إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

معالم السنن الربانية في أحداث الثورة المصرية المعاصرة

السبت 25 ربيع الأول 1438 الموافق 24 ديسمبر 2016  
معالم السنن الربانية  في أحداث الثورة المصرية المعاصرة
د. رمضان خميس زكي الغريب

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

أحمد الله رب العالمين, وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة وهداية للعالمين, محمدٍ – صلى الله عليه وسلم- وآله وصحبه والتابعين, اللهم إنا نبرأ من حولنا وطولنا وقواتنا, ونلوذ بحولك وطولك وقوتك, فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا قبضتها يا أرحم الراحمين, اللهم إنا نسألك يا حنان يا منا يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام أن تجعل أقوالنا وأعمالنا وحركاتنا وسكناتنا فيك لك خالصة؛ إنك على كل شيء قدير, اللهم إنا نسألك إيمانا لا يرتد, ونعيما لا ينفد, وقرة عين لا تنقطع, ونسألك مرافقة النبيين في الجنة...

أما بعد فإن المسلمين اليوم, وكل يوم في أمسِّ الحاجة إلى استلهام رأي القرآن الكريم في قضاياهم وتصوراتهم, وهم اليوم يعيشون عصرا تتنازعه الأفكار من كل صوب, وتتناوشه النظريات البشرية من كل حدب, والواقع العربي عامة والمصري خاصة تغير تغيرا يغري بالوقوف أمامه والنظر إليه نظرة جديدة مناسبة لما يمر به  فقد شغل القريب والبعيد والعدو والصديق  بما حدث في مصر من ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011, الموافق 21 صفر 1432هـ بين: سعيد هانئ ,ومتخوف شانئ, والدراسات القرآنية -وفي العمق منها علم السنن لابد أن يكون له أثر فاعل في تبين خطوط الأحداث في ضوء سنن الله الكائنة, القدرية منها والسببية, الجارية منها والخارقة, وإلا فما يفيد إذا تحرك العالم من حولنا يدرسون رقميا وإحصائيا أحوالنا وأحداثنا,ويبنون على ذلك قرارات فاصلة,ومواقف حاكمة, والدراسات القرآنية والإسلامية تلوك قضايا قد لا يكون هذا الزمان زمانها, ولا المكان مكانها؛ من هنا كانت هذه الدراسة الاستشرافية  السننية, التي تعتمد رؤية قرآنية في مبناها ومنهاجها, وتتغيا رسم صورة واضحة المعالم, بينة القسمات,  في ضوء القرآن الكريم, ما استطاعت إلى ذلك سبيلا, يفيد منها عالمنا العربي والإسلامي عامة والصحوة الإسلامية خاصة والله المستعان.

أولا أهمية الموضوع وأسباب اختياره:

تبدو أهمية الموضوع من خلال النقاط الآتية:

  1. أثر الوعي بسنن الله (تعالى) عامة وبيان معالم وملامح السنن الربانية في أحداث الثورة المصرية خاصة,  في تغير مفاهيم الناس  وأفكارهم, بما يترتب عليه التغيير في رؤاهم وتصوراتهم, ومن ثم في سلوكهم وأفعالهم.
  2. تقديم التفسير القرآني الصحيح لما تمر به بلادنا وأمتنا من ثورات في ضوء عطاءات القرآن الكريم الصادقة ورؤيته الحاكمة.
  3. حاجة الأمة اليوم إلى هذه الريادة الفكرية العلمية والعملية التي تأخذ بيدها لتنهض من الوهدة, وتقال من العثرة, وتقوم من تلك الكبوة التي تردت فيها إثر بعدها: كلاً أو بعضا عن منهاج الصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة.
  4. الإفادة من علم السنن في معرفة مهمة المسلمين اليوم بعد الأحداث التي غيرت وستغير وجه مصر خاصة, والعالم العربي عامة لما لمصر من ريادة تاريخية وكلمة حاكمة في مقررات مصيرية كثيرة, لا ينكرها إلا جاهل أو حاقد.
  5. بيان سبق القرآن وصدقه في حكمه على الحياة والأحياء من خلال واقع الثورة المصرية وأحداثها, مقدمات وأسبابا, ونتائج.

ولدراسة هذه القضية أسباب دفعتني إليها, منها:

  1. التأكيد الذي لا يُمل منه: أن المرجعية العليا للمسلمين في تصوراتهم ومنطلقاتهم, ومعاشهم, ومعادهم, هي القرآن الكريم, يفيدون منه حُكمَه في كل قضية, وفصله في كل مسألة, والثورة المصرية المعاصرة من أهم الأحداث التي تحتاج إلى دراسة سننية مفردة.
  2. أثر غياب هذه المرجعية من أذهان بعض المسلمين في الهزيمة النفسية, والتراجع الفكري, وبدئهم من الصفر, دون الإفادة من عطاء القرآن وهديه مما يوفر عليهم تجارب بشرية ثبت فشلها حتى عند أصحابها.
  3. وضوح السنن الجارية في أحداث الثورة المصرية بصورة لا يتأتى معها ترك الحديث عنها, والإفادة من هذا العلم الاستشرافي النافع في تبين مواطئ أقدامنا, وتطلعا لمستقبل راشد واعد بالخير الكثير إن شاء الله.
  4. عدم وجود دراسة سننية مفردة-على حد علمي-تتناول التوصيف السنني للثورة المصرية ومن ثم تكييفه وتوظيفه لإفادة الأمة منه.

ثانيا مشكلة البحث: تدور مشكلة البحث حول تتبع وتوصيف السنن الربانية  في أحداث الثورة المصرية (25 يناير 2011)؛ رغبة في توظيفها والإفادة منها, وسعيا لتسخير علم السنن لإفادة الإنسانية عامة والأمة المسلمة خاصة, وذلك من خلال بيان معالم تلك السنن وملامحها من واقع الثورة المصرية, في ضوء رصد القرآن الكريم لعلم السنن .

     ثالثا أسئلة البحث:

السؤال الأساس لهذه الدراسة هو:

  1. ما معالم السنن الربانية في أحداث الثورة المصرية؟

ويتفرع عن هذا السؤال الأساس عدد من الأسئلة كاشفة لملامح تلك القضية هي:

1-ما مفهوم الثورات وما موقف القرآن الكريم من الثورات والتغيير.

  1. ما مقدمات الثورة المصرية وما أسبابها في ضوء علم السنن.
  2. ما أثر الطغيان السياسي في الثورات في ضوء علم السنن.
  3. ما العلاقة بين الطغيان السياسي والفساد المالي  والاجتماعي في ضوء علم السنن.
  4. ما ملامح الإرادة الإلهية في أحداث الثورة المصرية وعلاقة ذلك بسنة الله في الأسباب والمسببات.
  5. ما السنن الربانية الجارية في الثورة المصرية المعاصرة.

رابعا أهداف الدراسة:

يمكن حصر أهداف الدراسة من خلال الإجابة على الأسئلة السابقة في الآتي:

  1. بيان مفهوم الثورات وموقف القرآن الكريم من الثورات والتغيير.
  2. رصد مقدمات الثورة المصرية وأسبابها في ضوء علم السنن.
  3. بيان أثر الطغيان السياسي في الثورات في ضوء علم السنن.
  4. توضيح العلاقة بين الطغيان السياسي والفساد المالي في ضوء علم السنن.
  5. إدراك ملامح الإرادة الإلهية في أحداث الثورة المصرية وعلاقة ذلك بسنة الله في الأسباب والمسببات.
  6. رصد السنن الربانية في الثورة المصرية المعاصرة.
  7. الإفادة من علم السنن والدراسات الاستشرافية في ضوء الثورة المصرية

خامساً: حدود الدراسة:

تقتصر الدراسة على حصر الآيات التي تتناول السنن الربانية وتنزيلها على أحداث الثورة المصرية, وتمضي على المنهج الموضوعي الوسيط الذي يسعى إلى حصر الآيات الجامعة للصورة القرآنية الشاملة عن توصيف وتوظيف السنن في ضوء المفردة المطروحة, والاستعانة على فهم ذلك بالتفاسير المعتمدة, والعلوم الإنسانية المتاحة, وما أفرزه علم الاجتماع الإسلامي حسب الطاقة البشرية.

سادساً: منهج البحث وأداته:

يستخدم الباحث المنهج الاستقرائي والاستنباطي, حسب طبيعة التناول, وكانت أداته جمع الآيات ذات الصلة بالموضوع, وتحليلها, واستنباط  معالم السنن الربانية وملامحها من واقع أحداث الثورة المصرية؛ اعتمادا على ما كتبه علماء التفسير واللغة, وما يدعم ذلك من ومضات السنة النبوية المطهرة, وما يخدم هدف البحث من الدراسات الإنسانية, دون الإفراط في الشروح؛ حرصا على عدم خروج البحث عن مساره.

وحرَصت على جمع الآيات المتعلقة بالموضوع , ثم فرزها من حيث أجمعُها للقضية, ورتبتها من حيث المكيةُ والمدنيةُ,  حتى تعطي صورة كاملة عن القضية -والزمن جزء من رسم تلك الصورة الصادقة,وتنزيلها على الأحداث المدروسة قدر طاقتي, وحرَصت على أن تكون العناصر المعنونة من صميم الآيات القرآنية؛ جريا على المعتمد من المناهج في هذا اللون من ألوان التفسير الموضوعي(), أما في الشرح والاستنباط,  فأفدت من كتب التفسير في كل المدارس من مأثور ورأي, فمررت على مدارس متعددة وألوان متباينة, زمانا, ومكانا,واتجاها, ومنهاج, وفكرا, كما أفدت من السنة, وهي الشارح الُمِبين والُمَبِّين لآيات القرآن الكريم, وأفدت مما قدمه الجهد البشري من دراسات إنسانية أو عربية في هذا الصدد, حسب الطاقة والوسع, وحسب طبيعة الدراسة.

كما حرصت على –

  1. عزو الآيات القرآنية إلى مواضعها من المصحف الشريف.

2- تخريج الأحاديث من مظانها الحديثية.

3- توثيق الأقوال والآثار بإرجاعها إلى مصادرها الأصلية.

سابعاً: هيكل البحث:

اشتمل البحث على مقدمة وفصلين وخاتمة:

الفصل الأول: الثورة المصرية والسنن الربانية: مفاهيم ومقدمات

المبحث الأول: مفهوم الثورات, وموقف القرآن الكريم من الثورات والتغيير.

المبحث الثاني: مقدمات الثورة المصرية وأسبابها في ضوء علم السنن.

المبحث الثالث: الطغيان السياسي وأثره في الثورات في ضوء علم السنن.

المبحث الرابع: ملامح الإرادة الإلهية في أحداث الثورة المصرية وعلاقة ذلك بسنة الله في الأسباب والمسببات.

الفصل الثاني: السنن الربانية في الثورة المصرية المعاصرة.

المبحث الأول: سنة الله في الظلم والظالمين في ضوء الثورة المصرية.

المبحث الثاني: سنة الله في التزاوج  بين رجال المال والحكام الطغاة.

المبحث الثالث: سنة الله في المكر والماكرين في ضوء الثورة المصرية.

المبحث الرابع: سنة الله في التدافع بين الحق والباطل في ضوء الثورة المصرية.

المبحث الخامس: سنة الله في التغيير في ضوء الثورة المصرية.

الخاتمة, وتشمل أهم النتائج والتوصيات.

فهرس المصادر والمراجع.  فهرس الموضوعات.          والله من وراء القصد.

الفصل الأول

الثورة المصرية والسنن الربانية: مفاهيم ومقدمات

 

المبحث الأول: مفهوم الثورات, وموقف القرآن الكريم من الثورات والتغيير.

المبحث الثاني: مقدمات الثورة المصرية وأسبابها في ضوء علم السنن.

المبحث الثالث: الطغيان السياسي وأثره في الثورة المصرية في ضوء علم السنن.

المبحث الرابع: ملامح الإرادة الإلهية في أحداث الثورة المصرية وعلاقة ذلك بسنة الله في الأسباب والمسببات.

المبحث الأول

مفهوم الثورة وموقف القرآن منها

إذا تتبعنا مادة (ثار) في اللغة وجدناها تدور حول المعاني الآتية:

  1. الهيج, والهياج,التنقيب, الوثب,  النهوض, السطوع, العدد الكثير, ما علا الماء من طحلب.

تقول كتب اللغة:  (ثارَ الشيءُ ثَوْراً وثُؤوراً وثَوَراناً وتَثَوَّرَ هاج ,... وأَثَرْتُه وهَثَرْتُهُ على البدل وثَوَّرْتهُ وثَورُ الغَضَب حِدَّته, والثَّائر الغضبان .ويقال للغضبان أَهْيَجَ ما يكونُ: قد ثار ثائِرُه وفارَ فائِرُه, إِذا غضب وهاج غضبه, وثارَ إِليه ثَوْراً وثُؤوراً وثَوَراناً وثب, ...... ويقال انْتَظِرْ حتى تسكن هذه الثَّوْرَةُ وهي الهَيْجُ .....

.. ويقال ثَوَّرَ فلانٌ عليهم شرّاً إِذا هيجه وأَظهره, والثَّوْرُ الطُّحْلُبُ وما أَشبهه على رأْس الماء ... والثَّوْرُ ما علا الماء من الطحلب ونحوه وقد ثارَ الطُّحْلُب ثَوْراً وثَوَراناً وثَوَّرْتُه وأَثَرْتُه وكل ما استخرجته أَو هِجْتَه فقد أَثَرْتَه إِثارَةً وإِثاراً ......... وثَوَّرْتُه واسْتَثَرْتُه كما تستثير الأَسَدَ والصَّيْدَ.)()

(الثَّوْر : الهَيَجانُ . ثار الشَّيءُ هاجَ ....... الثَّوْر : الوَثْبُ وقد ثارَ إليه إذا وَثَبَ . وثارَ به النّاسُ أَي وَثَبُوا عليه )()

و(ثار الغبار والسحاب ونحوهما، يثور ثورا وثورانا: انتشر ساطعا، وقد أثرته، قال تعالى: { فتثير سحابا } [الروم/48]، يقال: أثرت الأرض، كقوله تعالى: { وأثاروا الأرض وعمروها } [الروم/9]، وثارت الحصبة ثورا تشبيها بانتشار الغبار، وثور شرا كذلك، وثار ثائره كناية عن انتشار غضبه، وثاوره: واثبه، والثور: البقر الذي يثار به الأرض، فكأنه في الأصل مصدر جعل في موضع الفاعل)().

وإذا تأملنا النصوص السابقة وجدنا تشابكا بين دلالتها اللغوية ودلالتها الواقعية العصرية في كل مفردة من مفرداتها, فالثورة التي عرفها الفيروز آبادي بأنها: ( تغيير أساسي في الأوضاع السياسية والاجتماعية يقوم به الشعب في دولة ما)(), هي دالة على المعاني السبعة التي حوتها المادة اللغوية تماما, فهي هيج وهياج,وهي تنقيب وإخراج لما في كمائن النفوس من رغبة , وما في القلوب من عاطفة, وما في العقول من أفكار,وهي تنقيب عن أسباب الفساد الذي يصبر الناس عليه حينا من الدهر, حتى إذا بلغ السيل الزبى, وجاوز الأمر حده, ثارت الجماهير جامحة, منقبة عن القديم والجديد, وفيها من معاني الوثب والنهوض الكثير, وفيها من السطوع وكشف الحقائق ما فيها, كما لا يخفى ظهور دلالة العدد الكثير ووجوده في الثورات.

فالثورة إذا: هي: (التغيير الجذري والمفاجئ, في الأوضاع السياسية, والنظم الاجتماعية, والواقع الاقتصادي, بوسائل تخرج عن التدرج المألوف, ولا تخلو عادة من العنف والهياج)()

(الثورة), ومرادفاتها في القرآن الكريم

وردت  مفردة الثورة, ومرادفاتها في القرآن الكريم, في المواد الآتية:

1-مادة ثار, وورودها في قوله تعالى:

(قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) البقرة:(71).

يقول صاحب التحرير والتنوير:

( وإثارة الأرض حرثها وقلب داخل ترابها ظاهرا, وظاهره باطنا, أطلق على الحرث فعل الإثارة تشبيها لانقلاب أجزاء الأرض بثورة الشيء من مكانه إلى مكان آخر. )()

ووردت المادة في قوله (تعالى): (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ( الروم: (9)

(و{أَثَارُوا}: فعل مشتق من الإثارة بكسر الهمزة، وهي تحريك أجزاء الشيء، فالإثارة: رفع الشيء المستقر وقلبه بعد استقراره قال تعالى {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً} [الروم: 48] أي تسوقه وتدفعه من مكان إلى مكان.

وأطلقت الإثارة هنا على قلب تراب الأرض بجعل ما كان باطنا ظاهرا وهو الحرث...

ويجوز أن يكون {أَثَارُوا} هنا تمثيلا لحال شدة تصرفهم في الأرض وتغلبهم على من سواهم بحال من يثير ساكنا ويهيجه، ومنه أطلقت الثورة على الخروج عن الجماعة. وهذا الاحتمال أنسب بالمقصود الذي هو وصف الأمم بالقوة والمقدرة من احتمال أن تكون الإثارة بمعنى حرث الأرض لأنه يدخل في العمارة..)()

2- التغيير

ومن مرادفات الثورة مادة التغيير الذي هو جوهر الثورات ولبها,ومخها وعظامها, وقد وردت المفردة في القرآن الكريم في قوله تعالى على لسان الشيطان المريد:(وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا), النساء:(119).

وفي قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ),الأنفال: (53)

وقوله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ), الرعد: (11)

3

موقف القرآن الكريم من الثورات

ٌيَعدُّ القرآن الكريم أحد أهم عوامل الثورة البشرية, إن لم يكن أهمها بلا نزاع, على تطاول التاريخ وتباعد الأيام إذا حددنا معنى الثورة بأنها الجرأة على الإلف الخاطئ والعرف الفاسد والواقع الـأليم.

فالأنبياء والمرسلون أكبر من صدعوا بالحق في وجوه الباطل, وأعظم من رفعوا لواء التغيير المنهجي, والإصلاح الإنساني على مدار التاريخ, وكل المجتمعات التي نشئوا فيها, والأمم التي أرسلوا إليها كان لها من العادات الفاسدة والتقاليد السيئة, والأعراف  الباطلة, والموروثات الخاطئة, ما يستدعي أن يرسل الله إليهم رسلا, ويبعث لهم نُذُرا, مؤيدين بالبرهان, الساطع والدليل القاطع والحجة الباهرة, والمحجة القاهرة, بل إمعانا في إرادة هدايتهم كانت  الحجة المقامة عليهم من جنس ما تميزوا فيه, والمعجزة المؤيدة لرسلهم من جنس ما تفردوا هم به وصاروا لا يُبارَوْن فيه ولا يٌغْلبون عليه.

لقد هز القرآن العقل البشري هِزة أقلقته من سباته, وأطارت النوم من عينه, وأقضت مضجعه؛ فلم يقو على عدم الاهتمام بمعطياته وأحكامه,والوقوف عند مفرداته وبيانه, جاءهم بكل جديد لم يعرفوه, وحق لم يألفوه, فحاروا في تسميته: سحراً، شعراً, كهانةً, وهم لم يدروا أنه الوحي الذي يغير ويبدل, ويهدم ويبني, ويقوض ويقيم, ويمحو ويثبت: أعرافاً, وعاداتٍ, وتقاليد وموروثات, وربَّى القرآن أتباعه -إذا فهموا مقاصده وسننه على الصدع بالحق, ومغادرة الإلف, زمانا ومكانا وعقيدة, وكشف عن العيون  غشاوات بات الناس فيها قرونا متطاولة وأحقابا متتالية, وَرَّثها السالفُ للخالف, ووَرِثها الأحفادُ عن الآباء والأجداد.

فالقرآن مصدر أساس من مصادر الثورة الحقيقية, والإصلاح المتدرج, والبناء الهادف الحثيث, للإنسان  والبنيان والعمران, والمتتبع لمنهجيات القرآن الكريم, وتناوله, وطرحه للقضايا الأساسية يجد بوضوح وجلاء كيف يغير من فكر أتباعه, وإلفهم وعاداتهم, حتى يصير الفرد شخصا جديدا في منهجية تفكيره وفهمه للأشياء, والراصد لموقف العرب قبل الإسلام في حياتهم الاجتماعية, يجد كيف كان العربي يثأر ويُغِير, ويعتدي ويتجاوز, حتى على أقرب الناس له نسبا, وألصقهم به صلة,حتى قالوا:

      وأحيانا على بكر أخينا     إذا لم نجد إلا أخانا()

وقالوا:

ونشرب إن وردنا الماء صفواً      ويشرب غيرنا كدِرا وطينا()

وقالوا:

ومن لا يزد عن حوضه بسلاحه   يهدم ومن لا يَظلم الناس يُظلمِ()

فجاء الإسلام والقرآن فإذا بلال الحبشي, وصهيب الرومي, وسلمان الفارسي, وأبو بكر التيمي, وعمر القرشي إخوة متحابون,وهذا تغيير القرآن وصنع القرآن,وبناء القرآن.

وهم الذين جمعهم الإسلام وألف بينهم فكانوا (فئة),يفئ بعضهم إلى بعض, ويتضام كل أخ إلى أخيه, حتى يصير به وله عضدا وأَزْرا,حتى أذاب هذا الدين فوارق الجنس, واللون, والعرق, واللسان, والزمان, والمكان, فصارت جنسيتهم دينهم كما يقول حكيم الإسلام الأستاذ الإمام محمد عبده, (رحمه الله)().

إن العروبة في بدر قد اقتتلت   سيفا لسيف وكان الكل عربانا

فهل أبو جهلٍ في غيه وأبو لهبٍ   كخالدٍ قاد باسم الله فرسانا

عروبتان فذي نور وذي ظلم      شتان بينهما, شتان, شتانا

فإن نضح به يا أهل أمتنا            فإن أمتنا أولى ضحايانا()

أليس هذا تغييراً جِذريا حقيقيا في الحياة والأحياء؟,إنهم يقولون: إن الثورات تحدث التغيير, والحق في نظري أن التغيير هو الذي يحدث الثورات؛ فالله (تعالى) يقول:(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم), الرعد:11.

