي بالثقة بأن الرجل على علم لدني, يرى به مقبل الرزق, وينبئ بما يرى, وهذا – فوق دلالته على هبة الله لعبده الصالح يوسف- يوحي كذلك بطبيعة الفترة وشيوع النبوءات فيها والرؤى,, وقوله: (ذلكما مما علمني ربي), تجيء في اللحظة المناسبة من الناحية النفسية ؛ ليدخل بها إلى قلبيهما, بدعوته إلى ربه, وليعلل بها هذا العلم اللدني الذي سيؤول لهما رؤياهما عن طريقه)( ).

ومنها بل أعظمها دعوتهم إلى الله-تعالى- بهذه الصورة الرائقة التي جعلتهم وهم على ما هم عليه يقولون له: (إنا نراك من المحسنين), لقد كانت دعوته إياهم دعوة عملية فعلية قبل أن تكون دعوة كلامية, دعاهم بفعله وسمته قبل أن يدعوهم بخطبه ووعظه, وسمعوا من حاله قبل أن يسمعوا لمقاله, فسمعوه بعيونهم قبل أن يسمعوه بآذانهم, لقد كانت المنافع السابقة تمهيدا لهذه المنفعة الكبرى, وطريقا عمليا لتوضيحها, وهي دلالتهم على الله, وشرح عقيدة المؤمنين لهم, وذلك بقوله: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)(), (لقد رسم يوسف بهذه الكلمات القليلة الناصعة الحاسمة المنيرة كل معالم هذا الدين وكل مقومات هذه العقيدة, كما هز بها كل قوائم الشرك والطاغوت والجاهلية هزا شديدا عنيفا)().

اللمحة الثانية: تفسير رؤيا الملك ووضع خطة زراعية لعبور السنوات العجاف

ومن المنافع التي قدمها يوسف لغيره تفسيره للملك رؤياه على الرغم من المحنة التي كان يوسف يعايشها, ولم يكتف بتشخيص الداء بل وصف الدواء وقدم لمن حوله خطة دقيقة محكمة لعبور هذه الأزمة التي ستمر بأرض ما عرفت الجوع ولا الفاقة, وهي سلة غلال الشرق, ووصف القرآن هذا النفع بقوله: ( وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)(), لقد حمل صاحبه في السجن إليه رؤيا الملك وطلب منه تفسيرها, مخاطبا إياه بهذه الصورة: (" يوسف أيها الصديق ": أيها البليغ في الصدق, وإنما قال له ذلك لأنه ذاق أحواله, وتعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه, حيث جاء كما أول, ولذلك كلمه كلام محترز, فقال: " لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون "؛ لأنه ليس على يقين من الرجوع فربما اخترم دونه, ولا من علمهم فربما لم يعلموا, أو معنى " لعلهم يعلمون ": لعلهم يعلمون فضلك ومكانك من العلم فيطلبوك ويخلصوك من محنتك, " تزرعون " خبر في معنى الأمر كقوله : " تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون " الصف: (11) ,..."فذروه في سنبله " لئلا يتسوس . و" يأكلن " من الإسناد المجازي : جعل أكل أهلهن مسندا إليهن " تحصنون " تحرزون وتخبؤن, " يغاث الناس ": من الغوث أو من الغيث . يقال: غيثت البلاد إذا مطرت . ومنه قول الأعرابية : غثنا ماشئنا . " يعصرون " بالياء والتاء : يعصرون العنب والزيتون والسمسم , وقيل : يحلبون الضروع . وقرئ : يعصرون على البناء للمفعول من عصره إذا أنجاه وهو مطابق للإغاثة, ويجوز أن يكون المبني للفاعل بمعنى ينجون كأنه قيل: فيه يغاث الناس وفيه يغيثون أنفسهم, أي: يغيثهم الله, ويغيث بعضهم بعضا, وقيل يعصرون يمطرون من أعصرت السحابة, تأول البقرات السمان, والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب, والعجاف واليابسات بسنين مجدبة, ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأن العام الثامن يجيء مباركا خصيبا كثير الخير غزير النعم, وذلك من جهة الوحي, وعن قتادة : زاده الله علم سنة . فإن قلت: معلوم أن السنين المجدبة إذا انتهت كان انتهاؤها بالخصب وإلا لم توصف بالانتهاء فلم قلت إن علم ذلك من جهة الوحي ؟ قلت : ذلك معلوم علما مطلقا لا مفصلا, وقوله " فيه يغاث الناس وفيه يعصرون " تفصيل لحال العام وذلك لا يعلم إلا بالوحي)(), بهذا التفسير الواضح المحدد وبتلك الخطة المحكمة قدم يوسف لمن حوله البشرى حديثا وعملا, وصدق الوحي كلامه فكان كما قال.

اللمحة الثالثة: طلبه تولي الوزارة في السنوات العجاف

طلب يوسف الوزارة في فترة لا يعد طلبها تشريفا بل تكليفا وتكليفا مبهظا, وعبئا مثقلا لكواهل العصبة أولي القوة من الرجال, فالبلاد مقدمة على فترة من أصعب الفترات وأزمة طاحنة هي أزمة لقمة العيش, والشعوب الجائعة لا تفكر إلا فيما يسد نهمتها ويسكت صراخ صغارها,وقد تضحي في سبيل ذلك بالغالي والنفيس, وتطيح في طريقها بكل ما يقف أمام حصولها على ما تريد,وصور القرآن طلب يوسف بقوله: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)(),    

(" اجعلني على خزائن الأرض ": ولني خزائن أرضك؛ " إني حفيظ عليم ": أمين أحفظ ما تستحفظنيه: عالم بوجوه التصرف, وصفا لنفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبة الملوك ممن يولونه, وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله- تعالى- وإقامة الحق وبسط العدل والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد, ولعلمه أن أحدا غيره لا يقوم مقامه في ذلك, فطلب التولية ابتغاء وجه الله لا لحب الملك والدنيا)().

إن طلب الوزارة في هذه الظروف الشديدة يعتبر تضحية عالية, ومنفعة عظيمة يقدمها يوسف لهذه الأمة التي يعيش فيها.

ولا تتوقف منافع يوسف لمن حوله عند هذا الحد بل تتعدى إلى من أساؤوا إليه صغيرا وهم كبار, ضعيفا وهم رجال أشداء, وحيدا وهم (عصبة),فقال لهم كلمة ذهبت مثلا في العفو والصفح, ( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين)(), إن القرآن الكريم صور هذه اللمحة تصويرا دقيقا من جهة يوسف ومن جهة إخوته, وهم يتذكرون موقفهم معه, وهو يعفو ويصفح بهذا الكرم اللافت للنظر,( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)(), في هذه المجاعة الفاتكة يأتي إخوة يوسف وبهذه الروح المهذبة النافعة لغيرها يتعامل معهم,وتلك سمة الشخصية التي تستأهل التمكين.

ذو القرنين ونفع الغير

ومن النماذج التي مكن الله لها وآتاها من كل شيء سببا ذو القرنبين الذي طاف المشارق والمغارب في نشر رسالة العدل والخير والإحسان,وإرساء منهاج الله في الأرض, وبدت صفة نفع الغير لدى ذي القرنين في مواقف متعددة صورها القرآن بقوله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا)().

(يقول- تعالى- مخبرا عن ذي القرنين: { ثم أتبع سببا }, أي: ثم سلك طريقا من مشارق الأرض, حتى إذا بلغ بين السدين وهما جبلان متناوحان بينهما ثغرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك, فيعيثون فيها فسادا, ويهلكون الحرث والنسل, { وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا }, أي: لاستعجام كلامهم, وبعدهم عن الناس, { قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا } قال ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أجرا عظيما يعني أنهم أرادوا أن يجمعوا لهم من بينهم مالا يعطونه إياه, حتى يجعل بينه وبينهم سدا, فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير: { ما مكني فيه ربي خير }, أي: إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه, كما قال سليمان عليه السلام: { أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم } الآية وهكذا قال ذو القرنين : الذي أنا فيه خير من الذي تبذلونه, ولكن ساعدوني بقوة أي: بعملكم وآلات البناء, { أجعل بينكم وبينهم ردما * آتوني زبر الحديد }, والزبر جمع زبرة, وهي القطعة منه, قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة, وهي كاللبنة يقال: كل لبنة زنة قنطار بالدمشقي أو تزيد عليه, { حتى إذا ساوى بين الصدفين }, أي: وضع بعضه على بعض من الأساس, حتى إذا حاذى به رؤوس الجبلين طولا وعرضا, واختلفوا في مساحة عرضه وطوله على أقوال, { قال انفخوا }, أي: أجج عليه النار حتى صار كله نارا, { قال آتوني أفرغ عليه قطرا } قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة والسدي: هو النحاس, زاد بعضهم المذاب.)()

والذي يعنينا من هذا جانب النفع لدى ذي القرنين, ذلك الذي حمله على محادثة هؤلاء القوم الذين(لا يكادون يفقهون قولا), ورفضه لعطائهم, والاستغناء عنه بعطاء الله –تعالى- وتلحظ معنى بديعا في تعبيره: (ما مكني فيه ربي خير), بلفظ (ما), واختيار لفظ(ربي), والأولى تفيد الإبهام, والإبهام هنا يفيد التعظيم والتكثير, والثانية تفيد عموم العطاء ووفرته؛ لأنه من الرب الذي يعطي عطاء ربوبية عاما شاملا,كما يبدو نفعه لهم في أهم مهمة يقوم بها, وهي مهمة بناء السد الذي يحول بينهم وبين يأجوج ومأجوج, هؤلاء المفسدين في الأرض, ومن ملامح نفعه لهم أيضا ذلك النفع المعنوي وهو إصراره على أن يشاركوه العمل خطوة, خطوة, ولحظة لحظة, (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا)(), لقد حرص ذو القرنين على أن يشاركوه العمل لا أن يعطوه (خرجا) ويكتفوا بالنظر إليه وهو يعمل, وعندما يرى الناس القائد يعمل بينهم تتفجر طاقاتهم وتتحرك كوامنهم ويسعد المجتمع بوجودهم.

ومن أبرز المنافع التي ساقها إليهم دلالتهم على الله, وبدا ذلك في قوله: (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا)(),فقد دلهم على الأخذ بالأسباب وعلمهم أن الأسباب وحدها لا تكفي, وأنها غير مستقلة بدون مسبب. إن جندي التمكين جندي عطاء وعمل, يبذل ويدفع وعينه هناك عند أجر ربه, لا تصرفه مثالب الخلق عن مراقبة الحق, ولا تشغله عباراتهم عن موعود الله, فيظل معطاء وإن تنكر له من حوله أو جحده من رآه,وبهذه النفوس ينتشر الدين ويعم الخير, ويتمكن الإسلام.