فالأنبياء والمرسلون ثوار حقيقيون, ثوار على الخرافة العقلية, والبدع السلوكية, ثوار على الاستبداد, وقهر الإنسان للإنسان, ثوار على الإلف الخاطئ الذي يظل الناس يدورون في فَلْكه, ولا يخرون عن سبحه, (فليست السياسة هي الميدان الوحيد للثورة, وليس ثوارها هم أعلام هذا الميدان,ففي الاجتهاد ثورة على التقليد, وفي الجهاد ثورة على الاستسلام, وفي التجديد ثورة على الجمود, وفي الإبداع ثورة على المحاكاة, وفي التقدم ثورة على الرجعية والاستبداد, وفي العقلية ثورة على بلادة النصوصيين)()

فالدين كله ثورة صادقة, بانية لا هادمة, مصلحة لا مفسدة, وأعلامه ومصلحوه ثوار حقيقيون, بهذا المفهوم الشامل للثورة.

فعمر بن عبد العزيز بالنموذج الذي قدمه في عدل الحاكم ثائر على الظلم والإسراف في مال الرعية, والشافعي في فقهه وأصوله, وفي وعيه وتألقه, ثائر بالعلم على الجهل وبالفكر على التيه والضلال, وبالعقل على الخرافة, والعز بن عبد السلام ثائر على الجمود والطغيان, والغزالي في تراثه وإحيائه ثائر على جفاف الروحي, والخواء الإيماني, والأفغاني ثائر على استبداد الغرب للشرق, ونهبه لخيره,  وقهره لإرادته وبَهره بتقنيته الغليظة العنق النحيفة الخلق, والكواكبي ثائر ضد الاستبداد والفساد,وابن باديس ثائر بتربيته للجيل الذي حمى الجزائر من قهر الاستعمار, ورغبته في إزهاق هوية الشعب  العربي الأبي ولغته وفكره, والبنا ثائر في تربيته لجيل رائد يعيد للناس معنى جديدا للدين والحياة, ويؤسس مدرسة شمولية تسعى لإصلاح الدنيا بالدين,ولا يزال سيل المصلحين يتجدد ولا يتبدد ويبقى ولا ينفد؛ لأن بقاءه بقاء أمته والأمة باقية ما بقي الجديدان وما تعاقب الملوان,صحيح هي تمرض لكنها لا تموت, وكيف تموت, وهي تستمد قوتها من الحق, والحق حي لا يموت.

المبحث الثاني

مقدمات الثورة المصرية وأسبابها في ضوء علم السنن

بُليت الأمة المصرية منذ زمن بعيد بالظلم والقهر, والاستبداد والاستعباد,  وظن غالبوها على أمرها أن طبيعتها تعينها على هذا وتحملها على الصبر, وتدفعها لقمة العيش إلى المران على الاستسلام, والتعايش مع القهر, وفات هؤلاء أن لله في خلقه سننا ثابتة, لا تتغير ولا تتبدل, وأن الظلم  يولد الظلم, والكبت يولد الانفجار, مضت بذلك سنة الله (تعالى) في الحياة والأحياء, رأيناه في الحياة المادية العضوية,ونراه في الأحياء الذين يحملهم الأذى والضيم على الثأر لكرامة الإنسان وحرية الإنسان , كما فاتهم فهم طبيعة الإنسان المصري الذي أخذ من بيئته وما حوله كثيرا من صفاته, فالإنسان ابن بيئته, كما يقول ابن خلدون يتأثر بها وتؤثر فيه.

فالإنسان عامة, والمصري خاصة يتحمل ويصبر لكن إذا فاض الكيل, وبلغ السيل الزبى, وجاوز الحزام الطبيين لم يبق إلا التمرد المشروع, والثورة الحقيقة على كل ما كان سببا  لقهر الإنسان واستعباده, وإذلاله.

وهاشم الرفاعي يقول في رائعته (رسالة في ليلة التنفيذ):

أَنْفاسُكَ الحَرَّى وَإِنْ هِيَ أُخمِدَتْ       سَتَظَلُّ تَغمُرُ أُفْقَهُمْ بِدُخانِ

وقُروحُ جِسْمِكَ وَهُوَ تَحْتَ سِياطِهِمْ      قَسَماتُ صُبْحٍ يَتَّقِيهِ الْجاني

دَمْعُ السَّجينِ هُناكَ في أَغْلالِهِ           وَدَمُ الشَّهيدِ هُنَا سَيَلْتَقِيانِ

حَتَّى إِذا ما أُفْعِمَتْ بِهِما الرُّبا          لم يَبْقَ غَيْرُ تَمَرُّدِ الفَيَضانِ

ومَنِ الْعَواصِفِ مَا يَكُونُ هُبُوبُهَا         بَعْدَ الْهُدوءِ وَرَاحَةِ الرُّبَّانِ  

 إِنَّ اْحْتِدامَ النَّارِ في جَوْفِ الثَّرَى        أَمْرٌ يُثيرُ حَفِيظَةَ الْبُرْكانِ

وتتابُعُ القَطَراتِ يَنْزِلُ بَعْدَهُ               سَيْلٌ يَليهِ تَدَفُّقُ الطُّوفانِ

فَيَمُوجُ يقتلِعُ الطُّغاةَ مُزَمْجِراً       أقْوى مِنَ الْجَبَرُوتِ وَالسُّلْطانِ()

والراصد للحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كانت تعيش فيها مصر وأهل مصر, كان يدرك أن هذا الشعب مقدم على انفجار يكاد يكون وشيكا, خاصة من كان يرقب هذا الواقع عن بعد, كمن يزور مصر من خارجها, فالمقيم فيها يشعر بذك بلا شك لكن شعوره به  شعور من هو في جوف الخطر, لكن من زار مصر في الفترات المؤخرة , قبيل الثورة, وكان قد زارها وخبرها قبل, كان يؤكد أن تحمل الشعب المصري أوشك على الانهيار, وأن صبره في طريقه إلى النفاد, وتلك سنة الله (تعالى) في خلقه, وباتت ثورته على هذا الواقع الأليم وشيكة, وهياجه على ما هو فيه أمرا متحتما.

ويمكن تلخيص بعض الأسباب والمقدمات التي أدت إلى ثورة 25 يناير, 2011م  , في نقاط:

أولاً: تردي الأوضاع الاجتماعية, والاقتصادية والسياسية للمواطنين, وبان هذا التردي في المظاهر الآتية:

ارتفاع الأسعار بصورة مبالغ فيها, بما يفوق طاقة الفرد, ويجعل متطلبات الحياة الأساسية له حلما بعيد المنال, وهذا أدى بطبيعة سنن الله في الأشياء إلى تزايد حالة الحنق, وفقدان الانتماء, والشعور بأن الفرد لا يعيش في وطنه الذي يحبه ويفتديه بحياته,ويأسى لفراقه,وتلك من سنن الله تعالى المركوزة في الفطر السوية, وقد قال المعصوم (), وهو خارج من مكة: (إنك لأحب أرض الله إلى الله ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت.)(), ونزل() على إثرها قول الله (تعالى): وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك ألكناهم فلا ناصر لهم), محمد: 13., وطمأنه بقوله: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك على معاد),القصص:85.()

كما ظهر ذلك في:

-ارتفاع معدلات البطالة وخاصة بين الشباب, وحاملي الشهادات العليا.

-زيادة عدد الاعتصامات الفئوية

 -التفاوت في مستويات الأجور.

ثانياً: الممارسة القمعية من جهة السلطة ممثلة في أجهزة الدولة كالشرطة ونحوها, ضد المواطنين الأبرياء, وكلما كان الفرد على قدر من الاحترام كان أقرب إلى الاستهداف والترصد, حتى طبع ذلك الناس أو عمومهم بطابع الاستكانة الحذرة, والصمت المزمجر, وهذا ما تولد منه الانفجار بعد, كما قضت بذلك سنن الله (تعالى) في الحياة والأحياء.

ومن ذلك: قتل الأبرياء بدون أدنى جريرة, وسفك الدم الحرام, بلا رقيب ولا حسيب, وأضحى أقل موظف في جهاز سلطة الدولة يستطيع أن يسحق أكبر رأس علمي أو مفكر, أو شاب حر بدون خوف من معقب أو محاسب ()

وقد دلت النصوص القاطعة أن حرمة دم المسلم أشد من انتهاك الكعبة المشرفة.

ثالثاً: الفساد الإداري والمالي,والسياسي, وبدا ذلك في مظاهر واضحة لا تخطئها العين العابرة, فضلاً عن الراقبة, وبدا ذلك في:

-انتشار الرشوة في أكثر المصالح  والمؤسسات والهيئات الحكومية .

-سوء استخدام موارد الدولة والمال العام من قبل بعض المسئولين للمصالح الشخصية.

-استخدام نفوذ بعض المسئولين لإبرام صفقات غير مشروعة, وقد قدرت هيئة النزاهة المالية الدولية, أن متوسط حجم التدفقات غير المشروعة  للخارج في مصر خلال الفترة من 2000/ 2008م ب 6.4 مليار دولار سنوياً()

-تزوير نتائج الانتخابات النيابية والمحلية لصالح الحزب الحاكم.()

-استمرار حالة الطوارئ لمدة ثلاثين عاماً,مما أدى إلى توسيع سلطة القهر والاستبداد,كما أصبح من حق أي شرطي أن يحتجز أي إنسان بلا أدنى سبب.

وسيبدو في تضاعيف البحث العلاقة بين الطغيان السياسي والفساد المالي والإداري وسنة الله (تعالى) في ذلك, فكلما طغى السلطان, كلما حشد حوله من الفاسدين مالياً وإدارياً من يحميه؛ لأنه يحمي نفسه وفساده, والناظر في قصة قارون وهامان مع فرعون يدرك سنة الله (تعالى) في ذلك,واضحة جلية, كما سيأتي.

والمتأمل للملأ من قوم موسى وموقفهم مع فرعون يبدو له ذلك أيضا جلياً واضحا, فقارون وهامان وفرعون يمثلون أضلاع مثلث الطغيان الحكم والمال, والوزارة وهذا المُناخ الذي تعيش فيه تلك الثلاثية يدعم بعضها بعضا, كما قال أبو الأسود الدؤلي:

وبقيت في خلف يزين بعضهم بعضا   ليدفع مُعْوِر عن مُعْور()

وتمضي سنن الله فيهم لا تتبدل ولا تتحول؛ لأن ناموسه لا يُخرق, وعادته في الأشياء والأشخاص ثابتة, لا تحيد ولا تميد.

المبحث الثالث

ملامح الإرادة الإلهية في أحداث الثورة المصرية

وعلاقة ذلك بسنة الله في الأسباب والمسببات

 

الراصد لأحداث الثورة المصرية المعاصرة, يجد فيها بوضوح وجلاء أنها ثورة ربانية, وأن ملامح الإرادة الإلهية فيها لا تخطئها العين العابرة, فضلا عن الباصرة المعتبرة المتأملة, فمنذ بدايتها والربانية واضحة فيها, سواء في المكان, أو الزمان, أو الأفراد, أو الأحداث, وهي تأكيد سنني أن أمتنا العربية والمصرية تعيش دورة حضارية جديدة, سيكون لها ما بعدها, لا على مستوى مصر فقط, ولا العالم العربي فحسب, بل أزعم أن آثارها ستمتد لتشمل العالم بأسره, فمصر إذا قامت سادت, فهي – بحق- هي (أم الدنيا) بل أمها وأبوها, والراصد للتاريخ يعي أنها تقول الكلمة الأخيرة في مقررات تاريخية فاصلة, قديما وحديثا, وسيبين من الصفحات الآتية تصديق هذا الادعاء.

إن الله -عز وجل- إذا أراد أمرا هيأ له الأسباب وكما يقول أهل السلوك: علامة الإذن التيسير, وتبدو ملامح الإرادة الإلهية في تلك الثورة, وأنها ربانية من خلال النقاط الآتية:

  1. اختيار المكان:

لقد بدأ الثوار مسيرتهم بعيدا عن المسار الذي استقرت في الثورة وأصبح معلما عليها وهاديا إليها, على غير اختيار من البشر, ولا إعداد أو ترتيب من الشباب الثوار, فقد تحدث كثير منهم عبر الفضائيات والإعلام أنهم لم يرتبوا للمكان الذي يجتمعون فيه ليكون (ميدان التحرير) أكبر ميادين القاهرة وأوسعها وأخطرها من حيث الموقع والأهمية والمداخل, والمخارج, حيث يقول أحد قادة الميدان: إنه كان أمام مسجد النور ولم يكن في حسبانه أين يذهب حتى سمع من ينادي إلى التحرير()

  1. اختيار الزمان

فقد اختار الثوار 25 يناير عيد الشرطة ليكون اليوم الذي نحاسب فيه الشرطة على جرائمها التي فاقت الحد, والتي طالت القريب والبعيد وقد وصل الأمر بهم إلى قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق جهارا نهارا أمام الناظرين دون خوف من قانون أو رادع من دين, وقد كان اختيار الزمان لطمة قاسية لهم ففي اليوم الذي يفترض أن يكرموا فيه يكون فيه الثورة عليهم وعلى ظلمهم.

  1. الداعون إليها:  طبيعتهم ونظرة الناس لهم

وقد دعى إلى الثورة بداية شريحة من الناس لا يتوقع المتابعون للحالة المصرية أن يكونوا هم سبب ثورة, أو فتيلا لها, لقد كان الجميع ينظر إلى الشباب عامة, وهذه الشريحة منهم خاصة, وهي الشريحة المشغولة  بالشبكة العالمية, والفضائيات ونحوها مما لم يكن يتصور أحد أن تلك الشريحة من الناس ستكون هي بداية الشرارة, ومشعل الضياء لمن بعدهم, وتبدو ملامح سننية القدر بأن تتلاقى تلك الشريحة  في رغبتها مع شريحة أخرى هي جيل الآباء  والأجداد على ما كان بين الشريحتين من خلاف دائم, فالأولون لديهم الحماسة الفوارة, والرغبة الهادرة, والآخرون لديهم الحكمة المتأنية, والتريث الهادئ, وتجمعهم جميعا على هدف واحد, والتقاؤهم على رؤية واحدة أمر قدري عجيب, وتلك من سنن الله (تعالى) بأنه إذا أراد أمرا هيأ له أسبابه.

  1. مشاركة جميع شرائح المجتمع

لقد شارك في تلك الثورة شرائح متعددة على نستوى العمر, وعلى مستوى الدين, وعلى مستوى التعليم, وعلى مستوى المعيشة, فشارك فيها الشعب رجالا ونساء شيبا وشبابا,وشارك فيها الفقراء والأغنياء, وشارك فيها المتعلمون والأميون, فكانت نموذجا للشعب المصري كله, على اختلاف طبقاته وثقافاته, وعلى اختلاف أعماره وقناعاته, وشارك فيها افسلاميون والعلمانيون, والنصارى والحداثيون, كل شرائح المجتمع شاركت بصورة لافتة للنظر, وانسجم الجميع في روح عالية لا تقف عند حدود الزمان او الثقافة أو الدين أو التعليم أو الوضع الاجتماعي , فلما تغير كل هؤلاء مضت فيهم سنة الله في التغيير, وتنزل عليهم نصر الله بزوال الطاغية, وتنحيه, وتلك من سنن الله تعالى في التغيير.  

  1. أسماء الجمع

والراقب للجمع التي وقعت فيها تلك الموجات الثورية يرى أنها اختيار موفق , فاختيار أيام الجمع بداية فيه من التوفيق ما فيه, فالشعب في غير مداومة للعمل الرسمي هذا اليوم, والناس في خروجها من الصلاة الجامعة مهيئون نفسيا ومعنويا للبذل والعطاء, والتضحية والفداء, والصبر تطور هتافها  والمضاء.

وفي أسماء الجمع نفسها واختيارها من التوفيق ما فيه فجمعة سميت بجمعة الغضب 28 يناير, وأخرى سميت بجمعة الرحيل 4 فبراير, وأخرى جمعة الصمود 11 فبراير, وأخرى جمعة النصر 18 فبراير, وكانت تلك الأسماء معبرة ودالة على مضمون جدير بالاعتبار فالأولى كانت تمثل غضب الشعب على النظام القائم والثانية كانت تتأمل في رحيل هذا النظام, والثالثة كانت دعوة للشعب الثائر إلى الصمود والرابعة كانت جمعة النصر بحق حيث رحل النظام الغاشم الجاثم على صدور المصريين.

  1. ارتفاع مطالبها

لقد بدأت مطالب الشعب حول رفع الظلم الواقع على الشعب من الشرطة, والمستندة إلى سلطان الحاكم الظالم, ثم تطورت إلى المطالبة بالرحيل, واستمرت المطالبة بذلك حتى نال الشعب حريته وتنحى الحاكم عن منصب رئيس الجمهورية, ولم يكن في حسبان أحد أن تتطور المطالب إلى هذا الحد بل كانت الغاية رفع الظلم عن المظلومين لكن إذا أراد الله أمرا هيأ له الأسباب.

  1. موقف النظام الحاكم منها

أما موقف النظام الحاكم فقد كان دليلا على أن كل خطوة يخطوها تعجل بزواله, ومن سنن الله تعالى في العباد سنته في التوفيق والخذلان, وقد بدا ذلك واضحا من خلال تعامل النظام الحاكم مع مطالب الشعب الثائر, حتى كان من أمره ما كان.

 

الفصل الثاني

السنن الربانية في الثورة المصرية المعاصرة.

 

حفلت الفترة التي سبقت الثورة وفي أثناءها بعدد من  السنن الربانية, يستطيع الراقب للواقع, المتأمل في كتاب الله (تعالى) أن يرصدها, ويقف أمامها, ومن أبرز تلك السنن: سنة الله في التغيير, سنة الله في المكر والماكرين, سنة الله في التدافع بين الحق والباطل, سنة الله في التزاوج بين رجال المال والحكام الطغاة, سنة الله في التنازع بين رجال المال ودعاة الإصلاح, سنة الله في الظلم والظالمين, سنة الله في الصراع بين الحق والباطل, سنة الله في الإصلاح, وسنة الله في  إيتاء الملك ونزعه, وسنة الله في  المنافقين, وسنة الله في  الترف والمترفين, وسنة الله في الابتلاء, وسنة الله في الدعوات, وسنة الله في الأسباب والمسببات, وسنة الله في  الاختلاف والمختلفين, وسنة الله في الاستدراج, وسنة الله في الهدى والضلال, وسنة الله في النصر, سنة الله في تمييز الخبيث من الطيب, سنة الله في  ضلال الفاسقين, سنة الله في المنافقين, سنة الله في , سنة الله  في الجزاء, سنة الله في المقلدين, سنة الله في السابقين إلى الإصلاح, سنة الله في الطبائع والغرائز, سنة الله في المفسدين,,, وغيرها من السنن التي تتجدد ولا تتبدد, والتي ظهرت جلية بصورة لافتة للنظر في تلك الفترة التي عاشتها بلادنا, وقد اخترت في تلك الدراسة أن أعرض نموذجا من هاتيك السنن, جعلتها خمس سنن, نموذجا لغيرها, ودليلا على ما سواها,وتلك السنن هي:

  1. سنة الله في الظلم والظالمين في ضوء الثورة المصرية
  2. سنة الله في التزاوج بين رجال المال والحكام الطغاة في ضوء الثورة المصرية
  3. سنة الله في المكر والماكرين في ضوء الثورة المصرية.
  4. سن الله في التدافع بين الحق والباطل في ضوء الثورة المصرية.
  5. سنة الله في التغيير في ضوء الثورة المصرية.

أرصدها على النحو الآتي:

 

المبحث الأول

سنة الله في الظلم والظالمين في ضوء الثورة المصرية.

من سنن الله (تعالى) الماضية: سنة الله في الظلم والظالمين, وقد بدت تلك السنة في أحداث الثورة المصرية, قبلها وأثناءها بصورة بينة, وقد حوى القرآن الكريم بيانا لتلك السنة الماضية, وقانونها المطرد في آياته الكريمة, وقبل الحديث عن السنة في الظلم والظالمين نتطلع إلى حديث القرآن عن تلك السنة على النحو الآتي:

ورود المادة في القرآن الكريم

وردت مادة: ( ظ ل م)() في القرآن الكريم مائتين وتسعين مرة موزعة على العهدين: المكي والمدني, ووردت في العهد المكي تزيد على المئتين وفي العهد المدني قرابة التسعين مرة.

وقد وردت بألفاظ: ( ظلم, ظلمتْ, ظلمتُ, ظلمك, ظلمنا, ظلمناهم, ظلمهم, ظلمهم, ظلموا, ظلمونا, تظلم, تظلموا, تظلمون, يظلم, ليظلمهم, يظلمون, ظُلم, ظُلموا, يُظلمون, ظُلمٌ, ظُلمه, ظُلمهم, ظالم, ظالمة, ظالمون, أظلم, ظلوم, ظلَّام)

ويلاحظ على هذا الورود الكريم ما يأتي:

  1. أن مادة ظلم وردت في العهدين المكي والمدني, وإن كان ورودها في العهد المكي أكثر بصورة لافتة للنظر حتى وردت ضعفي ورودها  في العهد المدني تقريبا, ولعل في ذلك إشارة إلى الفرق بين العهدين من حيث قدرةُ الدولة المسلمة حين تكون عادلة على رد الظلم عن الرعية, وحمايتهم من الضيم والذل.
  2. أن المادة وردت بصيغة الماضي والمضارع, ولم ترد بصيغة الأمر بداهة؛ فلا أمر بالظلم, ولا رضا عن وقوعه.
  3. أن المادة وردت أيضا بصيغة المفرد للمذكر والمؤنث, وبصيغة الجمع, للمخاطب والغائب, وفي ذلك إشارة إلى أن الظلم من شيم النفوس, فرادى وجماعات, إلا من رحم الله, ويكون في الغيبة والحضور.
  4. أن المادة وردت بصيغة القطع والإضافة, والإضافة كانت لضمير المفرد والجمع.
  5. أن صيغ ورود الظلم دارت على اسم الفاعل, وصيغ المبالغة,  أفعل, فعول وفعال, وفي ذلك إشارة إلى اختلاف درجات الظلم  من فرد إلى آخر.