المبحث التاسع:

جيل يأخذ بالأسباب

ومن صفات جيل التمكين أنه جيل يأخذ بالأسباب؛ إذ لا يقوم تمكين في الأرض بغير أسباب, على اختلاف الأسباب وتنوعها, من مادية ومعنوية, ولقد عالجنا في دراسة أخرى هذا الجانب على أنه سبب من أسباب التمكين والآن ننظر إليه من ناحية كونه صفة من صفات جيل التمكين, صفة ثابتة من صفاته لا يتخلى عنها ولا يدعها, إن الأسباب في حد ذاتها سنة من سنن الله في الخلق, لها قانون يحكمها, ونظام تخضع له, وفصل الأسباب المعنوية عن المادية في ذهن بعض المسلمين سبب من أسباب الغياب الحضاري الذي يعيشونه ويكتوون بناره, أما جيل التمكين الذي عاش التمكين ونعم بخيره فإنه غير ذلك إنه جيل يحسن الربط بين الأسباب بأنواعها, ولا يفصلها عن مسببها.

ويمكننا أن نرى سنة الأخذ بالأسباب صفة مجسدة في شخوص من خلال تتبع نماذج التمكين على النحو التالي:

يوسف وصفة الأخذ بالأسباب

الناظر في حياة يوسف يجد أنه على قدر ملحوظ من الأخذ بالأسباب وإحسان للتعامل معها,على تنوع هذه الأسباب,ويمكن أن نرصد ذلك في اللمحات التالية:

في موقفه مع امرأة العزيز

ولا نطيل في الحديث عن هذا الجانب إنما هي إشارات سريعة حول كيفية أخذه بالأسباب, في هذا الظرف العصيب, إن يوسف تعامل مع هذا الظرف بعدد من الخطوات, فهو أولا ردها ردا حسيا ومعنويا, وبدا ذلك من خلال قوله لها: ( ... مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)(), لقد ردها ردا معنويا إذ ذكرها بالله في قوله: (معاذ الله), وقوله: (إنه ربي أسن مثواي), وذكرها بعاقبة الظلم والخيانة لمن ائتمنها على عرضه بقوله: (إنه لا يفلح الظالمون),إنه ذكرها بنعمة الله عليه التي توجب عليه شكرها, وجميل سيده العزيز الذي لا يقابل إكرامه لمثوى يوسف بخيانته في أعز ما يحافظ عليه الرجل, ولم يكتف بذلك بل أخذ بالأسباب الحسية فجرى جري الهرب وهي تجري وراءه جري الطلب,( ) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(), هرب منها بعيدا عن الجو الذي أعدته والمناخ الذي هيأته لهذه المعصية الفاحشة, ولم يكتف بذلك بل دافع عن نفسه دفاعا حسيا ولفت نظر من حوله إلى براءته فدافع بعض أهلها عنه وذلك ما عبر عنه القرآن بقوله: (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ)(), وعاد يوسف مرة أخرى يذكرها ويذكر نفسه ويستغيث بربه بعد أن أفرغ كل ما لديه من أسباب بقوله: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ)(), إن يوسف استفرغ ما لديه من أسباب حسية ومعنوية ولجأ إلى ربه ليصرف عنه هذا البلاء الذي حل به وقد أجاب الله دعاءه ولبى استغاثته ونجاه مما يحذر.

في موقفه من أخذ أخيه

إن يوسف عندما عزم على أخذ أخيه تبع الأسباب التي تؤدي إلى ما يريد, فوضع السقاية في رحله وأذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون, وبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه, وصور القرآن هذا الفعل من يوسف بقوله: (فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)().

لقد ظهرت صفة الأخذ بالأسباب لدى يوسف من خلال هذا الموقف في عدد من الأمور, منه: أنه رتب الأمر مع غلمانه بطريقة لا يشعر بها إخوته, ومنها أنه اشترط عليهم قبل أن يبدأ البحث في الأوعية, ومنها أنه بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه, ثم استخرجها من وعاء أخيه, ومدح الله هذا الصنيع وذكره في مورد الرضا, وربطه بمشيئته – تعالى-, ووصف ذلك بالعلم, كما هو واضح من الآيات الكريمة.

ولأبي السعود في هذا الموقف بعض اللطائف لا ينبغي أن تفوتنا, عرضها بقوله:( فما جزاؤه الضمير للصواع على حذف المضاف أي: فما جزاء سرقته عندكم وفي شريعتكم إن كنتم كاذبين, لا في دعوى البراءة عن السرقة؛ فإنهم صادقون فيها, بل فيما يستلزمه ذلك من نفي كون الصواع فيهم, كما يؤذن به قوله- عز وجل-):قالوا جزاؤه من وجد) أي: أخذ من وجد الصواع في رحله حيث ذكر بعنوان الوجدان في الرحل دون عنوان السرقة, وإن كان ذلك مستلزما لها في اعتقادهم المبني على قواعد العادة, ولذلك أجابوا بما أجابوا؛ فإن الأخذ والاسترقاق سنة إنما هو جزاء السارق دون من وجد في يده مال غيره كيفما كان, فتأمل, واحمل كلام كل فريق على ما لا يزاحم رأيه, فإنه أقرب إلى معنى الكيد وأبعد من الافتراء وقوله- تعالى-: (فهو جزاؤه) تقرير لذلك الحكم, أي: فأخذه جزاؤه, كقولك حق الضيف أن يكرم, فهو حقه, ...(كذلك) أي: مثل ذلك الجزاء الأوفى (نجزي الظالمين) بالسرقة تأكيد للحكم المذكور غب تأكيد, وبيان لقبح السرقة, ولقد فعلوا ذلك ثقة بكمال براءتهم عنها, وهم عما فعل بهم غافلون,(فبدأ) يوسف بعد ما راجعوا إليه للتفتيش( بأوعيتهم) بأوعية الأخوة العشرة, أي, بتفتيشها قبل تفتيش وعاء أخيه بنيامين لنفي التهمة, روى أنه لما بلغت النوبة إلى وعائه قال: ما أظن هذا أخذ شيئا, فقالوا: والله لا نتركه حتى تنظر في رحله فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا,( ثم استخرجها) أي: السقاية أو الصواع فإنه يذكر ويؤنث (من وعاء أخيه) لم يقل: منه على رجع الضمير إلى الوعاء أو من وعائه على رجعه إلى أخيه قصدا إلى زيادة كشف وبيان وقرئ بضم الواو وبقلبها همزة كما في أشاح في وشاح (كذلك) نصب على المصدرية والكاف مقحمة الدلالة على فخامة المشار إليه وكذا ما في ذلك من معنى البعد أي مثل ذلك الكيد العجيب, وهو عبارة عن إرشاد الأخوة إلى الإفتاء المذكور بإجرائه على ألسنتهم وبحملهم عليه بواسطة المستفتين من حيث لم يحتسبوا فمعنى قوله -عز وجل-:(كدنا ليوسف) صنعنا له ودبرنا لأجل تحصيل غرضه من المقدمات التي رتبها من دس الصواع وما يتلوه, فاللام ليست كما في قوله: (فيكيدوا لك كيدا)؛ فإنها داخلة على المتضرر على ما هو الاستعمال الشائع وقوله- تعالى-: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) استئناف وتعليل لذلك الكيد وصنعه لا تفسير وبيان له كما قيل, كأنه قيل: لماذا فعل ذلك فقيل: لأنه لم يكن ليأخذ أخاه بما فعله في دين الملك في أمر السارق أي: في سلطانه, قاله ابن عباس)().

من هنا يمكننا أن نعرف إلى أي مدى أخذ يوسف بالأسباب وتعامل معها على اختلاف ألوانها وتباين أنواعها, وإذا انتقلنا إلى نموذج آخر من نماذج التمكين وجدنا هذه الصفة لديهم أيضا لا يتخلون عنها, ومن هؤلاء:

داود وسليمان والأخذ بالأسباب

وإذا نظرنا إلى داود وسليمان وصفة الأخذ بالأسباب لديهما وجدنا أنها أخذت حظها في حياتهما, فداود يؤمر بصناعة الدروع, ويعلمه الله أن يقدر في السرد, يقول الله – تعالى-: ( وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(),  وسليمان يتابع خيله ويأمر بردها إليه, وهذا واضح من قوله –تعالى-: (وَوَهَبْنَا لداود سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ)(), فإنه يتابع خيله,تعرض عليه, وترد إليه, ويمسح سوقها وأعناقها.

ذو القرنين والأخذ بالأسباب

لقد تميز ذو القرنين في هذه الصفة وبدت في حياته بوضوح, ومن المواقف التي تبرز ذلك:أنه اجتهد في اتباع الأسباب اجتهادا واضحا, فلقد تكرر في ذكر قصته أن الله آتاه من كل شيء سببا فأتبع سببا, كما بدا ذلك في موقفه من القوم الذين لا يكادون يفقهون قولا وطلبهم منه أن يبني بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدا, حيث إنه لم يأخذ (خرجهم) ويكتفي منهم بهذا القدر بل طلب منهم أن يعينوه بقوة, وشرح لهم وظيفتهم ببسط وجلاء وصور القرآن ذلك بقوله: ( قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا)(), إن ذا القرنين هنا أشركهم معه في العمل بعد أن شرح لهم طبيعة المهمة التي يقومون بها, ولم يكتف منهم بدفع الخرج الذي سيجعلونه له, وأرشدهم إلى الفهم الصحيح للأسباب وأنها لا تستقل بذاتها بقوله: (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا)().

وخلاصة القول أن جيل التمكين جيل يأخذ بالأسباب, ويحسن التعامل معها, ويحسن ربطها بمسببها لا يفصلها عن ربها ولا يتعامل معها عارية عن مصدرها, وهذا سر التوازن الواعي الذي يمضي به أهل التمكين على اختلاف أعصارهم وأماكنهم, فمؤمن آل يس يأتي من أقصى المدينة يسعى, ويحسن عرض دعوته, متلمسا أسلس الأساليب في تبصير قومه بها, ومؤمن آل فرعون يكتم إيمانه, ويعرض دعوته بصورة تأخذ بألباب السامعين, وتستولي على قلوبهم, وتلك سمة جند التمكين في حرصهم على الأسباب وحسن التعامل معها.  