 

ومن تتبع لفظة الظلم ودورانها في القرآن الكريم نجد أن هناك آيات ناصة على السننية فيها ومبينة لمنهاج القرآن في تلك السننية, ويمكننا تتبع ذلك على النحو الآتي:

من سنة الله في الظالمين:

 

  • تولية  الظالمين بعضهم بعضا

 

ومن الآيات الناصة على السننية في القرآن الكريم قوله (تعالى): (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ), الأنعام: 129, والمراد: نولي بعضهم بعضا, أي: نجعلهم أولياء بعض, بما يتبادلون من المنافع  والمصالح, وبما يهيئه بعضهم لبعض من المكاسب الدنيوية ونحوها, كما قال بعض المفسرين: (أي نجعل بعضهم أولياء بعض, بجامع كسبهم الشر والفساد, وهذا إخبار منه (تعالى) بسنته في أهل الظلم, وهي أن يجعل بعضهم أولياء بعض, بمعنى يتولاه بالنصرة والمودة, بسبب الكسب السيئ الذي يكسبونه على نحو موالاة شياطين الإنس للجن فالجامع بينهم الخبث والشر, وهؤلاء الجامع بينهم الظلم والعدوان، أو نَكِلُ بَعْضَهُم إلى بَعْض في النُّصْرة والمعُونة, أو  معناه نجعل بعضهم ولي بعض في الكفر والظلم)().

ومن بدائع صاحب الظلال أن يجمع الصورة القديمة في سياج عصري بديع, يبرز فيه تلاقي المسطور مع المنظور, وتعاضد كل فئة ضد مقابلتها؛ سنة ماضية, وقانونا لا يتخلف, ُملمحا إلى سننية الآية الكريمة, وحُكْمها المطرد بقوله: (بمثل هذا الذي قام بين الجن والإنس من ولاء؛ وبمثل ما انتهى إليه هذا الولاء من مصير . . بمثل ذلك ، وعلى قاعدته ، نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون . نجعل بعضهم أولياء بعض؛ بحكم ما بينهم من تشابه في الطبع والحقيقة؛ وبحكم ما بينهم من اتفاق في الوجهة والهدف. وبحكم ما ينتظرهم من وحدة في المصير.

وهو تقرير عام أبعد مدى من حدود المناسبة التي كانت حاضرة، إنه يتناول طبيعة الولاء بين الشياطين من الإنس والجن عامة؛ فإن الظالمين - وهم الذين يشركون بالله في صورة من الصور - يتجمع بعضهم إلى بعض في مواجهة الحق والهدى؛ ويعين بعضهم بعضا في عداء كل نبي والمؤمنين به . إنهم فضلا على أنهم من طينة واحدة - مهما اختلفت الأشكال - هم كذلك أصحاب مصلحة واحدة ، تقوم على اغتصاب حق الربوبية على الناس ، كما تقوم على الانطلاق مع الهوى بلا قيد من حاكمية الله .

ونحن نراهم في كل زمان كتلة واحدة يساند بعضهم بعضا -على ما بينهم من خلافات وصراع على المصالح - إذا كانت المعركة مع دين الله, ومع أولياء الله.  فبحكم ما بينهم من اتفاق في الطينة، واتفاق في الهدف يقوم ذلك الولاء . . وبحكم ما يكسبون من الشر والإثم تتفق مصائرهم في الآخرة على نحو ما رأينا في المشهد المعروض!

وإننا لنشهد في هذه الفترة - ومنذ قرون كثيرة -تجمعا ضخما لشياطين الإنس من الصليبيين والصهيونيين والوثنيين والشيوعيين -على اختلاف هذه المعسكرات فيما بينها - ولكنه تجمع موجه إلى الإسلام، وإلى سحق طلائع حركات البعث الإسلامي في الأرض كلها.

وهو تجمع رهيب فعلا، تجتمع له خبرة عشرات القرون في حرب الإسلام ، مع القوى المادية والثقافية، مع الأجهزة المسخرة في المنطقة ذاتها للعمل وفق أهداف ذلك التجمع وخططه الشيطانية الماكرة . . وهو تجمع يتجلى فيه قول الله سبحانه : { وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون } . . كما ينطبق عليه تطمين الله لنبيه () : { ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون } ولكن هذا التطمين يقتضي أن تكون هناك العصبة المؤمنة التي تسير على قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعلم أنها تقوم مقامه في هذه المعركة المشبوبة على هذا الدين ، وعلى المؤمنين)().

  1. تسلط الظالمين بعضهم على بعض :

وقد يكون المراد من الآية الكريمة (نولي بعضهم بعضا), أي: نسلط بعضهم على بعض كما قال المفسرون : (يجوز أن يكون معنى: ( نولى بعض الظالمين بعضا ( نجعل بعضهم ولاة على بعض، أي نسلط بعضهم على بعض، والمعنى أنه جعل الجن وهم ظالمون مسلطين على المشركين، والمشركون ظالمون، فكل يظلم بمقدار سلطانه. والمراد بالظالمين  في الآية المشركون، كما هو مقتضى التشبيه في قوله: ( وكذلك ).

وقد تشمل الآية بطريق الإشارة كل ظالم ، فتدل على أن الله سلط على الظالمم من يظلمه)()

كما ينطبق ذلك على الرعية مع الراعي, (فمن سنة الله تعالى في الظلم والظالمين أنّ الرعية الظالمة أي التي يتظالم أفرادها فيما بينهم يولّى عليها حاكم ظالم فيكون تسلطه عليهم من العقاب لهم على ظلمهم قال تعالى: (وكذلك نولّي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون), الأنعام: الآية 129. ()

وجاء في تفسيرها: نسلط بعض الظلمة على بعض فيهلكه ويذله. وهذا تهديد للظالم إن لم يمتنع من ظلمه سلط الله عليه ظالماً آخر. ويدخل في الآية جميع من يظلم نفسه أو يظلم الرعية أو التاجر يظلم الناس في تجارته)()

وقال الإمام الرازي في تفسير هذه الآية: (الآية تدل على أن الرعية متى كانوا ظالمين فالله (تعالى) يسلط عليهم ظالماً مثلهم ، فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم)() .

وقال الآلوسي في تفسيرها: (وقد استدل بالآية على أن الرعية إذا كانوا ظالمين فإن الله تعالى يسلط عليهم ظالماً مثلهم، وفي الحديث : كما تكونوا يولى عليكم)()

 

  • عدم فلاح الظالمين:

 

ومن سنته تعالى في الظلم والظالمين أنهم لا يفلحون, ولا يفوزون في الدنيا, كما لا يفلحون ولا يفوزون في الآخرة. قال تعالى: (قُل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون), الأنعام:الآية: 135،

(وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد,أي: استمروا على طريقكم وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى، فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي، ....{ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } أي: أتكون لي أو لكم. وقد أنجز موعده له، (صلوات الله عليه)، فإنه تعالى مكن له في البلاد، وحكمه في نواصي مخالفيه من العباد، وفتح له مكة، وأظهره على من كذبه من قومه وعاداه وناوأه، واستقر أمره على سائر جزيرة العرب، وكذلك اليمن والبحرين، وكل ذلك في حياته. ثم فتحت الأمصار والأقاليم بعد وفاته في أيام خلفائه، رضي الله عنهم أجمعين، كما قال الله تعالى: { كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي } [المجادلة: 20].)()

وقد حفلت آيات القرآن الكريم ببيان نتيجة تلك السنة القاهرة في مثل قوله (تعالى):

{ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ . يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } [غافر : 51 ، 52]

وقوله (تعالى): { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ } [الأنبياء : 105].

وقوله (تعالى) إخبارًا عن رسله: { فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ . وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ } [إبراهيم : 13، 14]

وفي تذييل الآية الكريمة بهذا التذييل بيان لعلية الحكم السابق في صدرها؛  وبيان لمن تكون له العاقبة, كما يرى صاحب التحرير والتنوير: أن( التذييل للوعيد يتنزل منزلة التعليل، أي لأنه لا يفلح الظالمون، ستكون عقبى الدار للمسلمين، لا لكم، لأنكم ظالمون.)()

وواقع الأمة المصرية يشهد بهذا فالواقع المعيش يشهد أنهم ما يتقدمون خطوة إلا وينتكسون خطوات, ويأخذون من المواقف ما يكون وبالا عليهم, وتلك أيضا من سنن الله (تعالى) في خذلان أهل الباطل, وتركهم لحولهم وقوتهم, حتى في اختيارهم للأفراد الذين يقومون بأعمال وزارية ونحوها, يختارون  أكثر الناس فسادا, وأشدهم بعدا عن الواقع, والمتابع للشأن المصري يدرك ذلك بجلاء, واسأل به خبيرا.

 

  • هلاك الأمة بظلمها:

 

من سنّة الله في الظلم والظالمين هلاك الأمة بظلمها، وفي بيان هذه السنة العامة آيات كثيرة في كتاب الله العزيز.

منها : (فقطع دابر القوم الذين ظلموا)، وقوله تعالى : (هل يُهلك إلا القوم الظالمون) ، وقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ)، يونس: (13)  وكلمة (لما) ظرف يدل على وقوع  فعل لوقوع غيره مما هو سبب له. وهذا يدل على وقوع هلاك الأمة لوقوع سببه وهو الظلم. (وهذا الظلم نوعان: (الأول) ظلم الأفراد لأنفسهم بالفسق والفجور والخروج عن طاعة الله والتظالم فيما بينهم . (والثاني) ظلم الحكام لهم على نحو يهدر حقوقهم ويذهب بعزتهم ويعودهم على حياة الذل والمهانة, مما يجعل الأمة ضعيفة, غير صالحة للبقاء فيسهل على الأعداء الاستيلاء عليها واستعبادها فيكون هذا محقاً لها وفناءً لشخصيتها . فيصدق عليها قول الله تعالى : (وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ) ، الأنبياء: (11), وهذه السنة دائمة في الأمم, ولها مواقيت لهلاكها بسبب الظلم، تختلف ـ هذه المواقيت ـ باختلاف أحوالها وأحوال أعدائها وهي آجالها المشار إليها في قوله تعالى : (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ), يونس : 49.()

وتلك سنة أخرى من سنن الله (تعالى) في هلاك الأمم.  

وليس المراد بهلاك الأمة استئصالها لورود ما يدل على منع ذلك في السنة, بل المراد بهلاكها الهلاك المعنوي, فلا يكون للأمة قيمة أمام أعدائها وقد رأينا كيف  يعيث اليهود فسادا في بلادنا, وينفذون بأيدي أبنائنا ما عجزوا عن تنفيذه بأيديهم, وغدوهم ورواحهم في أراضينا, واختراقهم لسلطاننا خير دليل على ما وصلنا إليه من هلاك أشد من الهلاك الحسي, وموت أقسى من الموت الحقيقي بانقطاع الحياة.

ومن صور الهلاك أيضا ضياع مصالحها وتعطل أعمالها, وتأخر إنتاجها, فيكون موتها وهلاكها هلاكا آنيا بتسلط الأقوياء عليها واستضعافها واستذلالها,(فمن آثار الظلم الذي يعجل في هلاك الدولة الظالمة خراب البلاد اقتصادياً وعمرانياً لزهد الناس في العمل والإنتاج ، وسعيهم الدائم إلى الفرار والخروج منها . وكان هذا يؤثر في قوة الدولة اقتصادياً وعسكرياً ويقلل مواردها المالية التي كان يمكن أن تنفقها على إعداد قوتها في مختلف المجالات، مما يجعل الدولة ضعيفة أمام أعدائها الخارجين وإن بقيت قوية طاغية على مواطنيها الضعفاء المساكين المظلومين .. وكل هذا يؤدي إلى إغراء أعدائها من الدول القوية لتهجم عليها وتستولي عليها أو على بعض أقاليمها أو إلحاق الأذى والضرر بها مما يعجل في هلاكها .)()

وقد قال الله (عز وجل): (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). النمل: 52.

وفي ذلك يقول المفسرون: (إن الجور والظلم يخرّب البلاد بقتل أهلها وانجلائهم منها، وترفع من الأرض البركة) ()

وقد روي عن ابن عباس أنه قال أجد في كتاب الله (تعالى) أن الظلم يخرب البيوت وتلا هذه الآية، وفي التوراة: ابن آدم لا تظلم يُخْرب بيتك، قيل وهو إشارة إلى هلاك الظالم؛ إذ خراب بيته متعقب هلاكه، ولا يخفى أن كون الظلم بمعنى الجور والتعدي على عباد الله (تعالى) سبباً لخراب البيوت مما شوهد كثيراً في هذه الأعصار)()

ولعل سر التعليل بالظلم في (بما ظلموا) واختياره على عدد من المهلكات لبيان أثره في الخراب, كما يرى صاحب التحرير والتنوير: أنه ولما خص الله عملهم بوصف الظلم من بين عدة أحوال يشتمل عليها كفرهم كالفساد كان ذلك إشارة إلى أن للظلم أثرا في خراب بلادهم.)()

والظلم ليس سببا في خراب البيوت فقط, بل سبب كبير في هلاك الأمم واندثار الحضارات, لذلك تجد الحضارات التي تُتوَارث في الكون كلها آلتْ إلى زوال، ولم نجد منها حضارة بقيتْ من البداية إلى النهاية، ولو بُنِيَتْ هذه الحضارات على قيم ثابتة لكان فيها المناعة ضد الزوال.()

ملامح السننية في تلك القضية

وتبدو ملامح السننية في قضية الظلم وما يترتب عليه في:

1-التركيبة البنائية لبعض الآيات التي توحي بترتب الجزاء على العمل, مثل (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون)

فترتب الجملة بكاف التشبيه: (وكذلك), وربط هذا الجزاء بالباء الدالة على السببية(بما كانوا يكسبون) يوحي بوضوح عن سننية تلك القضية,  وترتب نتائجها على مقدماتها, وجزاءها على شرطها, وذلك هو عين السننية الماضية.

2-ترتب الجزاء  على الشرط بصيغة الموصول (فقطع دابر القوم الذين ظلموا), بما يشعر بأن عمل الظالمين سبب قطع دابر هم.

3-تكرار ربط النتيجة بالعمل في (بما ظلموا) يؤكد قضية السببية والعلِّيَّة.

4-تأكيد تلك السننية بصورة القاعدة الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل في قوله (تعالى): (إنه لا يفلح الظالمون).

                 المبحث الثاني

سنة الله في التزاوج بين رجال المال والحكام الطغاة

مضت سنة الله (عز وجل) في خلقه بأنه لا يوجد طغيان سياسي إلا ويصحبه فساد مالي, يخدمه ويؤازره, ويسعى بين يديه ويعاونه, يطلق له البخور, ويعبد له النفوس, ويمهد له الأفئدة, ترى ذلك في حديث القرآن عن العلاقة بين فرعون وقارون, وفي حديث القرآن عن الملأ, وعلاقته بالحاكم في أكثر من موطن من مواطن القرآن الكريم, وفي كل حاكم مستبد, ومع كل طغيان سياسي, تجد الفساد المالي.

يقول الكواكبي (رحمه الله), وهو يصف طبائع الاستبداد, وعلاقته بالمال: (وكفى بما يتمتعون به من الثروات الطائلة, التي لا منبت لها غير الجاه برهانا فاضحا لو كانوا يستحون, وهم ليس فيهم غير المستبيح المفاخر بمشاركة المستبد في امتصاص دم الأمة؛  ذلك  بأخذهم العطايا الكبيرة, والرواتب الباهظة, التي لا تسمح بها الإدارة العادلة, لأمثالهم؛ لأنها إدارة راشدة, لا تدفع أجورا زائدة, ومنها أنهم لا يدفعون شيئا ولو سرا من السحت الكثير في سبيل مقاومة الاستبداد, الذي يزعمون أنهم أعداؤه, إنما يصرف بعضهم شيئا في الصدقات الطفيفة وبناء المعابد, سمعة ورياء, وكأنهم يريدون أن يسرقوا قلوب الناس بعد سلب أموالهم,.... ومنها أن أكثرهم مسرفون مبذرون)()

ومن سنن الله (تعالى) التي بدت واضحة بلا لبس, بينة بلا غموض في المشهد المصري الآني والسابق, وما زالت مستمرة: سنة الله في التزاوج والتكامل بين رجال المال  والحكام الطغاة, ولا نقصد هنا برجال المال كل من تعامل في التجارة, بل نقصد فئة معينة, وهي التي جعلت المال أكبر همها, ومبلغ علمها, وإنما حصرنا التسمية في رجال المال وإن كانت تلك الصفات موجودة في كثير من البشر؛ لأن أصحاب رؤوس المال ورجال الأعمال هم من أكثر الناس الذين ظهرت فيهم تلك الصفة, ومن أكثر الناس حرصا على التزلف لرجال الدولة الطغاة, رغبا ورهبا؛ حتى تيسر مصالحهم, وتستقر أموالهم, وكثيرا ما سمعنا مقولة: (رأس المال جبان), إشارة إلى حرص أصحابه على حمايته, والحفاظ عليه, وتيسير سبل إنمائه, وغدت تلك الصفات شبه لازمة من لوازم هؤلاء, حتى كانت متسقة مع سنن الله الماضية, ومن خلال تتبع القرآن الكريم, واستقراء النماذج التي حكمت حكما شموليا دكتاتوريا مستبدا, بان مدى العلاقة بينهم  وبين رجال المال, فالحاكم المستبد كما يكون في حاجة إلى سحرة وكهنة من رجال الدين المرتشين, والسحرة والكهنة المشعوذين, يكون أيضا في حاجة إلى سند مالي وإعلامي, يؤثر به في نفوس الرعية, رغبا ورهبا.

ومن هنا بين المهتمون بالحديث عن الطغيان السياسي وطبائعه العلاقة بين الحاكم المستبد وصاحب المال, أي بين (الفرعون والقارون), على تطاول الأعصار وتباعد الأمصار, حتى غدت تلك طبيعة من طبائع الاستبداد, فيرى الكواكبي في  كتابه الفذ: طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد أن (الاستبداد لو كان رجلاً وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: "أنا الشرُّ، وأبي الظلم، وأمّي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسْكَنة، وعمي الضُّرّ، وخالي الذُّلّ، وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني وشرفي فالمال, المال, المال.)()

وفي ذلك من بيان العلاقة بين الاستبداد والمال ما فيه؛ إذ المال وسيلة من وسائل قهر النفوس: رغبا ورهبا, وكم رأينا من رموز تهاوت, وكبار صغروا, وأعزاء زلوا فذلوا بين يدي الأصفر الرنان الذي يلوي كل جيد, وأصبح المستبد

يرمي به شركا يصيد من الرغائب ما يصيد

يعنو له رب القنا        وتهيم ربات القدود()

وكما يخبر الواقع أن المال في الحكم وسيلة من وسائل القوة, وصورة من صور التحكم والسيطرة, فالمال( عند الاقتصاديين: ما ينتفع به الإنسان، وعند الحقوقيين: ما يجري فيه المنع والبذل؛ وعند السياسيين: ما تُستعاض به القوة؛ وعند الأخلاقيين: ما تُحفظ به الحياة الشريفة.)()

وتبدو العلاقة بين الطغيان السياسي ورأس المال متشابكة متداخلة في غير ما موضع, حتى تنجر الرغبة في التمول إلى عموم الشعب, وبأي صورة من صوره, من حلال أو حرام, كما يقوى ذلك ويشتدُّ في رؤوس الناس في عهد الحكومات المستبدِّة؛ (حيث يسهل فيها تحصيل الثروة بالسرقة من بيت المال، وبالتعدّي على الحقوق العامة، وبغصب ما في أيدي الضعفاء، ورأس مال ذلك هو أنْ يترك الإنسان الدِّين والوجدان والحياء جانباً وينحطَّ في أخلاقه إلى ملائمة المستبدّ الأعظم، أو أحد أعوانه وعماله، ويكفيه وسيلةً أن يتّصل بباب أحدهم ويتقرَّب من أعتابه، ويظهر له أنَّه في الأخلاق من أمثاله وعلى شاكلته، ويبرهن له ذلك بأشياء من التملُّق وشهادة الزور، وخدمة الشهوات، والتجسس، والدلالة على السّلب ونحو ذلك. ثمَّ قد يطلع هذا المنتسب على بعض الخفايا والأسرار التي يخاف رجال الاستبداد من ظهورها خوفاً حقيقياً أو وهمياً، فيكسب المنتسب رسوخ القدم ويصير هو باباً لغيره، وهكذا يحصل على الثروة الطائلة إذا ساعدته الظروف على الثّبات طويلاً.)()

إن العلاقة بين المستبد وصاحب رأس المال ليست حميمية كما يبدو للناظر المتعجل, بل تبادل مصلحي, فالمستبد يكره الأغنياء لكن لا يستغني عن وجودهم وخدماتهم, وتلك أيضا طبيعة من طبائع الاستبداد، (فالأغنياء أعداؤه فكراً, وأوتاده عملاً، فهم ربائط المستبدِّ، يذلُّهم فيئنّون، ويستدرّهم فيحنّون، ولهذا يرسخ الذلُّ في الأمم التي يكثر أغنياؤها, أما الفقراء فيخافهم المستبدُّ خوف النعجة من الذئاب، ويتحبب إليهم ببعض الأعمال التي ظاهرها الرأفة، يقصد بذلك أن يغصب أيضاً قلوبهم التي لا يملكون غيرها. والفقراء كذلك يخافونه خوف دناءةٍ ونذالة، خوف البغاث من العقاب، فهم لا يجسرون على الافتكار فضلاً عن الإنكار، كأنهم يتوهَّمون أنَّ داخل رؤوسهم جواسيس عليهم. وقد يبلغ فساد الأخلاق في الفقراء أن يسرّهم فعلاً رضاء المستبدِّ عنهم بأيِّ وجهٍ كان رضاؤه.)()

وإذا نظرنا إلى نموذج الاستبداد والاستعباد والطغيان السياسي الذي أكثر القرآن الكريم – لحكمة باهرة-من ذكره,  ولفْتِ أنظار الناس إلى ضرره وخطره, وهو فرعون, الذي طغى في البلاد, فأكثر فيها الفساد والذي عني القرآن بالحديث عنه عناية ملحوظة, وتكرر في القرآن الكريم ذكر قصته مع موسى وبني إسرائيل حتى قال بعضهم: كاد القرآن أن يكون موسى, إذا نظرنا إلى هذا النموذج رأينا مدى حاجته إلى نموذج صاحب المال الذي يسخر ماله في سبيل الاستبداد والاستعباد.