المبحث العاشر: جيل مبتلى

الابتلاء سنة الله في الدعوات, بل سنة الله في الحياة, لا تقوم دعوة حتى تبتلى وتختبر, ولا ينجو عبد حتى يدخل محك البلاء والامتحان, تلك سنة من سنن الله في خلقه, وقانون من قوانينه في عباده, على مستوى الأفراد, والدعوات, والأمم, والجماعات, بل إن وجود الإنسان على ظهر الحياة سبب من أسبابه الابتلاء والاختبار,( وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ )(), وتتابعت الآيات التي تخبر أن الإنسان بصفة عامة محك اختبار وابتلاء, من ذلك قوله –تعالى-: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)(), وقوله: (الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)(), وقوله:( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)(), وقوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ)(),وقوله:( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)() ,وقوله: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)(), إلى غير ذلك من الآيات التي تؤكد أن الابتلاء سنة من سنن الله-تعالى- في الأفراد والأمم والشعوب, فلا تقوم أمة إلا ولها من الابتلاء نصيب, ولا يمكن فرد إلا وله من الاختبار حظ, رضي هذا من رضي وسخطه من سخط, ونظرة فاحصة لأحوال الممكنين نجد أنهم مروا بأدوار الاختبار التي صهرتهم وأضحوا بعدها ذهبا نضارا, لا تلين عريكتهم, ولا ينحنون لإغراء, ولا يهابون إلا الله, ويمكننا أن نرصد ذلك عبر الأزمات التي مرت بهم أو مروا بها, وكانوا بعد كل محنة أصلب عودا وأقوى ظهرا.

يوسف بين البلاء والعطاء

ومن يتتبع حياة الصديق يوسف يجد هذا الكم الهائل من المحن التي مر بها, من ذلك:

المحنة الأولى: محنة الجب.

تلك المحنة التي صور القرآن حدوثها تصويرا بديعا, يظهر مدى شدتها على هذه النفس الطيبة, وذلك ما يذكره القرآن في قوله –تعالى-: (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (10) قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (),وفي تصوير القرآن لهذه المحنة بهذه الصورة ما يبرز مداها وخطرها, إنها حسد وكراهية, وتأتي من أقرب الناس إليه, من يظنهم سنده إذا خانه السند, ونصيره إذا عز النصير,وهذا ما يضيف إلى المحنة محنة, ومن غير جرم ارتكبه, وهو في هذه الحال من الضعف والحاجة والوحشة, إنهم جماعة وهو وحيد, ورجال وهو طفل, وهم عصبة وهو ضعيف, وتفكيرهم ينحصر في : القتل , الطرح أرضا, إلقاؤه في الجب, بهذه الشدة كانت محنة يوسف.

( لقد كان في قصة يوسف وخبره مع إخوته آيات أي عبرة ومواعظ للسائلين عن ذلك المستخبرين عنه؛ فإنه خبر عجيب يستحق أن يخبر عنه, { إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا }, أي: حلفوا فيما يظنون: والله ليوسف وأخوه يعنون( بنيامين), وكان شقيقه لأمه, { أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة }, أي: جماعة فكيف أحب ذينك الاثنين أكثر من الجماعة, { إن أبانا لفي ضلال مبين } يعنون: في تقديمهما علينا ومحبته إياهما أكثر منا,... { اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم }, يقولون: هذا الذي يزاحمكم في محبة أبيكم لكم أعدموه من وجه أبيكم؛ ليخلو لكم وحدكم, إما بأن تقتلوه أو تلقوه في أرض من الأراضي, تستريحوا منه وتخلوا أنتم بأبيكم, { وتكونوا من بعده قوما صالحين }, فأضمروا التوبة قبل الذنب, { قال قائل منهم }, قال قتادة ومحمد بن إسحاق: وكان أكبرهم واسمه روبيل وقال السدي : الذي قال ذلك يهوذا وقال مجاهد هو شمعون الصفا { لا تقتلوا يوسف } أي لا تصلوا في عداوته وبغضه إلى قتله, ولم يكن لهم سبيل إلى قتله لأن الله- تعالى- كان يريد منه أمرا لا بد من إمضائه وإتمامه, من الإيحاء إليه بالنبوة, ومن التمكين له ببلاد مصر, والحكم بها فصرفهم الله عنه بمقالة روبيل فيه, وإشارته عليهم بأن يلقوه في غيابة الجب, وهو أسفله,قال قتادة: وهي بئر بيت المقدس, { يلتقطه بعض السيارة }, أي: المارة من المسافرين, فتستريحوا منه بهذا, ولا حاجة إلى قتله, { إن كنتم فاعلين }, أي: إن كنتم عازمين على ما تقولون. قال محمد بن إسحاق بن يسار: لقد اجتمعوا على أمر عظيم, من قطيعة الرحم, وعقوق الوالد, وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له, وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل, وخطره عند الله مع حق الوالد على ولده؛ ليفرقوا بينه وبين أبيه وحبيبه على كبر سنه, ورقة عظمه مع مكانه من الله, فيمن أحبه طفلا صغيرا, وبين ابنه على ضعف قوته, وصغر سنه, وحاجته إلى لطف والده وسكونه إليه, يغفر الله لهم, وهو أرحم الراحمين فقد احتملوا أمرا عظيما)().

المحنة الثانية: محنة الرق.

والمحنة الثانية التي تعرض لها يوسف هي محنة الرق, وهو الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم, يباع بيع العبيد بزهادة فيه, وعدم رغبة في الإقبال عليه, ولقد صور القرآن هذه المحنة تصويرا بينا بقوله: (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)().

والناظر في تعبير الآيات عن هذه المحنة يجد أنها أبرزتها في صورة تقشعر منها النفس السوية, إنه بيع لكريم ابن كرام, ونبي ابن أنبياء, وبيع فيه زهد, وبثمن بخس, ودراهم قليلة ليست أكياسا, بل معدودة, إلا أن يوسف عبر هذه المحنة واجتازها بنجاح.

(وقوله: { والله عليم بما يعملون }, (أي: عليم بما يفعله إخوة يوسف ومشتروه, وهو قادر على تغيير ذلك ودفعه, ولكن له حكمة وقدر سابق, فترك ذلك ليمضي ما قدره وقضاه؛{ ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين }() وفي هذا تعريض لرسوله محمد- صلى الله عليه وسلم- وإعلام له بأني عالم بأذى قومك لك, وأنا قادر على الإنكار عليهم, ولكني سأملي لهم, ثم أجعل لك العاقبة والحكم عليهم, كما جعلت ليوسف الحكم والعاقبة على إخوته, وقوله : { وشروه بثمن بخس دراهم معدودة }, يقول تعالى: وباعه إخوته بثمن قليل, قاله مجاهد وعكرمة والبخس: هو النقص كما قال تعالى : { فلا يخاف بخسا ولا رهقا }() أي: اعتاض عنه إخوته بثمن دون قليل, ومع ذلك كانوا فيه من الزاهدين أي: ليس لهم رغبة فيه بل لو سئلوه بلا شيء لأجابوا, قال ابن عباس ومجاهد والضحاك : إن الضمير في قوله: { وشروه } عائد على إخوة يوسف وقال قتادة: بل هو عائد على السيارة والأول أقوى؛ لأن قوله: { وكانوا فيه من الزاهدين } إنما أراد إخوته لا أولئك السيارة؛ لأن السيارة استبشروا به وأسروه بضاعة ولو كانوا فيه زاهدين لما اشتروه فترجح من هذا أن الضمير في { شروه } إنما هو لإخوته, وقيل : المراد بقوله: { بخس } الحرام, وقيل : الظلم هذا وإن كان كذلك لكن ليس هو المراد هنا لأن هذا معلوم يعرفه كل أحد أن ثمنه حرام على كل حال وعلى كل أحد لأنه نبي ابن نبي ابن نبي ابن خليل الرحمن فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم وإنما المراد هنا بالبخس الناقص أو الزيوف أو كلاهما أي: إنهم إخوته وقد باعوه ومع هذا بأنقص الأثمان ولهذا قال { دراهم معدودة } فعن ابن مسعود رضي الله عنه : باعوه بعشرين درهما وكذا قال ابن عباس ونوف البكالي والسدي وقتادة وعطية العوفي وزاد اقتسموها درهمين درهمين وقال مجاهد : اثنان وعشرون درهما وقال محمد بن إسحاق وعكرمة : أربعون درهما وقال الضحاك في قوله { وكانوا فيه من الزاهدين } وذلك أنهم لم يعلموا نبوته ومنزلته عند الله عز وجل وقال مجاهد : لما باعوه جعلوا يتبعونهم ويقولون لهم : استوثقوا منه لا يأبق حتى وقفوه بمصر فقال : من يبتاعني وليبشر ؟ فاشتراه الملك وكان مسلما)()

المحنة الثالثة: محنة الحب.

والمحنة الثالثة التي مر بها يوسف هي محنته في بيت امرأة العزيز, تلك المحنة التي رسم القرآن حدودها وصورها بواقعيتها الكاملة لم يخف منها شيئا تصويرا يوحي بعظمة هذا القرآن في بيانه ويشعر بعظمة يوسف في استمساكه بربه, وثباته على منهاجه,لقد صور القرآن هذه المحنة بقوله: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29)().

إن هذه المحنة قد تكون أقسى من الأولى على شدتها وقسوتها؛ إن يوسف شب في بيت امرأة العزيز ونما وترعرع أمام ناظريها, في تلك البيئة المترفة الناعمة بيئة الطبقة( الراقية),( التي كان يوسف فيها مولى وتربى فيها في سن الفتنة...فهذه هي المحنة الطويلة التي مر بها يوسف وصمد لها, ونجا منها ومن تأثيراتها ومغرياتها وميوعتها ووسائلها الخبيثة .. ولسنه وسن المرأة التي يعيش معها تحت سقف واحد كل هذه المدة قيمة في تقدير مدى الفتنة, وخطورة المحنة, والصمود لها هذا الأمد الطويل, أما هذه المرة فلو كانت وحدها وكانت مفاجأة بلا تمهيد من إغراء طويل لما كان الأمر عسيرا أن يصمد لها يوسف, وبخاصة أنه هو مطلوب فيها لا طالب, وتهالك المرأة قد يصد من نفس الرجل وهي كانت متهالكة,...وحركة تغليق الأبواب لا تكون إلا في اللحظة الأخيرة وقد وصلت المرأة إلى اللحظة الحاسمة التي تهتاج فيها دفعة الجسد الغليظة ونداء الجسد الأخير)()

([وراودته التي هو في بيتها] رجوع إلى شرح ما جرى عليه في منزل العزيز بعدما أمر امرأته بإكرام مثواه, وقوله تعالى: (وكذلك مكنا ليوسف) إلى هنا اعتراض, جيء به أنموذجا للقصة, ليعلم السامع من أول الأمر أن ما لقيه- عليه السلام- من الفتن التي ستحكى بتفاصيلها له غاية جميلة, وعاقبة حميدة, وأنه- عليه السلام- محسن في جميع أعماله, لم يصدر عنه في حالتي السراء والضراء ما يخل بنزاهته, ولا يخفى أن مدار حسن التخليص إلى هذا الاعتراض قبل تمام الآية الكريمة إنما هو التمكين البالغ المفهوم من كلام العزيز, فإدراج الإنجاء السابق تحت الإشارة بذلك في قوله تعالى وكذلك مكنا كما فعله الجمهور ناء من التقريب)().