ذلك أن أصحاب الحكم المستبد, والطغاة في كل زمان ومكان يحرصون على  كسب شريحة من الناس يكون بينهم وبينها مصالح متبادلة, ورجال المال الفاسدون يحرصون على أن يظل الجو العام, والمناخ السائد في الأمة التي يعيشون فيها مناخا غير نظيف؛ حتى يسهل عليهم العمل؛ لأن أعمالهم  كالديدان لا تنمو إلا في مناخ غير طاهر, أو الجراثيم التي لا تعيش إلا في وسط غير نقي, فهي مصالح متبادلة, ومنافع متقابلة بين هؤلاء وأولئك.

من هنا تجد حرص القرآن على ذكر قارون وفرعون وهامان, هذا الثلاثي الذي استعبد الناس وأذلهم, ثالوث المال والحكم والوزارة,

وهذه القوى الثلاث هي التي خدعت الناس قديما وحديثا: قوة الحكم, وقوة المال,وقوة العلم أو الوزارة, وألهتهم عن القوة الكبرى, والعظمة الحقيقية قوة الملك القاهر الذي يجير ولا يجار عليه, فإن الناس (تخدعهم قوة الحكم والسلطان يحسبونها القوة القادرة التي تعمل في هذه الأرض, فيتوجهون إليها بمخاوفهم ورغائبهم, ويخشونها ويفزعون منها, ويترضونها؛ ليكفوا عن أنفسهم أذاها, أو يضمنوا لأنفسهم حماها !

وتخدعهم قوة المال, يحسبونها القوة المسيطرة على أقدار الناس وأقدار الحياة,  ويتقدمون إليها في رغب وفي رهب, ويسعون للحصول عليها ليستطيلوا بها ويتسلطوا على الرقاب كما يحسبون !

وتخدعهم قوة العلم يحسبونها أصل القوة وأصل المال, وأصل سائر القوى التي يصول بها من يملكها ويجول, ويتقدمون إليها خاشعين كأنهم عباد في المحاريب !

وتخدعهم هذه القوى الظاهرة. تخدعهم في أيدي الأفراد وفي  أيدي الجماعات وفي أيدي الدول, فيدورون حولها, ويتهافتون عليها, كما يدور الفراش على المصباح, وكما يتهافت الفراش على النار !

وينسون القوة الوحيدة التي تخلق سائر القوى الصغيرة, وتملكها, وتمنحها, وتوجهها, وتسخرها كما تريد, حيثما تريد. وينسون أن الالتجاء إلى تلك القوى سواء كانت في أيدي الأفراد, أو الجماعات, أو الدول. . كالتجاء العنكبوت إلى بيت العنكبوت)()

ولقد ذكر القرآن الكريم ذلك الترابط بين المال والطغيان, وبين التزاوج بين رجال المال والحكام الطغاة, وقارون بين فرعون  وهامان وقارون في مرات كثيرة منها قوله (تعالى): (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) العنكبوت: 39.

وقوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) غافر: 23, 24.

وقوله: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ), القصص: 76- 82.

ويرى بعضهم أن قارون كان يمثل أحد أضلاع مثلث القهر والاستبداد مع فرعون وهامان, ف"الحاكم المتجبر في بلاد الله ويمثله فرعون، والسِّياسيّ الوصولي الذي يسخر ذكاءه وخبرته في خدمة الطَّاغية وتثبيت حكمه وترويض شعبه للخضوع له ويمثله هامان، والرأسمالي أو الإقطاعي المستفيد من حكم الطَّاغية، فهو يؤيده ببذل بعض ماله، ليكسب أموالاً أكثر من عرق الشعب ودمه ويمثله قارون")()

ويرى بعضهم أن التَّحالُف الثلاثي الذي كشف عنه القرآن إنما هو بين الحاكم المتجبر الطاغي ويمثله فرعون، وبين بطانة السوء المكونة من: (هامان السِّياسيّ رئيس البطانة أو الملأ، وقارون الرأسمالي الباغي وعامل فرعون على بني إسرائيل، والكهنة أو رجال الدِّين المضفين للشرعية على سلطات الطَّاغية، والإعلام الملهي والمشوه ويمثله السحرة وكذا القائمون على إشاعة وإيصال الأوامر الفرعونية إلى المدائن وعلى جناح السرعة)، وبين الجُنُود أو المؤسَّسة العسكريَّة، وما هامان وقارون إلا أفرادٌ في بطانة السوء, أو من يمثل رأس البطانة ولا سيما هامان المدبر والمنفذ لأوامر فرعون من بناء الصرح، وقارون العامل والنائب على بني إسرائيل)()

وعلى كل حال فلا يخلو الأمر من وجود قارون ودوره في إفساد الحياة الاجتماعية في سبيل فرعون وسلطانه, سواء أكان قارون يمثل ضلعا من أضلاع المثلث أم جزءا من منظومة تعمل على الفساد والإفساد

ومن الممكن  أن نستنبط من الآيات التي ورد فيها ذكر قارون إشارات إلى مكانة قارون حيث مكانة هامان واضحة جداً من أنه كان يمثل الرأس المدبر لملأ فرعون, أو حسب تعبير ابن كثير الوزير السوء، أو رئيس الوزراء حسب التعبير المعاصر، فربما تشير هذه الآيات إلى مكانة قارون بين ملأ بني إسرائيل المقربين من فرعون، والذين كانوا يقومون بمهمة تخويف بني إسرائيل ومنعهم من اتباع موسى ، قال تعالى: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الْمُسْرِفِينَ, يونس:83. ولا سيما أنه كان غنياً جداً فربما كان يمثل رأس ملأ بني إسرائيل المقرب من فرعون أو عامله عليهم وقد صرح بعض المفسِّرين بأن قارون كان عاملاً لفرعون على بني إسرائيل، فقد نقل القرطبي: "وقال يحيى بن سلام وابن المسيب: كان قارون غنياً عاملاً لفرعون على بني إسرائيل فتعدى عليهم وظلمهم(). وعلق الثعالبي بعد أن ذكر كلام المسيب السابق وغيره في ذلك بأن: "ما ذكره ابن المسيب هو الذي يصح في النظر لمتأمل الآية"(). وقد ذكر ذلك قبلهما ابن أبي زمنين (). وهو عين ما ذكره كل من الإمام البغوي() والشوكاني()

كما أشار القرآن إلى الطغيان المالي في حديثه عن فرعون وملأه بقوله: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيم),يونس: 88.

لقد كان المال بيد فرعون وسيلة لإضلال الناس عن سبيل الله؛ لأنّ إضلال النّاس شرط لبقائه في حكمه، (إما بالإغراء الذي يحدثه مظهر النعمة في نفوس الآخرين، وإمّا بالقوة التي يمنحها المال لأصحابه فيجعلهم قادرين على إذلال الآخرين أو إغوائهم. ووجود النعمة في أيد المفسدين لا شك يزعزع كثيرا من القلوب التي لا يبلغ من يقينها بالله أن تدرك أنّ هذه النعمة ابتلاء واختبار، وأنّها كذلك ليست شيئا ذا قيمة إلى جانب فضل الله في الدنيا والآخرة.)(1).

من هنا حرص موسى () على الدعاء على أموال الظالمين في قوله: ( ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم), يونس: 88.

ذلك أن هذا المال ينشأ عنه إضلال الناس عن سبيلك، (إما بالإغراء الذي يحدثه مظهر النعمة في نفوس الآخرين. وإما بالقوة التي يمنحها المال لأصحابه فيجعلهم قادرين على إذلال الآخرين أو إغوائهم. ووجود النعمة في أيدي المفسدين لا شك يزعزع كثيراً من القلوب التي لا يبلغ من يقينها بالله أن تدرك أن هذه النعمة ابتلاء واختبار، وأنها كذلك ليست شيئاً ذا قيمة إلى جانب فضل الله في الدنيا والآخرة, وموسى يتحدث هنا عن الواقع المشهود في عامة الناس, ويطلب لوقف هذا الإضلال، ولتجريد القوة الباغية المضلة من وسائل البغي والإغراء، أن يطمس الله على هذه الأموال بتدميرها والذهاب بها، بحيث لا ينتفع بها أصحابها)()

لقد أعطاهم الله ( زِينَةً مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا وَأَثَاثِهَا، وَأَمْوَالاً مِنْ أَعْيَانِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )().

وتلك سنة الله (تعالى) في الملأ الذين يكونون على مقربة من الحاكم المستبد, يرخي لهم العنان, فيعُبُّون من المال ما يعبون, ويعيثون في الأرض فسادا كما يشاءون؛ ذلك أن المناخ الذي يعيشون فيه جميعا لا يكون إلا كذلك فسادا في المال, ورشوة في التعامل, وقهرا للمخالف, فهي سنة الله الماضية, إذا كان الحاكم صالحا صلح ما حوله, وإذا كان فاسدا,كان كل ما حوله فسادا .

ويذكر الإمام القرطبي أنهم كان لهم ( من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن الذهب والفضة والزبرجد والزمرد والياقوت.)()

ويصف صاحب المنار هذه الزينة بأنها: ( زينة من الحلي والحلل والآنية والماعون والأثاث والرياش، وأموال كثيرة الأنواع والمقادير ، يتمتعون بها وينفقون منها في حظوظ الدنيا من العظمة الباطلة, والشهوات البدنية, بدون حساب (ربنا ليضلوا عن سبيلك) أي لتكون عاقبة هذا العطاء إضلال عبادك عن سبيلك الموصلة إلى مرضاتك باتباع الحق والعدل والعمل الصالح؛ ذلك بأن الزينة سبب الكبر والخيلاء والطغيان على الناس ، وكثرة الأموال تمكنهم من ذلك وتخضع رقاب الناس لهم, كما قال تعالى : (إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) (96 : 6 ، 7) وذلك دأب فراعنة مصر ، به تشهد آثارهم وركازهم, التي لا تزال تستخرج من برابيهم  ونواويس قبورهم إلى يومنا هذا الذي أكتب فيه تفسير هذه الآيات وتحفظ في دار الآثار المصرية ، ويوجد مثلها دور أخرى في عواصم بلاد الإفرنج ملأى بأمثالها)()

ومن المفسرين من فسر الزينة والأموال بقوله: ( زينة : أي حليا وحللا ورياشا ومتاعا, أموالا : أي كثيرة من الذهب والفضة والأنعام والحرث.)()

وفي قول موسى لله (تعالى): ( ربنا ليضلوا عن سبيلك), بتعدية الإضلال بضم ياء يضلوا, بيان لما يستخدمه الفراعنة من تسليط المال وتسخيره, والاعتماد عليه في إضلال المجتمعات عن سبيل الله, وهذا ما يظهر العلاقة جلية بين الطغيان السياسي والطغيان المالي, فإنهم يستعينون بهذا المال على إغراء الشعوب وإلهائها, بل استعبادها وإذلالها,وصدها عن طريق الخير والحق والحرية, على منهاج سيف المعز وذهبه, فيقربون بالمال من سار في ركابهم وانضوى تحت لوائهم, ويلوحون بالسيف لمن طالب بحريته, وأكرم إنسانيته,ولم يسر في قطيع العبيد.

وفي قراءة (يضلوا) بفتح الياء دلالة على أن المال سيكون سببا لضلالهم  هم, وبعدهم عن شريعتك ومنهاجك. وذلك  يكون لونا من ألوان الاستدراج من الله (تعالى) لهم.()

لقد أبان القرآن الكريم عن العلاقة بين الطغيان السياسي والطغيان المالي من خلال ذكر قصة قارون مع فرعون, وكيف استغل الاستبداد السياسي رغبة الناس الفطرية في المال , وكيف وُظف قارون نفسه في إفساد المجتمع, وجذب أنظار الشعوب إلى المال بخروجه عليهم في زينته حتى قالوا: (يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون), القصص:79.

وهنا يظهر لنا كيف استخدم فرعون قارون في دغدغة نفوس الرعية وجعل لعابهم يسيل, بل جعلهم يلهثون خلف المال, وذلك الفعل عينه ما عايشه الواقع المصري في تلك الفترات الكئيبة, التي أصبح المال فيها غاية في حد ذاته, وهدفا يُسعى إليه.

(إنّ فرعون ينفق ما يشاء ولمن يشاء، ويُسَخِّرُ النّاس لتنمية هذه الثروة, وليس لهم إلا ما يجعلهم قادرين على الخدمة والعمل، وفي سبيل هذا أغرى قسما من النّاس وحرم الأغلبية؛ ليكون المستفيدون عونا له على قمع العبيد والخدم إذا ما سولت لهم أنفسهم التمرد على النظام القائم.

إنّ العلاقة بين الحكم والملك ظاهرة جليّة،فمن يملك يحكم؛ لأنّه بسيطرته على المال يسيطر على عصب الحياة،ويجعل النّاس في حاجة إليه،فيبدأ النّاس بالتودد رياءا إلى السلطان كي يمنّ عليهم بشيء ممّا عنده، فيكون أكثرهم حظا أنفعهم في تثبيت النظام، فكلما كان الفرد قادرا ومواليا كان حظه من المال أكثر.

وفي المقابل فإنّ ازدياد السيطرة والتّحكم يؤدي إلى ازدياد القدرة على جمع الثروه ونهب خيرات الجماهير، والعجزة غير قادرين بحكم السيطرة والقوة على معاندة النظام.وهكذا دواليك،فكل زيادة في التّحكم تقابلها زيادة في السيطرة على المال والثروة،والعكس صحيح.

ومن أجل هذا النّمو المتبادل بين التّحكم والسيطرة على المال والثروة كان المنهج الذي يحقق تلك الزيادة المستمرة،وهو المنهج الذي يعكس شخصية فرعون ويميّزها؛ذلك أنّ المحافظة على تلك المكتسبات هي التي شكلت المحور الأساسي الذي يدور حوله منهج فرعون، فانعكس هذا على الوسائل المستخدمة في الدفاع عن الوضع والمنهج القائم،والذي من إفرازاته ونتائجه تميّز فرعون بتلك الميزات الخاصة.

إنّ أي تغيير للأوضاع يعني تغييرا في الامتيازات المكتسبة،ولهذا رفض فرعون معادلة الحجة بالحجة, والبرهان بالبرهان لأنّها تهدم النّظام القائم،ودلّ على هذا شكل المواجهة التي اختارها بعد أن أقام موسى الحجة عليه،حيث قال:''ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد'' غافر:26, فالقتل هو الحل في دين فرعون ومنهجه،وهو الحل في كل نموذج تتكرر فيه شخصية فرعون.

من هنا نفهم لماذا يقف أصحاب الامتيازات أمام الدّين الحق ويحاربونه؛ (لأنّه لا بقاء ولا قرار لحكم الطواغيت مع الدعوة إلى رب العالمين. وهم إنّما يقيمون ملكهم على تنحية ربوبية الله للبشر بتنحية شريعته.وأقاموا أنفسهم أربابا من دون الله يُشرِّعون للناس ما يشاءون، ويعبدون النّاس لما يشرعون!إنّهما منهجان لا يجتمعان،أو هما دينان لا يجتمعان..وفرعون كان يعرف وملؤه كانوا يعرفون..ولقد فزعوا للدعوة من موسى وهارون إلى رب العالمين)()؛ ذلك أنّ البوصلة التي تحدد اتجاه فرعون وخط سيره هي المحافظة على مكتسباته، فكل ما يصبُّ بهذا الاتجاه فهو مصان في نظام فرعون.

إنّ الطواغيت لديهم حساسية من أي مراقبة مالية، فهم يستأثرون بالثروة وبتوزيعها، ينتفضون بشراسة إن سُئلوا من أين لكم هذا؟ أو إن سُئلوا أين أنفقتم أموال الأمّة؟ فتلك أسئلة محرجة قد توقظ الجهلة والغافلين،ليسألوا عن حقوقهم، وذلك باب لا يريد الطاغوت له فتحا, فالطاغوت لا يقبل أن تُذاع على النّاس أخبار القصور, وحياة الترف والبذخ التي يعيشها الطواغيت على حساب الشعوب وحرمانهم, وفي المقابل كان الطواغيت-وما زالوا-أعداء للحرية والرأي، فهم لا يقبلون المشاركة في الحكم وسياسة الدولة؛ ذلك أن أي مشاركة تُنقص من جاههم المزعوم،وقد تؤدي إلى فضح ما لا يسمح الطاغوت بفضحه.)()

والناظر في الواقع المصري قبل الثورة يجد سنة الله تلك ماضية لا تتخلف, حاكمة لا تتبدل, كما رصدها القرآن الكريم, وأيدها الواقع المعيش, فأصبح المنظور والمسطور على حد سواء في البيان والإيضاح, لقد عاشت مصر حينا من الدهر في تزاوج بين الفاسدين المفسدين من الحكام الذين أفقروا البلاد, وأذلوا العباد, وجعلوا ما يزيد على 40% من الشعب يعيش  تحت خط الفقر حسب الإحصاءات المؤسسية, وترصد دراسة قام بها مركز العقد الاجتماعي, ونشرها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار, التابع لمجلس الوزراء المصري,  يتضح من خلالها مدى التزاوج بين الفساد الإداري والمالي ,والعلاقة بين الحكم الفاسد وانتشار الفساد المالي وتهيئة المناخ المناسب له, وأن هناك أسبابا متعددة (يسرت لبعض المسئولين الفاسدين اتخاذ قرارات وتطبيق سياسات تحقق مصالحهم الشخصية أو مصالح الفئات التي ينتمون إليها، في ظل عدم إشراك أو استشارة الأشخاص المتأثرين بهذه السياسات أو تلك القرارات)()

كما كشفت الدراسة الرسمية مدى العلاقة بقولها: (كانت المالية العامة للدولة تدار بطريقة (ساهمت) كثيراً في انتشار ظاهرة الفساد في الدولة، فصعوبة فهم الموازنة العامة أضعف من الرقابة الشعبية على موارد المال العام وسبل إنفاقه. والصناديق الخاصة العديدة الموجودة خارج الموازنة العامة أدت إلى إضعاف الرقابة على أموالها وهي أموال عامة. ونفس النقد يوجه إلى موازنات البند الواحد, كما أن الإنفاق الحكومي يشوبه الإسراف.  أما نظام المزايدات والمناقصات العمومية، وإن كان منظما بشكل قانوني جيد، ويتم نشر المزايدات والمناقصات على بوابة الحكومة الإلكترونية بشكل شفاف، إلا أن الممارسة كشفت عن فساد كبير في هذا القطاع. وقد عانت مصر من أساليب منح القروض في البنوك العامة التي كان يغلب عليها الطابع الشخصي، مما أدى إلى حصول كثير من المقربين من النظام السابق على قروض كبيرة بغير

ضمانات والهروب بها خارج البلاد. كما أن إدارة شركات قطاع الأعمال العام والخصخصة التي تمت شابها الفساد بسبب تسييس إدارتها، وقرارات بيعها، وعدم اعتمادها على معايير الشفافية والمشاركة والكفاءة والفاعلية.)()

كما ترى هذه الدراسة أن  السياسات العامة قبل الثورة،(لم تكن في كثير من الأحيان، تبتغي الصالح العام بقدر ابتغائها لإرضاء بعض الأشخاص المنتمين إلى طوائف اجتماعية معينة، أو ينتمون إلى الحزب المسيطر آنذاك، ومن الأمثلة الصارخة على الفساد المؤسس على الطبقية الاجتماعية والنفوذ السياسي، التعيينات في القضاء، والشرطة، والسلك الدبلوماسي، والجامعات، حيث أصبحت هذه الوظائف، في جانب كبير منها، مقصورة على المحظيين من عائلات معينة، أو من لديهم واسطة أو محسوبية أو يستطيعون دفع رشاوى كبيرة. وكثيراً من الصفقات كان يعقدها هذا الحزب مع قبائل أو قوى معينة للحصول على تأييدها في الانتخابات البرلمانية المتعددة،وكانت هذه الطوائف تحصل في المقابل على مزايا تفضيلية عن باقي المواطنين.)()

ويوضح هذا التزاوج بين الطغيان السياسي والفساد المالي؛ أنها سنة من سنن الله (تعالى) في خلقه, أثبتها القرآن ورصدها الواقع, وأكدتها الأيام, فالكواكبي رائد الحديث عن الاستبداد والفساد يرى أنه كلما كان المستبد حريصا على الفسق, احتاج إلى جيش من المتمجدين العاملين له, المحافظين عليه, واحتاج إلى مزيد الدقة في اتخاذهم من أسفل المجرمين, الذين لا أثر عندهم لدين أو ذمة, واحتاج لحفظ النسبة بينهم في المراتب بالطريقة المعكوسة, وهي أن يكون أسفلهم طباعا وخصالا أعلاهم وظيفة ورتبة, ولهذا لا بد أن يكون الوزير الأعظم للمستبد هو اللئيم الأعظم, في الأمة ثم من دونه لؤما, وهكذا تكون مراتب الوزراء والأعوان في لؤمهم حسب مراتبهم في التشريفات والقربى منه (), وأن المستبد -وهو من لا يجهل أن الناس أعداؤه- لا يأمن إلا لمن يثق به أنه أظلم منه للناس, وأبعد منه عن أعدائه, إن المستبد لا يخرج عن أنه خائن خائف, محتاج لعصابة تعينه وتحميه,فهو ووزراؤه كرمز لصوص : رئيس وأعوان, فهل يجوز العقل أن ينتخب رفاق من غير أهل الوفاق,؟ وهو هو الذي لا يستوزر إلا بعد تجربة واختبار عمرا طويلاً)()

وهذا بيان واضح من رجل خبر الاستبداد والاستعباد في عصره, وكان من أدق من وصفوه توصيفا واقعيا حقيقيا, وشرَّحوه تشريحا علميا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا, وهذا مما لا تختلف في فهمه العقول الراجحة, مهما تباعدت الأمصار, أو تراخت الأعصار, وتلك طبيعة السننية الحاكمة والناموسية المطردة, لا تقف عند عصر, ولا تتخلف عند مصر.

بل إن روح التزاوج الفسادي تسري وتعدي من طبقة إلى أختها, ومن كل فئة إلى التي تليها, فكل مستبد يجعل له ممن تحته مثل ما جعل منه المستبد الأكبر, حتى تسري روح الفساد في الرعية.

يقول أزد شير: ("لكل ملك بطانة، ولكل واحد من البطانة بطانة، حتى يجمع ذلك جميع المملكة، فإذا أقام الملك بطانة على حال الصواب، أقام كل منهم بطانته على مثل ذلك، حتى يجتمع على الصلاح عامة الرَّعيَّة".(), والعكس بالعكس سواء بسواء.

كما تبدو العلاقة بين الحكام الطغاة ورجال المال في الملامح الآتية:

  1. تفشي الفساد المالي بصورة غير متوقعة, وغير طبيعية, حتى وصلت قضايا الفساد المالي في تحقيقات أجرتها النيابة الإدارية إلى أربعين ألف قضية.
  2. تلطخ رجال المال  في صور عجيبة من صور الفساد الذي  فاق كل الحدود, حتى يبتاع بعضهم قطع أراضي بثمن بخس, لا يتناسب مع قيمتها الحقيقية بحال من الأحوال, ومن تلك القضايا قيام المختصين بمحافظة جنوب سيناء خلال عام "2000" لتخصيص قطعة أرض تقدر مساحتها بحوالي "2 مليون" متر مربع بشرم الشيخ إلي رجل الأعمال ..... بالمخالفة للإجراءات القانونية المتبعة وبسعر لا يتجاوز "20 جنيها" للمتر وقيامه بإقامة عدد "250" فيلا علي الأرض المشار إليها دون مراعاة لحرمة مياه خلية السويس ... وبيع (الفيلا)  الواحدة بسعر "11 مليون" للواحدة وانتهت اللجنة التي شكلتها النيابة الإدارية لصحة الوقائع.()
  3. كما طال الفساد المالي مناجم في مواقع متعددة منها المخالفات التي شابت عقود الاستغلال لمناجم الفوسفات بمنطقة البحر الأحمر وتسويقه دون وجه حق ودون حصول الدولة علي أي مقابل
    وقدر الضرر المادي بـ "2 مليار و28 مليون" جنيه مصري. ()
  4. وتعدى الأمر الفساد المالي حتى وصل إلى التزوير وتعيين بعض الأشخاص في مناصب لا يحملون مؤهلا لها, ففي بلاغ للنائب العام عن مخالفات في قصور الثقافة (أكد البلاغ أن المسئول عن هذه المخالفات هو مدير عام الإدارة العامة للمشروعات بالهيئة وبالبحث عنه تبين أنه حصل علي عضوية نقابة المهندسين بموجب مستندات مشكوك في صحتها وأفادت كلية الهندسة جامعة القاهرة أنه بالبحث في نتائج الكلية عام 1995 وهو تاريخ التخرج تبين عدم العثور علي اسمه ضمن خريجي هذه الدفعة وأن صورة الشهادة غير صحيحة وكذلك الأختام وأن تعيينه بالهيئة جاء مخالفا للقانون)()
  5. كما شاهدنا في الواقع  كثيرا من صور التزاوج بين رجال المال  ومن فوقهم من أصحاب السلطة,كل ينظر إلى من فوقه, ويتطلع إلى رضاه,ويرمق من تحته ويسعى إلى استعباده, حتى تمشت تلك الطبيعة من طبائع الاستبداد إلى عموم الناس,حتى يلحظها الراقب في دوائر المصالح الحكومية,كل حسب رتبته وعمله, حتى تفشى ذلك في عامة المجتمع.

وهذا التزاوج بين الحكام الطغاة وررجال المال من السنن الماضية التي ظهرت في الثورة المصرية جلية بينة كما عرفنا, وستظل سنة من سنن الله (تعالى), ومهمة المسلم أن يعي تلك السنة ويحسن التعامل معها, في ضوء مقررات القرآن وعطاءاته.

 

المبحث الثالث:

سنة الله في المكر والماكرين

في ضوء الثورة المصرية

من السنن الظاهرة في أحداث الثورة المصرية, سنة الله في المكر والماكرين, فالمتتبع لأحداث الثورة يدرك الكم الهائل والمتتابع من المكر والتدبير من أطراف كثيرة بعضها خفي وبعضها ظاهر, لكنه خبيث التعامل, خدَّاع الترتيب, حتى يخيل للناس أنه أحرص على الخير, وأضبط للنفس, وتظهر الأيام أنه يمكر بليل, ويدبر بخبث, ولكن لله في خلقه وكونه شؤون يبديها ولا يبتديها, ويخفيها على الناس حينا, حكمة منه وعلما, ولا يقع في ملكه (تعالى) إلا ما يريد, ويمكننا الوقوف على مفهوم المكر أولا حتى نعي أضرابه وأقسامه وكيفية التعامل معه  وسنة الله فيه فأقول:

معنى المكر في اللغة:

قال الليث: المكر احتيال في خفية.... وقال ابن سيده: المكر الخديعة والاحتيال،

وقال ابن الأثير: مكر الله إيقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه، ... وأصل المكر الخداع.()

ومن تعاريف المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة وذلك ضربان: محمود ومذموم ()

وللجرجاني تعريف لطيف يجمع بين صورتي المكر,يقول فيه: المكر من جانب الحق (تعالى) هو: إرداف النعم مع المخالفة, وإبقاء الحال مع سوء الأدب, وإظهار الكرامات من غير جهد, ومن جانب العبد إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر().

ورود المكر في القرآن الكريم

وقد ورد في القرآن الكريم الحديث عن المكر والماكرين أربعا وأربعين مرة, شملت الفترتين المكية والمدنية, فورد الحديث عنه في الفترة المكية ستا وثلاثين مرة, وفي الفترة المدنية ثماني مرات.

وقد كان وروده بصيغ: الماضي والمضارع, والمصدر, واسم الفاعل, ووردت المادة مسندة إلى المخاطب والغائب, والمتكلم, والمذكر والمؤنث, وورد مضافا ومقطوعا عن الإضافة.

كما ورد مضافا إلى البشر بأصنافهم السابقة, ومضافا إلى الله (تعالى).

ومن خلال هذا الرصد يمكن أن نتلمس الملامح الآتية:

  1. أن المكر حادث في بداية الدعوة وأثنائها, ومستمر في الحياة ما بقي في الحياة بشر, وما كان على الأرض حياة وأحياء.
  2. أنه وقع في الماضي, ويقع في الحاضر, وسيقع في المستقبل, وكأنه لازمة من لوازم صنف من البشر, تملكه الضعف, ولم يقو على المنافسة الشريفة والخصومة النبيلة, خصومة الفرسان النبلاء, والأبطال الشجعان, على الرغم مما يكون معهم من خلاف, فيلجئون إلى المكر والخديعة, والكيد والمراوغة, (وقد مكر الذين من قبلهم), النحل: 26.
  3. أنه يقوم به أفراد وجماعات ورجال ونساء يجمعهم قاسم مشترك, وهدف واحد, هو الرغبة في الانتقام من خصم مشترك, وعدو واحد فيجتمعون عليه, لا فرق بين رجل وامرأة وفرد ومجموعة.
  4. أن ورود لفظة المكر ومشتقاتها في الفترة المكية أكثر على عكس ما قد يتوقع بعض الناظرين؛ اعتمادا على تصور أن المكر يقوم به الضعفاء في فترة ازدهار الدولة, والدولة كانت في المدينة, والدعوة كانت في مكة فيتوقع أن يكثر في المدينة, كما كثر النفاق,,لكن العجيب أن وروده في الفترة المكية أكثر, وهذا دليل على ضعف الماكرين لا على قوتهم كما سيأتي, وكما هو واضح من وصف الماكرين في كل مدينة بـ: (أكابر مجرميها),وضعف الماكرين لا يأتي من نقص قوتهم المادية بل هم يملكون القوة المادية الحسية الظاهرة, والعتاد والسطوة القاهرة, لكنهم يفقدون الشرعية, ويفقدون سند الحق, وصولة الصدق وبرهان الحقيقة, فمهما حازوا من سلاح إلا أنهم من داخلهم ضعاف مهازيل, محاويج, يلجئون إلى الكذب, والكذب لا يلجأ إليه إلا الضعيف, ويلجئون إلى التلبيس والتعتيم والإخفاء, كما سيأتي بعد,,,.
  5. أن الله يمكر بالماكرين ولا يدعهم يفسدون في الأرض, بل يأتي بنيانهم من القواعد: ( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26), من سورة: النحل.
  6. أن مكر الماكرين مرصود ومكتوب: (إن رسلنا يكتبون ما تمكرون), يونس: 21.
  7. أن المكر من سنن الله في الصراع بين الحق والباطل على تباعد الأمصار, ومر الأعصار, وأن الله (تعالى) غير غافل عن مكرهم, وأنه عالم بما يبيتون, وأنه يمكر بهم مكرا يليق بذاته (تعالى): (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين),الأنفال: 30.
  8. أن المجرمين يمكرون بكل ما أوتوا من قوة (ومكروا مكرا كبارا) نوح:22.
  9. ويمكرون في الليل والنهار, (بل مكر الليل والنهار), سبأ:33, وأن مكرهم شديد: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال), إبراهيم: 46.

10-أن مكر الماكرين إلى بوار: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ), فاطر: (10).بهذه الصورة القاعدية البينة, وتلك التركيبة البيانية الباهرة, وفي الآية الكريمة من الاختصار والإيجاز ما يلفت النظر , فهي أربع كلمات لكنها صاعقة من صواعق الصدق,وقذيفة من قذائف الحق,(ومكر أولئك), (هو يبور), باستخدام ضمير الفصل, للتنصيص والرصد, وصيغة المضارع للدلالة على استمرار بوارهم وعدم انقطاعه.

11-المكر يكون له رأس تدير معركته,ومجموعة (رهط) يجتمعون على هدف وإن كانوا في الأصل متفرقين, يقومون على الفساد والإفساد؛ لأنهم لا يعملون في جو طيب, ولا مناخ صحيح, يحلفون على الكذب, ويقسمون على الباطل, لكن عاقبة مكرهم دمارهم, ومن لف لفهم وشايعهم, وساندهم وأيدهم, ثم يكونون آية لمن حولهم ومن بعدهم, ثم ينجي الله المؤمنين.

(وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53), النمل:48- 53.

12- أن الله (تعالى) يتدخل لحماية عبده الذي مكر به, ويحيق بعدوه سوء العذاب, في الدنيا والآخرة: (فوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ), غافر: (45).

تلك هي أهم ملامح قضية المكر كما صورها القرآن الكريم, لكن هناك كما يقول المفسرون آيات تعد العمدة في الباب, والأساس في رصد القضية, ومفتاح السننية في قضية المكر والماكرين, ومن خلال التأمل في الآيات الأربع والأربعين التي تناولت قضية المكر والماكرين يمكن أن نجد الآيات التي تعد عمدة الباب هي:

قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ) الأنعام: 123, (124))

والعجيب أن الآيتين  تأتيان في مقام واحد  يسبقهما النص على أنه لا يستوي من كان ميتا فأحياه الله (تعالى) بالإيمان, ومن كان مقيما في الظلمات ليس بخارج منها, وعقب عليها بأن من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام, ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء.     

ومن عجيب رصد تلك السنة أن هناك علاقة طردية بين المكر, والإجرام, والإعلام, فالماكر ليس من عموم المجرمين, بل من أكابر المجرمين, ويستخدم التزوير والتلفيق والكذب الممنهج, للتلبيس على الناس, وكونهم من أكابر المجرمين؛  لأنهم ( أفسدوا عقائد الناس وأخلاقهم وصرفوهم عن الهدى بزخرف القول والاحتيال والخداع، هم في الواقع يمكرون بأنفسهم إذ سوف تحل بهم العقوبة في الدنيا وفي الآخرة؛ إذ لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله, ولكنهم لا يدرون, ولا يعلمون أنهم يمكرون بأنفسهم.)()

فهل في هذا الكلام السنني القرآني البديع قرب من الواقع الذي يعيشه الناس اليوم ويكتوون بناره وسعاره, حتى لكأني أشعر بآيات القرآن توشك أن تخبر بأسماء المجرمين الماكرين, إلا أنها السنن الماضية والنواميس المطردة, التي تتلاقي فيها مضامين المسطور مع المنظور ويتآلف فيها قول الخبير مع صنعه, بصورة باهرة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا.

ضعف الماكرين علاماته ودلالاته

إن الماكرين ضعاف, مهازيل, ضعاف مهما ملكوا القوة والتزوير, ومهما أمعنوا في التلبيس والتضليل, مهما سيطروا على الإعلام الكاذب وسخروه لمصلحتهم, ووجهوه لصنع غير الحقيقة, ومهما سعوا إلى تكميم كل فم يعارضهم؛ لأنهم لا يقبلون النقد ولا يقوون على المواجهة الحرة النزيهة, والخصومة النبيلة, وشرف المنازلة.

والدلالة اللغوية لمادة المكر تؤكد ذلك والواقع المعيش يؤيده ويسنده, يقول علامة العصر  الشيخ الشعراوي (رحمه الله): (المكر: مأخوذ من التفاف الأغصان بعضها على بعض التفافاً بحيث لا تستطيع إذا أمسكت ورقة من أعلى أن تقول هذه الورقة من هذا الفرع؛ لأن الأغصان والفروع ملفوفة ومتشابكة ومجدولة بعضها مع بعض. والماكر يصنع ذلك لأنه يريد أن يلف تبييته حتى لا يُكشف عنه، ومادام يفعل ذلك فاعلم من أول الأمر أنه ضعيف التكوين؛ لأنه لو لم يعلم ضعف تكوينه لما مكر؛ لأن القوي لا يمكر أبداً، بل يواجه، ولذلك يقول الشاعر:

وضعيفةٍ فإذا أصابت فرصة     قتلت؛ كذلك قدرة الضعفاء

والضعيف عندما يملك فهو يحدث نفسه بأن هذه الفرصة لن تتكرر، فيجهز على خصمه خوفاً من ألا تأتي له فرصة أخرى، لكن القوي حين يأتي لخصمه فيمسكه ثم يحدث نفسه بأن يتركه، وعندما يرتكب هذا الخصم حماقة جديدة فيعاقبه.

إذن فلا يمكر إلا الضعيف. والحق (سبحانه وتعالى) في هذه المسألة يتكلم عن المجرمين من أكابر الناس، أي الذين يتحكمون في مصائر الناس، ويفسدون فيها ولا يقدر أحد أن يقف في مواجهتهم.)()

وفي ضعفه هذا طمأنة للمؤمنين الصابرين الصامدين, أن مكر أولئك إلى زوال  وبوار, مهما عظم واشتد, وأن الله (تعالى) يمكر لأوليائه مكرا يليق بجلاله, وشتان بين قدرة الخلق وقدرة الخالق, كما يظهر من الآية الكريمة أن مكر هؤلاء المجرمين عائد إليهم ومنقلب عليهم, بتلك الصورة الحاصرة, (وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون), الأنعام: 123.

والمتأمل للقرآن والواقع يدرك لماذا يمكر هؤلاء, ولماذا يطرد ذلك في كل أمة من الأمم, ومع كل  رسالة وإصلاح؛ (إنها سنة جارية أن ينتدب في كل قرية - وهي المدينة الكبيرة والعاصمة - نفر من أكابر المجرمين فيها، يقفون موقف العداء من دين الله . ذلك أن دين الله يبدأ من نقطة تجريد هؤلاء الأكابر من السلطان الذي يستطيلون به على الناس، ومن الربوبية التي يتعبدون بها الناس، ومن الحاكمية التي يستذلون بها الرقاب، ويرد هذا كله إلى الله وحده . . رب الناس . . ملك الناس . . إله الناس .

إنها سنة من أصل الفطرة . . أن يرسل الله رسله بالحق . . بهذا الحق الذي يجرد مدعي الإلوهية من الإلوهية والربوبية والحاكمية . فيجهر هؤلاء بالعداوة لدين الله ورسل الله . ثم يمكرون مكرهم في القرى ، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً . ويتعاونون مع شياطين الجن في المعركة مع الحق والهدى، وفي نشر الباطل والضلال، واستخفاف الناس بهذا الكيد الظاهر والخافي. .

إنها سنة جارية. ومعركة محتومة . لأنها تقوم على أساس التناقض الكامل بين القاعدة الأولى في دين الله - وهي رد الحاكمية كلها لله - وبين أطماع المجرمين في القرى . بل بين وجودهم أصلا . .

معركة لا مفر للنبي أن يخوضها، فهو لا يملك أن يتقيها، ولا مفر للمؤمنين بالنبي أن يخوضوها وأن يمضوا إلى النهاية فيها. . والله سبحانه يطمئن أولياءه . . إن كيد أكابر المجرمين - مهما ضخم واستطال- لا يحيق إلا بهم في نهاية المطاف. إن المؤمنين لا يخوضون المعركة وحدهم فالله وليهم فيها، وهو حسبهم، وهو يرد على الكائدين كيدهم:{ وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون}.فليطمئن المؤمنون!)().

وفي نص القرآن على إصابة المجرمين الماكرين ببعض العقوبات في الدنيا والآخرة تناسب عجيب, وتلطف بقلوب عباده  الممكورين بديع: ( فالصغار عند الله يقابل الاستعلاء عند الأتباع، والاستكبار عن الحق، والتطاول إلى مقام رسل الله! . . والعذاب الشديد يقابل المكر الشديد، والعداء للرسل ، والأذى للمؤمنين .)()

وفي المشهد المصري نرى مدى ضعف الماكرين, مع أنهم يمتلكون القوة والسلاح, والبطش والقتل, إلا أنهم ضعاف, ضعاف, يرعبون من شارة تحمل معنى؛ لأنها تذكرهم بالصمود والفداء من جهة, وبمدى الجبروت والاعتداء  من جهة أخرى, فعقدة الذنب تلاحقهم, وتقض مضاجعهم, حتى يخافوا من طفل يرفع شارة, ومن فتاة لا تتجاوز السابعة, ويحيط أصحاب البطش والفتك بهم حتى يغيب خلف الأسوار, ومن ضعفهم ما يحملهم على الكذب واستغلال الإعلام في نشر أكاذيبهم, وتزوير الحقائق, وتلبيس الحق بالباطل, وإبراز الباطل في صورة الحق, حتى يسوغوا للناظرين إفكهم وكذبهم.

2-والآية الثانية التي تعد عمدة في قضية سنة الله في الماكرين هي قوله تعالى: ( اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّت اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّت اللَّهِ تَحْوِيلًا), فاطر:43.

ومن العجيب في آية فاطر تلك أن لفظ السنة فيها ورد ثلاث مرات وورد مفتوح التاء, وهذا يدل على الوقوع في السابق وما وقع يقع وما حدث يحدث؛ فالزركشي في البرهان له كلام بديع في الفرق بين التاء الممدودة والمقبوضة, ( فهذه الأسماء لما لازمت الفعل صار لها اعتباران أحدهما من حيث هي أسماء وصفات وهذا تقبض منه التاء والثاني: من حيث أن يكون مقتضاها فعلا وأثرا ظاهرا في الوجود فهذا تمد فيه كما تمد في قالت وحقت, وجهة الفعل والأمر ملكية ظاهرة وجهة الاسم والصفة ملكوتية .... ويدلك على أنها بمعنى الانتقام قوله (تعالى) قبلها: (ولا يحيق المسكر السيء إلا بأهله), وسياق ما بعدها()

فهو يرى أن الممدودة إشارة إلى أن هذه السنة طبقت ووقعت في عالم الناس, وأن المقبوضة قدرية لم تنزل ولم تطبق, وتلك من روائعه, ومن طمأنات الممكورين المقهورين الذين مكر بهم أكابر المجرمين واستعملوا معهم أكذب التهم وأقبح الأوصاف, حتى يحملوا الناس على بغضهم وعدم رحمتهم إذا نزل بهم مكر هؤلاء الماكرين, ولكن ربك بالمرصاد.

ومعنى الآية الكريمة: (فَهَلْ يَنْتَظِرُ هؤلاءِ المُشْرِكُونَ إِلاَّ أَنْ يُنْزِلَ اللهُ بِهِمْ نِقْمَتَهُ وَعَذَابَهُ ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ ، وَمَكْرِهِمْ ، وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ رَبِّهمْ ، كَمَا أَنْزَلَ نِقْمَتَهُ وَعَذَابَهُ بِمَنْ سَبَقَهُمْ مِنَ المكذِّبينَ؟, وتِلْكَ سُنَّةُ اللهِ في كُلِّ كَافرٍ مُسْتَكْبِرٍ مُكَذِّبٍ، ولا تبديلَ لِسُنَّةِ اللهِ، وَلا تَحوِيلَ لها، فَلَنْ يَجْعَلَ الرَّحْمَةَ موضعَ العذابِ، ولنْ يُحوِّلَ العَذَابَ مِنْ شَخْصٍ إِلى آخرَ.)()

ملامح السننية في قضية المكر والماكرين

ومما يدل على سننية تلك القضية وهذه الأحكام التي تتعلق بها

1-تكرارها واطرادها في جميع الأمم ومع كل المرسلين والمصلحين, (فأمر هؤلاء(الماكرين), ليس ببدع ولا خاص بأعداء هذا الدين، فإنه سنة المجرمين مع الرسل الأولين.

.. ووضع السنن الكونية، وهي سنن خلق أسباب الخير وأسباب الشر في كل مجتمع؛ لأن كون ذلك من شأن جميع القرى هو الأهم في هذا الخبر؛ ليعلم أهل مكة أن حالهم جرى على سنن أهل القرى المرسل إليها.