وقد صورت الآيات نجاة يوسف من هذه المحنة, ومروره بها معافى من خطرها, ووصوله إلى قلب الملك بقوله- تعالى-: ( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53).

إن هذه المحنة انتهت كما تنتهي كل محنة يمر بها يوسف, شدة وضيق ثم فرج وإنعام وتلك سنة الله –تعالى- في الابتلاء.

المحنة الرابعة: محنة السجن.

والمحنة الرابعة التي مر بها يوسف هي محنة السجن ومحنة السجن محنة قاسية إلا على من يسرها الله عليه, ويبدو أن كل صاحب دعوة أو إصلاح لابد أن يمر بهذه المحنة خاصة ففيها تصفية للنفس من حظوظها ورفع لها عن سفاسف الأمور واختبار حقيقي لقناعات المصلح وصاحب الدعوة على محك غير سهل,ولقد صور القرآن ظروف تلك المحنة لدى يوسف وشدتها بقوله: (.....وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ....)(),(المحنة في هذه الحلقة هي محنة السجن بعد ظهور البراءة, والسجن للمظلوم أقسى, وإن كان في طمأنينة القلب بالبراءة تعزية وسلوى, وفي فترة المحنة تتجلي نعمة الله على يوسف, بما وهبه من علم لدني بتعبير الرؤيا وبعض الغيب القريب الذي تبدو أوائله فيعرف تأويله, ثم تتجلى نعمة الله عليه أخيرا بإعلان براءته الكاملة إعلانا رسميا بحضرة الملك, وظهور مواهبه التي تؤهله لما هو مكنون له في عالم الغيب من مكانة مرموقة وثقة مطلقة, وسلطان عظيم)().

والسجن في ذاته محنة, فإذا كان بعد بيان البراءة, وتمام البينة بعدم الذنب كان بلاء على بلاء, وعاش يوسف المحنة بكل أوضارها ومشقتها حتى من الله عليه بالنعمة ومكن له من خلال حاجة الملك نفسه له, فصارت المحنة منحة والبلاء عطاء(والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)().

ولقد مرت هذه المحنة بيوسف وخرج منها معافى سليما, زادته المحنة صلابة وقوة ومكانة لدى الملك, فالمعادن النفيسة لا تزيدها المحن إلا لمعانا وصفاء,وعلى متنها تختبر معادن الناس, (فليس كل ما يلمع ذهبا), ولقد صور القرآن خروج يوسف من هذه المحنة بقوله: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)().

 

داود والابتلاء

ومن أهل التمكين الذين قص القرن صفاتهم, وأخبرنا بخصائصهم وسيمائهم,نبي الله داود, ومن البلاء الذي تعرض له داود ما ذكره القرآن بقوله: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)().

لقد تعرض داود –عليه السلام- لفتنة من الفتن التي مر بها ونجا من بلائها, ولقد أسرفت بعض كتب التفسير() في الحديث عن فتنة داود ونسبت إليه ما لا يليق بنبي, ونحن مأمورون بالوقوف عند ما وقف عنده القرآن, (وهذا الذنب الذي صدر من داود –عليه السلام- لم يذكره الله لعدم الحاجة إلى ذكره, فالتعرض له من باب التكلف, وإنما الفائدة ما قصه الله علينا من لطفه به وتوبته وإنابته, وأنه ارتفع محله, فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها)().

وممن تحرز عن ذكر هذه القصة ونسبها إلى الإسرائيليات عماد الدين ابن كثير في تفسيره لهذه الآية الكريمة, فقال: ( قد ذكر المفسرون ها هنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات, ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه, ولكن روى ابن أبي حاتم حديثا لا يصح سنده لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس رضي الله عنه, ويزيد وإن كان من الصالحين لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة, فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة, وأن يرد علمها إلى الله- عز وجل- فإن القرآن حق, وما تضمن فهو حق أيضا, وقوله تعالى: { ففزع منهم } إنما كان ذلك لأنه كان في محرابه, وهو أشرف مكان في داره, وكان قد أمر أن لا يدخل عليه أحد ذلك اليوم, فلم يشعر إلا بشخصين قد تسورا عليه المحراب, أي: احتاطا به يسألانه عن شأنهما, وقوله عز وجل: { وعزني في الخطاب } أي: غلبني, يقال: عز يعز إذا قهر وغلب, وقوله تعالى: { وظن داود أنما فتناه } قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أي: اختبرناه, وقوله تعالى: { وخر راكعا } أي: ساجدا, { وأناب } ويحتمل أنه ركع أولا ثم سجد بعد ذلك... { فغفرنا له ذلك } أي, ما كان منه مما يقال فيه إن حسنات الأبرار سيئات المقربين,

... حدثنا جعفر بن سليمان سمعت مالك بن دينار في قوله تعالى : { وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب } قال يقام داود يوم القيامة عند ساق العرش ثم يقول: يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا, فيقول: وكيف وقد سلبته ؟ فيقول الله -عز وجل- إني أرده عليك اليوم, قال فيرفع داود -عليه الصلاة والسلام- بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان.)()

لقد ابتلي داود واختبر وتاب إلى ربه ورفعه الله درجات, سنة الله الماضية في الخلق جميعا, لا يند عنها فرد, ولا يتخلف عنها بشر, حتى الأنبياء والمرسلون, فإن الحياة كلها( صفحات من الابتلاء والصبر, معروضة للبشرية, لتسجيل كيف تنتصر الروح الإنسانية على الآلام والضرورات, وكيف تستعلي على كل ما تعتز به في الأرض, وتتجرد من الشهوات والمغريات, وتخلص لله, وتنجح في امتحانه, وتختاره على كل شيء سواه,ثم لتقول للبشرية في النهاية: هذا هو الطريق, هذا هو الطريق إلى الاستعلاء, هذا هو الطريق إلى الله.)()

 

سليمان والابتلاء

وننتقل من اختبار داود إلى اختبار سليمان الذي عده الله نعمة من نعمه عليه, وهبة وهبها الله إياه, وذكر القرآن اختبار سليمان بقوله: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ)().

وكما أسرفت بعض كتب التفسير في ذكر فتنة داود أسرفت في فتنة سليمان, وما ينبغي أن يجري عالم وراء هذه الأخبار التي لم يصح بها سند, ولا يقبلها عقل في عموم الناس, فضلا عن الأنبياء والمرسلين, إن كتب التفسير محشوة بالغث والسمين وتحتاج إلى تجريد وتحقيق يعين على الانتفاع بخيرها والبعد عن أخطائها التي لا تليق بنبي معصوم, ولا يقبلها عقل صحيح, خاصة ونحن نعيش عصر التحقيق العلمي, وفي نفس الوقت نعيش الهجمة الشرسة على الإسلام ومصدريه: الكتاب والسنة, فلا ينبغي أن نقدم لعدونا سهاما مسمومة يرمينا بها, وفيما صح عن المعصوم كفاية وغنية.

ومن أقرب ما قيل في فتنة سليمان ما ذكره الألوسي في تفسيره بقوله: (أظهر ما قيل في فتنته -عليه السلام- أنه قال : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة, تأتي كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله تعالى, ولم يقل: إن شاء الله, فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة, وجاءت بشق رجل, وقد روي ذلك الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعا, وفيه فو الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا فرسانا, لكن الذي في صحيح البخاري أربعين بدل سبعين, وأن الملك قال له : قل إن شاء الله فلم يقل, وغايته ترك الأولى, فليس بذنب, وإن عده هو -عليه السلام- ذنبا, فالمراد بالجسد ذلك الشق الذي ولد له, ومعنى إلقائه على كرسيه وضع القابلة له عليه ليراه)().

ومن المفسرين من يرى أن فتنة سليمان كانت في نسيانه أمر التوكل لحظة, فقالوا: (كان من فتنته : أنه ولد له ابن فقالت الشياطين : إن عاش لم ننفك من السخرة, فسبيلنا أن نقتله أو نخبله, فعلم ذلك فكان يغدوه في السحابة, فما راعه إلا أن ألقي على كرسيه ميتا, فتنبه على خطئه في أن لم يتوكل فيه على ربه, فاستغفر ربه وتاب إليه.)().

وعلى اختلاف كلام المفسرين في هذه الفتنة قل من وقف بعقله أماما وحررها, ومن بدائع صاحب الظلال قوله: (الإشارتان الواردتان هنا عن الصافنات الجياد, وهي الخيل الكريمة, وعن الجسد الذي ألقي على كرسي سليمان..كلتاهما إشارتان لم تسترح نفسي لأي تفسير أو رواية مما احتوته التفاسير والروايات عنها؛ فهي إما إسرائيليات منكرة وإما تأويلات لا سند لها, ولم أستطع أن أتصور طبيعة الحادثين تصورا يطمئن إليه قلبي, فأصوره هنا وأحكيه,...ومن ثم لا يستطيع مثبت أن يقول شيئا عن تفصيل هذين الحادثين المشار إليهما في القرآن, وكل ما نخرج به هو أنه كان هناك ابتلاء من الله, وفتنة لنبي الله سليمان, بشأن يتعلق بتصرفاته في الملك والسلطان, كما يبتلي الله أنبياءه ليوجههم ويرشدهم, ويبعد خطاهم عن الزلل, وأن سليمان أناب إلى الله ورجع, وطلب المغفرة, واتجه إلى الله بالدعاء والرجاء)().

(إن ما ذكر من مناقب سليمان لم يخل من مقاصد ائتساء وعبرة وتحذير, على عادة القرآن في ابتدار وسائل الإرشاد بالترغيب والترهيب, فكذلك كانت الآيات المتعلقة بندمه على الاشتغال بالخيل عن ذكر الله موقع أسوة به في مبادرة التوبة, وتحذير من الوقوع في مثل غفلته, وكذلك جاءت هذه الآيات مشيرة إلى فتنة عرضت لسليمان أعقبتها إنابة, ثم أعقبتها إفاضة نعم عظيمة, فذكرت عقب ذكر قصة ما ناله من السهو عن عبادته, وهو دون الفتنة)().

وعند هذا الحد نقف من الحديث عند فتنة سليمان,دون الخوض في هذه الأعاجيب التي ملأ كثير من المفسرين بها كتبهم.

مؤمن آل يس والابتلاء

ومن النماذج التي عاشت لونا من ألوان التمكين, ومرحلة من مراحله, وتعرض للبلاء: مؤمن آل يس, ولقد صور القرآن الكريم هذا النموذج الحي من نماذج التمكين, وصبره على البلاء بقوله: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ)().

إنه جندي من جنود التمكين دعا قوم إلى اتباع المرسلين سالكا في سبيل دعوتهم أرقى الأساليب, عاطفا عليهم أرق عطف, ومع ذلك لم ينله منهم إلا القتل وسفك دمه, وعندما رأى ما رأى من النعيم الذي أعده الله للمؤمنين تمنى أن يعلم قومه ما رآه حتى يسيروا سيرته وينهجوا نهجه عافيا عما فعلوه به, معرضا عنه الذكر صفحا؛ لأنه رأى ما بهره وأدهشه عن ذكر سفاسف الدنيا, واختلافات البشر.