ولقصد تسلية الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) بأنه ليس ببدع من الرسل في تكذيب قومه إياه, ومكرهم به, ووعده بالنصر.)().

2-النص على السننية في آية فاطر, وبتلك الصورة البديعة:, (ممدودة التاء), التي تبين وقوع العقاب للماكر الخالف, كما وقع للماكر السالف.

3- تركيبة آية الأنعام (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ },الأنعام: 122-123 ). بالنص على الحصر بالنفي والاستثناء, وتصدير الآية ب(وكذلك) بما يدل على أنه كما حدث في كل بيئة مكر وجوزي الماكرون يحدث في دعوتك وبيئتك مكر, وسيجازى الماكرون.

4-فاء الفصيحة في (فلن تجد) ؛ (لأن فيما قبلها لما ذكَّر الناس بسنة الله في المكذبين أفصح عن اطراد سنن الله تعالى في خلقه. والتقدير: إذا علموا ذلك فلن تجد لسنة الله تبديلا.)()

5-عمومية الخطاب في فلن تجد, بما يدل على الشمول (فالخطاب في (تجد) ( لغير معين فيعم كل مخاطب، وبذلك يتسنى أن يسير هذا الخبر مسير الأمثال. وفي هذا تسلية للنبي () وتهديد للمشركين.)().

6- تعليل العقوبة بالعمل وترتيبه عليه كما ورد في قوله (تعالى): (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ) الأنعام:123. فترتيب الإصابة بالصغار والعذاب الشديد على المكر, وجعل المكر علة للإصابة دليل السننية.

ومن بدائع صاحب المنار أن يربط في سبك راق متين بين آيتي الأنعام (123, 124) وبين آية فاطر, فيقول: (إن من يدعو إلى الحياة فهو يدعو إلى الاستقلال والمساواة ، ومن يدعو إلى الحق فهو مقاوم للباطل ، وأن أبغض الأشياء إلى الرؤساء المستبدين استقلال الفكر، والتساوي بين الناس في الحقوق، وأبغض الناس إلى الكبراء المترفين مَن يدعو إلى نصرة الحق ومقاومة الباطل ، وإلى جعل التفاضل بين الناس بالأعمال والفضائل ، فالسادات العالون والكبراء المستكبرون أعداء المصلحين في كل زمان ، وخصماء الحق والفضيلة في كل مكان ، غرورًا بالقوة وطغيانًا بالغنى, { اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً } ( فاطر : 43.

ليتذكروا بهذه الآيات كلها أن الله تعالى بيَّن للناس أن له سُننًا في حياة الأمم  وموتها ، لا بد لمعرفتها بالتفصيل من الرجوع إلى التاريخ الذي يبين مصداق آياته في الغابرين ، ومن السير في الأرض لمعرفة تأويلها في الأولين والآخرين ، وقد نطقت سير البشر بتصديق قوله تعالى : { إنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ } ( الرعد : 11 ) وأنه ما وقع تغيير إلا بدعوة ، وأن دعاة الخير والإصلاح في كل أمة كانوا ممقوتين من أصحاب السلطة ، ومضطهَدين من رؤساء الأمة ، أولئك الذين حُبس خيارهم مثل الإمام أبي حنيفة حتى مات في السجن، وجلدوا الإمام مالكًا، وألزموه بيته حتى ترك الجمعة والجماعة، واضطروا الإمام الشافعي إلى الفرار من بغداد خوفًا على دينه أو نفسه، ووطئوا الإمام أحمد بالنعال.()

ولكن  سنة الله ماضية, وناموسه لا يتخلف, وعينه باصرة, وهو للماكرين بالمرصاد, والله غالب على أمره, ولكن أكثر الناس لا يعلمون,,,,

والواقع المصري يشهد بذلك, فكل خطوة من خطوات الظالمين تبوء بالفشل, وتعود بالخسران؛ ذلك أن التوفيق الرباني خلاهم, والسند الإلهي ودعهم وقلاهم, ويكفي حرمة الدماء التي انتهكت, والبيوت التي فزعت وروعت, والنساء التي أيمت, والأطفال الذين يتموا, لا لجريرة ولا لذنب, إلا أنهم أحرار أطهار, يأبون الضيم, ويرفضون الدنية, ويعشقون بلدهم, ويتعشقون العزة والكرامة .

المبحث الرابع

سنة الله في التدافع بين الحق والباطل في ضوء الثورة المصرية.

من سنن الله (تعالى) الواضحة في أحداث الثورة المصرية المباركة: سنة الله في التدافع بين الحق والباطل, وقد بانت تلك السنة الباهرة بصورة واضحة بينة, وما زالت  تبدو آثارها, وستظل في تدافع بين طلاب الحق والعدل والحرية, وبين عُبَّاد الاستبداد والاستعباد, والقهر والظلم والجَوْر والعدوان, تلك سنة الله التي لا تتبدل وناموسه الذي لا يتخلف في الحياة والأحياء.

ومن بداية أحداث الثورة وتلك السنة ماضية لا تتوقف, قاهرة لا تضعف, ظاهرة لا تغيب, باهرة لا تتوقع, ثابتة لا تتغير ولا تتحول ولا تتحول, فمن أول أيامها, وانطلاق شرارتها, والدولة العميقة تتربص بها ريب المنون, وتتطلع للقضاء عليها, وتصفيتها وروادها بأي صورة من الصور, وعندما أخذت الثورة طريقها نحو النجاح في خطواتها الأولى تربصت  بها تلك الأيدي الآثمة, الملوثة بالرشى والمحسوبية  والدماء -تربصت بها الدوائر, وخنست عنها في الظاهر حينا من الدهر, ثم غدت مرة أخرى في الظهور وإعلان  نية السوء, وقالة السوء, وخطط الاستهداف علانية دون مواربة أو استتار,  وقبل بيان  تلك السنة في واقع الثورة علينا أن نعرف  معنى التدافع فأقول:

معنى التدافع  

مادة الدفع تدور حول: المزاحمة, والصرف, والانتهاء, والتنحية, والإزالة بقوة, ولا يخفى صلة تلك المفردات بفكرة الثورة نفسها, ودلالتها اللغوية, كما لا يخفى صلة تلك المفردات بواقع التدافع الذي تعيشه حالة الثورة مع الثورة المضادة, وتلك من سنن الله (تعالى), كما سيبين من تلك الدراسة, تقول كتب اللغة: (تدافع القوم: دفع بعضهم بعضاً والدُّفَّاعُ: الشَّيءُ العظيم يُدفعُ به عظيمٌ مِثْله، وفلان سيد قومه غير مدافع، أي: غير مزاحم فيه، ولا مدفوع عنه. وهذا طريق يدفع إلى مكان كذا. أي: ينتهي إليه. ويقال: غشيتنا سحابة فدفعناها إلى بني فلان، أي: انصرفت إليهم عنا,

والانِدْفاعُ: الُمضِيُّ في الأمر.والمدافعة: الُمزاحَمة, دافع عنه مدافعة ودفاعا حامى عنه وانتصر له, ومنه الدفاع في القضاء, ودفع عنه الأذى أبعده ونحاه, ودافع فلانا في حاجته ماطله فيها, فلم يقضها وزاحمه, ويقال: دافع الرجل أمر كذا أولع به وانهمك فيه, ودافع السيل اندفع, والقوم دفع بعضهم بعضا ودافع القوم الشيء دفعه كل واحد منهم عن صاحبه ()

ونلحظ في تلك المادة: الحرص على الإزالة, والتنحية, والصرف, والمزاحمة؛ لأن كل فريق حريص على بقاء منهاجه ورؤيته, وثبات قيمه ومبادئه, وتلك الدلالات هي وقود التدافع ومادة تلك السنة الربانية الباقية.

(والمقصود بالحق ما هو ثابت وصحيح وواجب فعله أو بقاؤه من اعتقاد أو قول أو فعل بحكم الشرع. ونريد بالباطل نقيض الحق أي ما لا ثبات له ولا اعتبار ولا يوصف بالصحة ويستوجب الترك ولا يستحق البقاء، بل يستوجب القلع والإزالة وكل ذلك بحكم الشرع. وعلى هذا فالحق يشمل كل ما أمر الله به، والباطل يشمل كل ما نهى عنه.

ونريد (بالتدافع بين الحق والباطل) تنحية أحدهما للآخر أو إزالته ومحوه بالقوة عند الاقتضاء.)()

وقد رصد القرآن الكريم تلك السنة في التدافع بين الحق والباطل في آيتين كريمتين, هما قول الله (تعالى):

(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252), البقرة: 251, 252.

وقوله (تعالى): (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41),الحج: 38-41.

من سنن التدافع بين الحق والباطل

من خلال تتبع الآيات الكريمة التي تحوي سنة الله في التدافع بين الحق والباطل يمكن أن نلمس ملامح السنة في الآتي:

1-حتمية التدافع بين الحق والباطل

إن التدافع بين الحق والباطل حتمي, وضرورة من ضرورات البقاء, فهي سنة ماضية لا تتخلف عبر الأفراد والأزمان, والأفكار, والمعتقدات؛ وهي مرتبطة بسنة الله في الاختلاف, فما دام الاختلاف بين الناس باقيا فسيظل التدافع بينهم باقيا, حتى يكتب الله النصر للحق وأهله, ويخذل الباطل وحزبه, ويمكن أن نفهم ديمومة هذا الصراع من تعبير القرآن في الآية الأولى: (يدافع) الدالة على التجدد والحدوث, ودلالة المصدر في الآية الثانية: (ولولا دفع الله الناس), الدال على الدوام والاستمرار.

وسر كون التدافع بين الحق والباطل حتميا (أنهما ضدان، والضدان لا يجتمعان، ولأن تطبيق أحدهما يستلزم مزاحمة الأخر وطرده ودفعه وإزالته، أو في الأقل إضعافه ومنعه من أن يكون له تأثير في واقع الحياة. فلا يُتصوَّر إذن أن يعيش الحق والباطل في سلم من دون غلبة أحدهما على الآخر إلا لعلة كضعف أصحابهما أو جهلهم بمعاني الحق والباطل ومقتضيات ولوازم هذه المعاني أو ضعف تأثير هذه المعاني فيهم.)()  

وقد رأينا في الواقع المصري بعد الثورة مدى التدافع بين الحق والباطل, وبين العدل والظلم, وبين الحرية والاستبداد والاستعباد, ومارس كل فريق وسائل الدفع  والتدافع, وعملت كل فئة على بذل كل ما لديها لتقرير مبدئها من خلال الإعلام المقروء والمسموع والمرئي, ونشر رؤيته عبر الأفراد والمؤسسات,وما زال الصراع مستمرا, والتدافع قائما, حتى يأذن الله بنصر الحق على الباطل,ودفع الباطل وإزهاقه, ودحض حجته بل شبهته,وتحق كلمة الله على الطاغين الباغين,والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

2- سعي الباطل في دحض الحق لا يتوقف

ومن سنن الله في هذا التدافع حرص الباطل على الإنهاء على الحق؛ حتى يعيش هو في الجو الذي لا يعيش مثله إلا في مثله, ويستعين أهل الباطل في ذلك بالمال والإعلام, بل القتال إن لزم الأمر, وإغراء النفوس الضعيفة, والقلوب المريضة, باذلين في سبيل ذلك الغالي والرخيص, مستخدمين في إغرائهم الشهوات والشبهات.

(وهذا هو شأن الباطل وقوته، تطغيه هذه القوة فتدفعه إلى إزالة الحق وأهله ولو بالقوة. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ(, الأنفال، الآية 36. وقال تعالى : (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ),  البقرة، الآية217)().

وقد رأينا في أحداث الثورة رأي العين, وما زلنا نرى, كيف تداعى ذئاب الداخل والخارج بأموالهم, ونفوذهم وسلطانهم في سبيل إزهاق الحق, ونصرة الباطل, والظلم والجور الذي عم البلاد والعباد, حتى سالت الدماء, وخربت البلاد, وتوقفت مصالح الناس, وهرب رأس المال , وتقلص الإنتاج لغياب الأمان وفقد الاستقرار, لقد استعانوا على ذلك بالنفوس الضعيفة, والأيدي الرخيصة الممتدة إلى الوطن بالاعتداء والعدوان, وإلى أعداء الحرية بالمذلة والسؤال.

3- لا بدّ للحق من قوة تحميه

وحتى يحدث توازن الرعب, وتتكافأ القوى المادية, ويحدث التدافع بحق يجب أن يكون للحق قوة تحميه, وترفع شأنه وتعليه؛ ولهذا أمر الله (تعالى) أهل الحق بإعداد القوة لإرهاب أهل الباطل ومنعهم من البغي على الحق، فقال (تعالى) : (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ), الأنفال، الآية 60.

(فإن قوى الشر والضلال تعمل في هذه الأرض, والمعركة مستمرة بين الخير والشر والهدى والضلال; والصراع قائم بين قوى الإيمان وقوى الطغيان, منذ أن خلق الله الإنسان .

والشر جامح والباطل مسلح . وهو يبطش غير متحرج , ويضرب غير متورع ; ويملك أن يفتن الناس عن الخير إن اهتدوا إليه, وعن الحق إن تفتحت قلوبهم له . فلا بد للإيمان والخير والحق من قوة تحميها من البطش, وتقيها من الفتنة وتحرسها من الأشواك والسموم .

ولم يشأ الله أن يترك الإيمان والخير والحق عزلا تكافح قوى الطغيان والشر والباطل اعتمادا على قوة الإيمان في النفوس وتغلغل الحق في الفطر , وعمق الخير في القلوب . فالقوة المادية التي يملكها الباطل قد تزلزل القلوب وتفتن النفوس وتزيغ الفطر . وللصبر حد وللاحتمال أمد, وللطاقة البشرية مدى تنتهي إليه, والله أعلم بقلوب الناس ونفوسهم, ومن ثم لم يشأ أن يترك المؤمنين للفتنة, إلا ريثما يستعدون للمقاومة , ويتهيئون للدفاع , ويتمكنون من وسائل الجهاد . . وعندئذ أذن لهم في القتال لرد العدوان)()

4-غلبة الحق وأهله

ومن سنن الله (تعالى) في التدافع بين الحق والباطل أن الله  ينصر الحق وأهله, ويدافع عن أصحابه؛ وذلك لأن رسالة الإسلام هي الحق, ولأن أهل الباطل لا يقومون إلا على الخيانة, والله لا يحب الخائنين, ولا ينصرهم, ولا يهديهم, بل يحبط كيدهم, وقد قال الله (تعالى) في آيات سنة التدافع: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39), الحج: 38, 39.

عن قتادة رضي الله عنه، في قوله: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا)، قال: (والله ما يضيع الله رجلا قط حفظ له دينه")()

وقد تكفل الله بنصر من ينصره, فقال (تعالى): (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحج: 40.

وقال تعالى: (وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ)الشورى: 24, والآيات في تأكيد نصر الله للمؤمنين غزيرة وفيرة.

وقد ورد في تفسير هذه الآية: أن من عادة الله أن يمحو الباطل ويثبت الحق بكلماته أي بوحيه أو بقضائه كقوله (تعالى): (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق).  الأنبياء : 18, وسواء أكان هذا المحو للباطل وإحقاق الحق بالوحي, أو بالقرآن, أو بالمعجزات, أو بالقضاء الذي لا مرد له, أو بوعده بمحو الباطل, و تلك  سنته في إقرار الحق وإزهاق الباطل)()

والمقصود بعادة الله هنا- كما هو واضح سنته وطريقته, وناموسه وقانونه.

5-قد يتأخر النصر الحق لحكمة يريدها الله

في ميدان الكلام كنت أقول: لا يضرك أن يتأخر طلوع الصباح, إنما يضرك أن يطلع الصباح فيراك بين النائمين. وفي ميدان العمل رأيت ثباتا على الحق لا يخالجه شك, في صورة بشرية أقرب إلى صور الملائكة: تضحية وبذلا, وعطاء وصبرا, وثقة لا تضعف, ويقينا لا يزول, وإن زالت من أماكنها الجبال الرواسي,  بداية من سمية بنت خياط التي كانت أقوى من جلادها, وأعلى من سيدها, وأخلد من قاتلها, وبلال  العبد الذي راح في سبيل نصرة الحرية والعدل والمساواة, ووصولا إلى شهداء الحرية في ميادين مصر, على تكرار تلك المجازر التي غطت بدمائهم أرضها, وروت بها ثراها, وهم في بِشْرٍ عجيب, وأهلهم في صبر أعجب.

لقد مضت سنة الله (تعالى) في التدافع بين الحق والباطل أن نصر الحق قد يتأخر, لحكمة يدبرها, يعلمها ولا نعلمها, فنقيس نحن بمقاييس البشر, ونترقب بطبيعة البشر, ونحسب بحساب البشر, ونتوقع توقع البشر, ولكن الله (تعالى) لا يعجل لعجلة أحدنا, بل كل شيء عنده بمقدار, ولكل أجل كتاب, ونصره (تعالى) للمؤمنين وعد صدق, وكلام حق, في الدنيا والآخرة, فهو القائل: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ), غافر: الآية 51.

.. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: (وهذه سنة الله (تعالى) في خلقه في قديم الدهر وحديثه, إنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا, ويقر أعينهم ممن آذاهم, ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة (رضي الله عنه) عن رسول الله () أنه قال: «يقول الله تبارك وتعالى: من عادى لي ولياً فقد بارزني بالحرب» وفي الحديث الآخر: «إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث بالحرب»؛ ولهذا أهلك الله (عز وجل) قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس وقوم لوط وأهل مدين وأشباههم وأضرابهم ممن كذب الرسل وخالف الحق. وأنجى الله (تعالى) من بينهم المؤمنين فلم يهلك منهم أحداً, وعذب الكافرين فلم يفلت منهم أحداً, قال السدي: لم يبعث الله (عز وجل) رسولاً قط إلى قوم فيقتلونه أو قوماً من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلون فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله (تبارك وتعالى) لهم من ينصرهم, فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا, قال فكانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون فيها.)()

وقد يكون للباطل جولة, ولكنها لا تدوم, وصولة لكنها لا تستمر؛ لأن الحق أقوى وأبقى, وأعز وأغلى عند الله (تعالى) من أن يتركه بلا نصر ولا تأييد, بل إن من إحقاق الله للحق أن يعترضه الباطل ويصول أمامه, فتنكشف للخاصة والعامة ملامح الحق الغائبة, ومعاني الهدى والضلال الباهتة, فيعودوا ناصرين للحق بعد أن غدوا ناقمين عليه, متذمرين من صبره على الباطل,يقول الشيخ السعدي رحمه الله: (حتى إن من جملة إحقاقه (تعالى) الحق، أن يُقَيِّضَ له الباطل ليقاومه، فإذا قاومه، صال عليه الحق ببراهينه وبيناته، فظهر من نوره وهداه ما به يضمحل الباطل وينقمع، ويتبين بطلانه لكل أحد، ويظهر الحق كل الظهور لكل أحد.)()

وهذا ما عاينه الناس في أحداث تلك الثورة, أن صولة الباطل مع الحق كشفت زيف الباطل وغرره, وخُدَعَه ومكره, فعاد من كان يلوم  ويعتب إلى صفوف الأحرار, يثبتهم, ويربط على قلوبهم, ويشد على أيديهم, وقد كان قبل من أشدَّ الناس عليهم, ومن أحدِّ الناقدين لهم, وسبحان من كان هذا صنعه وتبارك من كانت تلك سننه.

6- نصر المؤمنين فيه أمان لغيرهم

ونلمح في الآيات الكريمة التي تحدثت عن سنة التدافع بين الحق والباطل, أن في نصر الحق ودفعه للباطل, حماية لغير المؤمنين, ويظهر ذلك جليا في قوله (تعالى): (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40), الحج: 40.

يقول الحسن:  (يدفع عن هدم مصليات أهل الذمة بالمؤمنين).()

إن هذا الدفاع من المسلمين ليس دفاعا عن مساجدهم فحسب, بل هو( دفاع عن الحق والدين ينتفع به جميع أهل أديان التوحيد من اليهود والنصارى والمسلمين، وليس هو دفاعا لنفع المسلمين خاصة....والمعنى: لولا دفاع الناس عن مواضع عبادة المسلمين لصري المشركون ولتجاوزوا فيه المسلمين إلى الاعتداء على ما يجاور بلادهم من أهل الملل الأخرى المناوية لملة الشرك ولهدموا معابدهم من صوامع ، وبيع، وصلوات، ومساجد ، يذكر فيها اسم الله كثيرا ، قصدا منهم لمحو دعوة التوحيد ومحقا للأديان المخالفة للشرك . فذكر الصوامع، والبيع، إدماج لينتبهوا إلى تأييد المسلمين.)()

وقد رأى من يرصد الأمر بتجرد كيف نعم الناس بالحرية في فترة قيام الحق, وكيف تقلصت تلك الحرية وانعدمت في مرحلة من مراحل التدافع بين الحق والباطل في الواقع المصري المشهود,حتى غدا أصحاب الديانات الأخرى مستهدفين تفجيرا وقتلا, في كنائسهم وأفراحهم, وفي مواسمهم وأعيادهم, حتى ضج الصادقون منهم بأننا عدنا إلى عصر الشمولية والاستبداد, وبان الصبح لكل ذي عينين, أما من تنكب الطريق ووضع لفافة على بصره, فلا يلم إلا نفسه

وكم من عائب قولا صحيحا    وآفته من الفهم السقيم

وكما قال إمام المادحين البوصيري:

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد   وينكر الفم طعم الماء من سقم

7-كشف المنافقين في مرحلة التدافع بين الحق والباطل

ومن سنن الله في مرحلة التدافع أن تنكشف أستار المنافقين والمداهنين, الذين يعلون مع كل صيحة, ويأكلون على كل الموائد, وفضح لسترهم الخبيث, وبيان  لطواياهم السيئة التي تنعق مع كل صارخ؛ رغبة في لعاعات الدنيا, وشغفا لشهوات الحياة, فتظهرهم وتكشف أنهم ليسوا أصحاب مبادئ, ولا طلاب حق, بل أصحاب مصالح ومنافع, يبيعون من أجلها المبدأ الحق, والمنهاج الصدق, وصدق الله إذ يقول: (وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين), الأنعام: 55.

وقد رأينا في تلك الثورة من المنظور ما يعاضد المسطور, ويؤكد لكل ذي عينين أن الأول صنع الخبير, والثاني كلام الخبير, ولا يناقض كلام الخبير صنعه, لقد رأينا علماء دين رموزا, واقتصاديين ومحللين سياسيين, وفقهاء ومحدثين غيروا مواقفهم, وتنكبوا طريق العلم الصحيح الذي درَّسوه لطلابهم سنين عددا,(وأنا واحد من هؤلاء الدارسين), واستدلوا على الشيء ونقيضه بنفس الدليل, كما رأينا هامات سقطت في الاختبار, ولم تصمد أمام المغريات, فما كانوا يمدحونه بالأمس أضحوا يسبونه اليوم, وما كانوا يمشون في ركابه في الصباح غدوا يعدون عليه في المساء, لا لشيء إلا لأن الوجهة تغيرت, ورأينا علماء أجلاء لم يخفهم سطوة الباطل,ولم يرعبهم سلطان البنادق, ولم ينكصوا عن الحق,ولم يتراجعوا عن مؤازرة العدل والحرية, فعزوا عز العلم والحق والعدل, وأعادوا إلينا صورة العز بن عبد السلام سلطان العلماء, وبرهنوا على عدم خلو الزمان من قائم لله بحجة.

إن الذي خلق الحقيقة علقما    لم يخل من جيل الحقيقة جيلا

 

                المبحث الخامس          

سنة الله في التغيير في ضوء أحداث الثورة المصرية

لله في التغيير سنة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل, شأن كل سنن الله (تعالى), وقد بانت تلك السنة في الواقع المصري بصورة  ظاهرة باهرة؛ فالجيل الصامت سنين عددا,والشباب الذي لم يكن يتوقع منه أن يقوم بأمر نفسه, فضلا عن قيادة غيره, بله أن يُقْدم على ثورة تزلزل أركان الباطل زلزلة, وتدك بنيانه دكا, تغير, وبدا جيلا آخر, غير الجيل الذي تصوره الراقبون, ووقف موقفا لم يكن يتوقعه الراصدون, وبين التغيير والثورة دلالة لغوية لا تخفى, سبق الحديث عن بعضها في مقام التقديم لمفهوم الثورة, ونتابع الحديث عن مادة التغيير ودلالتها, وسننية القرآن فيها في تلك الصفحات على النحو الآتي فأقول:

مفهوم التغيير:

تقول كتب اللغة: (تغير الشيء عن حاله: تحول, وغيَّره: حوله وبدله. كأنه جعله غير ما كان...والغير: اسم من التغيير, وغير عليه الأمر: حوله, وغُيَر الدهر: أحداثه المغيرة)().

و(التَّغْيِيرُ يقال على وجهين:

أحدهما: لتغيير صورة الشيء دون ذاته. يقال: غَيَّرْتُ داري: إذا بنيتها بناء غير الذي كان.

والثاني: لتبديله بغيره. نحو: غَيَّرْتُ غلامي ودابّتي: إذا أبدلتهما بغيرهما)()

ورود مادة التغيير في القرآن الكريم

وقد وردت المادة في القرآن الكريم مرات كثيرة, منها: (فليغيِّرن, يغيروا, مغيِّرا,

لا يغير, لم يتغير, غَيْر).

وقد ضبط تلك السنة القرآنية آيتان من القرآن الكريم, هما:

  1. قوله (تعالى): (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11)), الرعد:11.
  2. وقوله (تعالى): (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54)), الأنفال: 53, 54.

و(معنى هذه الآية إخبار من الله (سبحانه) أنه إذا أنعم على قوم نعمة فإنه بلطفه ورحمته لا يبدأ بتغييرها وتنكيدها حتى يجيء ذلك منهم, بأن يغيروا حالهم التي تراد أو تحسن منهم, فإذا فعلوا ذلك غير الله نعمته عندهم بنقمته منهم )()

والمتابع لأقوال المفسرين () في الآيتين الكريمتين يرى مدى تأثرهم بالتغيير بالسلب, على اختلاف مشاربهم ومدارسهم, وأزمانهم,واتجاهاتهم, فأكثر المفسرين –قدامى ومحدثين- يتناول التغيير الوارد في الآيتين بالتغيير السلبي الذي يقوم على التحول من الطاعة إلى المعصية, أو من حال الشكر إلى حال الكفر, ومن العافية والنعمة إلى البلاء والنقمة, ومن الأحوال الجميلة إلى الأحوال القبيحة, وقل من حملها على جانب الإيجاب, ومن هؤلاء القلائل: الإمام البيضاوي, والماوردي, وحقي, ومحمد شحرور في كتابه عن الدولة والمجتمع()

ومن ذلك قول الماوردي في النكت والعيون عن التغيير في الآيتين الكريمتين إنه: ( يحتمل خمسة أوجه:

أحدها : لم يك مغيراً نعمة أنعمها عليهم بالنصر لهم على أعدائهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من الثقة به والتوكل عليه.

والثاني : لم يك مغيراً نعمته عليهم في كف أعدائهم عنهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعته والكف عن معصيته .

والثالث : لم يك مغيراً نعمته عليهم في الغنى والسعة حتى يغيروا ما بأنفسهم . من تأدية حق الله تعالى منه .

والرابع : لم يك مغيراً نعمته في الثواب والجزاء حتى يغيروا ما بأنفسهم من الإيمان .

والخامس : لم يك مغيراً نعمته عليهم في الإرشاد حتى يغيروا ما بأنفسهم من الانقياد.)()

والقليل من هؤلاء المفسرين من لمس الجانب السنني في الآيات الكريمة, كقول بعضهم: إن هذا(إشارة إلى ما أنزله من عذاب على الأمم المكذبة الكافرة الظالمة، وإلى بيان سنته في عباده, وهي أنه (تعالى) لم يكن من شأنه أن يغير نعمة أنعمها على قوم كالأمن والرخاء، أو الطهر والصفاء حتى يغيروا هم ما بأنفسهم, بأن يكفروا ويكذبوا، ويظلموا أو يفسقوا ويفجروا، وعندئذ يغير تلك النعم بنقم فيحل محل الأمن والرخاء الخوف والغلاء, ومحل الطهر والصفاء الخبث والشر والفساد, هذا إن لم يأخذهم بالإبادة الشاملة والاستئصال التام)()

وممن لمح الجانب السنني في الآيات وعبر عنه الإمام البيضاوي إذ يقول: (وليس السبب عدم تغيير الله ما أنعم عليهم (قريش) حتى يغيروا حالهم, بل ما هو المفهوم له وهو جري عادته على تغييره متى يغيروا حالهم)()

والسعدي إذ يقول: (إن ذلك العقاب بسبب أن عادة الله في عباده عدم تغيير نعمه التي ينعم بها عليهم { حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ } من الأحوال والأخلاق بكفران نعم الله وغمط إحسانه وإهمال أوامره ونواهيه)()

والمقصود بالعادة هنا السنة والناموس المستمر.

وكقول ابن عجيبة: (من جريان حكمته (تعالى) في خلقه أنه لا يسلب النعم عنهم إلا بسوء أدبٍ منهم، كلٌّ على قدر مقامه، فالنعم الظاهرة يسلبها بترك الطاعة الظاهرة ، أو بالمخالفة الظاهرة، والنعم الباطنة يسلبها بترك المراقبة الباطنة أو المشاهدة الباطنة، فلكل مقام حقوق وآداب؛ فمن أَخَلَّ بحقوق مقام نقص له منه ، إلا أن يتوب . وقد يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه، فيظن أنه لم يُسْلب. ولو لم يكن إلا ترك المزيد , وقد يبعد، وهو لا يشعر، ولو لم يكن إلا وتركه وما يريد. كما في الحِكَم: « إن الله لا يغير ما في القلوب من أنوار الشهود والعيان، حتى يغيروا ما بأنفسهم من حسن الأدب بسوء الأدب ».)()

ويبين الألوسي (رحمه الله) ملامح السننية في تلك الآية بأن الجملة مسوقة للتعليل, وأن  السبب ليس منطوق الآية, بل مفهومها، وهو جرْىُ عادته (سبحانه) على التغيير حين غيروا حالهم, فالسبب ليس انتفاء التغيير بل التغيير، قيل: وإنما أوثر التعبير بذلك لأن الأصل عدم التغيير من الله (تعالى) لسبق إنعامه ورحمته, ولأن الأصل فيهم الفطرة وأما جعله عادة جارية فبيان لما استقر عليه الحال من ذلك لا أن كونه عادة له دخل في السببية )()

وقوله تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} يخبر تعالى عن سنة من سننه في خلقه ماضية فيهم وهي أنه (تعالى) لا يزيل نعمة أنعم بها على قوم من عافية وأمن ورخاء بسبب إيمانهم وصالح أعمالهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من طهارة وصفاء بسبب ارتكابهم للذنوب وغشيانهم للمعاصي نتيجة الإعراض عن كتاب الله وإهمال شرعه, وتعطيل حدوده والانغماس في الشهوات, والضرب في سبيل الضلالات)()

والتغيير يكون من بعض الأفراد كما يكون من الأمة والشعب بأسره, وسواء كان التغيير بالسلب أو بالإيجاب, (كما وقع يوم أحد بتغيير الرماة ما بأنفسهم فعمت البلية الجميع)()

فالله (عز وجل) في هذه الآية الكريمة (يَدلُّنا أنه (سبحانه) لا يتدخَّل إلا إذا عَنَّت الأمور؛ وفسد كل المجتمع؛ واختفتْ النفس اللوَّامة من هذا المجتمع؛ واختفى مَنْ يَقْدِرون على الرَّدْع ـ ولو بالكلمة ـ من هذا المجتمع؛ هنا يتدخل الحق سبحانه.

وحين يُغيِّر الناس ما بأنفسهم، ويُصحِّحون إطلاق الإرادة على الجوارح؛ فتنصلح أعمالهم)()

أما صاحب الظلال -رحمه الله-فيلمس مع الجانب السنني في الآيات الكريمة جانب حرية الإرادة للإنسان وقدرته على التغيير, وأن ما يحدث في الكون ليس قدريا فقط, بل جانب منه, وجانب آخر كبير ومؤثر متوقف على الإنسان, وإرادة الإنسان, وتغير الإنسان, فيبين أن في الآية الكريمة جوانب متعددة, بعضها يتعلق بعدالة الله وسنته في ذلك, وبعضها يتعلق بأثر الإنسان في التغيير, فيبين (أنه من جانب، يقرر عدل الله في معاملة العباد؛ فلا يسلبهم نعمة وهبهم إياها إلا بعد أن يغيروا نواياهم، ويبدلوا سلوكهم، ويقلبوا أوضاعهم، ويستحقوا أن يغير ما بهم مما أعطاهم إياه للابتلاء والاختبار من النعمة التي لم يقدروها ولم يشكروها. . ومن الجانب الآخر يكرم هذا المخلوق الإنساني أكبر تكريم، حين يجعل قدر الله به ينفذ ويجري عن طريق حركة هذا الإنسان وعمله؛ ويجعل التغيير القدري في حياة الناس مبنيا على التغيير الواقعي في قلوبهم ونواياهم وسلوكهم وعملهم، وأوضاعهم التي يختارونها لأنفسهم . . ومن الجانب الثالث يلقي تبعة عظيمة - تقابل التكريم العظيم - على هذا الكائن. فهو يملك أن يستبقي نعمة الله عليه ويملك أن يزاد عليها، إذا هو عرف فشكر؛ كما يملك أن يزيل هذه النعمة عنه إذا هو أنكر وبطر، وانحرفت نواياه فانحرفت خطاه.

وهذه الحقيقة الكبيرة تمثل جانبا من جوانب « التصور الإسلامي لحقيقة الإنسان »؛ وعلاقة قدر الله به في هذا الوجود؛ وعلاقته هو بهذا الكون وما يجري فيه. . ومن هذا الجانب يتبين تقدير هذا الكائن في ميزان الله؛ وتكريمه بهذا التقدير؛ كما تتبين فاعلية الإنسان في مصير نفسه وفي مصير الأحداث من حوله ، ؛ فيبدوا عنصرا إيجابيا في صياغة هذا المصير - بإذن الله وقدره الذي يجري من خلال حركته وعمله ونيته وسلوكه - وتنتفي عنه تلك السلبية الذليلة التي تفرضها عليه المذاهب المادية ، التي تصوره عنصرا سلبيا إزاء الحتميات الجبارة .

حتمية الاقتصاد ، وحتمية التاريخ ، وحتمية التطور . . . إلى آخر الحتميات التي ليس للكائن الإنساني إزاءها حول ولا قوة، ولا يملك إلا الخضوع المطلق لما تفرضه عليه وهو ضائع خانع مذلول!

كذلك تصور هذه الحقيقة ذلك التلازم بين العمل والجزاء في حياة هذا الكائن ونشاطه؛ وتصور عدل الله المطلق ، في جعل هذا التلازم سنة من سننه يجري بها قدره ، ولا يظلم فيها عبد من عبيده)()

ولكن هذا الاستقلال في الإرادة للإنسان, وتلك الحرية  والقدرة على التغيير ليست  هملا بل لابد لها من ضريبة,وضريبة مبهظة, مثقلة للكواهل, ( فقد قضت مشيئة الله وجرت بها سنته ، أن تترتب مشيئة الله بالبشر على تصرف هؤلاء البشر؛ وأن تنفذ فيهم سنته بناء على تعرضهم لهذه السنة بسلوكهم .

والنص صريح في هذا لا يحتمل التأويل, وهو يحمل كذلك إلى جانب التبعة دليل التكريم لهذا المخلوق الذي اقتضت مشيئة الله، أن يكون هو بعمله أداة التنفيذ لمشيئة الله فيه.)().    

التغيير في المشهد المصري

والراصد للواقع المصري قبل الثورة وأثناءها وما بعدها إلى الآن يجد بوضوح مدى التغير الذي حدث في نفوس الناس, فالواقع المر الذي ألقى بكلكله على الناس  عقودا, يرزحون فيه تحت نير الظلم والاستبداد والاستعباد, والذي طبع كثيرا منهم, إن لم يكن كلهم بطابع الاستخذاء, والتواري عن تيار الحياة الجارف, والرضا بالدون في المعيشة وقطع الأمل وفقدان الرجاء في التغيير لتوالي الظلم والقهر, حتى سمى المصريون الخبز (عيشا)؛ كأن الحياة كلها خلاصتها لقمة العيش, كل هذا انكسر في تلك الدورة الحضارية التي ما زالت موجاتها تتجدد ولا تتبد,وتزيد ولا تنحسر, وتقوى ولا تنكسر, وتتسع مساحتها مكانا, وزمانا, ونوعا, وتبع هذا التغيير في الأنفس تغير في السلوك منذ بداية الثورة وفي مراحلها,وما زال, ويمكن أن نلحظ مظاهر هذا التغير في الملامح الآتية:

  1. الاصطفاف حول هدف واحد وهو إسقاط الظلم والاستبداد والاستعباد, والحرص على العدالة الاجتماعية, دون تفرقة بين إنسان وإنسان, وهذا ما بدا جليا في هتافات الناس جميعا منذ البداية: (عيش, حرية, كرامة إنسانية), (عيش, حرية, عدالة اجتماعية).
  2. الالتفاف  من الناس جميعا دون تمييز في الدين أو الطبقة الاجتماعية, أو الوظيفة, أو التعليم, فكنت ترى المسلم والمسيحي, والعالم والأمي, والرجل والمرأة, والشاب والفتاة, والطالب الجامعي والعامل والفلَّاح, الجميع يحدوهم هدف واحد, ورغبة واحدة, دون أدنى تمييز.
  3. تطور هتاف الثائرين,من بداية الثورة وفي كل مرحلة من مراحلها, فبعد أن كان الهدف بعض المطالب التي يعاني الناس من فقدانها و تطور إلى المطالبة  بإسقاط النظام الغاشم الذي جثم على صدور الناس عقودا, ثم تطور إلى المناداة بترسيخ قيم الحرية والعدالة ورفض الاستبداد والاستعباد, وقيم الإنسانية بحق.
  4. كسر حاجز الخوف, وتغيير ما في النفس من الحرص على الحياة, أي حياة, بل رأينا من يقف بصدر عار أمام الدبابات وطلقات الرصاص,يقول أحد شهود العيان في مذبحة الحرس الجمهوري: ( وهناك وجدت قوات الجيش وقد أغلقوا الطريق الرئيسي أمام النادي ووضعوا حواجز ووقفوا خلفها، فأوقفنا المسيرة على بعد 150 متر من حاجزهم ، وأقمنا حاجزاً من جهتنا، وكنت حريصاً على عدم الاصطدام بهم حفاظاً على هذا العدد الكبير، و لو حدث أي اشتباك لتحولت هذه المسيرة إلى مجزرة لا يعلم مداها إلا الله، فأوقفنا المسيرة خلف الحاجز، فأصبح بيننا وبينهم 150 متر تقريبا، وفجأة خرج مجموعة من الشباب قريباً من عشرة أفراد تتراوح أعمارهم من 15 إلى 19 عاماً تقريباً، فتجاوزوا الحاجز متجهين إلى حاجز الجيش، فصرخت فيهم إلى أين؟ توقفوا ممنوع الاقتراب منهم؟ توقفوا من فضلكم.. وكان ردهم على مفاجأة، حيث قال أحدهم: سامحني يا دكتور لن نقف ولن نطيع أمرك!!   فقلت لهم: ماذا تريدون؟ الذهاب إلى هناك معناه الاشتباك، وإذا حدث لا قدر الله ستكون مجزرة، وهذه الآلاف لن تقف صامتة، وحاولت منعهم بكل الطرق فلم أفلح، فساروا في اتجاه الجنود ومن معهم من الضباط وأنا معهم أحاول منع الكارثة بكل الوسائل،  والشباب يبتسمون ويقولون: آسفين يا دكتور لن نرجع، وقبل 50 متر من حاجز الجيش جاء النداء من مكبرات الصوت من أحد قادتهم يقول : من سيتقدم خطوة واحدة بعد هذه المسافة سأضرب في المليان ، فتوقفت أمام الشباب مشفقا عليهم خائفاً على من معنا من الآلاف المؤلفة، حذراً من مذبحة مؤكدة إن حدث أي اعتداء..ولكن كانت المفاجأة المذهلة، حيث رأيت الشباب في تصرف واحد وكأنهم تدربوا على فعله من قبل مرات عدة،  يفتحون أزرار قمصانهم، ويقومون بتعرية صدروهم، ويدخلون على الحاجز الذي نصبه الجيش في الشارع خارج المنشأة الخاصة بالحرس الجمهوري، وأنا أحاول المنع، وأشير للجيش بالتمهل وعدم الاعتداء، فصدور الشباب عارية، وحماستهم جارفة، وشجاعتهم نادرة، وسيف عزيمتهم لا ينال منه أحد، وكانت المفاجأة الثالثة أن الشباب وصلوا للحاجز الصغير ووقفوا وجهاً لوجه مع القوات التي نصبت أسلحتها في وجوههم)().

والواقع المشاهد لا يحتاج إلى كثرة استدلال؛ فالوقوع دليل الجواز كما يقول الأصوليون, فالعالم كله يشهد ويشاهد مدى كسر حاجز الخوف عند المصريين, فهؤلاء فتية في عمر الزهور, وأولاء فتيات دون السابعة عشر, هؤلاء يحكم عليهم بإحدى عشرة سنة, وأولاء يحكم عليهن بسبع عشرة سنة ,والكل عازم على المواصلة لدحر الاستبداد والاستعباد, وعودة الإنسان ذي الكرامة والحرية بعد أن ذاق الناس نسيمها واستنشقوا عبقها.

وهذا التغيير لما في الأنفس سبب أصيل في تغيير ما في الواقع كما مضت بذلك سنة الله (تعالى) في التغيير. حيث استطاع أن يغير نظاما عتيدا جثم على صدورهم عقودا دون أن يلجئوا إلى العنف حتى سموها ثورة الشباب وثورة الغضب وثورة اللوتس والثورة البيضاء()

  1. ظهور المعدن المصري الأصيل الذي يتغلب على الشدائد ويتحدى العقبات ويتعدى الزمان والمكان, وكانت أحداث الثورة الجسام خير دليل على حيوية  ووطنية الشعب المصري, (ودوره) المتميز في صنع الحضارة الإنسانية, فعلى الرغم من حالة التردي والانهيار التي أشرفت عليها معظم مؤسسات البلد, فقد انتفض الشعب  بعد أن يأ س الكثيرون من انتفاضته, وبعد أن استكان الفاسدون إلى مراكزهم ومصالحهم()
  2. المشاركة في الحياة السياسية بصورة لا فتة للنظر, فقد كان قبل الثورة الحالة العامة  للمصريين هي العزوف عن الانخراط في الحياة السياسية,ومقاطعة الانتخابات بمختلف مستوياتها,وعلى النقيض كان الموقف بعد قيام الثورة, فقد شارك في الانتخابات بصورها عدد غير مسبوق فمثلا شارك في الاستفتاء الدستوري نسبة زادت على 41%  وكانت هذه أول مرة تشهد إقبالا منقطع النظير, وفي بعض الانتخابات كمجلس الشعب وصلت النسبة إلى 62% )()
  3. كما تغير شعور المصريين بصفة عامة, (فتغيرت مشاعر القهر والكبت التي كان يشعر بها أغلب المصريين قبل الثورة إلى الحرية والانطلاق والشعور بالإنجاز والتفاني من أجل التغيير والإصلاح, وقد انعكس هذا التغيير ليصبح تغيرا في السلوك الأخلاقي والاجتماعي والنفسي,وأظهرت الثورة مدى شعور المصريين بالانتماء  والمواطنة)()

لفت هذا التغير في سلوك المصريين أنظار العالم أجمع, وشعر الناس أن لديهم القدرة على تغيير حقيقي يهيئ لهم ولأولادهم من بعدهم مستقبلا أفضل وحياة أرغد وحرية أوسع.