(إنه رجل دعا قومه إلى الله, وأبدى لهم النصيحة فقتلوه على ذلك, وذكر لنا أنهم كانوا يرجمونه بالحجارة وهو يقول : اللهم اهد قومي اللهم اهد قومي اللهم اهد قومي حتى أقعصوه وهو كذلك, وقال آخرون : بل وثبوا عليه فوطئوه بأقدامهم حتى مات,... وثبوا وثبة رجل واحد فقتلوه واستضعفوه لضعفه وسقمه ولم يكن أحد يدفع عنه, حدثنا ابن حميد قال : ثنا سلمة عن ابن إسحاق عن بعض أصحابه أن عبد الله بن مسعود كان يقول : وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره)(). وقد صاغ أبو السعود عددا من اللمحات التي عاشها هذا الداعية في دعوته قومه, تحتاج إلى ذكر, وعلى الرغم من ذلك صنعوا به ما صنعوا وهذه سنة الله في الدعوات, من ذلك قوله:( بإيراده في معرض المناصحة لنفسه وإمحاض النصح حيث أراهم أنه اختار لهم ما يختار لنفسه, والمراد تقريعهم على ترك عبادة خالقهم, إلى عبادة غيره, كما ينبئ عنه قوله (واليه ترجعون), مبالغة في التهديد, ثم عاد إلى المساق الأول فقال:(أأتخذ من دونه آلهة) إنكار ونفي لاتخاذ الآلهة على الإطلاق, وقوله تعالى:( إن يردن الرحمن بضر لاتغن عني شفاعتهم شيئا) أي: لا تنفعني شيئا من النفع, (ولا ينقذون) من ذلك الضر بالنصرة والمظاهرة, استئناف سيق لتعليل النفي المذكور, وجعله صفة لآلهة كما ذهب إليه بعضهم ربما يوهم أن هناك آلهة ليست كذلك, وقرئ: إن يردن بفتح الياء على معنى: إن يوردني ضرا أي: يجعلني موردا للضر, (إني إذا) أي: إذا اتخذت من دونه آلهة (لفي ضلال مبين), فإن إشراك ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر بالخالق المقتدر الذي لا قادر غيره, ولا خير إلا خيره ضلال بين, لا يخفي على أحد ممن له تمييز في الجملة, (إني آمنت بربكم) خطاب منه للرسل بطريق التلوين, قيل: لما نصح قومه بما ذكر هموا برجمه فأسرع نحو الرسل قبل أن يقتلوه, فقال ذلك وإنما أكده لإظهار صدوره عنه بكمال الرغبة والنشاط, وأضاف الرب إلى ضميرهم روما لزيادة التقرير, وإظهارا للاختصاص والاقتداء بهم, كأنه قال بربكم الذي أرسلكم أو الذي تدعوننا إلى الإيمان به (فاسمعون) أي: اسمعوا إيماني, واشهدوا لي به عند الله- تعالى- وقيل: الخطاب للكفرة, شافههم بذلك إظهارا للتصلب في الدين, وعدم المبالاة بالقتل, وإضافة الرب إلى ضميرهم لتحقيق الحق, والتنبيه على بطلان ما هم عليه من اتخاذ الأصنام أربابا, وقيل, للناس جميعا, (قيل ادخل الجنة) قيل له ذلك لما قتلوه إكراما له بدخولها حينئذ كسائر الشهداء, وقيل لما هموا بقتله رفعه الله –تعالى- إلى الجنة, قاله الحسن, وعن قتادة: أدخله الله الجنة وهو فيها حي يرزق, وقيل: معناه البشرى بدخول الجنة وأنه من أهلها وإنما لم يقل له لأن الغرض بيان المقول لا المقول له لظهوره, وللمبالغة في المسارعة إلى بيانه, والجملة استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من حكاية حاله ومقاله, كأنه قيل: كيف كان لقاء ربه بعد ذلك التصلب في دينه والتسخي بروحه لوجهه- تعالى- فقيل:( قيل ادخل الجنة), وكذلك قوله – تعالى-:( قال ياليت قومي يعلمون بما غفر لي وجعلني من المكرمين) فإنه جواب عن سؤال نشأ من حكاية حاله, كأنه قيل: فماذا قال عند نيله تلك الكرامة السنية؟, فقيل: قال إلخ وإنما تمنى علم قومه بحاله ليحملهم ذلك عن اكتساب مثله)( ).بهذه الروح يتعامل جيل التمكين, دعوة إلى الخير لا تفتر, ورغبة في دلالة الناس على الهدى لا تتوقف, وصبر على البلاء,على تنوع ألوان البلاء, وتباين صنوفه, تحمل على الائتساء بهم والسير على طريقهم.











 المبحث الحادي عشر

جيل يحسن الحياة في سبيل الله

كما يحسن الموت في سبيل الله

جيل التمكين جيل حي يعيش الحياة النظيفة الطاهرة, ينعم بخيرها ويتمتع بها في ضوء إرشاد ربه وتوجيهه لها, فهو غير منعزل عن الدنيا, ولا داخل كهف بعيد عن الحياة والأحياء, بل هو قاطرة من حوله, وداعية من سواه, يدرك أنه صاحب رسالة وهداية, يريد أن يرشد الناس إليها ويدلهم عليها, ويوقن بأن طيبات الحياة في الأصل أنها للمسلم, ومن عداه تبع له, (يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)(), ويعلم أنه مطالب بإعمار الحياة أيا كانت إمكاناته وقدراته, وعلى قدر ما لديه, (فالإمداد على قدر الاستعداد).

يمضي بهذه النظرة في الحياة فيمضي على الأرض ورأسه في السماء, يعيش في الدنيا وقلبه في الآخرة, يعلم أن الحياة في سبيل الله مثل الموت في سبيل الله سواء بسواء, ذلك لأنه مطالب بإعمار الدنيا بالدين, يخضعها لمنهاجه, ويسيرها حسب تعاليمه وهديه, فإذا تعلم تعلم باسم الله,  أو قرأ قرأ باسم الله, (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق)(),وإذا طعم أو شرب فباسم الله, يستحضر قوله - صلى الله عليه وسلم -:( إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فان استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها)() (إنها كلمة بسيطة واضحة لا غموض فيها, كلمة رغم غرابتها لأول وهلة, ومفاجأتها للفكر على غرة- تخرج بسيطة كبساطة الفطرة, عميقة كعمق الفطرة, شاملة واسعة فسيحة, تضم بين دفتيها منهج حياة..منهج الحياة الإسلامية. وكم من معنى تستخلصه النفس من هذه الكلمات البسيطة العميقة في آن.

أول ما يخطر على البال هو هذه العجيبة التي يتميز بها الإسلام: أن طريق الآخرة هو هو طريق الدنيا بلا اختلاف ولا افتراق! إنهما ليسا طريقين منفصلين: أحدهما للدنيا والآخر للآخرة!وإنما هو طريق واحد يشمل هذه وتلك, ويربط ما بين هذه وتلك ليس هناك طريق للآخرة اسمه العبادة, وطريق للدنيا اسمه العمل! وإنما هو طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الآخرة, وهو طريق لا يفترق فيه العمل عن العبادة ولا العبادة عن العمل, كلاهما شيء واحد في نظر الإسلام, وكلاهما يسير جنبا إلى جنب في هذا الطريق الواحد الذي لا طريق سواه!...والذي يلفت النظر هنا ليس تقدير قيمة العمل فحسب, وإنما إبرازه على أنه الطريق إلى الآخرة الذي لا طريق آخر سواه.)().

إن المسلم حين يفهم هذا الترابط بين الدنيا والآخرة وبين العبادة والعمل وأن الذي يربط الكل خيط واحد وغاية واحدة تنتظم الأشياء في رأسه وتتجمع الصورة في مخيلته بل ترتسم أجزاؤها وتتماسك في ناظريه, وساعتها يمضي في الدنيا بروح الآخرة ويعمر الأرض باسم الله, ويستطيع أن يحيا مع غيره أنى كانت وجهته وأنى كان اتجاهه في الحياة فتسع الدنيا الجميع, (عندئذ لا تتوزع الحياة عملا وعبادة منفصلين, ولا تتوزع النفس جسما وروحا منفصلين, ولا تتوزع الأهداف عملية ونظرية, أو واقعية ومثالية لا تلتقيان! حين يلتقي طريق الدنيا بطريق الآخرة, وينطبقان فهما شيء واحد, يحدث مثل هذا في داخل النفس, فتقترب الأهداف المتعارضة, ثم تلتقي فتصبح شيئا واحدا في نهاية الأمر, وتلتقي النفس المفردة –بكيانها الموحد- مع غيرها من النفوس في مجال الحياة الأكبر, فتنسجم في إطاره, وتسبح في فضائه كما يسبح الكوكب المفرد في فضاء الكون لا يصطدم بغيره من الأفلاك, وإنما يربطها جميعا قانون واحد يشد بعضها إلى بعض برباط الجاذبية. والإسلام يصنع هذه العجيبة! ويصنعها في سهولة ويسر! يصنعها بتوحيد الدنيا والآخرة في نظام: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا)(), وقد كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- الترجمة الكاملة الصادقة للحقيقة الإسلامية, ومن ثم كانت الدنيا والآخرة في نفسه طريقا واحدا ونهجا واحدا و"حسبة" واحدة,..لقد كان يحارب في سبيل الله, ويسالم في سبيل الله, ويدعو الناس إلى سبيل الله, ويأكل باسم الله , ويتزوج على سنة الله, ويهدم ويبني, ويحطم وينشئ, ويهاجر ويتوطن.. كل ذلك في سبيل الله, واليوم الآخر, يوم يلقى الله, فكل عمله إذن عبادة يتوجه بها إلى الله, والطريق أمامه واحد.. هو الطريق إلى الله.. وهو يسير في الطريق الأوحد الذي لا طريق غيره, يسير قدما لا يلتفت ولا يتحول ولا يكف عن المسير.. إلى آخر لحظة من حياته - صلى الله عليه وسلم- كان يسير في الطريق, كان يعمل في الدنيا وهو يبغي الآخرة, ويعمل للآخرة بالعمل في الأرض.. حتي اللحظة الأخيرة لم يزايله انشغاله بأمور الدنيا.. بأمور الناس.. بإصلاح الأرض.. بهداية البشرية.. برسم المنهج الذي يسيرون عليه.. بتوطيد أركان الدين وتوثيق عراه.. وكان يقول والوجع يشتد عليه - صلى الله عليه وسلم-: "ايتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا..", كانت في يده الفسيلة وكان يغرسها.. ولم يدع يديه منها حتى فاضت روحه الكريمة الطاهرة إلى مولاه..)().

والناظر في طبيعة الإسلام يجد أنه لا يبيح الفصل بين طريق الدنيا وطريق الآخرة, ولا الفصام بين العبادة والعمل, لأن ذلك ينافي طبيعة الدين الذي رضيه الله لعباده,( ليس من طبيعة (الدين) أن ينفصل عن الدنيا وليس من طبيعة المنهج الإلهي أن ينحصر في المشاعر الوجدانية، والأخلاقيات التهذيبية، والشعائر التعبدية. او في ركن ضيق من أركان الحياة البشرية.. ركن ما يسمونه (الأحوال الشخصية).

ليس من طبيعة (الدين) أن يفرد لله -سبحانه- قطاعاً ضيقاً في ركن ضئيل-أو سلبي- في الحياة البشرية، ثم يسلم سائر قطاعات الحياة الإيجابية العملية الواقعية لآلهة أخرى وأرباب متفرقين، يضعون القواعد والمذاهب، والأنظمة والأوضاع، والقوانين والتشكيلات على أهوائهم، دون الرجوع إلى الله!

ليس من طبيعة (الدين) أن يشرع طريقاً للاخرة، لا يمر بالحياة الدنيا! طريقاً ينتظر الناس في نهايته فردوس الآخرة عن غير طريق العمل في الأرض، وعمارتها، والخلافة فيها عن الله، وفق منهجه الذي ارتضاه!)()

بل إن الأمر أخطر من ذلك إنه منهج حياة يصل به العبد إلى الآخرة, وكل دين أو نظام لا يوائم بين التصور والتطبيق , وبين الاعتقاد والعمل, والرغبة في الآخرة والعمل لها ليس بدين حقيق بالاتباع, ف(هنالك ارتباط وثيق بين طبيعة(النظام الاجتماعي) وطبيعة(التصور الاعتقادي) .. بل هنالك ما هو أكبر من الارتباط الوثيق. هنالك الانبثاق الحيوي: انبثاق النظام الاجتماعي من التصور الاعتقادي.. فالنظام الاجتماعي بكل خصائصه هو أحد انبثاقات التصور الاعتقادي؛ إذ هو ينبت نباتاً حيويا وفطريا، ويتكيف بعد ذلك تكيفاً تاما بالتفسير الذي يقدمه ذلك التصور للوجود، ولمركز الإنسان في هذا الوجود، ولغاية وجوده الإنساني.

وهذا الانبثاق ثم هذا التكيف هو الوضع الصحيح للأمور. بل هو الوضع الوحيد. فما من نظام اجتماعي يمكن أن ينشأ نشأة طبيعية سوية، وان يقوم بعد ذلك قياماً صحيحاً سليماً، إلا حين ينبثق من تصور شامل لحقيقة الوجود؛ ولحقيقة الإنسان، ولمركز الإنسان في هذا الوجود، ولغاية الوجود الإنساني.. إذ أن غاية أي نظام اجتماعي ينبغي أن تكون هي تحقيق غاية الوجود الإنساني.. كذلك فان الحقوق المخولة للإنسان بحكم حقيقة مركزه في هذا الوجود هي التي ترسم خط سيره، وتحدد وسائله التي له حق استخدامها لتحقيق غاية وجوده، كما تحدد نوع الارتباطات التي تقوم بينه وبين هذا الوجود، ونوع الارتباطات التي تقوم بين أفراد جنسه ومنظماته وتشكيلاته..إلى آخر مايعبر عنه باسم(النظام الاجتماعي)()

رسالة الإسلام في الحياة للأحياء لا للأموات

والناظر في آيات القرآن وتوجيهاته  للإنسان يجد أنها تعنى بجانب الحياة والإعمار, ولو حصرنا الآيات التي تناولت الأرض, والبحار, والأمطار, والشمس, والقمر, والليل, والنهار, وظواهر الكون, وقارناها بالآيات التي ذكرت العبادات بان لنا إلى أي مدى يعنى الإسلام بالحياة وإعمارها, والمسلم مطالب بالوقوف عند هذه الإشارات والتصريحات,حتى يعمر الأرض باسم الله, وعندما طالب الله عباده بالسير في الأرض أمرهم أن يتسنموا قممها, ويرتفقوا خيرها, ولا يكتفوا باليسير السهل من عطاءها, (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور)().

إن المسلم مطالب بأن يسخر الدنيا للدين, ويعمل في الدنيا وعينه على الآخرة, ولقد عاش الرسول - صلى الله عليه وسلم- والصحب الكرام هذا المعنى فعملوا في الدنيا بقلوب أهل الآخرة وعملوا للآخرة عن طريق الدنيا فكانوا(رهبانا بالليل فرسانا بالنهار) (وفي ذلك درس يقتدي به المسلمون ويهدون البشرية الضالة إلى سواء السبيل, يتعلمون أن يربطوا طريق الدنيا بطريق الآخرة, يتعلمون أن الدين ليس عزلة عن الحياة, وإنما هو من صميم الحياة, يتعلمون أنهم لا يرضون ربهم ولا يخدمون دينهم, وهم ينعزلون عن تيار الحياة الصاخب المضطرب فلا يركبون فيه مراكبهم مع الراكبين...لن يرضوا الله ولن يخدموا الدين إذا دخلوا المدرسة أو الجامعة أو المعمل أو المصنع أو المتجر وفي حسابهم أنهم الآن يعملون للأرض ويعملون للدنيا, وأنهم في لحظة أخرى حين يفرغون من عمل الأرض سيعودون – إذا عادوا – إلى الله, فيعبدونه ويتوجهون إليه! كلا! ليس ذلك من الإسلام!  إنما الإسلام أن يأكلوا باسم الله, ويتزوجوا باسم الله, ويتعلموا باسم الله وفي سبيل الله ويعملوا وينتجوا ويتقووا ويستعدوا .. في سبيل الله, لا تشغلهم الدنيا عن الآخرة, ولا الآخرة عن الدنيا؛ لأنهما طريق واحد لا يفترقان..)()

دور الأمة في الشهود الحضاري وعلاقته بالتمكين

ومن يتأمل في آيات القرآن يجد هذا الدفع الحضاري المتين إلى الأمام, فقد بين القرآن أن وظيفة الأمة تكمن في الشهادة على الناس, وهذا سر جعلها الأمة الوسط, فالله – تعالى- يقول:( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ )(), فهذه الآية تعلل وسطية الأمة بشهادتها على الناس, وهذه الشهادة إما من الإخبار وإما من الشهود والحضور,والوسط من كل شيء أفضله وأقربه.

والآية الكريمة تعني: ( إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم -عليه السلام- واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم؛ لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل, والوسط ههنا: الخيار والأجود, .... ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب, كما قال تعالى: { هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس}(), وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: [ يدعى نوح يوم القيامة فيقال له : هل بلغت ؟ فيقول : نعم فيدعى قومه فيقال لهم : هل بلغكم فيقولون : ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد فيقال لنوح : من يشهد لك ؟ فيقول : محمد وأمته قال فذلك قوله : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال: والوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ] رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن الأعمش, وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: [ يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه فيقال: هل بلغكم هذا ؟ فيقولون: لا, فيقال له: هل بلغت قومك ؟ فيقول : نعم فيقال : من يشهد لك ؟ فيقول : محمد وأمته فيدعى محمد وأمته فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه ؟ فيقولون: نعم فيقال: وما علمكم ؟ فيقولون: جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا ] فذلك قوله- عز وجل-: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا }, قال : عدلا { لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } وقال أحمد أيضا : حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال: عدلا, وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه وابن أبي حاتم من حديث عبد الواحد بن زياد عن أبي مالك الأشجعي عن المغيرة بن عتيبة بن نباس حدثني مكاتب لنا عن جابر بن عبد الله عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: [ أنا وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق ما من الناس أحد إلا ود أنه منا, وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه قد بلغ رسالة ربه عز وجل ])().

إن الأمة مؤهلة بهذه الوسطية التي هي من خصائصها لأن تكون شاهدة على الناس في الآخرة بتعديل العدل وتجريح المجروح, وفي الدنيا بضبط معايير الناس في الحياة ونشر الخير والعدالة وتعبيد الناس لله, وذلك هدف التمكين الذي يبتغيه ورسالته التي يسعى إليها.

علاقة التمكين بفهم المسلمين لرسالة الإسلام

والتمكين للإسلام مرتبط بفهم المسلمين لرسالته على الوجه الذي يريده الله منهم, لا على الوجه الذي تمليه عليهم بيئاتهم أو أعرافهم أوعاداتهم وتقاليدهم, (فهناك فرق بين تعاليم إسلامية وتقاليد بشرية), ولو وعي المسلمون رسالة القرآن والإسلام وأحسنوا عرضها لتغير حالهم وحال من يتعاملون معهم من الأمم, (فالوعي أساس السعي), ولقد طالب الله المؤمن بهذا الوعي والفهم قبل أي شيء حتى قبل الاعتقاد وسماه الله علما في قوله: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم)(), فطالب الله المؤمن بالعلم قبل العقيدة والعمل, وضبط المعايير والمفاهيم لدى المسلمين من الأهمية بمكان.

وإذا تتبعنا النماذج التي مكن لها في الأرض وجدنا هذه الصفة معلما من معالم حياتهم, ومن هؤلاء:

يوسف وإحسان الحياة في سبيل الله

وتلحظ هذه الصفة من صفات جيل التمكين وهي: إحسان الحياة في سبيل الله كإحسان الموت في سبيل الله لدي نبي الله يوسف فإنك تلحظ في حياته خطين متوازيين خط الرغبة في الآخرة والحرص على أعلى درجاتها والتحلى بتلك المؤهلات التي تؤهل لها من: الربانية, والإحسان, والإخلاص, وطلب أن يتوفى مسلما, ويلحق بالصالحين, والاعتماد على الله, والالتجاء إليه في السراء والضراء, والعفو عن ظالميه, والإغضاء عن هفوات غيره وعدم ذكر مساءته, .... مع خط الحرص على إعمار الحياة, ونفع الغير, وتصحيح المفاهيم وإرشاد الغير للخير وذكر الجميل وعرفانه وعدم نكرانه وإحسان التعامل مع الناس على اختلاف عقولهم وبيئاتهم, واختيار سجن الجسد على مساس الروح وتقديم النصح الخالص لكل أحد حتى إلى من آذوه وألقوه في غيابت الجب أو غيابات السجن والكيد الحسن للوصول إلى مراده, وحرصه على القيم في عدم أخذ غير من وجد متاعهم عنده, وذكاؤه في التعامل ببدئه بأوعيتهم قبل وعاء أخيه, ثم استخراجها من وعاء أخيه,وعتبه الجميل الرقيق لإخوته, ولامرأة العزيز, والتماسه العذر لصاحب الذنب, إلى غير ذلك من جوانب الموازنة بين إحسان الحياة والحرص على خيراتها والرغبة في الآخرة والعمل من أجلها... ويمكن أن نرصد بعض المواطن التي برز فيها إحسان يوسف للحياة ومعطياتها والرغبة في تسييرها لله على النحو التالي:



وصفه بأنه من المحسنين

وصف يوسف بأنه من المحسنين وكان هذا الوصف من أصحاب السجن بعدما رأيا منه حسن الخَلق والخُلق من حيث التعامل في الأسلوب إذ ناداهما بأحب نداء وقربهما وأحسن إليهما في تعبير رؤياهما وأحسن في عرض قضيتهما وتفهيمهما, ودعوتهما إلى الإسلام, وكل ذلك وغيره مما قدمه يوسف لهما من دلائل الحياة وعمارة الدنيا بدلالة أهلها على ما يرشدهم إلى منافعهم في الدنيا والآخرة, لقد كان يوسف بهذا التعامل الراقي مع شخصين معدودين في سلك أصحاب الجريمة وممن وجب عليهم العقاب نموذجا لجيل التمكين الذي يحيي في نفوس من حوله قيمة الحياة الهادفة التي ينتقل فيها الفرد من عبد مطامع وشهوات ومنافع دنيوية إلى رجل فكرة وجندي عقيدة, وليس وراء هذه الصورة من تسخير الحياة - مهما كانت وعلى أي صورة إلى حياة راقية من حيث الهدف والقيمة من مطلب.

موقفه من رؤيا الملك

عندما عرض على يوسف أمر رؤيا الملك وقدم لهم التشخيص والعلاج قدمه بصورة جماعية لا يقع فيها العبء على كاهل فرد دون فرد ولا طائفة دون طائفة, ولقد صور القرآن هذا الجانب من جوانب صفات جيل التمكين في قوله-تعالى-:(وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ )().

وقوله: ({ تزرعون سبع سنين دأبا } أي يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات ففسر البقر بالسنين لأنها تثير الأرض التي تستغل منها الثمرات والزروع وهن السنبلات الخضر, ثم أرشدهم إلى ما يعتدونه في تلك السنين فقال: { فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون }, أي: مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخصب فادخروه في سنبله؛ ليكون أبقى له وأبعد عن إسراع الفساد إليه, إلا المقدار الذي تأكلونه وليكن قليلا قليلا لا تسرفوا فيه لتنتفعوا في السبع الشداد وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع المتواليات, وهن البقرات العجاف اللاتي تأكل السمان لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب وهن السنبلات اليابسات وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئا وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء ولهذا قال: { يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون }, ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك عام فيه يغاث الناس أي يأتيهم الغيث وهو المطر وتغل البلاد ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم )().

إن نظرة يوسف للحياة وتسخيرها وإحسان العمل فيها لا تبدو من تعبير الرؤيا فقط بل من وضع هذه الخطة الطويلة التي قسمها بهذه الصورة التي تقي العباد والبلاد من شبح الجوع الكاسر قبل مجيئه, ولقد كان تعبيره بهذه الصورة كان مقدمة لتعرف الملك عليه وإفادته من خبرته وعقله فألقى إليه مقاليد الأمور وكان ذلك تمكينا ليوسف في البلاد كما ذكر القرآن الكريم.

(وقد مزج تعبيره بإرشاد جليل لأحوال التموين والادخار لمصلحة الأمة. وهو منام حكمته كانت رؤيا الملك لطفا من الله بالأمة التي آوت يوسف عليه السلام ووحيا أوحاه الله إلى يوسف -عليه السلام- بواسطة رؤيا الملك كما أوحى إلى سليمان- عليه السلام- بواسطة الطير. ولعل الملك قد استعد للصلاح والإيمان

وكان ما أشار به يوسف-عليه السلام- على الملك من الادخار تمهيدا لشرع ادخار الأقوات للتموين كما كان الوفاء في الكيل والميزان ابتداء دعوة شعيب -عليه السلام- وأشار إلى إبقاء ما فضل عن أقواتهم في سنبله ليكون أسلم له من إصابة السوس الذي يصيب الحب إذا تراكم بعضه على بعض فإذا كان في سنبله دفع عنه السوس وأشار عليهم بتقليل ما يأكلون في سنوات الخصب لادخار ما فضل عن ذلك لزمن الشدة فقال ( إلا قليلا مما تأكلون ), والشداد: وصف لسني الجدب؛ لأن الجدب حاصل فيها فوصفها بالشدة على طريقة المجاز العقلي, وأطلق الأكل في قوله: ( يأكلن ) على الإفناء كالذي في قوله: ( ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم )(). وإسناده بهذا الإطلاق إلى السنين إسناد مجاز عقلي لأنهن زمن وقوع الفناء, والإحصان: الإحراز والادخار أي: الوضع في الحصن وهو المطمور. والمعنى: أن تلك السنين المجدبة يفنى فيها ما ادخر لها إلا قليلا منه يبقى في الأهراء. وهذا تحريض على استكثار الادخار, وأما قوله: ( ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس ) فهو بشارة وادخار لمسرة الأمل بعد الكلام المؤيس وهو من لازم انتهاء مدة الشدة ومن سنن الله- تعالى- في حصول اليسر بعد العسر)().

طلبه من الملك أن يكون على خزائن الأرض

لقد طلب يوسف من الملك بعد أن فسر له رؤياه أن يجعله على خزائن الأرض, وكان طلبه في تلك الظروف الحرجة التي يهرب من مشقتها وتبعتها العصبة أولوا القوة من الرجال, ففي إقدامه على هذا الطلب رغم تبينه مخاطره ومحاذيره لمحة من لمحات الرغبة في إرشاد الناس إلى الانتفاع بالحياة وإحسان التعامل معها على منهاج الله, فإنه لم يقبع في بيته ويغلق عليه داره ويقنع من الغنيمة بالإياب, بل غامر في طلب هذا الشرف المروم, - إن صح التعبير بأنه شرف, وقدم يوسف للملك مؤهلات تحمله هذا العبء بأنه حفيظ عليم.



ذو القرنين وإحسان الحياة في سبيل الله

ومن النماذج التي أحسنت الحياة في سبيل الله لها ولمن حولها ذو القرنين وبدا ذلك في :

موقفه من بناء السد

إن ذا القرنين عندما سمع من هؤلاء القوم رغبتهم في بناء السد لم يكتف منهم بالكلام بل أرشدهم إلى الحركة والعمل وبذل الوسع في الوصول إلى حياة آمنة هانئة, وهم طلبوا منه هذه المساعدة لما رأوا فيه من صفات.

(وهم عندما وجدوه فاتحا قويا , وتوسموا فيه القدرة والصلاح . . عرضوا عليه أن يقيم لهم سدا في وجه يأجوج ومأجوج الذين يهاجمونهم من وراء الحاجزين , ويغيرون عليهم من ذلك الممر , فيعيثون في أرضهم فسادا ; ولا يقدرون هم على دفعهم وصدهم . . وذلك في مقابل خراج من المال يجمعونه له من بينهم . وتبعا للمنهج الصالح الذي أعلنه ذلك الحاكم الصالح من مقاومة الفساد في الأرض فقد رد عليهم عرضهم الذي عرضوه من المال ; وتطوع بإقامة السد ; ورأى أن أيسر طريقة لإقامته هي ردم الممر بين الحاجزين الطبيعيين ; فطلب إلى أولئك القوم المتخلفين أن يعينوه بقوتهم المادية والعضلية: (فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما. آتوني زبر الحديد). . فجمعوا له قطع الحديد , وكومها في الفتحة بين الحاجزين , فأصبحا كأنهما صدفتان تغلفان ذلك الكوم بينهما.(حتى إذا ساوى بين الصدفين), وأصبح الركام بمساواة القمتين (قال:انفخوا)على النار لتسخين الحديد (حتى إذا جعله نارا) كله لشدة توهجه واحمراره (قال:آتوني أفرغ عليه قطرا)أي نحاسا مذابا يتخلل الحديد , ويختلط به فيزيده صلابة)().

إن جيل التمكين الذي عاشه وهنئ به جيل يسخر الدنيا للدين, يصلحها به ويعيشها على ضوءه فليس الدين عبادات معزولة عن واقع الحياة, ولا ترنيمات مبتورة الصلة بالواقع المعيش بل هي دوافع للبشر لينعموا بالحياة السوية الصالحة دون وكس ولا شطط.

























الخاتمة

وبعد فهذه دراسة عن صفات جيل التمكين, الجيل الذي يجعل الله على يديه خلاص البشرية من أهواء البشر ونزغات البشر, وذلك عن طريق تحكيم دين الله في عباده, وهيمنة منهاجه على خلقه وفي أرضه, فتسعد البشرية كلها مؤمنها وكافرها.  

وقد حاولت الدراسة جاهدة رصد هذه الصفات التي يجب أن يتحلى بها جيل التمكين ومن يسعى إلى أن يكون جنديا في صفوف المؤمنين الصادقين, سواء كانت هذه الصفات صفات عقدية تربط الإنسان بربه, وتعينه على الفهم السليم لعلاقته بينه وبين خالقه بمعرفة ما له وما عليه, وذلك مثل صحيح العقيدة, وسليم العبادة,واعتزازه بالإسلام, وأنه مبتلى, ويحسن الحياة في سبيل الله,أو كانت صفات خلقية تنظم العلاقة بينه وبين أخيه الإنسان, وتمد جسورا من النفع بينه وبين غيره, وذلك مثل نفع الغير, والقيم, أو على مستوى الإنسان باعتباره إنسانا, وذلك مثل العلم, والأخذ بالأسباب والعمل بروح الأمة,وقد وصلت الدراسة إلى عدد من النتائج من أهما:

  1. أن الأمة المسلمة في مسيس الحاجة إلى جيل التمكين الذي يعيد إليها توازنها في الحياة, ويجعلها قادرة على ممارسة دورها وشهودها الحضاري في العالمين.
  2. أن البشرية بصفة عامة في حاجة إلى هذا الجيل الرباني الذي يضبط لها المعايير ويجعل المقاييس الذي تتعامل بها مقاييس عادلة لا تحابي ولا تجامل ولا تقدم جنسا على جنس ولا فصيلا على فصيل, فتسعد البشرية وتهنأ بالحياة.
  3. أن المسلمين مؤهلون لإفراز هذا الجيل الفريد, وأن لديهم القدرات والمهارات التي تعينهم على صناعته, سواء كانت هذه القدرات مادية أو بشرية أو غيرها.
  4. أن هذا الجيل يحتاج إلى صناعة وانتظام ولا بد أن تقوم به  مؤسسة أو فئة تتولى تربيته حتى يربي الأمة وتقود الأمة العالم إلى رشده ويسره وأمنه وسلامه.

وتوصي الدراسة بعد هذه التطوافة في عطاء القرآن عن هذه الفئة بـ:

  1. العناية بهذا الجيل الذي يتعلق به مصير الأمة وخلاصها مما تعانيه من ويلات على مستوى الأفراد والشعوب, ويتعلق به مصير البشرية بصفة عامة وسعادتها في هذه الحياة.
  2. كما توصي الدراسة الجهات الدينية الرسمية بتبني هذه الفكرة- فكرة إخراج جيل يسعى إلى التمكين ويعمل من أجله, وتضع المناهج التربوية والعلمية والعملية التي تمضي مع هذا الهدف السامي.
  3. كما توصي الدعاة والغيورين على الأمة خاصة بتبني فكرة الإعداد لهذا الجيل والتبشير به وكسر روح الانهزامية التي يعيشها بعض المسلمين؛ نتيجة التأخر التقني في العالم الإسلامي مقابل هذا المارد الغربي الذي ليس له ضمير.
  4. وتوصي كل مسلم على حدة بأن يستشرف هذا الفضل ويعد نفسه ليكون لبنة في هذا الصف الذي يتمخض عنه جيل التمكين حتى يصبح الجميع كما أراد الله- كالبنيان المرصوص, فيؤهل الفرد نفسه علميا وخلقيا وإنسانيا ويتبنى الفكرة ليربي عليها أسرته وأولاده ومجتمعه حتى يسهم بنصيب في إعادة مجد الأمة أنى كان موقعه.

أسأل الله القوي القادر والملك القاهر أن يجعلنا وأولادنا وما نملك من جنده الفاتحين وعباده الممكنين. اللهم اغفر لي خطئي وعمدي وجدي وهزلي وكل ذلك عندي, اللهم لا تحرمنا رفدك, ولا تقنطنا من رحمتك, وأحينا حياة السعداء, وأمتنا ميتة الشهداء ارزقنا إيمانا لا ينفد وقرة عين لا تنقطع.وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين,,,,,,

                  

 

                   حائل – المملكة العربية السعودية,,

صبيحة يوم الجمعة  14 شوال1428هـ/ 26/ 10/ 2007مـ.

الفقير إلى عفو ربه

رمضان













أهم المصادر والمراجع

- أولا: القرآن الكريم

ثانيا:

 إبراز المعاني من حرز الأماني في القراءات السبع, للإمام عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة ت 590 هـ, ت / إبراهيم عوض.

الإتقان في علوم القرآن, للإمام السيوطي,ط المكتبة الثقافية, بيروت- لبنان, بدون

 الأدب المفرد, لمحمد بن إسماعيل أبي عبد الله البخاري الجعفي,الناشر: دار البشائر الإسلامية – بيروت,الطبعة الثالثة ، 1409 – 1989,تحقيق:محمد فؤاد عبد الباقي

الأحاديث مذيلة بأحكام الألباني عليها.

إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم, لمحمد بن محمد العمادي أبي السعود

الناشر : دار إحياء التراث العربي – بيروت.

الإنسان القرآني, وحيد الدين خان,ترجمة د. سمير عبد الحميد إبراهيم, ط: دار الصحوة,ط أولى, 1406هـ /1985مـ.

أنوار التنزيل وأسرار التأويل,للبيضاوي, ط: دارا لجيل( بدون).

البرهان في علوم القرآن,للإمام الزركشي, ط: دار المعرفة , بيروت- لبنان, ط أولى, 1410هـ / 1990مـ.

تاريخ ابن خلدون, لعبد الرحمن بن خلدون,بدون.

تاريخ الأمم والملوك, لمحمد بن جرير الطبري,الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت

الطبعة الأولى ، 1407هـ.

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد المسمى بالتحرير والتنوير, لسماحة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور, ط دار سحنون(بدون).

التربية الإسلامية في سورة النور, علي عبد الحليم محمود, ط: د ا ر التوزيع والنشر الإسلامية ط الأولي 1415هـ / 1994م.

التعريفات, لعلي بن محمد الجرجاني, ط: دار الكتاب العربي, بيروت, ط أولى, 1405, ت/ إبراهيم الإبياري.

تفسير القرآن الحكيم المسمى بتفسير المنار، ط الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1973م، السيد رشيد رضا.

تفسير القرآن العظيم لأبي الفداء ابن كثير, ط: دار الكتاب المصري , ط أولى 1408 هـ 1988 مـ.

التوقيف على مهمات التعاريف,لمحمد عبد الرءوف المناوي, ط: دار الفكر , بيروت, دمشق, ط أولى,ت/ محمد رضوان الداية.

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ عبد الرحمن السعدي, ط: مؤسسة الرسالة, ط أولى 1420 هـ 200مـ

جامع البيان عن تفسير آي القرآن, للإمام محمد بن جرير الطبري, ط: دار الحديث.

الجامع الصحيح المختصر, للإمام محمد بن إسماعيل بن عبد الله البخاري الجعفي, ط دار ابن كثير, الطبعة الثالثة 1407هـ 1987 مـ, ت/ د. مصطفى ديب البغا.

الجامع لأحكام القرآن, لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي, دار الكتاب العربي, القاهرة, ط الثالثة 1387 هـ 1967 هـ.

الجواهر الحسان في تفسير القرآن,عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي,الناشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات – بيروت.

جيل النصر المنشود, د. يوسف القرضاوي, ط: مكتبة وهبة, ط الخامسة, 1423هـ / 2003مـ.

 روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني, لشهاب الدين الألوسي, ط دار الكتب , 1403 هـ 1983 مـ .

زاد المسير في علم التفسير: عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي,الناشر: المكتب الإسلامي – بيروت,الطبعة الثالثة ، 1404هـ.

سنن ابن ماجة, ط دار الفكر, بيروت, لمحمد بن يزيد القزويني, ت/ محمد فؤاد عبد الباقي, مذيلة بأحكام الألباني عليها.

سنن أبي داوود, ط دار الفكر لسليمان بن الأشعث أبي داوود السجستاني, ت/ محمد محيي الدين عبد الحميد, تعليق/ كمال يوسف الحوت, مذيلة بأحكام الألباني عليها.

سنن البيهقي الكبرى المؤلف : أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي

ط: مكتبة دار الباز - مكة المكرمة ، 1414 – 1994.

تحقيق : محمد عبد القادر عطا.

صحيح مسلم, للإمام مسلم بن الحجاج أبي الحسين القشيري النيسابوري, ت/ محمد فؤاد عبد الباقي,ط دار إحياء التراث العربي, بيروت.

العبودية,لابن تيمية, بدون.

العين, لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي, ط: دار ومكتبة الهلال, ت/ مهدي المخزومي, إبراهيم السامرائي.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير,لمحمد بن علي الشوكاني, بدون.

 في ظلال القرآن, للأستاذ سيد قطب, الطبعة الشرعية العاشرة, 1402 هـ /1982 مـ.

القراءات العشر المتواترة, علوي بن محمد بلفقيه, محمد كريم راجح,ط: دار المهاجر, ط: الثالثة, 1414هـ/ 1994مـ.

قبسات من الرسول, لمحمد قطب, ط: الثامنة,1400هـ/ 1980مـ, ط: دار الشروق.

الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، للإمام جار الله الزمخشري، ط  مكتبة مصر.

الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها, لمكي بن أبي طالب,ت/ محي الدين رمضان, ط: الرسالة, ط الثالثة, 1404هـ, 1984مـ.

لسان العرب, ط دار صادر بيروت, ط أولى, لمحمد بن منظور الأفريقي المصري.

متن الشاطبية المسمى( حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع) للإمام القاسم بن فيُرَّه الشاطبي ت 590 هـ,ط دار الهدى ط الثالثة 1417 هـ,ت محمد الزغبي.

المجتبى من السنن, ط مكتب المطبوعات الإسلامية, حلب, ط الثانية,1406هـ-1986مـ, ت/ عبد الفتاح أبي غدة, مذيلة بأحكام الألباني عليها.

مجموع الفتاوى, لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم الحراني, بدون.

المستقبل لهذا الدين, سيد قطب, ط: الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية, 1408هـ/1988م.  

مسند أحمد, ط مؤسسة قرطبة القاهرة, للإمام أحمد بن حنبل الشيباني, مذيلة بأحكام شعيب الأرناؤوط.

 مسند الإمام أحمد بن حنبل, ط/ مؤسسة قرطبة القاهرة, بتعليق/ شعيب الأرناؤوط.

مسند الشاميين سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني,الناشر: مؤسسة الرسالة – بيروت, الطبعة الأولى ، 1405 – 984 ,تحقيق : حمدي بن عبد المجيد السلفي

مع الكتاب : أحكام المحقق على بعض الأحاديث.

معالم التنزيل للإمام البغوي, ط/ 1995 مـ.

معالم الشخصية الإسلامية, د. عمر سليمان الأشقر,ط: مكتبة الفلاح,الكويت, ط الثانية, 1401هـ/1981مـ.

معالم في الطريق, سيد قطب, ط: الشروق,

المعجم الأوسط,لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني, الناشر: دار الحرمين - القاهرة ، 1415, تحقيق : طارق بن عوض الله بن محمد ,‏عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني.

المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم, ط الثالثة,ط دار الحديث1411 هـ /1991 مـ لمحمد فؤاد عبد الباقي.

 مفاتيح الغيب, للإمام الرازي ت 604 هـ, ط دار الفكر 1415 هـ 1995

مناهل العرفان في علوم القرآن, محمد عبد العظيم الزرقاني, ط: دار إحياء الكتب العربية, بدون.

المنتخب من مسند عبد بن حميد,:عبد بن حميد بن نصر أبو محمد الكسي,الناشر:مكتبة السنة – القاهرة, الطبعة الأولى ، 1408 – 1988مـ, تحقيق: صبحي البدري السامرائي, محمود محمد خليل الصعيدي.










فهرس الموضوعات

 

الموضوع

الصفحة

المقدمة

2

المبحث الأول:جيل التمكين وحاجة البشرية إليه.

8

المبحث الثاني: جيل سليم العقيدة.

13

المبحث الثالث: جيل عالم.

18

المبحث الرابع: جيل صحيح العبادة.

28

المبحث الخامس: جيل القيم.

39

المبحث السادس: جيل يعتز بالإسلام.

57

المبحث السابع: جيل يعمل في جماعة.

72

المبحث الثامن: جيل نافع لغيره.

79

المبحث التاسع: جيل يأخذ بالأسباب.

89

المبحث العاشر: جيل مبتلى.

95

المبحث الحادي عشر: جيل يحسن الحياة في سبيل الله كما يحسن الموت في سبيل الله.

110

الخاتمة

123

أهم المصادر والمراجع

126

فهرس الموضوعات

130

 

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

إعلان