فلما تغيروا غيروا, حتى وإن اعترض طريقهم عقبات كئاد, وأزمات شداد إلا أن الخير قادم, والأمة كالمطر لا يدرى أوله خيره أم آخره, وإن تجمع عليها الأعداء من كل ناحية, وتألب عليها الصهاينة والأمريكان ومن سار في الركاب وتبع الأذناب وعوى عواء الكلاب, فلكل نبأ مستقر, ولكل أجل كتاب, وعند الصباح يحمد القوم السُّرى.



الخاتمة,أسأل الله حسنها

                وتشمل أهم النتائج والتوصيات.

وبعد هذه الرحلة مع تلك القضية الهامة من قضايا التفسير الموضوعي (معالم السنن الربانية في أحداث الثورة المصرية رؤية قرآنية تأصيلية) بان من خلالها ما يأتي:

  1. أثر الوعي بسنن الله (تعالى) في تصور قضايانا ومشكلاتنا في ضوء القرآن الكريم الذي لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وعالجها حسب منهاج ثابت وتبيين واضح.
  2. أن الثورة المصرية حوت من سنن الله الجارية عددا كبيرا منها: سنته (تعالى) في الظلم والظالمين وسنته (تعالى) في التزاوج  بين رجال المال والحكام الطغاة , وسنة الله (تعالى) في المكر والماكرين, و سنة الله  (تعالى) في التدافع بين الحق والباطل, و سنة الله (تعالى) في التغيير وغيرها من السنن الجارية التي أصلها القرآن الكريم, وأظهرتها أحداث تلك الثورة.
  3. أن القرآن الكريم أول مصدر شرعي يعلم الناس الثورة على الظلم والبغي والطغيان,  وأول من يرفض الاستبداد والاستعباد.
  4. أن الطغيان السياسي في الواقع المصري كان أحد أهم أساب الثورة المصرية المعاصرة.
  5. كما بان من خلال تلك الدراسة العلاقة بين الطغيان السياسي والفساد المالي وأثر ذلك في قيام الثورة.
  6. كما اتضح من خلالها ملامح الإرادة الإلهية في أحداث تلك الثورة.

 

لقد بان من الواقع المنظور وتطابقه مع المسطور في قضية الثورة والتغيير أنه يمكن أن نفيد من علم السنن في تفهم بعض المعاني, لا لنزيد إلى رؤوسنا علما بقدر ما نتمنى أن يكون هذا العلم وسيلة للحياة, وروحا تبعث فينا من جديد معاني الحق والعدل والحرية, وتربط واقعنا الذي نحياه, ومستقبلنا الذي نتمناه بمفاهيم القرآن الصادقة, وأحكامه الراسخة, ووعوده الحقة, وحُكْمه على الحياة والأحياء بصورة لا ترقى إليها معارف البشر, ولا علوم البشر, ولا إدراكات البشر, ويمكننا أن نرصد بعض الخطوات التي نتغياها في سبيل اكتمال الثورة المباركة في الخطوات الآتية:

  1. إعلاء قيمة حرية الإنسان في الاختيار

فالإنسان قبل البنيان, والساجد قبل المساجد, تلك الشارة ينبغي أن تكون شارة العمل المجتمعي  في الأيام القادمة,فينبغي التأكيد أن قيمة الإنسان مطلق الإنسان تعلو فوق كل قيمة, وأن كرامته فوق كل اعتبار, وأن اختياره يجب بل يتحتم أن يكون فوق كل اختيار و(كل نفس بما كسبت رهينة) ولا نتعجل في فهم تلك المقدمات في بناء الإنسان؛ لأن بناء الإنسان الواعي المدرك خطوة في سبيل بناء الحرية الحقيقية, التي تكون قادرة على اختيار مرادها دون قسر أو تلبيس, وتلك منهجية من مناهج تربية القرآن للإنسان, فخطابات القرآن الكريم للإنسان مطلق الإنسان تقوم على تحرير العقل من الخرافة, والفكر من أساطير الأولين, والإرادة من كل ما يحول بينها وبين طلاقتها, حتى لو كان ذلك الحائل داعية إلى الصراط المستقيم, فقد رأينا في تعقيب القرآن الكريم على غزوة أحد وما حدث فيها من انكسار ظاهري للمسلمين خطاب الله (تعالى) لرسوله () بقوله : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ), آل عمران: (159).

فأكد القرآن الكريم قيمة الحرية ومكانة الاختيار المطلق, حتى لو كان ذلك الاختيار ليس هو الأصوب في مرة أو مرتين فتربية الجيل المسلم على حرية الاختيار ستجعل منه جيلا قادرا على الاختيار الأصوب, وهذا ما عناه القرآن الكريم في خطاباته للجيل الفريد الذي تحمل عبء الرسالة مع وبعد المصطفى  وللأجيال القادمة, حتى في أدق المسائل وأخطر القضايا, قضايا التوحيد والعقيدة, ومسائل الإيمان والغيب واليوم الآخر.

  1. غرس قيمة التعددية واحترام الآخر في ضوء سنة الله في الاختلاف
  2. المواطنة هي الدائرة الأوسع التي تستوعب الجميع, والراية التي يمضي تحتها الناس على اختلاف انتماءاتهم وولاءاتهم.
  3. أثر توعية الناس بقاعدة المنار الذهبية: (نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه), بما يجعل الجميع يمضي نحو هدف واحد وغاية واضحة مهما اختلفت وسائلهم وتباينت أساليبهم.
  4. إعلاء القيم الإنسانية المشتركة, وعدم الوقوف عند قيم خاصة يفترق عندها الناس.

كما يتوجب علينا في تلك الفترة  الوعي بأولويات العمل الثوري بعد إقصاء المفسدين في ضوء علم السنن, ومنها:

  1. إحسان الصلة بالله
  2. التعاون المجتمعي
  3. إرساء ضوابط التعامل المجتمعي
  4. الوعي بديمومة  الصراع  بين الحق والباطل وأثر ذلك في الحفاظ على الثورة,وهذا يجعلنا ندرك أن :
  1. الوعي أساس السعي
  2. لن يخلو الزمان من قائم لله بحجة
  3. اليقين في نصر الله وغلبة الحق للباطل ,,

والله وحده خير مسئول ومأمول,,,,

فهرس المصادر والمراجع.

أولاً: القرآن الكريم.

ثانياً:

  1. الإتقان في علوم القرآن: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ), المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم,الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب,الطبعة: 1394هـ/ 1974 م.
  2. أحكام القرآن المؤلف: أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي (المتوفى: 370هـ), المحقق: عبد السلام محمد علي شاهين, الناشر: دار الكتب العلمية بيروت – لبنان, الطبعة: الأولى، 1415هـ/1994م.
  3. أساس البلاغة: أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى: 538هـ),تحقيق: محمد باسل عيون السود,الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان,الطبعة: الأولى، 1419 هـ - 1998 م
  4. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن, محمد الأمين بن محمد بن المختار الجكني الشنقيطي.  سنة الوفاة 1393هـ., تحقيق مكتب البحوث والدراسات.الناشر دار الفكر للطباعة والنشر. سنة النشر 1415هـ - 1995م. مكان النشر بيروت.
  5. أنوار التنزيل وأسرار التأويل: ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي (المتوفى: 685هـ),المحقق: محمد عبد الرحمن المرعشلي,الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت,الطبعة: الأولى - 1418 هـ
  6. أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير: جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري,الناشر: مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية,الطبعة: الخامسة، 1424هـ/2003م
  7. بحر العلوم: أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي (المتوفى: 373هـ).
  8.  البحر المحيط في التفسير: أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي (المتوفى: 745هـ),المحقق: صدقي محمد جميل,الناشر: دار الفكر – بيروت, الطبعة: 1420 هـ.
  9. البحر المديد في تفسير القرآن المجيد: أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة ,لحسني الأنجري الفاسي الصوفي (المتوفى: 1224هـ),المحقق: أحمد عبد الله القرشي رسلان,الناشر: الدكتور حسن عباس زكي – القاهرة,الطبعة: 1419 هـ.
  10.  بدائع السلك في طبائع الملك,المؤلف: محمد بن علي بن محمد الأصبحي الأندلسي، أبو عبد الله، شمس الدين الغرناطي ابن الأزرق (المتوفى: 896هـ), المحقق: د. علي سامي النشار
  11.  البرهان في علوم القرآن: المؤلف: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (المتوفى: 794هـ),المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم,الطبعة: الأولى، 1376 هـ - 1957 م,الناشر: دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه
  12. بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز:المؤلف: مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى (المتوفى: 817هـ),المحقق: محمد علي النجار,الناشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة,.
  13. التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»: محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى 1393هـ),الناشر: الدار التونسية للنشر– تونس,سنة النشر: 1984 هـ
  14. تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم: أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (المتوفى: 982هـ),الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت
  15. تفسير الشعراوي – الخواطر: محمد متولي الشعراوي (المتوفى: 1418هـ),الناشر: مطابع أخبار اليوم, (ليس على الكتاب الأصل - المطبوع - أي بيانات عن رقم الطبعة أو غيره، غير أن رقم الإيداع يوضح أنه نشر عام 1997 م)
  16. تفسير القرآن الحكيم: (تفسير المنار), محمد رشيد بن علي رضا (المتوفى: 1354هـ).
  17. تفسير القرآن العزيز: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ),المحقق: أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز,الناشر: الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة,الطبعة: الأولى، 1423هـ - 2002م
  18. تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم: أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، الحنظلي، الرازي ابن أبي حاتم (المتوفى: 327هـ), أسعد محمد الطيب,الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز - المملكة العربية السعودية,الطبعة: الثالثة - 1419 هـ
  19. تفسير القرآن العظيم: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ),المحقق: سامي بن محمد سلامة,الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع,الطبعة: الثانية 1420هـ - 1999 م.
  20. تفسير القرآن: أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ),المحقق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم,الناشر: دار الوطن، الرياض – السعودية,الطبعة: الأولى، 1418هـ- 1997م
  21. تفسير الماوردي = النكت والعيون: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ),المحقق: السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم,الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان.
  22. التفسير الميسر, المؤلف : مجموعة من العلماء - عدد من أساتذة التفسير تحت إشراف الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي,مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
  23. تقرير مركز المعلومات, ودعم اتخاذ القرار, مجلس الوزراء, السنة الخامسة, العدد 50, فبراير 2011.
  24. تهذيب اللغة, المؤلف: محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (المتوفى: 370هـ),المحقق: محمد عوض مرعب,الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت,الطبعة: الأولى، 2001م
  25. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (المتوفى: 1376هـ),المحقق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق,الناشر: مؤسسة الرسالة, الطبعة: الأولى 1420هـ -2000 م.
  26. ثورة يناير في عام, تقرير يصدر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار,مجلس الوزراء المصري,السنة السادسة, العدد 61, يناير 2012م.
  27. جامع البيان في تأويل القرآن: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ),المحقق: أحمد محمد شاكر,الناشر: مؤسسة الرسالة,الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 2000 م
  28.  الجامع لأحكام القرآن, تفسير القرطبي: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى : 671هـ),ت حقيق : أحمد البردوني إبراهيم أطفيش,الناشر : دار الكتب المصرية – القاهرة,الطبعة : الثانية ، 1384هـ - 1964 م,
  29.  الجواهر الحسان في تفسير القرآن: أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي ,المتوفى: 875هـ),المحقق: الشيخ محمد علي معوض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود,الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت,الطبعة:الأولى - 1418 هـ.  
  30. خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب: عبد القادر بن عمر البغدادي (المتوفى: 1093هـ),تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون,الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة,الطبعة: الرابعة، 1418 هـ - 1997 م.
  31. دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة, المؤلف : أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي, المحقق : عبد المعطي قلعجي, دار النشر : دار الكتب العلمية + دار الريان للتراث, البلد : بيروت , القاهرة, الطبعة : الأولى, سنة الطبع: 1408هـ ، 1988م.
  32. ديوان زهير بن أبي سلمى, اعتنى به وشرحه حمدو طماس,ط: بيروت لبنان, ط: الثانية,1426هـ, 2005م.
  33. ديوان عمرو بن كلثوم, جمعه وحققه وشرحه د. اميل بديع يعقوب, ط: دار الكتاب العربي, ط: أولى, 1411هـ 1991م.
  34. روح البيان: إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء (المتوفى: 1127هـ),الناشر: دار الفكر – بيروت.
  35. زاد المسير في علم التفسير: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ),المحقق: عبد الرزاق المهدي,الناشر: دار الكتاب العربي – بيروت,الطبعة: الأولى - 1422 هـ
  36. السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير, المؤلف: محمد بن أحمد الخطيب الشربيني (المتوفى : 977 هـ ), دار النشر / دار الكتب العلمية ـ بيروت.
  37. سنن أبي داود,المؤلف: أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ),المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد,الناشر: المكتبة العصرية، صيدا – بيروت,
  38. السنن,الإلهية,في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلامية, د عبد الكريم زيدان, ط: مؤسسة الرسالة,ط أولى: 1413ه, 1993م.
  39.   سنن البيهقي الكبرى, أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي, الناشر : مكتبة دار الباز - مكة المكرمة ، 1414 – 1994, تحقيق : محمد عبد القادر عطا.
  40.  سنن الترمذي,المؤلف: محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (المتوفى: 279هـ),تحقيق وتعليق:,أحمد محمد شاكر وآخرين الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر,الطبعة: الثانية، 1395 هـ - 1975 م.
  41. شخصية فرعون في القرآن, قاسم توفيق قاسم خضر, رسالة ماجستير  في التفسير  بكلية الدراسات العليا, من جامعة النجاح الوطنية, نابلس فلسطين, 1423هـ , 2003م.
  42. شرح ديوان الحماسة (ديوان الحماسة: اختاره أبو تمام حبيب بن أوس ت 231 هـ)المؤلف: يحيى بن علي بن محمد الشيبانيّ التبريزي، أبو زكريا (المتوفى: 502هـ), الناشر: دار القلم – بيروت.
  43. - شهادتي...رابعة بين الحقيقة والخيال, د جمال عبد الستار, شهادة كتبها صاحبها لما عاينه في تلك المحنة,لم تطبع بعد, من مكتبة صاحبها.
  44. الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي (المتوفى: 393هـ),تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار,الناشر: دار العلم للملايين – بيروت,الطبعة: الرابعة 1407 هـ‍ - 1987 م.
  45. العين, الخليل بن أحمد, مصدر الكتاب : موقع الوراق.
  46. الفروق اللغوية: أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري (المتوفى: نحو 395هـ), حققه وعلق عليه: محمد إبراهيم سليم,الناشر: دار العلم والثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة – مصر.
  47. في ظلال القرآن: سيد قطب إبراهيم حسين (المتوفى: 1385هـ),الناشر: دار الشروق - بيروت- القاهرة,الطبعة: السابعة عشر - 1412 هـ
  48. الكامل في اللغة والأدب, المؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد
    المحقق:د.محمد.أحمد.الدالي, الناشر: مؤسسة الرسالة, الطبعة: الثالثة 1418هـ ـ 1997م
  49. مسلمون ثوار, د محمد عمارة, ط: الثالثة, 1408هـ, 1988م, ط: دار الشروق.
  50. الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى: 538هـ),الناشر: دار الكتاب العربي – بيروت,الطبعة: الثالثة - 1407 هـ, الكتاب مذيل بحاشية (الانتصاف فيما تضمنه الكشاف) لابن المنير الإسكندري (ت 683), وتخريج أحاديث الكشاف للإمام الزيلعى.
  51.  الكشف والبيان عن تفسير القرآن:: أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أبو إسحاق (المتوفى: 427هـ),تحقيق: الإمام أبي محمد بن عاشور, مراجعة وتدقيق: الأستاذ نظير الساعدي, الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان,الطبعة: الأولى 1422، هـ - 2002 م.
  52. لباب التأويل في معاني التنزيل: علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي أبو الحسن، المعروف بالخازن (المتوفى: 741هـ),المحقق: تصحيح محمد علي شاهين,الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت,الطبعة: الأولى - 1415 هـ
  53. لباب النقول في أسباب النزول, للسيوطي,
  54. اللباب في علوم الكتاب: أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (المتوفى: 775هـ),المحقق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض,الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان,الطبعة: الأولى، 1419 هـ -1998م.
  55. لطائف الإشارات, تفسير القشيري: عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري (المتوفى: 465هـ),المحقق: إبراهيم بسيوني,الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب – مصر,الطبعة: الثالثة.
  56. مجلة التبيان, العدد الثاني والثمانون, جمادى الأولى, 2432هـ ـ أبريل 2011
  57.  مجمل اللغة لابن فارس,المؤلف: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395هـ),دراسة وتحقيق: زهير عبد المحسن سلطان,دار النشر: مؤسسة الرسالة – بيروت,الطبعة الثانية - 1406 هـ - 1986 م
  58. محاسن التأويل: المؤلف: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (المتوفى: 1332هـ),المحقق: محمد باسل عيون السود,الناشر: دار الكتب العلمية, بيروت,الطبعة: الأولى - 1418 هـ.
  59. محاضرات الأدباء ومحاورات الشعرء والبلغاء, لأبي القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الأصفهاني ,تحقيق عمر الطباع, الناشر دار القلم, بيروت لبنان,  ط: 1420هـ- 1999م.
  60. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي (المتوفى: 542هـ),المحقق: عبد السلام عبد الشافي محمد,الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت,الطبعة: الأولى1422 هـ.
  61.  المخصص: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي (المتوفى: 458هـ),المحقق: خليل إبراهيم جفال,الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت,الطبعة: الأولى، 1417هـ 1996م.
  62.  المدخل إلى التفسير الموضوعي, لأستاذنا د عبد الستار فتح الله سعيد ط:دار التوزيع والنشر الإسلامية, ط: الثانية, 1411هـ,1991م.
  63. مراح لبيد, لكشف معنى القرآن المجيد: محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا (المتوفى: 1316هـ),المحقق: محمد أمين الصناوي,الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت,الطبعة: الأولى - 1417 هـ.
  64. مسند البزار المنشور باسم البحر الزخار: أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق بن خلاد بن عبيد الله العتكي المعروف بالبزار (المتوفى: 292هـ), المحقق: محفوظ الرحمن زين الله، وآخرين,الناشر: مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة,الطبعة: الأولى، (بدأت 1988م، وانتهت 2009م)
  65. معالم التنزيل في تفسير القرآن: لمحيي السنة ، أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى : 510هـ),المحقق : عبد الرزاق المهدي,الناشر : دار إحياء التراث العربي –بيروت,الطبعة : الأولى، 1420 هـ
  66. معجم الفروق اللغوية,المؤلف: أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري (المتوفى: نحو 395هـ),المحقق: الشيخ بيت الله بيات، ومؤسسة النشر الإسلامي,الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بـ «قم»,الطبعة: الأولى، 1412هـ.
  67.   المعجم الوسيط ـ موافق للمطبوع, المؤلف / إبراهيم مصطفى ـ أحمد الزيات ـ حامد عبد القادر ـ محمد النجار, دار النشر : دار الدعوة,تحقيق / مجمع اللغة العربية.
  68. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ط2، دار الحديث، القاهرة، 1988م.
  69. معجم مقاييس اللغة,المؤلف: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395هـ),المحقق: عبد السلام محمد هارون,الناشر: دار الفكر,عام النشر: 1399هـ - 1979م.
  70. مفاتيح الغيب = التفسير الكبير: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: 606هـ),الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت,الطبعة: الثالثة - 1420 هـ.
  71. المفردات في غريب القرآن: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى (المتوفى: 502هـ),المحقق: صفوان عدنان الداودي,الناشر: دار القلم، الدار الشامية - دمشق بيروت,الطبعة: الأولى - 1412 هـ.
  72. من فقه الدولة في الإسلام, د ويسف القرضاوي, ط: دار الشروق, الطبعة الثالثة, 1423هـ / 2001م.
  73. نفحات ولفحات, د يوسف القرضاوي, ديوان شعر, ط: دار الصحوة,
  74. الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (المتوفى: 468هـ),تحقيق: صفوان عدنان داوودي, دار النشر: دار القلم , الدار الشامية - دمشق، بيروت,الطبعة:الأولى،1415 هـ.
  75. الوسيط في تفسير القرآن المجيد: أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (المتوفى: 468هـ), تحقيق وتعليق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود وآخرين, الناشر: دار الكتب ,العلمية، بيروت – لبنان,الطبعة: الأولى، 1415 هـ- 1994 م

 

فهرس الموضوعات          

 

الموضوع:

الصفحة

المقدمة:

 

الفصل الأول: الثورة المصرية والسنن الربانية: مفاهيم ومقدمات

 

المبحث الأول: مفهوم الثورات, وموقف القرآن الكريم من الثورات والتغيير.

 

المبحث الثاني: مقدمات الثورة المصرية وأسبابها في ضوء علم السنن.

 

المبحث الثالث: الطغيان السياسي وأثره في الثورات في ضوء علم السنن.

 

المبحث الرابع: ملامح الإرادة الإلهية في أحداث الثورة المصرية وعلاقة ذلك بسنة الله في الأسباب والمسببات.

 

الفصل الثاني: السنن الربانية في الثورة المصرية المعاصرة.

 

المبحث الأول: سنة الله في الظلم والظالمين في ضوء الثورة المصرية.

 

المبحث الثاني: سنة الله في التزاوج  بين رجال المال والحكام الطغاة.

 

المبحث الثالث: سنة الله في المكر والماكرين في ضوء الثورة المصرية.

 

المبحث الرابع: سنة الله في التدافع بين الحق والباطل في ضوء الثورة المصرية.

 

المبحث الخامس: سنة الله في التغيير في ضوء الثورة المصرية.

 

الخاتمة, أسأل الله حسنها.

 

فهرس المصادر والمراجع

 

فهرس الموضوعات

 

 

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم