إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

سنة الله في القلة والكثرة في ضوء القرآن الكريم وموقف المسلمين منها بين الوعي والسعي

الاحد 03 ربيع الثاني 1438 الموافق 01 يناير 2017  
سنة  الله في القلة والكثرة  في ضوء القرآن الكريم  وموقف المسلمين منها بين الوعي والسعي
د. رمضان خميس زكي الغريب

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

أحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة وهداية للعالمين، محمدٍ – صلى الله عليه وسلم- وآله وصحبه والتابعين، اللهم إنا نبرأ من حولنا وطولنا وقواتنا، ونلوذ بحولك وطولك وقوتك، فلا تكلنا على أنفسنا طرفة عين ولا قبضتها يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك يا حنان يا منان يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام أن تجعل أقوالنا وأعمالنا وحركاتنا وسكناتنا فيك لك خالصة إنك على كل شيء قدير، اللهم إنا نسألك إيمانا لا يرتد، ونعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، ونسألك مرافقة النبيين في الجنة...

أما بعد فإن المسلمين اليوم، وكل يوم في أمسِّ الحاجة إلى استلهام رأي القرآن الكريم في قضاياهم وتصوراتهم، وهم اليوم يعيشون عصرا تتنازعه الأفكار من كل صوب، وتتناوشه النظريات البشرية من كل حدب، وفي هذا الضجيج من الرؤى المتباينة، والتقدم التقني الباهر يشعرون بالقلة والذلة، وبعضهم يشعر فكريا أو عملياً بأن التدين عامة سبب من  أسباب الرجوع الحضاري، خالطين بين ديانات عزلت أصحابها عن واقع الحياة وحرَّمت بل جرَّمت التقدم والعلم والمعرفة، وما نهض أتباعها إلا بعد أن قالوا:(اشنقوا آخر قيصر بأمعاء آخر قسيس)، وبين دين أول كلماته: (اقرأ)، وتكررت فيه الدعوة إلى عمارة الأرض وإثارة خيرها وارتفاق عطائها والسير في مناكبها، أكثر مما تكرر فيه الحديث عن الأحكام والفروع، فالفروع وحديث القرآن الكريم عنها لا يتجاوز 1/11 من مجموع آيات القرآن الكريم، هي مجمل آيات الأحكام تقريبا، أما عمارة الأرض وخلافة الحياة فيدور أغلب القرآن الكريم عليها وما يقدم لها وما يدور حولها من بناء الإنسان الصالح الذي يُصلح الأرض بصلاح نفسه، ويربطها بارتباطه هو بالله رب العالمين.

أولا أهمية الموضوع وأسباب اختياره:

تبدو أهمية الموضوع من خلال النقاط الآتية:

  1. أثر الوعي بسنة الله (تعالى) في القلة والكثرة في تغير مفاهيم الناس ورؤاهم وتصوراتهم، ومن ثم في أفعالهم وسلوكهم بما يتناسب مع سنن الله الجارية والخارقة في القلة والكثرة.
  2. تحديد مهمة القلة في نهضة الأمم من عثرتها وقيامها من كبوتها شأن القلة في كل زمان ومكان، والتي تسميها السنة المطهرة: (الراحلة).
  3. حاجة الأمة اليوم إلى هذه الريادة الفكرية والعلمية والعملية التي تأخذ بيدها لتنهض من الوهدة، وتقال من العثرة، وتقوم من تلك الكبوة التي تردت فيها إثر بعدها كلاً أو بعضا عن منهاج الصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة.

 

ولدراسة هذه القضية أسباب دفعتني إليها، منها:

  1. التأكيد الذي لا يُمل منه: أن المرجعية العليا للمسلمين في تصوراتهم ومنطلقاتهم، ومعاشهم، ومعادهم، هي القرآن الكريم، يفيدون منه حُكمَه في كل قضية، وفصله في كل مسألة.
  2. أثر غياب هذه المرجعية من أذهان بعض المسلمين في الهزيمة النفسية، والتراجع الفكري، وبدؤهم من الصفر، دون الإفادة من عطاء القرآن وهديه مما يوفر عليهم تجارب بشرية ثبت فشلها حتى عند أصحابها.
  3. أثر المدنية الغربية في بَهْرها وقَهْرها لكثير من المسلمين، وزعزعة بعض المفاهيم لديهم، وشعورهم بالقلة نحوها.
  4. تأكيد القرآن والتاريخ والواقع المعيش: أن نهضات الأمم تقوم على القلة الفاعلة المؤثرة.

 

ثانيا مشكلة البحث:  

تدور مشكلة البحث حول توصيف وتوظيف آيات القرآن الكريم لسنة الله – تعالى - في القلة والكثرة، وبيان موقف المسلمين من الوعي بهذه السنة، والسعي بها في التدافع الحضاري بين الحق  والباطل، ومدى إفادتهم من منهجية القرآن الكريم لبيان هذه السننية في تلك القضية.

  ثالثا أسئلة البحث:

السؤال الأساس لهذه الدراسة هو: ما سنة الله في القلة والكثرة؟ وما موقف المسلمين منها بين الإعمال والإهمال؟ ويتفرع عنه أسئلة أخرى هي:

  1. ما مفهوم القلة والكثرة في القرآن الكريم؟
  2. ما دوران القلة والكثرة في القرآن الكريم؟
  3. ما مدى ظهور الجانب السنني في القلة والكثرة؟
  4. ما موقف المسلمين من السننية في القلة والكثرة، وإفادتهم منها في الشهود الحضاري للأمة المسلمة؟
  5. ما موقف القلة المحمودة من الريادة للأمة المسلمة؟

رابعا أهداف الدراسة:

يمكن حصر أهداف الدراسة من خلال الإجابة على الأسئلة السابقة في الآتي:

  1. تحديد مفهوم سنة الله في القلة والكثرة في اللغة والقرآن الكريم.
  2. معرفة دوران كلمة القلة والكثرة في القرآن الكريم.
  3. إبراز الجانب السنني في القلة والكثرة من خلال حديث القرآن الكريم عنهما.
  4. أثر الوعي بالجانب السنني للقلة والكثرة في الشهود الحضاري للأمة المسلمة.
  5. ريادة القلة المحمودة لنهضة الأمة كما يصورها ويدعمها القرآن الكريم.

خامساً: حدود الدراسة:

تقتصر الدراسة على حصر الآيات التي تتناول القلة والكثرة وتمضي على المنهج الموضوعي الوسيط الذي يسعى إلى حصر الآيات الجامعة للصورة القرآنية الشاملة عن سننية القلة والكثرة في القرآن الكريم، والاستعانة على فهم ذلك بالتفاسير المعتمدة، والعلوم الإنسانية المتاحة، وما أنتجه علم الاجتماع الإسلامي حسب الطاقة البشرية.

سادساً: منهج البحث وأداته:

يستخدم الباحث المنهج الوصفي والاستقرائي والاستنباطي، حسب طبيعة التناول، وكانت أداته جمع الآيات ذات الصلة بالموضوع، وتحليلها، واستنباط  الخصائص، والسمات، والأسباب، والشروط، والأهداف المتعلقة بسنة الله في القلة والكثرة، اعتمادا على ما كتبه علماء التفسير واللغة، وما يدعم ذلك من ومضات السنة النبوية المطهرة، وما يخدم هدف البحث من الدراسات الإنسانية، دون الإفراط في الشروح؛ حرصا على عدم خروج البحث عن مساره.

وحرَصت على جمع الآيات المتعلقة بالموضوع ، ثم تصنيفها من حيث أجمعُها للقضية، ورتبتها من حيث المكيةُ والمدنيةُ،  حتى تعطي صورة كاملة عن القضية - والزمن جزء من رسم تلك الصورة الصادقة-، وحرَصت على أن تكون العناصر المعنونة من صميم الآيات القرآنية؛ جريا على المعتمد من المناهج في هذا اللون من ألوان التفسير الموضوعي()، أما في الشرح والاستنباط،  فأفدت من كتب التفسير في كل المدارس من مأثور ورأي، فمررت على مدارس متعددة وألوان متباينة، زمانا، ومكانا، واتجاها، ومنهاجا، وفكرا، كما أفدت من السنة، وهي الشارح الُمِبين والُمَبِّين لآيات القرآن الكريم، وأفدت مما قدمه الجهد البشري من دراسات إنسانية أو عربية في هذا الصدد، حسب الطاقة والوسع، وحسب طبيعة الدراسة.

سابعاً: الدراسات السابقة:

الحق أني لم أقف على دراسة علمية تتناول جانب السنن في القلة والكثرة، وكل ما وقفت عليه مقالات ورصد لآيات القلة والكثرة، ومن تناول القلة والكثرة في دراسة علمية تناولها من جانب أصولي أومن جانب لغوي بعيد عن قضية الدراسة هنا.

ثامناً: هيكل البحث:

اشتمل البحث على مقدمة، وثلاثة فصول، وخاتمة.

الفصل الأول:  القلة: مفهومها وصفاتها وسنن الله فيها، وفيه أربعة مباحث:

المبحث الأول : مفهوم سنة الله في القلة، في اللغة، والقرآن، وورود لفظة القلة ومرادفاتها في القرآن الكريم.

المبحث الثاني: القلة المحمودة وصفاتها في القرآن الكريم.

المبحث الثالث: القلة المذمومة وصفاتها في القرآن الكريم.

المبحث الرابع: ملامح السننية في القلة.

الفصل الثاني: الكثرة: مفهومها، وصفاتها، وسنن الله فيها، وفيه أربعة مباحث:

المبحث الأول:  مفهوم سنة الله في الكثرة في اللغة والقرآن، وورود لفظة الكثرة ومرادفاتها في القرآن الكريم.

المبحث الثاني: الكثرة المحمودة وصفاتها في القرآن الكريم.

المبحث الثالث: الكثرة المذمومة وصفاتها في القرآن الكريم

المبحث الرابع: ملامح السننية في الكثرة.

الفصل الثالث: موقف المسلمين  من سنة الله في القلة والكثرة، بين الوعي والسعي، وفيه مبحثان:

المبحث الأول: ريادة القلة العاملة وأثرها في الشهود الحضاري للأمة المسلمة في ضوء سُنّة الله في القلة والكثرة

المبحث الثاني: فقه صناعة القلة الرائدة في ضوء سنة الله في القلة والكثرة.

الخاتمة، وتشمل أهم النتائج والتوصيات.

فهرس المصادر والمراجع.

فهرس الموضوعات.

والله من وراء القصد

الفصل الأول

القلة: مفهوما، وصفاتها، وسنن الله فيها، وفيه أربعة مباحث

المبحث الأول

مفهوم سنة الله في القلة في اللغة والقرآن، وورودها ومرادفاتها في القرآن الكريم.

مفهوم سنة: السنة (هي القانون الضابط المهيمن، والفعل النافذ الحاكم الذي يجري باطراد وثبات وعموم وشمول، مرتبًا على سلوك البشر).()

القلة في اللسان العربي:

وردت القلة ومادتها في اللسان العربي دالة على عدد من المعاني نريد أن نقف أمامها، ونفيد من خلالها ما يعيننا على حسن التعامل مع سنة الله – تعالى - في القلة في القرآن الكريم، فالتصور أساس السلوك، والحكم على الشيء فرع عن تصوره.

ومن تتبع اللسان العربي، عبر لسان العرب، وأساس البلاغة ،والخصائص، والتهذيب، والمقاييس، وما دار حول ذلك من معاجم وقواميس نجد الكلمة تدور حول هذه الدلالات:

تدل المادة على الارتفاع، وعلى العلو، والتفرد، والانفراد، وتدل على أنها معتمد غيرها، وارتفاع غيرها بها، و قمة الشيء وأعلاه، والنهضة من عثرة، والنهوض من علة، والنهوض من فقر، والسرعة.

الخسة والدناءة، النذارة، وعدم الاستقرار، والنقص، والصغر. يكنى بها عن العزة. وتدل على الجهالة.

وأورد هنا من نصوص اللغة ما يؤيد ما قلناه دون إغراق في النقل، بل ما تمس إليه الحاجة، وتوجبه ضرورة الاعتماد والاستناد، ونحيل في النصوص المتشابهة على الأقدم زمنا، فالكل يمتح() من إناء واحد وإن اختلفت المشارب والموارد: غرفا من البحر أو رشفا من الديم.

( قَالَ اللَّيْث: قَلَّ الشيءُ يقلُّ قِلّةً، فَهُوَ قليلٌ، وقُلالٌ، قَالَ: ورجلٌ قُلٌّ: قَصيرُ الجُثَّة. وَقَالَ غيرهُ: القلُّ من الرِّجَال: الخسيس الدَّنيءُ. وَفِي الحَدِيث: (الرِّبَا وإنْ كَثُر فَهُوَ إِلَى قُلّ) () أَي: إِلَى قِلّة. قَالَ اللَّيْث: وقُلَّةُ كل شَيْء: رأسُه، وقُلّةُ الجَبَلِ: أَعْلَاهُ.)()

فهنا تدل كما هو واضح على القصر، والخسة، كما تدل على الارتفاع والعلو.

و ( قل الشيء يقل قلة، وهو قليل. والقل: القلة، كالذل والذلة ....وفلان قل ابن قل، إذا كان لا يعرف هو ولا أبوه والقلة.. والقلة: قلة الجبل، واستقل القوم: مضوا لسبيلهم.)()

وهنا تدل تلك النصوص على جهالة الموسوم بالقلة، وعدم معرفة أصوله، وتدل على الارتفاع، والعلو، والسير قدما.

الْفرق بَين الْيَسِير والقليل:

(الْقلَّة تَقْتَضِي نُقْصَان الْعدَد يُقَال قوم قَلِيل وقليلون وَمن الْقُرْآن (لشرذمة قَلِيلُونَ) يُرِيد أَن عَددهمْ ينقص عَن عدَّة غَيرهم وَهِي نقيض الْكَثْرَة وَلَيْسَت الْكَثْرَة إِلَّا زِيَادَة الْعدَد وَهِي فِي غَيره اسْتِعَارَة وتشبيه واليسير من الْأَشْيَاء مَا يَتَيَسَّر تَحْصِيله أَو طلبه وَلَا يَقْتَضِي مَا يَقْتَضِيهِ الْقَلِيل من نُقْصَان الْعدَد أَلا ترى أَنه يُقَال عدد قَلِيل وَلَا يُقَال عدد يسير وَلَكِن يُقَال مَال يسير لِأَن جمع مثله يَتَيَسَّر فَإِن اسْتعْمل الْيَسِير فِي مَوضِع الْقَلِيل فقد يجْرِي اسْم الشَّيْء على غَيره إِذا قرب مِنْهُ)()

(وَقد يقْصُرُ القُلُّ الْفَتى دون همّه     وَقد كَانَ لَوْلَا القُلُّ طَلاّعَ أنْجُدِ)()

وإذا انتقلنا إلى الراغب الأصفهاني في المفردات وجدناه يرى أن :(القِلَّةُ والكثرة يستعملان في الأعداد، كما أنّ العظم والصّغر يستعملان في الأجسام، ثم يستعار كلّ واحد من الكثرة والعظم، ومن القلّة والصّغر للآخر. ... ويكنّى بِالْقِلَّةِ عن الذّلّة اعتبارا بما قال الشاعر:

ولست بالأكثر منهم حصا ... وإنما العزّة للكاثر()

( وعلى ذلك قوله: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ )[سورة الأعراف/ 86] ويكنّى بها تارة عن العزّة اعتبارا بقوله: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) [سورة سبأ/ 13] ، (وَقَلِيلٌ ما هُمْ) [ص/ 24]، وذاك أنّ كلّ ما يعزّ يَقِلُّ وجوده. وقوله: ... .... والقُلَّةُ: ما أَقَلَّهُ الإنسان من جرّة وحبّ  ، وقُلَّةُ الجبل: شَعَفُهُ اعتبارا بقلّته إلى ما عداه من أجزائه،.)()

ويقولون: (صعدوا قلّة الجبل وقلل الجبال. ...ومن المجاز: هو مستقلّ بنفسه، إذا كان ضابطاً لأمره. وهو لا يستقلّ بهذا الأمر: لا يطيقه. واستقلّوا عن ديارهم، واستقلّت خيامهم، واستقل القوم عن مجلسهم، واستقلّوا في مسيرهم. واستقلّ الطائر في طيرانه. واستقل سورة النجم. واستقل عمود الفجر. واستقلّ البناء: أناف، وبناء مستقل. واستقل فلان غضباً: شخص من مكانه لفرط غضبه، وقيل: هو من القلّ: سورة الرعدة. وبلغ الماء قلة رأسه، و يضربن القلل، ورجل طويل القلّة وهي القامة. ورجل قليل: صغير الجثّة، .....وقوم أقلة: خساس. وهو يقلّ عن كذا: يصغر عنه. وتقلقل في البلاد: طالت أسفاره..)().

وصاحب البصائر يرى معاني قريبة من المعاني التي نص عليها أصحاب اللسان  والمفردات ))

ومن هذه التطوافة في كتب اللغة ندرك أن القلة تستعمل في المعاني السابقة، ومن تتبع آيات القرآن في بيان معنى القلة نجد أن القرآن الكريم تناولها بهذه الصورة أيضا، كما سيرد ذلك في حديث القرآن عن القلة، ودوران الكلمة فيه، وهذا يشير أيضا إلى أن حديث القرآن عن القلة تناول جوانبها ودلالاتها اللغوية، كما سنقف عليه بعد إن شاء الله.

 

ألفاظ القلة ومقارباتها في القرآن الكريم

ورد التعبير عن القلة في القرآن الكريم بعبارات متعددة دارت حول ما يأتي:

  1. قليل، بمواطنه المتنوعة، وصوره المتعدد: (قليلا، قليل،

      قليلون، قليلة، أقل)

  1. شرذمة.
  2. أمة.
  3. فريق.
  4. كما وردت الدلالة على القلة بالنص على العدد، مثل: قال رجلان، سبعين رجلا، عشرون صابرون، مائة صابرة، دراهم معدودة، ، اثني عشر نقيبا، أو باستخدام لفظة تدل على القلة مثل: يستضعفون، يسير، قتور، أو التركيب الدال عليها مثل التبعيض، والاستثناء،... ونحو ذلك.

 

أنواع القلة في القرآن الكريم:

وقد تناول القرآن الكريم الحديث عن القلة تناولا واضحا يبين خصائصها ويبرز سماتها، وبالتأمل في حصر الآيات التي تدل على القلة صراحة أو ضمنا يمكننا أن نقسم القلة إلى نوعين جامعين:

النوع الأول: القلة المحمودة:

وهي التي ورد التعبير عنها في القرآن الكريم في مقام المدح لأصحابها، والدلالة على أنهم تفردوا بسمات واتصفوا بصفات يرضاها الله – تعالى ويدعو إليها، سواء كانت تلك الصفات ريادة وسبقا في وقت يندر فيه السبق والريادة، أو إيمانا يستحق أن يؤيده الله ويؤوي أهله، ويرزقهم من الطيبات لعلهم يشكرون، أو ثباتا في ميدان القتال والجهاد في سبيل الله، أو يقينا صادقا في نصرة الله على الرغم من قلة العَدد والعُدد، أو دواما على الأمانة وبعدا عن الخيانة، أو سبقهم في العلم والمعرفة، أو شكرهم على العطاء مع قلة الشاكرين وكثرة الجاحدين، أو عدالتهم في الشركة والخلطة، وبعدهم عن البغي على الخلطاء، أو رضاهم بما قسم الله لهم من زخرف الدنيا وزينة الحياة، مع إيمانهم ورؤيتهم لكثرة مال الكافرين الجاحدين وولدهم، ونحو ذلك مما سنقف عليه تفصيلا عند تناول الآيات الكريمة إن شاء الله.

النوع الثاني: القلة المذمومة:

وهي التي ورد الحديث عنها بصورة تنفر منها، وتبعد عنها، وتدل على اتصاف أصحابها بصفات لا يرضاها الله - تعالى-، ولا تقبلها الفطر السوية، والنفوس الأبية، ينعى القرآن على أصحابها، ويحذر من مغبة الميل إليها، مثل وصف ما لدى  المفترين بأنه ليس فلاحا بل متاع قليل، لا يلبث أن يزول ويحول، أو أن  أمانهم لا يستمر، وعدوانهم على المرسلين لا يدوم، بل عما قليل ليصبحن نادمين، نادمين على إنكارهم وشنيع صنيعهم مع الأنبياء والمرسلين، أو وصف شكرهم مع عظم ما ينعم به عليهم بأنه قليل، لا يتناسب مع حقيق الشكر وواجب الاعتراف، أو وصف التذكر الصادر من بعض البشر بأنه قليل على الرغم من توفر دواعي التذكر، وأسباب التفكر، أو النكير عليهم أنهم استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، فيشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، ويبيعون دينهم بعرض من الدنيا زائل، وعطاء من الحياة حائل، أو وصف متاع الحياة بأنه في جنب الآخرة قليل، أو النعي على بني إسرائيل بأنهم لا يؤمنون إلا قليلاً، أو وصف متعتهم وفرحهم في الحياة بأنه قليل، أو أنهم لا يأتون البأس إلا قليلاً، ونحو ذلك مما سيتضح عند تناول الآيات الكريمة بإذن الله.

ولنتناول أولا القلة المحمودة وصفاتها في الصفحات القادمة:

 

المبحث الثاني

القلة المحمودة صفاتها وخصائصها في القرآن الكريم

 

ومن خلال تتبع الآيات الكريمة يمكن أن نتبين  القلة المحمودة ، وأهم سماتها على النحو التالي:

 

القلة هم الخلاصة المصطفاة والبقية المنتقاة

القلة المحمودة هي في كل مكان الخلاصة المصطفاة، والبقية المنتقاة، المنتقاة من كل شيء: زمانا، ومكانا، وأفرادا، ومعادن، هم الرواحل التي تتحمل إذا كَلَّ غيرها، وتصبر إذا مَلَّ سواها، تحمل حملها وكثيرا من حمل غيرها، فهي الرائدة في المتاهة، وهي القائدة في اضطراب الأمور، ولقد قيل في واحد من مثل هذه النماذج، وهو صاحب عمامة علمية رائدة:

أولت عمامتك العمائم كلها                  فخراً تقاصر دونه التيجان

إن الزعامة والطريق مخُوفَةٌ            غيرُ الزعامة والطريق أمـــان

تلك القلة هي التي تقل عند الطمع، وتكثر عند الفزع، فهم - بحق خلاصة جنسهم، وبقية نوعهم، ولقد تبين من خلال سَوْق القرآن الكريم لتلك النماذج القليلة ما يؤكد تفردهم وندرتهم، وقلتهم (بما تعنيه مادة القلة من دلالة) فيما يتصفون به، وإذا طالعنا القلة التي عبرت البحر مع طالوت، عرفنا إلى أي مدى تتضح فيهم تلك الصفة، فهم قلة لكنهم هم، هم وحدهم الذين عبروا النهر مع طالوت، وهم هم وحدهم الذين أدركوا واعين قوانين الله في النصر والهزيمة إدراكا عمليا، وإن أدركه  غيرهم إدراكا ثقافيا معرفيا، وسيَبِين لنا في الصفحات القادمة كم كانوا واعين بل واعبين () لقيم يندر أن يجمعها سواهم، ويقل وجودها فيمن عداهم، وتلك من سنن الله تعالى في خلقه وناموسه في عباده، لقد سئل الحسن عن الذين عبروا النهر :(أَلَيْسَ الْقَوْم جَمِيعًا كَانُوا مُؤمنين الَّذين جاوزوا؟ ! فقَالَ: بلَى، وَلَكِن تفاضلوا بِمَا شحت أنفسهم من الْجِهَاد فِي سَبيله.)().

فالذين عبروا النهر كانوا كلهم مؤمنين لكن الذين صبروا، وصابروا، ودعوا غيرهم إلى المصابرة هم خلاصة هؤلاء، فهؤلاء َ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنهم ملاقوا الله ( أي: يَتَيَقَّنْون أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ ويتوقعون ثوابَ الشهادة وهم الخُلْصُ من أهل البصيرة، قالوا: لا تفزعوا من كثرة عددهم كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وإرادته ومعونته، ...، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ بالنصر والمعونة.)()

و (كذلك الخواص في كل وقت يقل عددهم ولكن يجل قدرهم.)() وتلك القلة التي يصطفيها الله تعالى هي الخلاصة التي يقوم عليها بناء الحياة، وتنهض بها الريادة والقيادة، وتتقدم الأمم، وتستعاد القيم، والمتأمل لكل قليل في الحياة والأحياء يجده بقية جنسه، وخلاصة نوعه، فالذهب سيد المعادن وهو بينهم قل، والأنبياء هم رواد الأمم وهم بين أقوامهم قلة، والدعاة الصادقون هم الأدلاء للبشر وهم بين المدعوين قلة، والأزمنة المفضلة بين سائر الأزمنة قلة، والأماكن المقدسة بين الأماكن قلة:

 

تعيرنا أنا قليل عديدنا        فقلت لها إن الكرام قليل

وما ضرنا أنا قليل وجارنا     عزيز وجار الأكثرين ذليل

وما مات منا سيد حتف أنفه    ولا طل منا حيث كان قتيل

إذا مات منا سيد قام سيد       قؤول لما قال الكرام فعول()

فهذه القلة على الرغم من أنها في عين غيرها قلة، إلا أنهم في واقع العمل كثرة؛ لأنهم قلة عاملة، (والقلة العاملة تهزم الكثرة النائمة).

هم المنصورون في كل زمان

المتتبع لآيات القلة في القرآن الكريم، والراصد لطبيعة القلة في واقع الحياة والأحياء يجد أن القلة العاملة في كل زمان هم المنصورون، لما يشتملون عليه من سمات وخصائص، تعوض قلة عددهم بكثرة يقينهم واعتمادهم، وببذلهم ما لا يبذله غيرهم من الكثرة النائمة الهائمة، التي تقف عند حدود الشكل والمظهر فتغرهم كثرتهم ويخدعهم عددهم، والراصد لنصر المؤمنين في غزواتهم كلها يجد أنهم لم يبلغوا عدد عدوهم، بل لم يتعدوا ثلث عدوهم، والمعركة الوحيدة التي قالوا فيها (لن نغلب اليوم من قلة)()، هي المعركة التي سجل القرآن الكريم عليهم فيها الهزيمة، ونسبها إلى هذه الكثرة المعجبة، والعدد الذي اعتمدوا في حسابهم عليه،( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) سورة التوبة: (25). (فالقليل من ذوى العزائم الصادقة والنفوس التي أشربت حب الإيمان وامتلأت غيرة عليه- يفعل ما لا يفعله الكثير من ذوى الأهواء المختلفة، والنزعات المتضاربة )()

     وسر ذلك أن القلة المحمودة لها حساب آخر غير حساب الكثرة المعتمدة على عَددها وعُددها، (وقد يكون عدوك كثيراً لكن ليس له رصيد من ألوهية عالية، وقد تكون في قلة من العدد، لكن لك رصيد من ألوهية عالية، وهذا ما يريد الحق أن يلفتنا إليه بقوله: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً} . كلمة {إِلاَّ قَلِيلاً} جاءت لتخدم قضية، لذلك جاء في آخر القصة قوله تعالى: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله} [سورة: البقرة: 249]، أي: أن الغلبة تأتي بإذن الله، إذن فالشيء المرئي واحد، لكن وجهة نظر الرائين فيه تختلف على قدر رصيدهم الإيماني. .... فالعدو قد يكون كثيراً أمامنا ونحن قلة، وكلنا رأى العدو كثيراً ورأى نفسه قليلاً، لكن المواجيد تختلف. أنا سأحسب نفسي ومعي ربي، وغيري رآهم كثيرين وقال: لا نقدر عليهم؛ لأنه أخرج ربه من الحساب.)()

وإذا تتبعنا عدد القلة في جيش طالوت الذين كتب لهم وبهم النصر على جالوت وجنوده وجدناهم ثلاثمائة أو يزيدون قليلا،(أخرج سعيد بن مَنْصُور عَن عُثْمَان بن عَفَّان أَنه قَرَأَ {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم} قَالَ: الْقَلِيل ثلاثمائة وَبضْعَة عشر عدَّة أهل بدر).()، (لأن المقاييس ليست بكثرة الجمع، ولكن بنصرة الحق سبحانه وتعالى.)()

والفئة القليلة تكون قلتها في الظاهر المرئي للناس أما القوة المعنوية والروحية والتي هي أساس النصر فتلك لها مقاييس أخرى، مقاييس البصيرة لا البصر، فالإمداد على قدر الاستعداد، (والفئة القليلة تكون قلَّتُها في الأفراد والعَتَاد وكلِّ لوازم الحرب، والفئة الكثيرة، تظهر كثرَتها في العُدَّة والعَدَد وكلِّ لوازم الحرب، والفئة القليلة إنما تَغْلِب بإذن الله تعالى. وهكذا يوضِّح الحق سبحانه أن الأسباب تقضي بغلبة الفئة الكثيرة، لكن مشيئته سبحانه تغلب الأسباب وتصل إلى ما شاءه الله تعالى.)()

ولأمر ما ذكر الله – تعالى- تلك النماذج في القلة لجيل النصر الأول؛ يفيدون منه، ويقفون عنده، ويقيمون دولتهم على أساس تلك المفاهيم التي تبني الحضارة وتنشئ الاستمرار الحقيق في ريادة الدنيا باسم الدين.

وحري بمن انتدب نفسه لبلاغ رسالة الله للناس واستهدف إنارة الدنيا بالدين أن يعي هذه المفاهيم، حتى لا تبهره الكثرة فتقهره، فينتقل من دور المبهور إلى دور المقهور أو المسحور، أو إلى دور الحمامة ينظر إليه الثعبان فتنشل وتنحل وكان بمكنتها أن تطير، وواقع الأمة المسلمة اليوم ونظرتها للعالم الغربي خير شاهد على هذا،  فوعي المسلم بسنة الله في القلة والكثرة يقيه هذه النظرة ويعفيه من تلك الوهدة.

 

أهل اختبار وابتلاء

ميزات القلة وصفاتهم لا تأتي هكذا ضربة لازب، ولا تكون لكل حي، بل بعد تضحيتهم بما لا يضحي به غيرهم، وصبرهم على ما لا يصبر عليه سواهم، فالقلة تأتي بعد اختبار ينخل الغث من السمين، ويميز الخبيث من الطيب.

من هنا تتعرض القلة للتمحيص والابتلاء فيفوز بوصفها  من تحقق بصفاتها، ويبعد عنها من لا يستطيع دفع مهرها، ولذا تعرض بنو إسرائيل مع طالوت للاختبار والابتلاء، حتى يتبين الصابر المجاهد من الخائر الجبان، والمقدام الجسور من  الخائف  الرعديد (فالْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا الِابْتِلَاءِ أَنْ يَتَمَيَّزَ الصِّدِّيقُ عَنِ الزِّنْدِيقِ، وَالْمُوَافِقُ عَنِ الْمُخَالِفِ، فَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الَّذِينَ يَكُونُونَ أَهْلًا لِهَذَا الْقِتَالِ هُمُ الَّذِينَ لَا يَشْرَبُونَ مِنْ هَذَا النَّهْرِ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مَأْذُونًا فِي هَذَا الْقِتَالِ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِمْ نَفْرَةٌ شَدِيدَةٌ عَنْ ذَلِكَ الْقِتَالِ، لَا جَرَمَ أَقْدَمُوا عَلَى الشُّرْبِ، فَتَمَيَّزَ الْمُوَافِقُ عَنِ الْمُخَالِفِ، وَالصَّدِيقُ عَنِ الْعَدُوِّ.)()

ولكل اختبار نتيجة، ولكل بلاء عطاء، ولكل شدة رخاء، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وتأتي نتيجة اختبار القلة في هذا الموقف مباشرة إذ يصبر على القتال من لم يشرب من النهر أصلاً، ويتردد من اغترف غرفة بيده، ولا يقوى على العزم فضلا عن السير والقتال من عب وأترع، فبشم وترنح، وأخلد إلى الأرض غير مأسوف عليه؛ ذلك أن من لم يصبر على الماء كيف يصبر على بذل الدماء؟!، ومن لم يتحمل العطش كيف يتحمل وهج السيوف وتطاير الأعضاء؟!، (فمن ظهرت طاعته في تَرْك الماءِ، علم أنه يطيع فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهْوَتُه في الماء، وعصى الأمر، فهو بالعصيان في الشدائد أحرى ورخَّص للمطيعين في الغُرْفة ليرتفع عنْهم أذى العَطَش بعض الاِرتفاعِ، وليكسروا نزاعَ النَّفْس في هذه الحال.

ولقد أحْسَنَ من شبه الدُّنْيا بنَهَرِ طالوتَ، فمن اغترف منْها غرفة بيد الزهد، وأقبل على ما يعينه من أمر آخرته، نجا، ومَنْ أكبَّ عليها، صدَّته عن التأهُّب لآخرته، وقلَّت سلامته إِلاَّ أنْ يتدارَكَه اللَّه.)()

(وحكمة هذا الامتحان: ليتخلص للجهاد المطيعون المخلصون، إذ لا يقع النصر إلاَّ بهم)().

هم دائماً لحمة واحدة

     المتتبع للقلة وواقعها يجد أنها لحمة واحدة، وسبيكة متماسكة ، انصهر بعضها في بعض، يحرص كل منهم على الآخر، ينصحه ويعظه ويرشده ويهديه، ذلك ما صنعته القلة مع طالوت، وهذا ما عاشته القلة مع النبي - صلى الله عليه وسلم-، ومن طالع سيرة القلة معه - صلى الله عليه وسلم - عرف حالهم بعضِهم مع بعض، يعرض الواحد على أخيه ماله، ومتاعه، وزرعه، وضرعه، وعلى الجانب الآخر يتأبى أخوه فالأول يعطي في سخاء والآخر يتعفف في إباء، وبمثل تلك النماذج التي تعطي الواجب قبل أن تطالب بالحق، وتعيش بالفضل قبل العدل تقوم النهضات وتستمر الحضارات، وإذا رجعنا إلى دلالة القلة وألفاظها في اللغة أعطتنا من المعاني ما يسند تلك النظرة، ويقوي تلك الفكرة، (فالْفِئَةُ: الْجَمَاعَةُ، لِأَنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ فَاءَ إِلَى بَعْضٍ فَصَارُوا جَمَاعَةً)()، فلفظة الفئة تدل على الجماعية والتماسك، كما تدل على رجوع بعضهم على بعض،(فَالْفِئَةُ: الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْفَيْءِ وَهُوَ الرُّجُوعُ، لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَرْجِعُ إِلَى بَعْضٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ مُؤَخِّرَةُ الْجَيْشِ فِئَةً، لِأَنَّ الْجَيْشَ يَفِيءُ إِلَيْهَا.)() ، وهم:(الجماعة من الناس قليلاً كان عددهم أو كثيرا)().

والفئة الجماعة التي يرجع إليها في الشدائد، من قولهم: فاء يفيء إذا رجع، وقد يكون الرجل الواحد فئة تشبيها، والملك فئة الناس، والجبل فئة، والحصن، كل ذلك تشبيه)()، وفي قولهم رضي الله عنهم: كَمْ مِنْ فِئَةٍ الآية، تحريض بالمثال وحض واستشعار للصبر، واقتداء بمن صدق ربه، و «إذن الله» هنا تمكينه وعلمه، فمجموع ذلك هو الإذن، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ بنصره وتأييده.

هم السابقون إلى الإيمان والناصرون للحق والدعوات

أكد القرآن الكريم من خلال رصد آيات القلة والكثرة فيه أن السابقين إلى الإيمان والناصرين للدعوات قلة، وهم الذين تقوم عليهم الدعوة، وتبلغ بهم الرسالة، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ) سورة هود:(40) .يقول:(وما أقرّ بوحدانية الله مع نوح من قومه إلا قليل.)()

وعلى الرغم من إسراف كثير من المفسرين في القول في هذا القليل إلا أننا نقف عند ما ورد في القرآن الكريم، ولا نتجاوزه، إيمانا منا أنه لو كان في تفصيله فائدة لما أغفله القرآن، قال أبو جعفر:( والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله: (وما آمن معه إلا قليل) ، يصفهم بأنهم كانوا قليلا، ولم يحُدّ عددهم بمقدار، ولا خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- صحيح، فلا ينبغي أن يُتَجاوز في ذلك حدُّ الله، إذ لم يكن لمبلغ عدد ذلك حدٌّ من كتاب الله، أو أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.)()

وهذا القليل السابق إلى الإيمان هو الذي يلتفت إلى مراد الله (تعالى)، دون الوقوف عند الظاهر، فيُنَفِّذُ كما نفذ نوح والقلة المؤمنة  معه، دون أن يتوقف عند أسباب الأرض، بل يمتد نظره ونظرهم إلى مسبب الأرض والسماوات، من في يده الأسباب وهو ربها، فإن نوحا – عليه السلام – ومن معه من القلة المؤمنة السابقة إلى إجابة دعوة التوحيد  نفذوا مراد ربهم، على الرغم من سخرية الكثرة الغالبة منهم، (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39)،سورة: هود:38،39.

فإنه (لما تحقّق بما أمر الله به لم يأبه عند إمضاء ما كلّف به بما سمع من القيل، ونظر إلى الموعود بطرف التصديق فكان كالمشاهد له قبل الوجود.)()

فحمله ذلك ومن معه على السمع والطاعة على الرغم من فقد الأسباب وكثرة السخرية والاستعجاب.

وأما عن عدد هؤلاء القلة فقد قيل: (كانوا ثمانية: نوحٌ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأهلُه، وبنوه الثلاثةُ، ونساؤُهم. وعن ابن إسحق: كانوا عشرةً: خمسةَ رجالٍ، وخمسَ نسوةٍ ،وعنه أيضاً: أنهم كانوا عشرةً سوى نسائِهم. وقيل كانوا اثنين وسبعين رجلاً وامرأةً وأولادُ نوحٍ سامٌ وحامٌ ويافث ونساؤُهم فالجميع ثمانيةٌ وسبعون نصفُهم رجالٌ ونصفُهم نساء واعتبارُ المعيةِ في إيمانهم للإيماء إلى المعية في مقر الأمان والنجاة)()

فما يكون هؤلاء في أمة أرسل إليها نوح عليه السلام؟!

ومما يدل على أن السابقين إلى إجابة الحق قلة وصف أعداء الحق لهم بسرعة إجابتهم، وهذا ما ورد في قوله تعالى: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ)، سورة: هود: (27).

فهؤلاء أسلموا بادي الرأي، أي: أول الأمر، وفور وصول الدعوة إليهم، ودون تفكر بل بظاهر من الرأي،- في زعمهم- وتلك التي عابوها عليهم هي طبيعة النفوس الصافية، والقلوب الرائقة الفائقة، التي لا يحول بينها وبين الحق حائل، ولا يمنعها من الإيمان بداية ظهوره مانع.

إن قوم نوح لما رأوا إيمان هؤلاء مسرعين قالوا ما قالوا، وتلك عجيبة الكثرة والغالبين أن يعدوا ما يمدح به عيبا، وهي سنة ماضية في الزمان والمكان والأمم والأفراد:

إذا محاسني اللاتي أدل بها      كانت ذنوبا فقل لي كيف أعتذر()

وهؤلاء هم الذين يحرص عليهم ولا يفرط في صحبتهم لقد أرشد الله تعالى رسوله إلى ملازمتهم؛ لأن بهم تقوم الدعوات وتنشأ الحضارات، وما أعظم قول الله (تعالى) في أمثال هؤلاء لرسوله صلى الله عليه وسلام: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28))، سورة: الكف: 27،28.

فلقد أمر الله رسوله – صلى الله عليه وسلم- هنا بأمرين: تلاوة ما أوحي إليه من كتاب ربه، والصبر مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وأمره تعالى بأن لا يعدو عينيه عنهم، فالوحي واتباع كلماته، والقلة العاملة المحمودة، هما جناحا النصر والحضارة ، ودعامتا البقاء والاستمرار، وهذا ما جعل نوحا (عليه السلام) يمتنع عن طرد القلة معه الذين وصفوا بأنهم: (أراذل)، من قِبَلِ الكثرة الجاهلة، وفي تعليل نوح لعدم طردهم يحتاج إلى مزيد تأمل،

(وَجُمْلَةُ:(وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) اعْتِرَاضٌ لِتَكْمِيلِ الْفَائِدَةِ مِنَ الْقِصَّةِ فِي قِلَّةِ الصَّالِحِينَ.)()، (وَلَيْسَ الَّذِينَ رَكِبُوا فِي السَّفِينَةِ أُمَمًا لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ)()

وهي كذلك السنة في القلة.

«وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ» ..

(أي: دون ترو ولا تفكير.. وهذه تهمة كذلك توجه دائماً من الملأ العالين لجموع المؤمنين.. أنها لا تتروى ولا تفكر في اتباع الدعوات. ومن ثم فهي متهمة في اتباعها واندفاعها، ولا يليق بالكبراء أن ينهجوا نهجها، ولا أن يسلكوا طريقها. فإذا كان الأراذل يؤمنون، فما يليق إذن بالكبراء أن يؤمنوا إيمان الأراذل ولا أن يدعوا الأراذل يؤمنون! «وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ» ..يدمجون الداعي بمن تبعوه من الأراذل! ما نرى لكم علينا من فضل يجعلكم أقرب إلى الهدى، أو أعرف بالصواب. فلو كان ما معكم خيراً وصواباً لاهتدينا إليه، ولم تسبقونا أنتم إليه! وهم يقيسون الأمور ذلك القياس الخاطئ الذي تحدثنا عنه. قياس الفضل بالمال، والفهم بالجاه، والمعرفة بالسلطان.. فذو المال أفضل. وذو الجاه أفهم. وذو السلطان أعرف!!! هذه المفاهيم وتلك القيم التي تسود دائماً حين تغيب عقيدة التوحيد عن المجتمع، أو تضعف آثارها، فترتد البشرية إلى عسورة هود الجاهلية.

وفي التعقيب على قصة نوح وقومه ما يحقق عددا من الحكم الباهرة، والسنن الحاكمة، التي لا تتخلف ولا تتبدل.

وهؤلاء القلة هم السابقون إلى الإيمان في كل زمان ومكان، وكما كانوا مع نوح عليه السلام، كانوا مع موسى عليه السلام، ومع محمد- صلى الله عليه وسلم-  ومع الأنبياء والمصلحين في كل العصور وعلى تطاول الدهور، وكلام فرعون عن أتباع موسى عليه السلام يظهر هذه السنة جيدا؛ إذ قال عنهم(... إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ)، (56)،سورة: سورة الشعراء: (54-56).

فوصفهم بأنهم شرذمة، وهي: الطائفة والبقية القليلة، فهم كانوا السابقين إلى دعوة موسى عليه السلام، والمستجيبين لنداء الإيمان، بين هذه الأعداد الغفيرة التي ذكرها المفسرون في عدد جيش فرعون فضلا عن رعيته، وهكذا السابقون إلى الإيمان قلة، (يَعْنِي هُمْ قَلِيلٌ فِي كَثِيرٍ، وَكَانَ أَصْحَابُ مُوسَى سِتَّ مِائَةِ أَلْفٍ، وَفِرْعَوْنُ وَأَصْحَابُهُ سِتَّةَ آلافِ أَلْفٍ، هَذَا تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.)()

وقد حرص فرعون على وصفهم بملازمة القلة من خلال هذا اللفظ(لشرذمة)، ومن خلال جمعهم على(قليلون)، فهو يؤكد قلتهم بهذه الصورة لفظا ومعنى، (وقيل: قليلون، لأن كل جماعة منهم كان يلزمها معنى القلة; فلما جمع، جمع جماعاتهم قيل: قليلون)()

وقد ظلمهم فرعون بهذا الوصف، وبغى عليهم وعدا.

ووصف الطاغين لهم بأنهم أراذل أو شرذمة لا يقلل من سبقهم، ولا يكدر من صفوهم فالسابقون السابقون أولئك المقربون، أولئك الذين يؤمنون بلا تردد، ويعتنقون بلا صوارف، ويقبلون بلا اشتراط، حسبهم أنهم عرفوا طريقهم ووجدوا ضالتهم، والله ورسوله في ذلك أمن وأكرم، ولقد عتب الله على قوم زعموا أنهم سبقوا في الإيمان فذكرهم الله تعالى بأن السبق محض منة من الله وحده،( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)(18)،سورة: ق: (18،17).

قلة المال وعدم احتفالهم() به

    ومن صفات القلة الرائدة، أنهم لا يأبهون بالمال، ولا يحفلون بالجاه والسلطان، إلا بقدر ما يحقق أهدافهم، ويعينهم في الوصول إلى غاياتهم، لا يأبهون بما يأبه به الناس، ولا يشغلون بما يشغل به العامة، ولعل سؤال النبي – صلى الله عليه وسلم- لأصحابه عن رجل رث الثياب، رقيق الحال، قليل المال، وآخر عظيم الثراء، كثير الزينة والمتاع ، ليرسخ لديهم هذا القانون الصادق والسنة الحقيقة بالبقاء، فقد (مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟» قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ، قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟» قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لاَ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لاَ يُسْتَمَعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا»)().

فكأن النبي – صلى الله عليه وسلم- يريد أن يلفت نظر أصحابه إلى هذه السنة الماضية في القلة وأصحابها، وأنهم لا يأبهون بالدنيا ومتاعها، والحياة وزخرفها، أما الكبراء والأغنياء فلا يرون العز والتقدم إلا في المال والجاه والسلطان، فيقولون لنوح (عليه السلام)، مبينين له عدم إيمانهم: (وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا، بادِيَ الرَّأْيِ» !! وهم يسمون الفقراء من الناس «أراذل» .. كما ينظر الكبراء دائماً إلى الآخرين الذين لم يؤتوا المال والسلطان! وأولئك هم أتباع الرسل السابقون غالباً لأنهم بفطرتهم أقرب إلى الاستجابة للدعوة التي تحرر الناس من العبودية للكبراء، وتصل القلوب بإله واحد قاهر عال على الأعلياء. ولأن فطرتهم لم يفسدها البطر والترف، ولم تعوقها المصالح والمظاهر عن الاستجابة ولأنهم لا يخافون من العقيدة في الله أن تضيع عليهم مكانة مسروقة لغفلة الجماهير واستعبادها للخرافات الوثنية في شتى صورها. وأول صور الوثنية الدينونة والعبودية والطاعة والاتباع للأشخاص الزائلة بدلاً من الاتجاه بهذا كله لله وحده دون شريك. فرسالات التوحيد هي حركات التحرير الحقيقية للبشر في كل طور وفي كل أرض. ومن ثم كان يقاومها الطغاة دائماً، ويصدون عنها الجماهير ويحاولون تشويهها واتهام الدعاة إليها بشر التهم للتشويش والتنفير.)()

  إن هؤلاء لا يبالون بالمال فلا يشغل بالهم، ولا يلهثون وراء السلطان، فلا يهز يقينهم، ولا يركعون للمنصب والوجاهة، فالنفوس الكبيرة لا تكثر في أعينها الأشياء مهما تكاثرت، ولا تشغلها لعاعات الدنيا مهما أبرقت، ف(صانع الحياة يدوس الألقاب برجله ويحطمها، ويمضي يصنع الحياة من موطن التخصص والفن والإبداع. هو مليء النفس ولا يحتاج أحداً لملأها. الذي يُطالب بالمسؤوليات والألقاب الدعوية والنقابة والإمارة على المؤمنين إنما هو العاجز الذي لا يُحسنُ علماً ولا تخصصاً ولا فنّاً، فيطلب التعويض بإنعام الألقاب عليه، ويعارك، ويختلف ، ويناضل دون مكتسباته السابقة، و يملأ الكواليسَ همساً وسعياً، وأما المقتدر فيتقدم تقدم الواثق)()

وداود - عليه السلام- رمز من رموز القلة التي أثرت الحياة وأنقذت بني إسرائيل من ويلات جالوت، والصفات التي بدا بها تؤكد هذه الصفة لدى تلك القلة المؤثرة في تاريخ الحياة، بدا ذلك في ثيابه التي لقي بها جالوت، وفي سلاحه الذي قتله به، وفي عدم احتفاله بوجاهته ومنصبه، وجنده وحاشيته، حتى أغاظ ذلك جالوت وكسر نفسه كسرا وهزمه هزيمة وقتله أولا روحا ونفساً قبل أن يقتله بنياناً وجسداً، (كَانَ غُلَامًا يَرْعَى الْغَنَمَ، وَلَمْ يَقْبَلْ أَنْ يَلْبَسَ دِرْعًا وَلَا أَنْ يَحْمِلَ سِلَاحًا، بَلْ حَمَلَ مِقْلَاعَهُ وَحِجَارَتَهُ، فَسَخِرَ مِنْهُ جَالُوتُ، وَاحْتَمَى عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَسْتَعِدَّ لَهُ، وَقَالَ: هَلْ أَنَا كَلْبٌ فَتَخْرُجُ إِلَيَّ بِالْمِقْلَاعِ؟ فَرَمَاهُ دَاوُدُ بِمِقْلَاعِهِ فَأَصَابَ الحجر رَأْسَهُ فَصَرَعَهُ فَدَنَا مِنْهُ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، وَجَاءَ بِهِ فَأَلْقَاهُ إِلَى طَالُوتَ فَعُرِفَ دَاوُدُ، وَكَانَ لَهُ الشَّأْنُ الَّذِي وَرِثَ بِهِ مُلْكَ إِسْرَائِيلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ)().

(شاء الله  أن يرى القوم وقتذاك أن الأمور لا تجري بظواهرها، إنما تجري بحقائقها. وحقائقها يعلمها هو. ومقاديرها في يده وحده. فليس عليهم إلا أن ينهضوا هم بواجبهم، ويفوا الله بعهدهم. ثم يكون ما يريده الله بالشكل الذي يريده. وقد أراد أن يجعل مصرع هذا الجبار الغشوم على يد هذا الفتى الصغير، ليرى الناس أن الجبابرة الذين يرهبونهم ضعاف، ضعاف يغلبهم الفتية الصغار حين يشاء الله أن يقتلهم.. وكانت هنالك حكمة أخرى مغيبة يريدها الله. فلقد قدر أن يكون داود هو الذي يتسلم الملك بعد طالوت، ويرثه ابنه سليمان، فيكون عهده هو العهد الذهبي لبني إسرائيل في تاريخهم الطويل جزاء انتفاضة العقيدة في نفوسهم بعد الضلال والانتكاس والشرود)()

 

إن قيمة المرء في نفسه، ومكانته هو الذي يصنعها، بعيدا عن زخرف الدنيا، وشارات الحياة، وواقع الناس ينبئ بذلك إنباءً، فأحرص الناس على وجاهتهم وتقدمهم هم أكثر الناس فراغا، فالممتلئ من داخله ليس في حاجة إلى من ينعم عليه بشارة أو عبارة، ولعل هذا من حِكَم الله - تعالى- في: (إلا من اغترف غرفة بيده)؛ رمزاً للتقلل مما يثقل البدن، ويُعتِم النفس، فالذي يتخفف من حاجاته الأساسية يكون على ترك غيرها أقدر، والميدان ميدان قتال ودماء، وبذل وأشلاء، والذي لا يصبر على ترك الماء لا يصبر على ملاقاة الأعداء، ومقارعة الأبطال، أما الذي يكرع حتى يمتلئ، ويعب حتى يتورم فلا يقوى على مقاومة نفسه، ومن لا يقوى على مقاومة نفسه لا يقوى على مقارعة غيره.

وهم علماء  فقهاء

العلم أساس الحضارة، به تنشأ وعليه تقوم، وبدونه لا تستمر ولا تزدهر، وحضارة لا تتبنى العلم ولا تعتمد عليه حضارة شوهاء، ترف - إن رفت- بجناح واحد، أو هي عرجاء تمشي – إن مشت - على ساق واحدة، من هنا كان أول ما نزل في بناء حضارة الإسلام (اقرأ)، ومن هنا كان العلم قبل العقيدة(فاعلم أنه لا إله إلا الله)،سورة: محمد:(19).

والقلة الرائدة العاملة لا تكون مؤثرة إلا بالعلم؛ لذا ترى من أبرز صفات القلة أنهم عالمون فاقهون، وهذا شأن القلة، تكون أكثر أهل أمتها علما، وأوفرها فهما لأنهم الرادة الذين يسبقون، والقادة الذين يدلون قومهم إلى مواطن الهدى والفلاح.

وهؤلاء العلماء هم الأصفياء الخُلَّص، والخواص من عباد الله – تعالى- ؛ ولذا أطلعهم بعلمه على معرفة عدد هؤلاء الأولياء من عباده، أهل الكهف الدعاة الصابرين الفارين بدينهم من الظلم وأهله، (لما كانوا من أوليائه فلا يعلمهم إلا خواصَّ عبادِه، ومن كان قريبا في الحال منهم فهم في كتم الغيرة، وإيواء الستر، لا يطّلع الأجانب عليهم، ولا يعلمهم إلا قليل؛ لأنّ الحق- سبحانه- يستر أولياءه عن الأجانب، فلا يعلمهم إلا أهل الحقيقة فالأجانب لا يعرفون الأقارب، ولا تشكل أحوال الأقارب على الأقارب)()، (ثم أخبر أن عالم ذلك من البشر قليل)() .

وهؤلاء العالمون هم الذين وفقوا لعلم الصواب وإصابة الحق، (وهم الذين أصابوا الصواب وعلموا إصابتهم.)()

إن هؤلاء القلة هم أهل العلم بزمانهم، وأهل الوعي بشأنهم، وما يلزمهم في وقتهم، وذلك العلم أحد الأسباب الرئيسة التي تبنى عليها  الحضارة، وتؤسس عليها الدعوة إلى الله تعالى، وتحفظ هذه الحضارة من التفسخ والانحلال.

والناظر في القلة مع داوود يرى أنهم علماء واعبون وفقهاء فاهمون، بدا ذلك في ترتيب الدعاء لديهم كما بدا في نصحهم لمن معهم، وحرصهم على هدايتهم، ومما يدل على ذلك أيضا قولهم: ({كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله}(تَقْويةُ قلوب الَّذِينَ قالوا: {لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} ، والمعنى: لا عِبرة بكثرةِ العددِ، وإِنَّما العبرةُ بالتَّأْييد الإِلهي، ثم قال: {والله مَعَ الصابرين} . وهذا من تَمامِ قولهم.)()

(فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لَا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ أَيِ اسْتَقَلُّوا أَنْفُسَهُمْ عَنْ لِقَاءِ عَدُوِّهِمْ لِكَثْرَتِهِمْ، فَشَجَّعَهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ الْعَالِمُونَ بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، فَإِنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ عَنْ كَثْرَةِ عَدَدٍ وَلَا عِدَدٍ)()

مؤمنون بالله

ومن صفات القلة أنهم مؤمنون بالله إيمانا يقينيا عمليا فهم يدركون أن الإيمان أساس النصر والتأييد، (إنَّ الْإِيمَانَ بِلِقَاءِ اللهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ، وَالِاعْتِصَامَ بِالصَّبْرِ - الَّذِي هُوَ مِنْ أَرْكَانِ الْبِرِّ وَكَمَالِهِ مِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ - سَبَبَانِ مِنْ أسباب نَصْرِ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ عَلَى الْعَدَدِ الْكَثِيرِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)سورة البقرة: (249))()

وهذا الإيمان هو الذي يحملهم على التمسك بمبدئهم، والتضحية في سبيله، والصبر على مشاقه، لعلمهم إن الله ناصر دينه، ومؤيد أهله

وهم أصحاب العزم   

     من صفات القلة أنهم أولو عزم ومثابرة، والمتأمل لقصة الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى يدرك مدى عزم هؤلاء الذين رأوا عدوهم أضعاف عددهم أضعافا مضاعفة، فما وهنوا وما استكانوا بل صبروا في رضا، ومضوا في عزم واثقين من نصر الله وتأييده، ومدده وتمكينه، وأفرغوا هذه المعاني على من معهم داعين غيرهم إلى الصبر واليقين في موعود الله تعالى بالنصر والظفر، وعندما قال أكثر العابرين للنهر لما رأوا طالوت وجنوده:(لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ)،سورة: البقرة:(249)  :(كَيْفَ نُطِيقُ الْعَدُوَّ مَعَ كَثْرَتِهِمْ! قَالَ أُولُو الْعَزْمِ مِنْهُمْ:" كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ". قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ عِدَّةَ أَهْلِ بَدْرٍ كَعِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهَرَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا- وَفِي رِوَايَةٍ: وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا- وَمَا جَازَ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ.)()

وهؤلاء المؤمنون الصابرون الثابتون المصابرون هم القلة العاملة وهم خلاصة غيرهم، الذين يثبتون عندما ينكسر غيرهم وهم لعظيم إيمانهم أكثر ثقة من غيرهم فهؤلاء هم ( الخلص منهم الذين تيقنوا لقاء الله وتوقعوا ثوابه، أو علموا أنهم يستشهدون عما قريب فيلقون الله تعالى.)()

موصولون بالله متعلقون بدعائه

ومن صفات القلة التي نفيدها من موقفهم مع طالوت - عليه السلام- أنهم على صلة قوية بالله تعالى، بدا ذلك في يقينهم في أنهم ملاقوه، وبدا كذلك في صيغة تعبير القرآن عنهم بأنهم (الذين يطنون أنهم ملاقو الله)، والظن هنا إن كان بمعنى  اليقين فهو يدل على ثقتهم ويقينهم في لقاء ربهم، وإن كان على بابه فهو من هضم نفسهم حيث إنهم في موطن الشهادة والقدوم على الموت، كما يبدو إيمانهم وحسن صلتهم بالله من تعبيرهم في الدعاء: (أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين).   

(وأَفْرِغْ بمعنى: اصبب وَثَبِّتْ أَقْدامَنا أي: قوِّ قلوبنا لتثبيت أقدامنا، وإنما تثبت الأقدام عند قوة القلوب.)()

   وفي اختيارهم الدعاء بلفظ الربوبية فيه ما فيه من وعيهم وحسن صلتهم بربهم، و(هذه هي الشحنة الإيمانية لمن يريد أن يواجه عدوه فهو ينادي قائلا: {رَبَّنَآ} إنه لم يقل: يا الله، بل يقول: {رَبَّنَآ}؛ لأن الرب هو الذي يتولى التربية والعطاء، بينما مطلوب «الله» هو العبودية والتكاليف؛ لذلك ينادي المؤمن ربه في الموقف الصعب «يا ربنا» أي يا من خلقتنا وتتولانا وتمدنا بالأسباب، ... وعندما نتأمل كلمة {أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} تفيدنا أنهم طلبوا أن يملأ الله قلوبهم بالصبر ويكون أثر الصبر تثبيت الأقدام {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} حتى يواجهوا العدو بإيمان، وعند نهاية الصبر وتثبيت الأقدام يأتي نصر الله للمؤمنين على القوم الكافرين، وتأتي النتيجة للعزم الإيماني والقتال في قوله الحق: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ الله ... })()

   وفي ترتيب الدعاء: حسن صلة، وجودة وعي، من طلب إفراغ الصبر، ثم تثبيت الأقدام، وهو مرتب على سابقه، ثم النصر على الكافرين، وهو نتيجة المقدمتين السابقتين، واستخدام لفظ: (الكافرين)فيه تحضيض عليهم، واستجلاب للنصر على هؤلاء الكافرين، فلم يقولوا انصرنا على عدونا، بل على القوم الكافرين، تحضيضا عليهم وبيانا لسبب طلب نصرهم على هؤلاء الذين جحدوا الله في ربوبيته وألوهيته، ففي هذا الدعاء مع حسن الصلة ودقة الوعي ( ترتيب بليغ إذ سألوا أولاً إفراغ الصبر في قلوبهم الذي هو ملاك الأمر، ثم ثبات القدم في مداحض الحرب المسبب عنه، ثم النصر على العدو المترتب عليهما غالباً.فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ: فكسروهم بنصره، أو مصاحبين لنصره إياهم إجابة لدعائهم.)()

ومن لطائف صاحب البحر جمعه لبعض اللمسات التي يتميز بها في قوله: (فَزِعُوا إِلَى الدُّعَاءِ لِلَّهِ تَعَالَى فَنَادَوْا بِلَفْظِ الرَّبِّ الدَّالِّ عَلَى الْإِصْلَاحِ وَعَلَى الْمُلْكِ، فَفِي ذَلِكَ إِشْعَارٌ بِالْعُبُودِيَّةِ. وَقَوْلُهُمْ: أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا سُؤَالٌ بِأَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِمُ الصَّبْرَ حَتَّى يَكُونَ مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ، وَيَكُونَ لَهُمْ كَالظَّرْفِ وَهُمْ كَالْمَظْرُوفِينَ فِيهِ.  وَثَبِّتْ أَقْدامَنا فَلَا تَزَلُّ عَنْ مَدَاحِضِ الْقِتَالِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَشْجِيعِ قُلُوبِهِمْ وَتَقْوِيَتِهَا، وَلَمَّا سَأَلُوا مَا يَكُونُ مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّبْرِ سَأَلُوا تَثْبِيتَ أَقْدَامِهِمْ وَإِرْسَاخَهَا.

وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ أَيْ: أعنا عليهم، وجاؤا بِالْوَصْفِ الْمُقْتَضِي لِخُذْلَانِ أَعْدَائِهِمْ، وَهُوَ الْكُفْرُ، وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، وَفِي قَوْلِهِمْ: رَبَّنَا، إِقْرَارٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَإِقْرَارٌ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ.)()

واعون بسنن الله الجارية والخارقة في الحياة والأحياء

  من أهم صفات القلة المحمودة والتي تظهر السننية في هذا الجانب أنهم على وعي ملحوظ بسنن الله (تعالى) في الحياة والأحياء، يظهر ذلك في الجيل القرآني الفريد الذي رباه الرسول - صلى الله عليه وسلم- ،كما يظهر في كل قلة تمنح النصر، والمتأمل للقلة مع طالوت يلحظ ذلك في غير موضع، في وعيهم بالدعاء، ومدى جلبه للنصر بعد الأخذ بالأسباب، وفي ترتيب الدعاء، كما مر، وفي اختيار الألفاظ ودقتها، وفي قولهم:(كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين)، فإدراكهم لما مضى على الخلق  من نصر القلة العاملة على الكثرة النائمة، وذلك من خلال التعبير بـ(كم) التي تفيد التكثير، وقولهم (والله مع الصابرين)، وهذه سنة من سنن الله تعالى.

يقول أبو حيان في البحر: (إنا لا نكترث بجالوت وَجُنُودِهِ وَإِنْ كَثُرُوا، فَإِنَّ الْكَثْرَةَ لَيْسَتْ سَبَبًا لِلِانْتِصَارِ، فَكَثِيرًا مَا انْتَصَرَ الْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ وَلَمَّا كَانَ قَدْ سَبَقَ ذَلِكَ فِي الْأَزْمَانِ الْمَاضِيَةِ. وَعَلِمُوا بِذَلِكَ، أُخْبِرُوا بِصِيغَةِ: كَمْ، الْمُقْتَضِيَةُ للتكثير)()، وذلك هو عين إدراك السنن الربانية، والإفادة منها.

كما أن المتأمل لدعائهم يلحظ فيه بوضوح هذا الوعي الراقي، فهم سألوا الله –تعالى- بلفظ الربوبية، وهي مدار العطاء والرعاية والتربية والعناية، ولم يسألوه بالألوهية التي هي مدار التكليف، كما أنهم قالوا: ( أفرغ ) الذي يدل على الشمول والعموم والاستيعاب، كما أنهم ربطوه بلفظ: (على) الذي يدل على العلو وفيه من التمكن ما فيه، وتلك طبيعة القلة الواعية للسنن في كل زمان ومكان، والناظر في أدعية النبي (صلى الله عليه وسلم) والقلة المؤمنة معه يلمح هذا بوضوح، ويلمح مدى الترابط البديع بين صفات القلة على ترابط الزمن وتباعد الأمصار، ففي ندائِهِم بقولهم: «رَبَّنَا» ( اعترافٌ منهم بالعُبُوديَّة، وطلبٌ لإِصلاحهم؛ لأَنَّ لفط «الرَّبَّ» يُشْعر بذلك دونَ غيرها، وأَتوا بلفظِ «عَلَى» في قولهم «أَفْرغ عَلَيْنَا» طلباً؛ لأنْ يكونَ الصَّبْرُ مُسْتعلِياً عليهم، وشاملاً لهم كالظرفِ. ونظيره ما حكى اللهُ عن قوم آخرين أَنَّهُم قالوا حين لاقوا عدوَّهم: ومَا كَانوا قَوْلَهُم إِلاَّ أَنْ قالُوا: {ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا في أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصرنا عَلَى القوم الكافرين} [سورة آل عمران: 147]، وكذلك كان - عليه الصَّلاة والسَّلام-  يفعل في المواطن.)()

كما تلمح وعيهم بالسنن كذلك في طلبهم للصبر، وثبات الأقدام، وتوقع النصر بهذا التدرج، وتلك هي مطالب الفئة المؤمنة للنصر على العدو وخلاصتها في ثلاثة أمور:

الأول: الصَّبر على مشاهدة المخاوف وهو المراد بقولهم: {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا}.

الثاني: أن يكون قد وجد من الآلات والأدوات ما يمكنه أن يقف ويثبت، ولا يصير ملجأ إلى الفرار.

الثالث: زيادة القوَّة على العدوِّ؛ حتى يقهره، وهو المراد من قولهم «وانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ».)()

وهذا هو ترتيب العقل والواقع، بما يشعر بأنهم واعون واعبون لسنن الله – تعالى- في الحياة والحياء، ( وَهَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ بَعْضُهَا مُرَتَّبٌ عَلَى بَعْضٍ بِحَسَبِ الْأسباب الْغَالِبَةِ، فَالصَّبْرُ سَبَبٌ لِلثَّبَاتِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ مِنْ أسباب النَّصْرِ، وَأَجْدَرُ النَّاسِ بِالصَّبْرِ سورة المؤمنون بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ الْغَالِبِ عَلَى أَمْرِهِ،)()

القراءات في الآية الكريمة وعلاقتها بالسننية في القلة

ومن القراءات الواردة في الآيات الكريمة التي تعقب على قصة الملأ من بني إسرائيل ما يفيد في تأكيد السننية فيما حوته الآيات الكريمة، فقد ورد فيها: (ولولا دفاع الله الناس)، وهي قراءة: نافع، وأبي جعفر، ويعقوب، وورد فيها:(لولا دفع الله الناس) وهي قراءة الباقين  ()

(وَقَدْ سَمَّى هَذَا دَفْعًا عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، إِذْ كَانَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِهِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ، وَسَمَّاهُ دِفَاعًا فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلًّا مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ الْمُصْلِحِينَ وَأَهْلِ الْبَاطِلِ الْمُفْسِدِينَ يُقَاوِمُ الْآخَرَ وَيُقَاتِلُهُ.)()

ولعل تذييل الآية الكريمة بهذا التذييل ليكون نهاية وتعقيبا على كل ما مضى من الآيات المتعلقة بهذه القصة وما قبلها، كما يرى صاحب التحرير والتنوير: أن هذه الآية ذيلت ( كُلَّ الْوَقَائِعِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي أَشَارَتْ بِهَا الْآيَاتُ السَّالِفَةُ لِتَدْفَعَ عَنِ السَّامِعِ الْمُتَبَصِّرِ مَا يُخَامِرُهُ مِنْ تَطَلُّبِ الْحِكْمَةِ فِي حَدَثَانِ هَذِهِ الْوَقَائِعِ وَأَمْثَالِهَا فِي هَذَا الْعَالَمِ وَلِكَوْنِ مَضْمُونِ هَذِهِ الْآيَةِ عِبْرَةً مَنْ عِبَرِ الْأَكْوَانِ وَحِكْمَةً مِنْ حِكَمِ التَّارِيخِ، وَنُظُمِ الْعُمْرَانِ الَّتِي لَمْ يَهْتَدِ إِلَيْهَا أَحَدٌ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَبْلَ إِدْرَاكِ مَا فِي مَطَاوِيهَا، عُطِفَتْ عَلَى الْعِبَرِ الْمَاضِيَةِ كَمَا عُطِفَ قَوْلُهُ: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ [سورة البقرة: 247] وَمَا بعده من رُؤُوس الْآيِ. وَعدل عَن الْمُتَعَارف فِي أَمْثَالِهَا مِنْ تَرْكِ الْعَطْفِ، وَسُلُوكِ سَبِيلِ الِاسْتِئْنَافِ.)()

وما يؤكد السننية في القلة ومهمتها في الحياة ونظرتها للمقاييس والمعايير، واستمدادهم للقوة الحقيقية اختفاء الأشخاص من العرض القرآني بهدوء وظهور الحكمة الماضية الثابتة التي هي سنة الله التي لا تتخلف ولا تتأجل، سنته في القلة المؤمنة الصابرة، والكثرة المغرورة المتكبرة، التي تتكرر في كل زمان ومكان، وفي كل عصر ومصر.

وما جرى على داود – عليه السلام- هو ما يجري على القلة في كل زمان ومكان فهي سنة ماضية، وناموس لا يتبدل ولا يتخلف، ولقد رصد لنا القرآن الكريم نموذجا آخر من نماذج القلة بدت في عينه الدنيا قليلة، بالنسبة إلى صادق موعود الله – تعالى- وعظيم إنعامه على المؤمنين، إنه صاحب ذي الجنتين، الذي وقف أمام صاحبه معلما ومرشدا، ومبينا وهاديا، ذاكرا له أن القلة في الدنيا لا تعني القلة في الآخرة وأن الغنى في الأولى ليس دليلا على وفرة المال في الثانية، ومقاييس العاجلة ليست مقاييس الباقية، وبعد حوار طويل رصده القرآن الكريم، أكد له المؤمن أنه وإن كان في المال خُلواً، وفي الأولاد قُلاً فالله خير وأبقى، (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39)، سورة الكهف:37_39.

وهذا القول من المؤمن بيان واعي للقلة في الدنيا وصفاتها، وهو مثل يتكرر في كل زمان ومكان، و(َهُوَ قَوْلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ، وَلَا عَشِيرَةَ، مِثْلُ صَاحِبِ الْجَنَّتَيْنِ وَعَشِيرَتِهِ، وَهُوَ مِثْلُ سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَخَبَّابٍ، يَقُولُ: قَالَ الْمُؤْمِنُ لِلْكَافِرِ: إِنْ تَرَنِ أَيُّهَا الرَّجُلُ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا،)() هكذا في نظرك، وأنت الكثير المال الوافر العشيرة والعيال، فإني بفضل الله عزيز، وبعطائه غني، وبرضاه مطمئن، وبتأييده آمن، فأنا عبده وهو سيدي ، (وهكذا تنتفض عزة الإيمان في النفس المؤمنة، فلا تبالي المال والنفر، ولا تداري الغنى والبطر، ولا تتلعثم في الحق، ولا تجامل فيه الأصحاب. وهكذا يستشعر المؤمن أنه عزيز أمام الجاه والمال، وأن ما عند الله خير من أعراض الحياة، وأن فضل الله عظيم وهو يطمع في فضل الله. وأن نقمة الله جبارة وأنها وشيكة أن تصيب الغافلين المتبطرين.)()

إنه مثل يتكرر في الزمان والمكان والأفراد وتلك سمة السنة الماضية، والقانون الذي لا يتبدل ولا يتحول.

الصبر والثبات وطاعة القواد

   ومن صفات القلة المحمودة التي جرت بها سنة القرآن الكريم، الصبر والثبات، بدا ذلك في القلة المؤمنة مع طالوت، وبدا عمليا في غزوات النبي – صلى الله عليه وسلم- ويبدو ذلك صراحة في طلب القرآن الكريم منهم الصبر والثبات على ملاقاة الكفار في الحرب وبيان أنهم لا يفقهون،( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)، سورة الأنفال:(66).

 (إَنَّ الْفِئَةَ الْقَلِيلَةَ قَدْ تَغْلِبُ - بِالصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ وَطَاعَةِ الْقُوَّادِ - الْفِئَةَ الْكَثِيرَةَ الَّتِي أَعْوَزَهَا الصَّبْرُ وَالِاتِّحَادُ، مَعَ طَاعَةِ الْقُوَّادِ; لِأَنَّ نَصْرَ اللهِ مَعَ الصَّابِرِينَ; أَيْ جَرَتْ سُنَّتُهُ بِأَنْ يَكُونَ النَّصْرُ أَثَرًا لِلثَّبَاتِ وَالصَّبْرِ، وَأَنَّ أَهْلَ الْجَزَعِ وَالْجُبْنِ هُمْ أَعْوَانٌ لِعَدُوِّهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَهَذَا مُشَاهَدٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَهُوَ كَثِيرٌ لَا مُطَّرِدٌ )()

شاكرون عملاً

وإذا كانت القلة العاملة هم العالمين الواعبين لما دق على غيرهم، فهم كذلك الشاكرون عملاً لا قولاً، والمستشعرون لنعمة الله تعالى عليهم يدفعهم علمهم إلى الشكر الصادق، وهو الشكر العملي، الذي لا يتوقف عند شقشقة اللسان وطمطمة الأسنان، بل يعلمون أن العلم يولد العمل، والشكر من جنس النعمة التي رزقوها، كما أخبر الله تعالى عن آل داود في قوله:(..... اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)سورة سبأ: (13).

أي: (وقلنا لهم اعملوا بطاعة الله يا آل داود شكرًا له على ما أنعم عليكم من النعم التي خصكم بها عن سائر خلقه مع الشكر له على سائر نعمه التي عمكم بها مع سائر خلقه، وتُرك ذكر: "وقلنا لهم" اكتفاء بدلالة الكلام على ما ترك منه)().

ولعل السر في التعبير عن الشكر بالعمل فلم يقل الله – تعالى-: اشكروا، بل قال: اعملوا شكرا، ما يظهر أنهم مطالبون بأن يكون شكرهم شكراً عملياً، لا شكرا قولياً،  (وأخرج قوله: (شُكْرًا) مصدرا من قوله: (اعْمَلُوا آلَ دَاودَ) لأن معنى قوله: (اعْمَلُوا): اشكروا ربكم بطاعتكم إياه، وأن العمل بالذي رضي الله، لله شكر.)()

وهؤلاء الشاكرون شكرا عمليا قليلون، وتلك سنة الله تعالى في خلقه وعباده، أي:( وقليل من عبادي المخلصو توحيدي والمفردو طاعتي وشكري على نعمتي عليهم.)()

أَي:( أقلُّ النَّاس الْمُؤمن)()، فالمخلصون في توحيدهم والمفردون للطاعة والشكر على النعمة هم الشاكرون عملاً، وهم أقل الناس كما جرت بذلك سنة الله تعالى في القلة.

والشكور: (المتوفر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته، ومع ذلك لا يوفى حقه؛ لأن توفيقه الشكرَ نعمةٌ تستدعي شكراً آخر لا إلى نهايته؛ ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر.)() والشكور:(العامل بطاعتي شكرا لنعمتي)()

  وواقع الناس ينبئ بأن القليل منهم من يشكر على هذا النحو، فيشكر على المنع كما يشكر على الأخذ، ويشكر على البلاء كما يشكر على الرخاء، ويشكر على القليل كما يشكر على الكثير، ويشكر بقلبه وكل جوارحه، وهذا الصنف في الناس لا أقول قليل بل نادر، فالكثير من الناس من يهش للعطاء ويأسى في البلاء، قليل من الناس (من يأخذ النعمة من الله ولا يحملها على الأسباب فلا يشكر الوسائط ويشكر الله. والأكثرون يأخذون النعمة من الله، ويجدون الخير من قبله ثم يتقلدون المنّة من غير الله، ويشكرون غير الله.)()

يقول ابن كثير رحمه الله: وَقَوْلُهُ: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} إِخْبَارٌ عَنِ الْوَاقِعِ.)()، وهذا هو عين السننية في صفة تلك القلة.

( وَإِذْ كَانَ الْعَمَلُ شُكْرًا أَفَادَ أَنَّ العاملين قَلِيل.)()

و(هذا إخبار بواقع. وصدق الله العظيم ،الشاكرون لله على نعمه قليل، وفي كل زمان ومكان؛ وذلك لاستيلاء الغفلة على القلوب من جهة، ولجهل الناس بربهم وإنعامه من جهة أخرى.)()

وهذه سنة الله تعالى التي لا تتبدل ولا تتخلف والتي يعبر عنها المفسرون بعادة الله تعالى، (وقد جرت عادته- تعالى- بكثرة الخبيث من كل شيء، وقلة الطيب من كل شيء، قال تعالى:(وَقَلِيلٌ ما هُمْ ) ، (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ) ، وفي الحديث الصحيح: «النّاسُ كإبلٍ مِائةٍ لا تكادُ تَجِدُ فيها رَاحِلةَ»  ، وقال الشاعر:

            إنّي لأفتَحُ عَينِيَ حِينَ أفتَحُها ... عَلَى كثير ولكن لا أرى أحَدا

فأهل الصفا قليل في كل زمان)()



لا يبغون على خلطائهم

والقليل الشاكر الذي يشكر على السراء والضراء، وعلى النعمة وعلى البلاء، وعلى الأخذ والإيتاء، يحمله هذا الوعي إلى سعي يرضي ربه فلا يبغي في شركته، ولا يحيف في قسمته، ولا يمد عينيه إلى ما فضل به بعض الناس؛ عالماً أن الرزاق واهب، وأن المعطي حكيم، وأن عطاء الدنيا بلاء واختبار، ولقد أكد القرآن الكريم أن القلة المحمودة لا تبغي ولا تتحيف، ولا تشتط ولا تميد، قال تعالى في وصف هذه القلة بأنها لا يبغي بعضها على بعض:( ...وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ)،ص: (24).

أي أن هؤلاء الذين لا يظلمون قليلون بالنسبة إلى غيرهم من الخلطاء الظالمين الذين يبغون على شركائهم. أي: ( قليل من لا يبغي.)()أو: (قَلِيلٌ الَّذِينَ هُمْ فِيهِ )()،(وهم قلة نادرة.)()

وهؤلاء القليل الذين لا يظلمون، هم الصالحون القليلون في كل زمان ومكان، وقد أراد داود – عليه السلام- بوصف القلة هنا ذكر حال هؤلاء القليل الذين هم لا يظلمون ولا يبغون، على سبيل (الموعظة الحسنة والترغيب في إيثار عادة الخلطاء الصلحاء الذين حكم لهم بالقلة، وأن يكرّه إليهم الظلم والاعتداء الذي عليه أكثرهم، مع التأسف على حالهم، وأن يسلى المظلوم عما جرى عليه من خليطه، وأنّ له في أكثر الخلطاء أسوة.)().

وبين الإمام الرازي السننية في قلة الصالحين الذين لا يبغي بعضهم على بعض وأسباب ذلك بأن ( الْحُكْمَ بِقِلَّةِ أَهْلِ الْخَيْرِ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، قَالَ تَعَالَى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سورة سبأ: 13] وَقَالَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ:)( وَقَلِيلٌ مَا هُمْ)، وَحَكَى تَعَالَى عن إبليس أنَّهُ قَالَ: (وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ) [سورة الأعراف: 17]، وَسَبَبُ الْقِلَّةِ أَنَّ الدَّوَاعِيَ إِلَى الدُّنْيَا كَثِيرَةٌ، وهي الحواس الباطنة والظاهرة ....، فَلِهَذَا السَّبَبِ وَقَعَتِ الْقِلَّةُ فِي جَانِبِ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالْكَثْرَةُ فِي جَانِبِ أَهْلِ الشَّرِّ،)().( وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ أي وهم قليل، وما مزيدة للإبهام والتعجب من قلتهم.)() (والمعنى أن الصالحين الذين لا يظلمون قليل)()

وتذييل الجملة الكريمة بهذا الوصف يبين نفاسة القلة، وسنة الله تعالى فيها، التي تؤكدها وقائع الأحداث ودنيا الناس، وهناك دواعي لهذه القلة وعوامل ساعدت عليها، (وَفِي تَذْيِيلِ كَلَامِهِ بِقَوْلِهِ: (وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) حَثٌّ لَهُمَا أَنْ يَكُونَا مِنَ الصَّالِحِينَ لِمَا هُوَ مُتَقَرَّرٌ فِي النُّفُوسِ مِنْ نَفَاسَةِ كُلِّ شَيْءٍ قَلِيلٍ، قَالَ تَعَالَى: قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [سورة المائدة: 100] . وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ مِنْ جَانِبِ الْحِكْمَةِ: أَنَّ الدَّوَاعِيَ إِلَى لَذَّاتِ الدُّنْيَا كَثِيرَةٌ وَالْمَشْيَ مَعَ الْهَوَى مَحْبُوبٌ وَمُجَاهَدَةَ النَّفْسِ عَزِيزَةُ الْوُقُوعِ، فَالْإِنْسَانُ مَحْفُوفٌ بِجَوَاذِبِ السَّيِّئَاتِ، وَأَمَّا دَوَاعِي الْحَقِّ وَالْكَمَالِ فَهُوَ الدِّينُ وَالْحِكْمَةُ، وَفِي أسباب الْكَمَالِ إِعْرَاضٌ عَنْ الشَّهَوَاتِ، وَهُوَ إِعْرَاضٌ عَسِيرٌ لَا يَسْلُكُهُ إِلَّا مَنْ سَمَا بِدِينِهِ وَهِمَّتِهِ إِلَى الشَّرَفِ النَّفْسَانِيِّ وَأَعْرَضَ عَنِ الدَّاعِي الشَّهْوَانِيِّ، فَذَلِكَ هُوَ الْعِلَّةُ فِي هَذَا الْحُكْمِ بِالْقِلَّةِ.)()

لا يحتنكهم الشيطان

القلة الرائدة لا يتحكم فيها الشيطان؛ فهي تعرف طريقها وتتمسك بمنهاجها، وتقتفي قدوتها، فلا يغريها الشيطان، ولا تلتبس عليها الطرق، ولا تتشعب بها الوديان، منهاجها واضح، وقدوتها رائدة، وطريقها مدروسة خطواته معلومة ملامحه، ولقد استثنى العدو الأكبر إبليس هؤلاء من سيطرته وهيمنته، وإن كانوا داخلين شأن سنة الله في الابتلاء والاختبار، استثناهم من تحكمه فيهم، واستيلائه عليهم، وأقسم على ذلك وشرط:(قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا)

ولأحتنكن  (يَعْنِي: «لَأَحْتَوِيَنَّ»)()، أو:  (لأحتوين عَلَى ذريته إِلَّا قليلا.)()

و(عن عليّ، عن ابن عباس: (لأستولينّ.)()، وعن الحسن:( لَأُهْلِكَنَّهُمْ بِالْإِضْلَالِ {إِلا قَلِيلا} يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ.)()أو لأستأصلنهم،  وأستقصي ما عندهم فلا يند منهم أحد، تقول العرب: (قَدِ احْتَنَكَتِ السَّنَةُ أَمْوَالَهُمْ؛ إِذَا اسْتَأْصَلَتْهَا، وَاحْتَنَكَ فُلَانٌ مَا عِنْدَ فُلَانٍ مِنَ الْعِلْمَ؛ إِذَا اسْتَقْصَاهُ.)()

وهذا قسم من الشيطان أنه لن ينجو من حبائله وشراكه إلا هؤلاء، ( فلأستولين عليهم وأحتويهم وأملك زمامهم وأجعلهم في قبضة يدي أصرف أمرهم.)()

وواقع الحياة يؤكد تلك السنة الماضية، والصفة الحاكمة للقلة المحمودة العاملة.

مؤيدون منصورون

القلة المحمودة مؤيدة بنصر الله (تعالى) وتأييده، وهذا موطن قوتهم، وسر نهضتهم، مهما رآهم الناس قلة، فهم في الواقع لهم مدد إلهي، والإمداد على قدر الاستعداد، والجود على قدر المجهود، وإذا أيد الله عبدا فما تكون الدنيا وما عليها، وإذا خلاه نصر الله فلا يغني عنه كثير ولا قليل، وهذا ما تعيه القلة المؤمنة مع طالوت عليه السلام إذ قالوا: ( .... كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ سورة البقرة: (249).هكذا بإذن الله، أي: بنصره وتأييده، وقد فعل، (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)، سورة: البقرة:249،250.

(وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ إِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِالتَّأْيِيدِ الْإِلَهِيِّ، وَالنَّصْرِ السَّمَاوِيِّ، فَإِذَا جَاءَتِ الدَّوْلَةُ فَلَا مَضَرَّةَ فِي الْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَإِذَا جَاءَتِ الْمِحْنَةُ فَلَا مَنْفَعَةَ فِي كَثْرَةِ الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ.)()،(أَمَّا قَوْلُهُ: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ فَلَا شُبْهَةَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَعُونَةُ وَالنُّصْرَةُ)()،(والعزيز: من أعزه الله، والذليل من أذله الله، فلا تغني الكثرة مع  خذلانه،  ولا تضر القلة مع نصره، {والله مع الصابرين} بالنصر والمعونة والتوفيق، فأعظم جالب لمعونة الله صبر العبد لله،)()

وإذا كانت القلة المؤمنة مع طالوت قد وعت هذه السنة الربانية، فإن الله تعالى قد من بها على القلة المؤمنة مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم-، إذ ذكَّرهم بذلك فقال: (واذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، سورة الأنفال: (26).

فهذه منة يمن الله تعالى بها على عباده، أنهم كانوا قليلا فكثرهم وأيدهم بنصره، ومدهم بمدده.

وتلك نعمة يمن الله تعالى بها على القلة في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم- ويذكرهم بما كانوا فيه من القلة والذلة، (...ثم ما نقلهم إليه من الإمكان والبسطة، ووجوه الأمان والحيطة، وقرّبهم إلى إقامة الشكر على جزيل تلك القسم، وإدامة الحمد على جميل تلك النّعم، فمهّد لهم في ظل أبوابه مقيلا، ولم يجعل للعدوّ إليهم- بيمن رعايته- سبيلا.... ورزق الأشباح والظواهر من طيبات الغذاء، ورزق الأرواح والسرائر من صنوف الضياء. وحقيقة الشكر على هذه النعم الغيبة عنها بالاستغراق في شهود المنعم.)()

استجابة الله للقلة الصابرة

القلة المحمودة مجاب دعاؤها، مستجاب نداؤها؛ لأنها بذلت الأسباب وتوكلت على الوهاب، عرفت قوانين الله في النصر فاتبعتها، وأدركت سنن الهزيمة فاجتنبتها، والناظر في مُثل القلة الواردة في القرآن الكريم يجد ذلك واضحا بينا، فالقلة المؤمنة مع طالوت حقق الله رجاءها واستجاب دعاءها، وأعطاها سؤلها، ( وَأَفْرَغَ الصَّبْرَ عَلَيْهِمْ، وَثَبَّتَ أَقْدَامَهُمْ، وَنَصَرَهُمْ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ: جَالُوتَ وَجُنُودِهِ وَحَقَّقَ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ ظَنَّ مَنْ قَالَ: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ)()؛ وذلك جريا على سنة الله الماضية من أن الله – تعالى-  ({مَعَ الصَّابِرِينَ}بالنصر والمعونة.)()، (والإثابة)().

والمتتبع للآيات الكريمة التي صورت تأييد الله – تعالى- للقلة الصابرة، ومعونته لهم، يدرك كيف نسب الله- تعالى – الدفع إلى نفسه مباشرة مع أن القلة المؤمنة هي المدافعة، وهي المقاتلة، وهي المباشرة لتك الأسباب الحسية والمعنوية التي مصيرها النصر والتأييد لبيان تلك السنة التي لا تتخلف حينما يأخذ البشر بأسباب الله تعالى، ويحسنون التعامل مع سننه،(وقد نسب (عز اسمه) الدفع إلى نفسه؛ لأنه سنة من سننه في المجتمع البشرى، وعليه بني نظام هذا العالم حتى يرث الله الأرض ومن عليها)().

إنها السنة التي لا تتخلف ولا تتأجل وقانون الله (تعالى) الماضي في عباده، ومن حرص على نصر الله له وتأييده دعوته فليسلك سبيل القلة المؤمنة التي وفت لله بسننه ووفى الله تعالى لها بعدله وعطائه.

وإذا كانت تلك صفات القلة المحمودة فللقلة بعض الصفات المذمومة كذلك، وهذا ما نتناوله في الصفحات القادمة إن شاء الله (تعالى).



المبحث الثالث

القلة المذمومة وصفاتها

القلة الواردة في القرآن الكريم كما مر بعضها محمود، وهذا وقفنا على صفاته، وعرفنا أهم ما يميزه، أما القلة المذمومة فقد عرض القرآن الكريم لها كذلك بيانا لصفاتها، وتعريفا لملامحها؛ كي تحذرها كل قلة تريد الشهود الحضاري، وتحقق خيرية الأمة، وهي رسالتها وهدفها في سبيل مرضات الله (عز وجل)،ومن تتبع تلك الأوصاف ندرك أن الوصف بالقلة المذمومة ورد في مواطن متعددة، منها: وصف متاع الحياة وزخرفها بالقلة، ووصف زمان الكافرين بأنه قليل، ووصف متاع أهل  سبأ بالقلة بعد أن جحدوا نعمة الله تعالى، ووصف اللبث في الدنيا كلها بالنسبة للآخرة بالقلة، ووصف سكنى من بطروا معيشتهم في الدنيا بالقلة، ووصف متاع الجاحدين وطعام المجرمين بأنه قليل، كما وردت القلة في وصف شكر عموم الناس، ووصف إيمانهم، وتذكرهم، وفي الصفحات الآتية نعالج صفات القلة المذمومة على النحو الآتي:

متاع الحياة الدنيا قليل

الدنيا ظل زائل، ومتاع حائل، وعرض لا يبقى ولا يدوم، متاعها مهما كثر قليل، وعطاؤها مهما زاد ضنين، وقد ورد وصف متاعها بالقلة، في مقام الذم في قوله - تعالى-:(وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )، سورة النحل:117،116.

أي: متاعهم هذا في الدنيا قليل، قال الزجاج في معاني القرآن: (المعنى مَتاعهم هذا الذي فعلوه متاعِ قليل.)()

والقرآن الكريم يبين للجاحدين هنا أن ما يبذلونه في الدنيا من أجل حصولهم على متاعها، وما يفترونه رغبةً في نعيمها قليل، لا يستحق هذا العناء والبلاء،أي:(ما يفترون لأجله أو ما هم فيه منفعة قليلة تنقطع عن قريب. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة.)()، وهو ليس شيئا مذكورا إذا قيس بالمضار التي يعاقبون بها على افترائهم،(مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)، أي: إن (المنافع التي قد تحصل لهم على ذلك في الدنيا لا يعتدّ بها فى نظر العقلاء إذا ووزن بينها وبين المضارّ التي في الآخرة، فما متاع الدنيا إلا ظل زائل ثم يفنى ويبقى لهم العذاب الأليم حين مصيرهم إلى ربهم بما اجترحوا من السيئات، ودنّسوا به أنفسهم من أو ضار الإثم والفجور والكذب على بارئهم الذي خلقهم وصوّرهم فأحسن صورهم، ونحو الآية قوله: «نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ» .)، سورة لقمان: 24.()

وجملة (متاع قليل) استئناف بياني لما سبق، وهو تعليل لنفي الفلاح عن الذين يفترون على الله الكذب؛ ( فإنهم بافترائهم الكذب قد خسروا خسرانا مبينا.. ذلك أن هذا الذي عاد عليهم من كذبهم وافترائهم، هو شيء تافه، استرضوا به أهواءهم في هذه الحياة الدنيا، فأوقعهم في هذا الذي هم فيه، من عدوان على حرمات الله، وعصيان لله، وشرك به.. وذلك هو الخسران المبين..!)().

وهي دعوة لكل قلة رائدة أن تتخلى عن صفات القلة المذمومة من بَهْرٍ بمتاع الحياة القليل، وبَيْعٍ للقيم العالية، وتنازلٍ عن المبادئ السامية؛ فكل ذلك في جنب الآخرة قليل، (وفي هذه الآية تلقين جليل وعظة اجتماعية مستمرة المدى، فأي مجتمع أراد أن يحتفظ بأسباب القوة والعزّة والحياة المطمئنة والرزق الميسور عليه أن يلتزم حدود الله في الإخلاص له والعدل والإحسان وسائر الأعمال الصالحة، وأن يعترف بفضله، ويداوم على ذكره وشكره وأن يبتعد عن كلّ ما فيه ظلم وإثم وبغي ومنكر وانحراف وإسراف. فإذا أخلّ بذلك اختلّت شؤونه وانفرط كيانه وغدا عرضة للنوائب والكوارث.)()

ووصف متاع الحياة بالقلة هنا وتحذير المقبلين عليه بنهم يبيعون من أجله كل غال، ويترخصون في سبيله بكل سبيل وصف في مقام الذم، وهو وصف ثابت ثبات سنن الله – تعالى- لا يتغير ولا يتبدل.

صفاء زمان الكافرين في الدنيا قليلُ

وتمضي آيات القلة تصور للواعبين في كل زمان ومكان أن صفاء زمان الكافرين في الدنيا قليل، حتى تكون الأمة على بَصَرٍ بسنن الله (تعالى) في المكذبين، وليكون ذلك تسرية وتطمينا للدعاة والمصلحين، أن هؤلاء وإن صفا لهم زمانهم إلا أنه صفاء قليل، لا يلبث أن يأتيه الكدر، ويعقبه البلاء، فهم ( عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ)،سورة المؤمنون:40،أي: (عن وقت قليل ليندمن على تكذيبهم لك، وذلك حين ينزل بهم العذاب.)()

وورد (ما) هنا يؤكد هذه القلة، والصفاء الذي لا يدوم، (و«ما» صلة لتوكيد معنى القلة، أو نكرة موصوفة. لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ على التكذيب إذا عاينوا العذاب.)()

وهي تفيد القلة في الصفاء ، والقلة في زمان الصفاء، و(ما) (... مزيدة بين الجار والمجرور للتوكيد ...و «قَلِيلٍ» صفة لزمن محذوف، أي: عن زمن قليل.)()

وهذا الندم الذي سيعاينونه عند رؤية العذاب إنما هو بسبب عنادهم وبعدهم عن الحق، وإصرارهم على ما هم فيه من الكفر، (عَمَّا قَلِيلٍ مِنَ الزَّمَانِ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُمْ مَنِ التَّكْذِيبِ وَالْعِنَادِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ، وَ(مَا) فِي: «عَمَّا قَلِيلٍ» مَزِيدَةٌ بَيْنَ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ لِلتَّوْكِيدِ لِقِلَّةِ الزَّمَانِ، أي: بعد زمان قليل ليصيرن نادمين على التكذيب)(

(ليصيرنّ مكذبوك بعد زمن قليل نادمين على ما فعلوا، وستحل بهم نقمتنا، ولا ينفعهم الندم حينئذ.)().

ووصف زمن صفائهم بالقلة هنا وصف في موطن الذم، وموضع الإنكار، وهو سنة ماضية في الجاحدين والمنكرين أنهم لا يطول أمانهم ولا يستمر نعيمهم، بل تأتيهم عقوبتهم ليلا أو نهارا فيصبحوا كأن لم يغنوا بالأمس؛ عبرة للناظرين وآية من آيات الله رب العالمين.

 

وصف متاع أهل سبأ

أهل سبأ أهل نعمة حاضرة، ومتاع مقيم، جمع من نضرة الدنيا أوعبها وأشملها: جنان نضرة، عن يمين وشمال، ورزق غدق لا يخشى فواته، ولا يتوقع نفاده، وبلدة طاب نعيمها، وطاب أهلها، وتلك نعمة تستحق الشكر، وتستوجب البذل،(لَقَدْ كَانَ لِسبأ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ)،سورة سبأ: (16).

جمعت الآية الكريمة من نعيم الدنيا أوفره، ومن متاع الحياة أغزره، وعبرت الآية الكريمة عن هذا النعيم بدقة باهرة، ما يدعو إلى العظة، ويستجلب الشكر، فتقديم الجار والمجرور في: (لسبأ)، ما يفيد الاختصاص، كأنه صنع لهم رغبة في انتفاعهم بالآيات، وسمى الله منازلهم سكنا في قوله: (في مسكنهم)،وليس كل ما يعيش فيه المرء يسمى سكنا، إنما السكن ما جمع ما يُسْكن النفس، وتَسكن إليه الروح، ويهدأ معه الإنسان وتنعم به الحياة، والتعبير بلفظ: (آية)، إرشاد إلى غرابة ما لديهم من النعيم، ووفرة ما عندهم من المتاع، حتى كان ذلك عجيبة من العجائب، والتعبير عن الزروع والحدائق بالجنة فيه ما فيه فليس كل بستان جنة إنما البستان الجنة ما تتكاثف أشجاره، وتتعانق أغصانه حتى يستر الداخل عن الخارج، والخارج عن الداخل فتتكاثف ظلاله، وتتوارد ثماره، ويستطاب هواؤه، ويرق عليله، والتعبير: (عن يمين وشمال)، تعبير رائق فائق ففي كل اتجاه تنظره تجد الجنان التي تريح النظر، وتُهدئ الخاطر، والتعبير بلفظ (رزق)فيه من الإكرام ما فيه، واختيار لفظ الربوبية التي تفيض إنعاما وعطاء، من جملة النعيم، ولكنهم بدلوا نعمة الله كفرا، وأحلوا قومهم دار البوار، (بينما شجر القوم خير الشجر، إذ صيره الله من شر الشجر بأعمالهم.)()

( وَذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ بِاللَّهِ، وَتَكْذِيبِهِمُ الْحَقَّ وَعُدُولِهِمْ عَنْهُ إِلَى الْبَاطِلِ)(

(أعرضوا عن شكر الله، وعن العمل الصالح، والتصرف الحميد فيما أنعم الله عليهم، فسلبهم سبب هذا الرخاء الجميل الذي يعيشون فيه وأرسل السيل الجارف الذي يحمل العرم في طريقه وهي الحجارة لشدة تدفقه، فحطم السد وانساحت المياه فطغت وأغرقت ثم لم يعد الماء يخزن بعد ذلك فجفت واحترقت. وتبدلت تلك الجنان الفيح صحراء تتناثر فيها الأشجار البرية الخشنة: «وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ: خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ» ..والخمط شجر الأراك أو كل شجر ذي شوك. والأثل شجر يشبه الطرفاء. والسدر النبق. وهو أجود ما صار لهم ولم يعد لهم منه إلا قليل! «ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا» ..والأرجح أنه كفران النعمة..)()

ووصف متاعهم بالقلة هنا وصف في مقام الذم؛ لأنه في مقام العقوبة على ما قدموا، والجزاء على ما اقترفوا من نكران النعم، وهذه سنة الله تعالى في جحد النعمة بعد معرفتها والتمتع بها، وهي سنة لا تتبدل ولا تتحول.

لبث الدنيا مهما طال قليل

ومن المواطن التي ورد فيها ذم القلة وصف المكث في الدنيا للمكذبين، قال تعالى:( يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ) سورة الإسراء:52. خاصة لهؤلاء الذين يعيثون فيها فسادا، مكذبين منكرين، جاحدين ، فتأخذهم نوازل الآخرة، وقبلها نوازل القبر فيرون أن الدنيا بالنسبة لما يعاينونه قليلة قصيرة، فيقول الله تعالى لهم : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا)  (أفحسبتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم إذ خلقناكم، لعبا وباطلا وأنكم إلى ربكم بعد مماتكم لا تصيرون أحياء، فتجزون بما كنتم في الدنيا تعملون؟.)()،ومعناه:(ما لَبِثْتُمْ إلا قَليلاً.)()

ووصف الله تعالى لبثهم في الدنيا بالقلة بالنسبة لما يلاقون في الآخر، وساعات الصفاء قليلة تمر سريعة، وساعات المشقة بطيئة ثقيلة، كما قال أبو تمام

أعوام وصْلٍ كان يُنسي طولَها ... ذكرُ النوى، فكأنها أيامُ

ثم انبرت أيامُ هجْرٍ أردفَتْ ... بجَوى أسى، وكأنها أعوامُ

ثم انقضت تلك السنون وأهلها   فكأنها وكأنهم أحلام()

وإنما سمى الله لبثهم في الدنيا قليلا: (لِأَنَّ الْوَاحِدَ وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَكُونُ قَلِيلًا فِي جَنْبِ مَا يَلْبَثُ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّ لُبْثَهُ فِي الدُّنْيَا والقبر مُتَنَاهٍ قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ، أَيْ: مَا لَبِثْتُمْ فِي الدُّنْيَا، إِلَّا قَلِيلًا، سَمَّاهُ قَلِيلًا ، لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، قدر لبثكم في الدنيا. )()

(استقصروا مدّة لبثهم في الدنيا بالإضافة إلى خلودهم ولما هم فيه من عذابها، لأن الممتحن يستطيل أيام محنته ويستقصر ما مرّ عليه من أيام الدعة إليها. أو لأنهم كانوا في سرور، وأيام السرور قصار، أو لأنّ المنقضي في حكم ما لم يكن، وصدقهم الله في مقالهم لسني لبثهم في الدنيا ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها.)()

سكنى من بطروا معيشتهم في الدنيا قليلة

ومن المواطن التي ورد فيها وصف القلة بالذم وصف سكنى من بطروا معيشتهم، وصف القرآن سكناهم بأنها لم تسكن من بعدهم إلا قليلا، قال تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ)،سورة القصص: (58).

والمعنى: (وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ فيما مضى بَطِرَتْ مَعِيشَتَها يعني: كفرت برزق ربها. ذكر القرية، وأراد به أهل القرية يعني: أنهم كانوا يتقلّبون في رزق الله تعالى فلم يشكروه في نعمته. ويقال: بَطِرَتْ مَعِيشَتَها يعني: طغوا في نعمة الله، فأهلكهم الله تعالى بالعذاب في الدنيا. ويقال: عاشوا في البطر وكفران النعم فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ يعني: انظروا واعتبروا في بيوتهم وديارهم بقيت خالية لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وهم المسافرون ينزلون بها يوماً أو ساعة وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ يعني: نرث الأرض ومن عليها.)()

(لم يعرفوا قدر نعمتهم، ولم يشكروا سلامة أحوالهم، وانتظام أمورهم، فهاموا في أودية الكفران على وجوههم، فخرّوا في أودية الصغار على أذقانهم، وأذاقهم الله من كاسات الهوان ما كسر خمار بطرهم فأماكنهم منهم خالية، وسقوفها عليهم خاوية، وغربان الدمار فيها ناعبة.)()

(إن بطر النعمة، وعدم الشكر عليها، هو سبب هلاك القرى. وقد أوتوا من نعمة الله ذلك الحرم الآمن فليحذروا إذن أن يبطروا، وألا يشكروا، فيحل بهم الهلاك كما حل بالقرى التي يرونها ويعرفونها، ويرون مساكن أهلها الداثرين خاوية خالية.. «لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا» . وبقيت شاخصة تحدث عن مصارع أهلها، وتروى قصة البطر بالنعمة وقد فني أهلها فلم يعقبوا أحدا، ولم يرثها بعدهم أحد «وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ».)()

متاع الجاحدين في الدنيا قليل

ومن مواطن القلة المذمومة: وصف متاع الجاحدين في الدنيا بأنه قليل، سواء كان طعاما أو شرابا أو أي صورة من صور المتاع، قال تعالى: (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ)، سورة لقمان:(24)

والمعنى: (نُمَهِّلُهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مَهْلًا قَلِيلًا يتَمَتَّعُونَ، ثُمَّ نُورِدُهُمْ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُمْ عَذَابًا غَلِيظًا، وَذَلِكَ عَذَابُ النَّارِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهَا، وَمِنْ عَمَلٍ يُقَرِّبُ مِنْهَا.)()

والعذاب فِي الدُّنْيَا،(يَعْنِي: إِلَى مَوْتِهِمْ.)()، أي: (يمهلهم في الدنيا إمهالاً قليلاً ووقتاً قليلاً.)()

والله (تعالى) يبين للمؤمنين الصادقين أن متاع هؤلاء لا يدوم؛ فلا يغرنكم ما هم فيه، فهو ظل زائل، وعارية مستردة، يبتليهم الله بها ويبتلي بها غيرهم، فكأنه (تعالى) يقول:(لَا تَنْظُرُوا إِلَى مَا هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ مُتْرفون فِيهِ، مِنَ النِّعْمَة والغِبْطَة وَالسُّرُورِ، فعَمّا قَلِيلٍ يَزُولُ هَذَا كُلُّهُ عَنْهُمْ، وَيُصْبِحُونَ مُرتَهنين بِأَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ، فَإِنَّمَا نَمُدّ لَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ اسْتِدْرَاجًا، وَجَمِيعُ مَا هُمْ فِيهِ {مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}.)()

القلة المذمومة في العدد

كثر ورود القلة في العدد في القرآن الكريم في موطن المدح، وهنا وردت القلة في العدد في موطن الذم وهذا من المواطن القليلة الورود في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى:( حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا)،سورة: الجن: (24).

والوصف بقلة العدد هنا من مواطن الوصف بالقلة المذمومة، ومعنى الآية الكريمة:(إذا عاينوا ما يعدهم ربهم من العذاب وقيام الساعة (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا)، أجند الله الذي أشركوا به، أم هؤلاء المشركون به.)()  (فهو التهديد الظاهر والملفوف لمن يبلغه هذا الأمر ثم يعصي. بعد التلويح بالجد الصارم في التكليف بذلك البلاغ.

وإذا كان المشركون يركنون إلى قوة وإلى عدد، ويقيسون قوتهم إلى قوة محمد- صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين القلائل معه، فسيعلمون حين يرون ما يوعدون- إما في الدنيا وإما في الآخرة- «مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً» .. وأي الفريقين هو الضعيف المخذول القليل الهزيل!)()

قلة شكر عموم الناس

ورد الوصف بالقلة لشكر عموم الناس في القرآن الكريم في مواطن متعددة منها قول الله تعالى: (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُون)، الملك: (23)، وقوله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ، سورة الأعراف: (10)، وقوله: (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ)،سورة السجدة: (9).

( يعني بالقليل أنهم لا يشكرون رب هذه النعم في حسن خلقهم فيوحدونه.)()،أي: (قليلا ما تشكرون ربكم على هذه النعم التي أنعمها عليكم.)()

ودلهم الله (تعالى) على موطن المؤاخذة وهو أنهم لم يسخروا النعم فيما خلقت له، فلم يسمعوا مراد الله، ولم يأتمروا بأمره وينتهوا بنهيه، ولم يعقلوا عنه، وهو الذي خلقهم لذلك، (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ يعني: خلقكم وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ لكي تسمعوا بها الحق، وَالْأَبْصارَ يعني: لكي تبصروا، وَالْأَفْئِدَةَ يعني: القلوب لكي تعقلوا بها الهدى.

قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ يعني: شكركم فيما صنع إليكم قليلاً. ويقال: معناه خلق لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة آلة لطاعات ربكم، وقطعاً لحجتكم، وقدرة على ما أمركم فاستعملتم الآلات في طاعة غيره ولم توحدوه.)()

(ذكر عظيم منّته عليهم بأن خلق لهم هذه الأعضاء، وطالبهم بالشكر عليها. وشكرهم عليها استعمالها في طاعته فشكر السّمع ألا تسمع إلا بالله ولله، وشكر البصر ألا تنظر إلا بالله لله، وشكر القلب ألّا تشهد غير الله، وألّا تحبّ به غير الله.)()

ولعل السر في تخصيص السمع والأبصار والأفئدة لأنها مواطن الانتفاع في الحياة، ولأنها (يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها. ومقدمة منافعها أن يعملوا أسماعهم وأبصارهم في آيات الله وأفعاله، ثم ينظروا ويستدلوا بقلوبهم. ومن لم يعملها فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها، كما قال الله (تعالى): (فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إذ كانوا يجحدون بآيات الله وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ)،سورة الأحقاف:26. ومقدمة شكر النعمة فيها الإقرار بالمنعم بها، وأن لا يجعل له ندّ ولا شريك، أي: تشكرون شكرا قليلا، وما مزيدة للتأكيد بمعنى حقا)()

وفي الآية الكريمة تنبيه على أن هذا العطاء لمهمة، وأن إغفال الإفادة من هذه النعم مجلبة للوم والذم، ناهيك عن العتاب والعقاب،( كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: أَعْطَيْتُكُمْ هَذِهِ الْإِعْطَاءَاتِ الثَّلَاثَةَ مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْقُوَى الشَّرِيفَةِ، لَكِنَّكُمْ ضَيَّعْتُمُوهَا فَلَمْ تَقْبَلُوا مَا سَمِعْتُمُوهُ وَلَا اعْتَبَرْتُمْ بِمَا أَبْصَرْتُمُوهُ، وَلَا تَأَمَّلْتُمْ فِي عَاقِبَةِ مَا عَقَلْتُمُوهُ، فَكَأَنَّكُمْ ضَيَّعْتُمْ هَذِهِ النِّعَمَ وَأَفْسَدْتُمْ هَذِهِ الْمَوَاهِبَ، فَلِهَذَا قَالَ: قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ وَذَلِكَ لِأَنَّ شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ (تَعَالَى) هُوَ أَنْ يَصْرِفَ تِلْكَ النِّعْمَةَ إِلَى وَجْهِ رِضَاهُ، وَأَنْتُمْ لَمَّا صَرَفْتُمُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْعَقْلَ لَا إِلَى طَلَبِ مَرْضَاتِهِ فَأَنْتُمْ ما شكرتم نعمته ألبتة.)()

قلة إيمان المدعوين

من المواطن التي ورد فيها ذم القلة، أو التعبير عنها في مقام الذم، وصف إيمان المدعوين بالقلة، وورد ذلك في قوله تعالى: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ)،سورة: الحاقة: (41).

والمعنى: (أقلكم من يُؤمن)()

والقلة هنا تدل على العدم، أو الوجود غير المفيد فهو أشبه بالعدم، أي: (لا تصدقون بأن القرآن من عند الله، وأريد بالقليل نفي إيمانهم أصلًا، كما تقول لمن لا يزورك: قلَّ ما تأتينا، وأنت تريد: لا يأتينا أصلًا.)()، (أَي: لَا تؤمنون أصلا.)()، فالقلة بمعناها الأصلي ، أو دلالتها الفرعية على العدم هنا في موطن الذم.

قلة تذكر المدعوين

من المواطن التي ورد فيها الحديث عن القلة في مقام الذم، وصف تذكر المدعوين بالقلة،  وقد ورد ذلك في مواطن متعددة منها قوله تعالى: (وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)،سورة: الحاقة: (42). وقوله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ)،سورة غافر: (58)، وقوله تعالى:( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)، سورة النمل: (62).

والتذكر هنا بمعنى الاتعاظ، يقول الطبري: (قليلا ما تعتبرون به.)() أو:( قليلا ما تتعظون وتعتبرون فتراجعون الحق.)()

أو أن المراد أقلكم المتذكر، فالقلة هنا إما في فعل التذكر، وإما في عدد المتذكرين، أو المراد قلة زمن التذكر()

والمراد من القلة هنا: إما الندرة، وإما العدم، على عادة القرآن الكريم في التعبير بالقلة على العدم أو الفعل غير المفيد الذي وجوده كالعدم، وتذييل الآية الكريمة بنفي التذكر إشارة على وضوح هذه النعم التي دلهم القرآن عليها، (وما مزيدةٌ لتأكيدِ معنى القلَّةِ التي أريدَ بها العدمُ أو ما يجري مجراه في الحقارةِ وعدمِ الجدوى وفي تذييل الكلامِ بنفي التذكرِ عنهم إيذانٌ بأنَّ مضمونَهُ مركوزٌ في ذهنِ كلِّ ذكيَ وغبيَ وأنَّه من الوضوحِ بحيث لا يتوقفُ إلا على التوجه إليه وتذكره)().

وقد يكون المراد من القلة: الوجود القليل، وذلك ما كان يظهر منهم على ندرة،  (وَالْقِلَّةُ هُوَ إِقْرَارُهُمْ إِذَا سُئِلُوا مَنْ خَلَقَهُمْ؟ قَالُوا: اللَّهِ)()

وقد قرئ بالغيبة، ولها دلالة إضافية، هي:(الإيذان باقتضاء سوءِ حالِهم في عدم الامتثالِ بالأمر والنهي وصرفِ الخطابِ عنهم وحكايةِ جناياتِهم لغيرِهم بطريق المبالاة)()

النعي على من يشتري بآيات الله ثمنا قليلاً

كل  عوض عن آيات الله قليل، فلا يشترى بها سواها، ولا يعدل بها غيرها، فمن ذا الذي يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟، ولقد وردت القلة في موطن الذم في النعي على من يشتري بآيات الله ثمنا قليلاً، قال تعالى: (وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)،سورة النحل: (95).

أي: (لَا تَعْتَاضُوا عَنِ الْإِيْمَانِ بِاللَّهِ عَرَض الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا، فَإِنَّهَا قَلِيلَةٌ، وَلَوْ حِيزَتْ لِابْنِ آدَمَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا لَكَانَ مَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَهُ، أَيْ: جَزَاءُ اللَّهِ وَثَوَابُهُ خَيْرٌ لِمَنْ رَجَاهُ وَآمَنَ بِهِ وَطَلَبَهُ، وَحَفِظَ عَهْدَهُ  رَجَاءَ مَوْعُودِهِ)()

ومن نظر إلى موعود الله تعالى ونظر إلى الدنيا استقل الدنيا بما فيها ومن فيها، فلا يختار على مراد الله شيئاً، ولم يمنعه من تنفيذ أمره عرض من أعراض الدنيا، (فلا تختاروا على القيام بحقّ الله والوفاء بعهده عوضا يسيرا مما تنتفعون به من حطام دنياكم من حلالكم وحرامكم، فإنّ ما أعدّ الله لكم في جناته- بشرط وفائكم لإيمانكم- يوفى ويربو على ما تتعجلون به من حظوظكم.)()ذلك أن (كل ما في الدنيا قليل)()

المبحث الرابع

سنن الله في القلة

الناظر في آيات القلة في القرآن الكريم يجد أنها تمضي في خط واحد، وتسعى إلى هدف محدد، بما يبرز صورة متكاملة عن قضية كلية، لها ملامحها وسماتها، ولها أصول جامعة، ونظائر متناسقة، ويمكن أن نرصد تلك السننية في خطوتين:

الأولى في بيان ملامح الترابط السنني في آيات القلة.

والثانية في بيان الأصول الجامعة لقضية السننية في القلة

ملامح الترابط السنني في آيات القلة

الناظر في آيات القلة الواردة في القرآن الكريم يجد هذا الخيط الدقيق الرقيق الذي يربطها ويجمعها من أولها إلى آخرها، لا تنقض آية أختها، ولا تشاكسها ولا تعكر صفوها، ولا تكدر رواءها، بل تمشي في مسارها، وتؤكد عطاءها، وترسخ دلالتها، سواء ذلك في وصف الفئة المؤمنة التي اتبعت نوحا (عليه السلام)، وآمنت به إذ كذبه الناس، وناصرته إذ تخلى عنه البشر، القريب والغريب والصديق والعدو حتى ابنه الذي هو من صلبه، تخلى عن دعوته وهجر رسالته حتى يوصي السالف الخالف، ويؤكد الأجداد وصيتهم للأبناء بل الأحفاد موقفهم من نوح (عليه السلام)، أو في كل فئة مؤمنة عبر التاريخ.

والفئة القليلة من قوم نوح هي، هي، التي وصفها قومها بأنهم أراذل  بل (أراذلنا)،وأنهم متسرعون في الإيمان(بادي الرأي)، وأنهم ليس لهم على قومهم فضل ولا سبق، وهذه الصفات وتلك الخيوط الدقيقة التي وقفنا أمامها تفصيلا لدى الحديث عن صفات القلة، هي هي التي تتكرر في كل قلة، بما يؤكد خط السننية في تلك الآيات الكريمة، كما تلمح  التهم نفسها والصفات ذاتها تتكرر في اتهام قريش أتباعَ الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ورغبة أهل مكة في أن يجعل لهم الرسول يوما ولهؤلاء يوما حتى نزل القرآن الكريم ينهى رسول الله عن ذلك ويصف هؤلاء القلة بأنهم (يريدون وجهه)، سورة الكهف:28، ويأمر نبيه بأن لا يعدو وجهه عنهم بقوله:(وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا )، سورة الكهف،29،28.

وينهاه عن طردهم بقوله: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53))، سورة الأنعام:53،52.

فهؤلاء الذين وصفوا بالقلة قديما وحديثا وفي واقعنا الذي نعيشه وتتأكد فيه سنن الله (تعالى)  تأكدا يبرهن على صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان واستيعابه لشؤون الدنيا والآخرة، هؤلاء هم خلاصة قومهم وبقية  جنسهم وجوهر أهل زمانهم، وهم الذين وعدوا بالنصر في كل زمان لتحقق شروط النصر فيهم وهم أهل الابتلاء والاختبار، والفرز والتمحيص، وهم دائما لحمة واحدة، تلمح ذلك في حديث الآيات عن أتباع نوع (عليه السلام) وفي بيانات القرآن المتعددة وعباراته الموحية الموجهة، في مثل قوله: (وما نرى لكم)،وقوله: (بل نظنكم)،وقوله: (ومن آمن)، كما تلمح هذا التماسك في الفئة المؤمنة مع طالوت في قوله: (هو والذين آمنوا معه)،وقوله: (قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين)، وقوله: (فهزموهم بإذن الله).

والفئة التي آزرت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وآمنت به، وله، تبدو فيها هذه الصفات التي بدت في قوم نوح وفي الذين ناصروا طالوت من عدم الاحتفال بالمال والجاه والمنصب والسلطان، وأنهم المسارعون إلى التصديق بالنبوة والرسالة، وهم الذين جمعهم الإسلام وألف بينهم فكانوا (فئة)،يفئ بعضهم إلى بعض، ويتضام كل أخ إلى أخيه، حتى يصير به وله عضدا وأزرا، حتى أذاب هذا الدين فوارق الجنس واللون والعرق واللسان والزمان والمكان، فصارت جنسيتهم دينهم كما يقول الأستاذ الإمام محمد عبده (رحمه الله)، فأصبح عمر العدوي، وأبو بكر التيمي، وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي، وصهيب  الرومي في الله إخوة، وأهل مكة أحزاب وشيع وإن كانوا من قريش:

إن العروبة في بدر قد اقتتلت   سيفا لسيف وكان الكل عربانا

فهل أبو جهلٍ في غيه وأبو لهبٍ   كخالدٍ قاد باسم الله فرسانا

عروبتان فذي نور وذي ظلم      شتان بينهما، شتان، شتانا

فإن نضح به يا أهل أمتنا            فإن أمتنا أولى ضحايانا()

إن تلك القلة قديما وحديثا وفي كل زمان ومكان هم السابقون إلى الإيمان،وهم أهل العلم والفقه، وهم الواعون الواعبون لسنن الله في الحياة والأحياء، وهم أصحاب العزم والحزم، والإرادة الماضية النافذة التي تعوض قلة العدد بكثرة الثر وتعوض الكم بالكيف وهم في كل زمان على صلة بالله عبادة ودعاء وصلة ورجاء، وهم مثال في الصبر والثبات وطاعة القواد تلمحهم مع طالوت يمتنعون عن الشرب وإن كان أمرا حيويا، ويعبرون معه النهر وهم يرون عدوهم يزيد في العدد والعُدد والقوة والسلاح والعتاد، وهم مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (يرونهم مثليهم رأي العين)، ولكن الله يلقي في قلوبهم السكينة، ويغشيهم النعاس أمنة منه، ويثبت أقدامهم، ويربط على قلوبهم.

كما تجد الآيات التي تصف القلة يربطها خيط واحد واضح من علاقتهم بالحياة والأحياء، كوصف متاع الحياة الدنيا بأنه قليل، وأن أمان الكافرين في الدنيا يزول ولا يدوم، وصف عموم الناس بقلة الشكر، وقلة التذكر وقلة العلم وقلة الفهم وقلة العقل، والخيط الجامع لهذه الأشياء هي الحياة وما فيها وما يدور حولها، ويغري الناس بها.

ولا شك أن هذا كله يؤدي بعد جمعه إلى تكوين صورة صحيحة فصيحة دقيقة واضحة عن القلة مدحا وذما، وإبراز موقف القرآن منها ، وتلك منهجية القرآن في رسم صورة واضحة المعالم بينة الملامح عن القلة التي تناولها، تسلم كل آية إلى أختها، في تناسق بديع يمهد فيه السابق للاحق ويؤكد فيه اللاحق على السابق في تناغم واتساق.

الأصول الجامعة لقضية السننية في القلة

بعد رصد الآيات التي تناولت القلة مكية ومدنية، وسواء كانت تلك القلة في الأفراد أو الأمم أو الأشياء ودرسها وتأمل دلالاتها يمكن أن نستخلص في نقاط السنن الماضية والأصول الجامعة في قضية القلة على النحو التالي:

  1. أنهم السابقون إلى الإيمان والصابرون على ابتلاءاته.
  2. أنهم الثابتون في الأزمات والاختبار.
  3. أنهم يُختارون بعد ابتلاء واختبار.
  4. أنهم الناصرون للحق والدعوات.
  5. أنهم الشاكرون قولا وعملا.
  6. أنهم فقهاء علماء واعون بالدنيا واعبون بالحياة.
  7. أنهم عالمون بالسنن والنواميس الجارية  والخارقة، في الحياة والأحياء.
  8. أنهم عادلون في الشركة لا يبغون في الخلطة.
  9. أنهم الراضون بعطاء الله وقضائه.
  10. أنهم خلاصة زمانهم وبقية جيلهم.
  11. أنهم المنصورون المؤيدون.
  12. أنهم دائما لحمة واحدة.
  13. أنهم لا يحفلون بالمال ولا يأبهون بالجاه والملك والسلطان.
  14. أنهم أصحاب العزم.
  15. شدة صلتهم بالله (تعالى)، وحسن ثنائهم عليه.
  16. أنهم أقدر الناس على الثبات وطاعة القواد.
  17. لا يحتنكهم الشيطان.

تلك بعض الأصول الجامعة التي يمكن أن تصور لنا سنن الله (تعالى) في القلة في ضوء الآيات الكريمة والتي يمكن أن يفيد منها المسلمون عامة والمعنيون بنهضة الأمة خاصة وسيَبِين ذلك في صفحات آتية لدى الحديث عن ريادة القلة وأثرها في الشهود الحضاري للأمة المسلمة، وفقه صناعة القلة الرائدة.

الفصل الثاني

الكثرة مفهومها وصفاتها وسنن الله (تعالى) فيها

المبحث الأول

مفهوم الكثرة في اللسان العربي والقرآن الكريم

وردت مادة الكثرة وتقلباتها في اللسان العربي مشتملةً على عدد من المعاني يمكن أن نتلمسها على النحو الآتي:

( الكثرة: نقيض القلة. ... وقد كثر الشيء فهو كثير. وقوم كَثيرٌ، وهم كَثيرونَ. وأكْثَرَ الرجل، أي كثر ماله.)()

(ويقال: كاثرناهم فكثرناهم، أي غلبناهم بالكثرة. ....واستكثرت من الشيء، أي أكثرت منه. والكُثْرُ بالضم من المال: الكَثيرُ... والتكاثُرُ: المُكاثَرةُ. وعددٌ كاثِرٌ، أي كَثيرٌ. قال الأعشى:

      ولستَ بالأكْثَرِ منهم حصًى * وإنَّما العِزَّةُ للكـــــــــــاثِرِ

وفلان يَتَكَثَّرُ بمال غيره ....والكوثر من الرجال: السيد الكَثيرُ الخير.... - والكَوْثَرُ من الغبار: الكَثيرُ.()

ويذكر ابن فارس في مقاييس اللغة أن (الْكَافُ وَالثَّاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ خِلَافَ الْقِلَّةِ. مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ.)()

الْفرق بَين الْكثير والوافر:

والفرق بين الكثرة والوفر: (أَن الْكَثْرَة زِيَادَة الْعدَد والوفر اجْتِمَاع آخر الشَّيْء حَتَّى يكثر حجمه.)()

ومن تتبع المادة في كتب اللغة واللسان يتضح لنا أن المادة تدور حول معاني منها:

أنها نقيض القلة. وتدل على التجمع. و الغلبة. وزيادة العدد. ومن مشتقاتها ما يدل على السيد كثير الخير. وتدل على السخاء، و الدوام. والمادة تدل على الجماعات من الناس، و التباري في كثرة المال والعز، كما تستخدم في العدد والفضل.

تعبير القرآن الكريم عن الكثرة

ورد التعبير عن الكثرة في القرآن الكريم بصور متعددة، وألفاظ مختلفة، فورد التعبير عنها بلفظ:

كثُر، كثرت، كثّركم، أكثرت، أكثروا، استكثرت، استكثرتم ،تستكثر،كثرة،كثرتكم،كثير،كثيرة،أكثر،أكثركم،أكثرهم،تكاثر،كوثر،كما ورد التعبير عنها بألفاظ أخرى من غير مادتها، مثل أساليب التكثير،  وكم، ونحوها.

موقف القرآن الكريم من الكثرة

حين نتأمل الآيات التي ورد فيها لفظ الكثرة في القرآن الكريم، ونرد الأشباه والنظائر إلى أصول جامعة نجدها تتلخص في أمرين جامعين: الكثرة المحمودة، والكثرة المذمومة.

أولاً: الكثرة المحمودة

وهي التي تناولها القرآن مادحا لها بذكرها في مواطن تدعو إلى أهميتها، وتحث على الإفادة منها، سواء كان ذلك على سبيل الامتنان على أصحابها بأنهم كانوا قليلا فكثّرهم الله، أو رغبة النبي - صلى الله عليه وسلم- في الاستكثار من الخير لو كان يعلم الغيب، أو عفو الله – تعالى- عن كثير من الذنوب منّاً منه على عباده وفضلاً، أو الدعوة إلى تسبيح الله تعالى وذكره كثيرا، أو مَنُّهُ تعالى على عباده بالغيث الكثير الذي يحيي به البلاد ويُقيت العباد، ويُنشئ لهم منه جنات من نخيل وأعناب لهم فيها فواكه كثيرة، وأثر كثرة ذكر الله (تعالى) في عصمة المؤمنين من أن يقولوا ما لا يفعلون، أو مَنّ الله تعالى على عبده ونبيه - صلى الله عليه وسلم – بالكوثر: النهر الكثير الخير، الذي لا يظمأ من شرب منه أبدا، أو من الله (تعالى) على المؤمنين بكثرة نصره لهم في مواطن كثيرة، وتعديده (تعالى) لكثرة من قاتل مع النبيين من الربانيين والمجاهدين، ومن الله (تعالى) على عباده بكثرة الساجدين له من الخلق، واهتداء كثير من الناس بما يضربه الله (تعالى) لهم من الأمثال، أو وصفه تعالى لمن يؤت الحكمة بأنه قد أوتي خيرا كثيرا، وأنه لا يعقل ذلك ولا يفيده إلا أولو الألباب، أو منُّه (تعالى) على عباده بكثرة ما خلق من نسل آدم وحواء ودعوته إياهم أن يتقوه؛ شكرا لهذه المنة ووفاء لتلك النعمة.

ثانياً: الكثرة المذمومة

وتبدو الكثرة المذمومة في القرآن الكريم من خلال تعبير  القرآن وحديثه عنها في معرض الذم والإنكار، سواء كان ذلك على سبيل البيان؛ لأن كثيرا  من الناس يضلون بأهوائهم بغير علم، أو بيان أن كثيرا من الناس عن آيات الله غافلون، أو بيان دعوى الأقوام أنهم لا يفقهون كثيرا مما يقوله الأنبياء والمرسلون، وتنكبهم الصراط المستقيم ، وإضلال الأصنام لكثير من الناس، وأن كثيرا من القرون بين عاد وثمود هلكوا بذنوبهم، وأن كثيرا منهم بلقاء ربهم كافرون، وإضلال الشياطين لكثير منهم، وبيان أن كثيرا من الخلطاء يبغي بعضهم على بعض، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وأن هؤلاء قليلون، أو أن المرء لو أطاع أكثر من في الأرض لأضلوه عن سبيل الله، وبيان طبيعة أكثر الناس وأن أكثرهم لا يعلمون، ولا يعقلون، ولا يسمعون، ولا يؤمنون بالله إلا وهم مشركون، وتمضي  الكثرة في القرآن الكريم لتبين للناس أن أكثر أهل الكتاب لا عهد لهم، وأن كثيرا منهم فاسقون، وأن كثيرا منهم ساء ما كانوا يعملون، وأن كثيرا منهم عموا وصموا، وبيان أن الكثرة المعادية لله تعالى لا تغني عن أصحابها شيئا، أو أن الخبيث لا يساوي الطيب ولو أعجب الناس كثرة الخبيث، أو ذم كثير من أهل الكتاب الذين يودون أن يردوا المؤمنين عن إيمانهم، أو كثرة النجوى في غير أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس.

ولنتناول الكثرة في القرآن بهذا الترتيب في الصفحات القادمة فنبدأ بالكثرة المحمودة وصفاتها وخصائصها كما وردت في القرآن الكريم.






المبحث الثاني

الكثرة المحمودة صفاتها وخصائصها في القرآن الكريم

إذا تتبعنا الآيات التي تصف الكثرة المحمودة في القرآن الكريم يمكن أن نتناولها على النحو الآتي:

امتنان الله - تعالى- على قوم صالح بكثرة العدد

كثرة العدد نعمة، إذا وضعت في مكانها، وأفيد منها على الوجه المرضي، وقديما كان العرب يتمدحون بها.

والكثرة المحمودة نعمة من الله (تعالى)، امتن بها على قوم صالح فقال في معرض تذكيرهم بنعمه عليهم، ودعوته أن يَفيدوا من الكثرة في الدعوة إليه وليس الصد عن سبيله:(...وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) ، سورة الأعراف: (86).

والكثرة هنا إما كثرة حقيقية بالعدد، أو كثرة عن طريق الغنى الذي يكثر القليل، ويقوي الضعيف، ويعطي للمرء في الحياة قيمته ومكانته، أو تكثير بالقوة بعد الضعف، أو بطول الأعمار بعد قصرها من قبل()، أو تكون الكثرة بالبركة في النسل والمال().

(منّ عليهم بتكثير العدد؛ لأن بالتناصر والتعاون تمشي الأمور ويحصل المراد.

ويقال كما أن كل أمر بالأعوان والأنصار خيرا أو شرا، فلا نعمة فوق اتفاق الأنصار في الخير، ولا محنة فوق اتفاق الأعوان في الشر.)()

وفي تكثير عددهم إعزاز لهم وتقديم على غيرهم، مضت بذلك سنة الله في الكثرة عندما تكون كثرة محمودة تعز أهلها، وتعلي مكانهم.

(وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ أَيْ :كُنْتُمْ مُسْتَضْعَفِينَ لِقِلَّتِكُمْ فَصِرْتُمْ أَعِزَّةً لِكَثْرَةِ عَدَدِكُمْ فَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي ذَلِكَ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أَيْ مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ والقرون الْمَاضِيَةِ وَمَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ بِاجْتِرَائِهِمْ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ وَتَكْذِيبِ رُسُلِهِ.)() فأهلكهم الله وابتلاهم بنقص من الأموال والأولاد والثمرات، حتى صاروا أثرا بعد عين، وحديثا غابرا في الداثرين.

نوح وحرصه على بلاغ الرسالة وإكثاره من البيان لقومه

أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، ليخرج من شاء من عباده من الظلمات إلى النور، وأيد رسله بالحجج الباهرة والأدلة القاطعة والبراهين الساطعة التي ترشد الناس إلى الهدى، وتبعدهم عن الردى، وتهديهم إلى طريق الله رب العالمين، وبذل الأنبياء والمرسلون في سبيل بيان الحجة وتوضيح المحجة كل ممكن، ومن هؤلاء نوح عليه السلام الذي دعا قومه بكل سبيل ، ونوع في دعوته بكل طريق، وسجل القرآن الكريم ذلك في سورة كاملة باسمه عليه السلام فقال على لسانه: (..رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9)، سورة: نوح: 5-9.

وقد اعترف قومه بذلك، وذكروا أنه أكثر من جدالهم، والكثرة هنا في جانب نوح مدح له من حيث لا يشعرون، حيث حرص نوح عليه السلام على  بلاغ الرسالة على الوجه الأكمل، وسجل القرآن الكريم هذا الحرص وكثرة جدال نوح عليه السلام بقوله: (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)، سورة هود: (32).

والمعنى: خاصمتنا يا نوح فأكثرت معنا، أو ماريتنا فأكثرت مراءنا، أو دعوتنا فأكثرت دعاءنا، ووعظتنا فأكثرت وعظنا، وحاججتنا فأكثرت حجاجنا().

ولقد سلك نوح معهم في بلاغ الرسالة ما سجله له القرآن وشهد به الواقع، فقلب لهم في وسائل الدعوة بين الليل والنهار والسر والإعلان، والزرافات والوحدان.

وكلام قوم نوح معه ( يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ قَدْ أَكْثَرَ فِي الْجِدَالِ مَعَهُمْ، وَذَلِكَ الْجِدَالُ مَا كَانَ إِلَّا فِي إِثْبَاتِ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِدَالَ فِي تَقْرِيرِ الدَّلَائِلِ وَفِي إِزَالَةِ الشُّبُهَاتِ حِرْفَةُ سورة الأنبياء، وَعَلَى أَنَّ التَّقْلِيدَ وَالْجَهْلَ وَالْإِصْرَارَ عَلَى الْبَاطِلِ حِرْفَةُ الْكُفَّارِ.)()

حرص الرسول – صلى الله عليه وسلم- على الاستكثار من الخير

حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على بلاغ الرسالة وأداء الأمانة وفي سبيل ذلك بشر وأنذر، ورغب ورهب، وأبان لأمته أنه لا يملك لنفسه خيرا ولا شرا، ولا ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ولو كان يعلم الغيب لاستكثر من الخير، وقد ورد الاستكثار هنا في مقام المدح وهو الاستكثار من الخير، قال تعالى: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، سورة الأعراف: (188).

ومعنى لاستكثرت من الخير أي: (لاستكثرت من العمل الصالح.)()

أو: (لاستكثرت من النفع وما أصابني الضر.)()، والاستكثار هنا سواء كان في جلب الخير والنفع أو دفع الشر والضر استكثار ممدوح، والآية تشير إلى أن النبي (صلى الله عليه وسلم) أمر( بتصريح الإقرار بالتبري عن حوله ومنّته، وأن قيامه وأمره ونظامه بطول ربّه ومنّته ولذلك تتجنّس علىّ الأحوال، وتختلف الأطوار فمن عسر  يمسّني، ومن يسر  يخصني، ولو كان الأمر بمرادي، ولم يكن بيد غيري قيادي لتشابهت أحوالي في اليسر، ولتشاكلت أوقاتي في البعد من العسر.)()،فالاستكثار هنا ممدوح والكثرة هنا محمودة كما هو بين.

سؤال موسى عليه السلام الله (تعالى) أن يجعل معه أخاه هارون وزيرا كي يعينه على أن يسبحا الله كثيرا ويذكراه كثيراً

الذكر والتسبيح للمؤمن زاد يمضي به في طريقه إلى الله تعالى، يستعين بهما على المحن، ويتقوى بهما على الزمن، ويسلو بهما في نوازل الدهر ومفاجع  الأيام، وهما كذلك هدف يسعى له المؤمن، سيما إذا كان مع المرء أخ صالح، إذا نسي ذكره، وإذا ذكر أعانه، ومن هنا طلب موسى- عليه السلام - من ربه-عز وجل- أن يجعل معه هارون وزيرا؛ ليسبحاه كثيرا، ويذكراه كثيرا.

فالكثرة هنا في التسبيح والذكر فهي كثرة محمودة، قال موسى – عليه السلام -: (....وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36)، سورة طه:29/36.

والمعنى: (كي نعظمك بالتسبيح لك كثيرا (وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا) فنحمدك (إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا) يقول: إنك كنت ذا بصر بنا لا يخفى عليك من أفعالنا شيء.)()

وفي طلب موسى عليه السلام إشراك أخيه هارون معه في الرسالة، بيان لطلب العون به على بلاغ الرسالة، وفي هذا بيان  (أنّ طلبه مشاركة أخيه له بحقّ ربه لا بحظّ نفسه حيث قال: «كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً».)()؛ تعليلاً لطلب الرسالة؛ وتبييناً لباعث الرغبة، وفي إطلاق الكثرة شمول للزمان، والمكان، والأحوال، كأنه قال نسبحك ونذكرك في كل وقت وفي كل مكان وعلى كل حال، قَالَ مُجَاهِدٌ: ( لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا، حَتَّى يَذْكُرَ اللَّهَ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَمُضْطَجِعًا. وَقَوْلُهُ: {إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا} أَيْ: فِي اصْطِفَائِكَ لَنَا، وَإِعْطَائِكَ إِيَّانَا النُّبُوَّةَ، وَبَعْثَتِكَ لَنَا إِلَى عَدُوِّكَ فِرْعَوْنَ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ.)()

وليس المراد من التسبيح في الخلوات والجلوات فحسب، بل المراد ما يشمل تسبيح الحال وتسبيح المقال فقوله:({كي نُسَبّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً} غايةٌ للأدعية الثلاثةِ الأخيرة فإن فعل فيها كل واحد منهما من التسبيح والذكر مع كونه مكثِراً لفعل الآخر، ومضاعفاً له بسبب انضمامِه إليه مكثرٌ له في نفسه أيضاً بسبب تقويتِه وتأييدِه إذ ليس المرادُ بالتسبيح والذكر ما يكون منهما بالقلب أو في الخلَوات حتى لا يتفاوت حالُه عند التعدد والانفرادِ بل ما يكون منهما في تضاعيف أداءِ الرسالة، ودعوةِ المَرَدة العُتاة إلى الحق وذلك مما لا ريب في اختلاف حالِه في حالتي التعددِ والانفراد؛ فإن كلاًّ منهما يصدر عنه بتأييد الآخر من إظهار الحقِّ ما لا يكاد يصدر عنه مثلُه في حال الانفراد وكثيراً في الموضعين نعتٌ لمصدر محذوف أو زمانٍ محذوف)()

وفي طلب موسى وترتيب دعائه من اللطائف الكثير، منها ما يفيده التقديم والتأخير، ومنها ما يفيده التذييل، ومنها أدب الدعاء، ومقدمات الرجاء، فقبل رجاؤه واستجيب دعاؤه وأعين على كثرة التسبيح والذكر، وكان من نصره ما كان.

(ولا شك أن الاجتماع على العبادة والذكر سبب في دوامهما وتكثيرهما... ، ولذلك ورد الترغيب في الاجتماع على الذكر: والجمع في الصلاة ليقوى الضعيف بالقوي، والكسلان بالنشيط، وقيل: المراد بكثرة التسبيح والذكر ما يكون منها في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة العتاة، لأنه هو الذي يختلف في حالتي التعدد والانفراد، فإن كُلاًّ منهما يصدر منه، بتأييد الآخر، من إظهار الحق، ما لا يصدر منه حال الانفراد. والأول أظهر. )()

ولا شك أن تكاليف الدعوة وأعباء التعامل مع الناس تحتاج إلى حسن صلة بالله  قوية؛ تعين على مواصلة الخير، ونشر الفضيلة، وبلاغ الرسالة للناس، ومن أكثر الأمور إعانة على ذلك التسبيح والذكر، وحسن الثناء على الملك الوهاب من بيده مقاليد الأمور، ومفاتيح القلوب، (والأمر الجليل الذي هو مقدم عليه يحتاج إلى التسبيح الكثير، والذكر الكثير، والاتصال الكثير. فموسى- عليه السلام- يطلب أن يشرح الله صدره وييسر له أمره ويحل عقدة من لسانه ويعينه بوزير من أهله..

كل أولئك لا ليواجه المهمة مباشرة ولكن ليتخذ ذلك كله مساعدا له ولأخيه على التسبيح الكثير، والذكر الكثير، والتلقي الكثير، من السميع البصير.. «إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً» .. تعرف حالنا وتطلع على ضعفنا وقصورنا وتعلم حاجتنا إلى العون والتدبير.. )()

(وَعَلَّلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سُؤَالَهُ تَحْصِيلَ مَا سَأَلَهُ لِنَفْسِهِ وَلِأَخِيهِ، بِأَنْ يُسَبِّحَا اللَّهَ كَثِيرًا وَيَذْكُرَا اللَّهَ كَثِيرًا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ فِيمَا سَأَلَهُ لِنَفْسِهِ تَسْهِيلًا لِأَدَاءِ الدَّعْوَةِ بِتَوَفُّرِ آلَاتِهَا وَوُجُودِ الْعَوْنِ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ مَظِنَّةُ تَكْثِيرِهَا.)()

ومن الأسباب التي حملت موسى على دعاء ربه بأن يجعل معه أخاه هارون وزيراً، والتي تعين على أن يسبحاه كثيرا، ويذكراه كثيرا: أن في ذلك دلالة للناس على ربهم، وفيه من إكثار المسبحين والذاكرين ما لا يخفى؛ ولذلك أعقب الله كلامه بقوله: (اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري)، [سورة طه: 42]،كما أن في التعاون على أداء الرسالة من تقليل الاشتغال بأمور الدنيا والمعاش ما يعين على الإفادة من الوقت، ونشر رسالة الخير إلى الكثير من الناس، مما لا يتأتى من الرسول والداعية حين يكون مشغولا بكل أمور الخاصة والعامة، (وَالَّذِي أَلْجَأَ مُوسَى إِلَى سُؤَالِ ذَلِكَ عِلْمُهُ بِشِدَّةِ فِرْعَوْنَ وَطُغْيَانِهِ وَمَنْعِهِ الْأُمَّةَ مِنْ مُفَارَقَةِ ضَلَالِهِمْ، فَعُلِمَ أَنَّ فِي دَعْوَتِهِ فِتْنَةً لِلدَّاعِي، فَسَأَلَ الْإِعَانَةَ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْ تِلْكَ الْفِتْنَة ليتوفّرا لِلتَّسْبِيحِ وَالذِّكْرِ كَثِيرًا.)()، (فهذه هي العِلّة في مشاركة هارون لأخيه في مهمته، لا طلباً لراحة نفسه، وإنما لتتضافر جهودهما في طاعة الله، وتسبيحه وذِكْره.)()

وذكر الله كثيرا وتسبيحه بالعشي والإبكار من المعينات على كل ما طلبه موسى عليه السلام، من بلاغ الرسالة، والصبر على أذى المدعوين، والبركة في العمل والوقت، ولذا أرشد الله زكريا عليه السلام بعد نعمته التي أنعم بها عليه أن يذكره كثيرا ويسبحه بالعشي والإبكار،فقال له): وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ )،سورة مريم:(41).

وذكر الله  كثيراً سبب الفلاح في الدنيا والآخرة، في السلم والحرب، وفي الشدة والرخاء، ولذا أوصى الله تعالى به المؤمنين إذا لقوا فئة مقاتلة،( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، سورة الأنفال: (45).

وأمر الله تعالى به في وقت ابتغاء فضل الله ورزقه، فهو يعين على تذكر فضل الله تعالى وإنعامه، ورد النعمة إليه، وذكر هذه النعمة وشكره عليه وهذا سبب استمرارها ودوامها وهي سنة ثابتة لله تعالى في الشكر والشاكرين،(فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)،سورة الجمعة: (10).

وذكر الله معين على التأسي بالقدوة الصالحة، والمثل الكامل - صلى الله عليه وسلم- وذكر الله كثيرا مجلبة للمغفرة والأجر العظيم، كما أن ذكر الله كثيرا عصمة للناس أن يقولوا مالا يفعلون، وذكر الله كثيرا من أسباب عصمة الإنسان أن يقول ما لا يفعل.

تفضيل الله - تعالى- لبني آدم على كثير ممن خلق

مَنَّ الله تعالى على بني آدم بمنن كبرى، ومنح عظمى، منها: أنه كرمهم بصور من التكريم، وألوان من الإكرام والإنعام، وحملهم في البر والبحر، ورزقهم من الطيبات، وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلا، والكثرة هنا كثرة محمودة إذ قد ذكرها الله تعالى في مقام المن وسورة الأنعام، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا، سورة الإسراء: (70).

وهذا التكريم متعدد الأوجه، متنوع الجنبات، مثل: هيمنتهم على من سواهم من الخلق، وتسخير الحياة لهم، وبأن لهم عقولا وتمييزا، أو بالأمر والنهي، أو الكلام والخط والبيان ()،(ومن التكريم ما ألقى عليهم من محبة الخالق حتى أحبوه، ومن التكريم لقوم توفيق صدق القدم، ولقوم تحقيق علوّ الهمم.)()

ومن تكريم الله تعالى للإنسان أن:(كرمه بخلقته على تلك الهيئة، بهذه الفطرة التي تجمع بين الطين والنفخة، فتجمع بين الأرض والسماء في ذلك الكيان! وكرمه بالاستعدادات التي أودعها فطرته والتي استأهل بها الخلافة في الأرض، يغير فيها ويبدل، وينتج فيها وينشئ، ويركب فيها ويحلل، ويبلغ بها الكمال المقدر للحياة. وكرمه بتسخير القوى الكونية له في الأرض وإمداده بعون القوى الكونية في الكواكب والأفلاك..

وكرمه بذلك الاستقبال الفخم الذي استقبله به الوجود، وبذلك الموكب الذي تسجد فيه الملائكة ويعلن فيه الخالق جل شأنه تكريم هذا الإنسان! وكرمه بإعلان هذا التكريم كله في كتابه المنزل من الملأ الأعلى الباقي في الأرض.. القرآن...«وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا» .. فضلناهم بهذا الاستخلاف في ملك الأرض الطويل العريض. وبما ركب في فطرتهم من استعدادات تجعل المخلوق الإنساني فذا بين الخلائق في ملك الله ...ومن التكريم أن يكون الإنسان قيما على نفسه، محتملا تبعة اتجاهه وعمله. فهذه هي الصفة الأولى التي بها كان الإنسان إنسانا. حرية الاتجاه وفردية التبعة. وبها استخلف في دار العمل.)()

تفضيل الله تعالى داود وسليمان على كثير من عباده المؤمنين

ومن مواطن الكثرة المحمودة ما اعترف به داوود وسليمان عليهما السلام، بأن الله تعالى قد آتاهما علما وفضلهما على كثير من عباده المؤمنين؛ لأن الكثرة هنا في مقام الامتنان والاعتراف بالفضل لله عز وجل،( وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) سورة النمل: (15) .

فالكثرة هنا كثرة محمودة وليس كل علم بل علم خاص أيدهما الله (تعالى) به ومن عليهما بفهمه والإفادة منه، (وَذَلِكَ عَلْمُ كَلَامِ الطَّيْرِ وَالدَّوَابِّ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا خَصَّهُمُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ.)()، أو هو علم القضاء، والتفضيل  بالكتاب والنبوة والملك()

(وفي الآية دليل على أن التفضيل الذي يحصل بالعلم لا يحصل بغيره من الصفات، فأخبر بأنهما شكرا الله على عظيم ما أنعم به عليهما)()

عفو الله تعالى عن كثير من أفعال العباد

وتأتي الكثرة المحمودة هنا في مقام العفو، عفو الله العفو الكريم عن الكثير من ذنوب عباده، وتأتي الكثرة في العفو هنا مرتين في سورة واحدة، بيانا لعظيم عفو الله تعالى وكريم صفحه وغفرانه،، وتبين الآيات الكريمة أن كل ما يصيب الإنسان فبما كسبت يداه ويعفو الله عن كثير، فلو شاء- تعالى- لأسكن الريح، فتظل الفلك رواكد على ظهر البحر لا تتحرك، ويفقد الخلق أرزاقهم وتتوقف مصالحهم، أو يغرقهم بما كسبوا، ولكن عفو الله أوسع لهم، وأجمل بهم، فالكثرة هنا في مقام العفو فهي كثرة محمودة،( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) سورة الشورى:(30)

ضرورة التأكيد أن العفو من الكريم يجري على سنن ثابتة

ومن البين في الآيات الكريمة أن العفو هنا يجري على سنن ثابتة، ومعنى ويعفو عن كثير: ({ويعفو عَن كَثِيرٍ} أي من الذنوب فلا يعاقب عليه أو عن كثير من الناس فلا يعاجلهم بالعقوبة، وقال ابن عطاء: من لم يعلم أن ما وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه وأن ما عفا عنه مولاه أكثر كان قليل النظر في إحسان ربه إليه. وقال محمد بن حامد: العبد ملازم للجنايات في كل أوان وجناياته في طاعته أكثر من جناياته في معاصيه لأن جناية المعصية من وجه وجناية الطاعة من وجوه والله يطهر عبده من جناياته بأنواع من المصائب ليخفف عنه أثقاله في القيامة ولولا عفوه ورحمته لهلك في أول خطوة وعن علي (رضي الله عنه) هذه أرجى آية للمؤمنين في القرآن؛ لأن الكريم إذا عاقب مرة لا يعاقب ثانياً وإذا عفا لا يعود)()

والآية هنا تمثل سنة من سنن الله (تعالى) في خلقه وهي عفوه عن كثير من أفعال عباده، كما ورد في سورة آل عمران: (ولقد عفا الله عنكم)،يقول صاحب المنار وهو يعقب على آية آل عمران:(فَالْآيَتَانِ وَارِدَتَانِ فِي بَيَانِ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ اللهِ - تَعَالَى - فِي أَخْلَاقِ الْبَشَرِ وَأَعْمَالِهِمْ، وَهِيَ أَنَّ الْمَصَائِبَ الَّتِي تَعْرِضُ لَهُمْ فِي أَبْدَانِهِمْ وشُئُونِهِمُ الِاجْتِمَاعِيَّةِ إِنَّمَا هِيَ آثَارٌ طَبِيعِيَّةٌ لِبَعْضِ أَعْمَالِهِمْ، وَأَنَّ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ تُعَدُّ مُصِيبَةً وَهُوَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ، أَيِ الَّذِي مَضَتْ سُنَّةُ اللهِ - تَعَالَى - بِأَنْ يُعْفَى وَيُمْحَى أَثَرُهُ مِنَ النَّفْسِ، فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَعْمَالُ وَهُوَ بَعْضُ اللَّمَمِ وَالْهَفْوِ الَّذِي لَا يَتَكَرَّرُ وَلَا يَصِيرُ مَلَكَةً وَعَادَةً. وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ فِي الْآيَةِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ وَالْقَاعِدَةُ فِي بَيَانِ هَذِهِ السُّنَّةِ بِقَوْلِهِ: وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [35: 45] أَيْ بِجَمِيعِ مَا كَسَبُوا، فَإِنَّ " مَا " مِنَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي تُفِيدُ الْعُمُومَ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ السُّنَّةَ الْإِلَهِيَّةَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّفْسِيرِ، وَجَرَيْنَا عَلَى أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي عُقُوبَاتِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَجَمِيعُهَا آثَارٌ طَبِيعِيَّةٌ لِلْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ، وَقَدِ اهْتَدَى إِلَى هَذِهِ السُّنَّةِ بَعْضُ حُكَمَاءِ الْغَرْبِ فِي هَذَا الْعَصْرِ.)()

امتنان الله تعالى على الخلق بنزول الغيث

الماء روح الحياة ، وسر النجاة، جعل  الله – تعالى-  منه كل شيء حي، سيما إذا كان غيثا، ينتظره الناس، وتتوقف عليه الحياة، وقد مَنَّ الله – تعالى- على الخلق بذلك، وأبان أنه يحيي بهذا الغيث ممن خلق أنعاما وأناسي كثيرا، فالكثرة هنا كثرة محمودة فهي في مواطن الامتنان من الله تعالى وتبدو ملامح الاطراد والسننية هنا في أن الله تعالى جعل من هذا الماء حياة تحيي مما خلق أنعاما وأناسي كثيرا، (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً سورة طهورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (50) ، سورة الفرقان: 48/50. (وكذا سنّته مع عباده يردّدهم بين إفناء وإبقاء.)()

امتنان الله بالمطر الذي يكون سببا في إنشاء الجنات والفواكه

وفي موطن آخر يمتن الله – تعالى- على عباده بالمطر الذي يكون سببا في إنشاء الجنات والفواكه الكثيرة فيقول: (فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)،سورة المؤمنون:19.

وفي سياق امتنان الله تعالى على عباده بالمطر الذي يحيي به أنعاما وأناسي كثيرا، منة أخرى منه تعالى، بأن جعل من هذا الغيث جنات من نخيل وأعناب، لهم فيها فواكه كثيرة، ومنها يأكلون، والكثرة المحمودة هنا تبدو في مَنَّ الله تعالى على خلقه بالفواكه الكثيرة التي سبب حياتها ونمائها واحد وهو الماء، وأنواعها وأصنافها متعددة، فهي تخضع في هذا البقاء والنماء لسنن الله (تعالى) التي لا تتبدل ولا تتحول، والسسننية هنا والاطراد بَيِّن من خلال خضوع الفاكهة الكثيرة لقانون يضبطها وسنة تحكمها في النشوء والبقاء والنماء، كما قال – تعالى- (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)، سورة الرعد:4،3.

امتنان الله تعالى على عباده بالأنعام ومنافعها الكثيرة

من المواطن التي ذكرت فيها الكثرة في القرآن الكريم تلك الآية الكريمة التي يمتن الله تعالى فيها على عباده بنعمة الأنعام التي يسقيهم الله تعالى  مما في بطونها، ولهم فيها منافع كثيرة، (وَإِنَّ لَكُمْ فِي  الأنعام لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)،سورة المؤمنون: (21).

والسننية هنا واضحة من خلال المنافع التي يصيبها العباد من الأنعام والتي تزيدها التقنية والعلم الحديث تأكيدا لإعجاز القرآن الكريم وقضاياه.

ولعلنا نشير هنا إلى دقة تعبير القرآن الكريم: (مما في بطونها)،فهل في بطون الأنعام غير ما هو مألوف للناس معروف للعامة، مما يصلح غذاء أو دواء مما عبر عنه القرآن بأنه (منافع)؟، اللهم إنا بك مؤمنون، ولنعمك حامدون شاكرون، وعن شكر صنيعك عاجزون، فاحمد اللهم عنا نفسك لنفسك؛ كما ينبغي لجلال وجهك وكمال قدسك، فإنا عن القيام بحق حمدك عاجزون، ولعظمة جبروتك خاضعون، وإليك فيما منحت أهل قربك راغبون، فجد علينا من خزائن جودك بما تعلقت به الآمال، فإنك واسع العطاء جزيل النوال.  

مضاعفة الله تعالى للقرض أضعافا كثيرة

كما وردت الكثرة في موضع وصف المضاعفة للقرض في قوله تعالى: (منْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، سورة البقرة:(245).والمضاعفة هنا محمودة لأنها جزاء من الله تعالى على البذل والعطاء، فالكثرة كثرة محمودة.

عند الله مغانم كثيرة

كما وردت الكثرة المحمودة في حض الله تعالى المؤمنين المحاربين على عدم التسرع في وصف من ألقى إليهم السلام بأنه ليس مؤمنا رغبة في عرض الدنيا فما عند الله أكثر وأبقى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ،سورة النساء:(94).

ضرب الله (تعالى) الأمثال للناس يهتدي بها كثير ويَضِل بها كثير

مضت سنة الله تعالى في خلقه أن يقيم عليهم سورة الحجة، ويعلمهم البينة؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ومن ذلك أن ضرب لهم في كتابه الأمثال يُضِل بها كثيرا ويهدي بها كثيرا، قال تعالى:( إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) سورة البقرة:(26).

وقد يتسائل سائل كيف يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا، فالمتوقع أن يكون بعض الفريقين كثيرا والآخر قليلا، وبالنظر يظهر أن هذا فيه بيان قيمة المهتدين وإن كانوا في أعين الناس قلة، فهم في الواقع ونفس الأمر كثرة،( فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْكَثْرَةَ وَالْقِلَّةَ أَمْرَانِ نِسْبِيَّانِ، فَالْمُهْتَدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ كَثِيرٌ، وَإِذَا وُصِفُوا بِالْقِلَّةِ فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى أَهْلِ الضَّلَالِ، أَوْ تَكُونُ الْكَثْرَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْقِلَّةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَشْخَاصِ، فَسُمُّوا كَثِيرًا ذَهَابًا إِلَى الْحَقِيقَةِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

إِنَّ الْكِرَامَ كَثِيرٌ فِي الْبِلَادِ وَإِنْ ... قَلُّوا كَمَا غَيْرُهُمْ قَلُّوا وَإِنْ كَثُرُوا)()

المبحث الثالث

الكثرة المذمومة صفاتها وخصائصها في القرآن الكريم

وإذا تتبعنا الكثرة المذمومة في القرآن الكريم، وجدناها تدور حول بعض المعاني التي يمكن أن نردها إلى أصول جامعة على النحو التالي:

  1. وصف أكثر الناس
  2. وصف أكثر أهل الكتاب
  3. وصف الكثرة لمفردات من الأشياء

وصف أكثر الناس

خلق الله (تعالى) الخلق وهو بهم أعلم، وبطبائعهم أخبر، وبخلجات صدورهم أبصر، (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)،سورة الملك:14، ووصفهم الله تعالى وصفا لا يستطيعه غيره، ولا يقدر على القطع به سواه؛ لأنه الأعلم بطوايا النفوس، وخبايا الصدور، وخفايا السرائر، ووردت آيات القرآن الكريم تؤكد هذا الوصف في مواطن متعددة، ذلك الوصف الذي يؤكده الواقع، وتدعمه تجارب الحياة، ويمكن أن نتابع وصف القرآن للكثرة من الناس من خلال هذه الصفات:

كثير من الناس عن آيات الله غافلون

بث الله (تعالى) في الخلق آيات وعِبَرا، وفي الكون عظات ومُثُلا، والسعيد من اعتبر والشقي من تعداها ولم يدَّكر، وقد مضى حكم الله (تعالى) وسنته في خلقه بأن كثيرا منهم عن آيات الله غافلون، قال تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ، سورة يونس: (92).

وقد وردت هذه الآية الكريمة في بيان هلاك فرعون الذي ذكر بوصفه دون اسمه، حتى يمضي وصفه على كل (فرعون) ما بقيت الحياة، وتلك بعض ملامح السننية في القرآن الكريم، فهي لا تحدد الاسم، ولا الزمان، ولا المكان؛ حتى يفيد الناس من الوصف، ولا يتوقفوا عند الاسم والرسم، ولكن أكثر الناس غافلون عن هذه العبر، وتلك الفوائد التي تبقى ما بقي الإنسان، وتتعاقب ما تعاقب الليل والنهار، ومعنى (غافلون) أي :(ساهون، لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها.)() ، أو (مُعْرِضُونَ عَنْ تَأَمُّلِ آيَاتِنَا وَالتَّفَكُّرِ فيها)()

(وقرئ: لمن خلقك، بالقاف: أي لتكون لخالقك آية كسائر آياته. ويجوز أن يراد: ليكون طرحك على الساحل وحدك وتمييزك من بين المغرقين- لئلا يشتبه على الناس أمرك، ولئلا يقولوا- لادعائك العظمة: إنّ مثله لا يغرق ولا يموت- آية من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره، وليعلموا أنَّ ذلك تعمد منه لإماطة الشبهة في أمرك.)()

(وقرأ أبي بن كعب «ننحّيك» بالحاء المشددة من التنحية، وهي قراءة محمد بن السميفع اليماني ويزيد البريدي)()

وكثرة التأكيدات الواردة في الآية الكريمة من: إن، واسمية الجملة، واللام يظهر مدى غفلة الناس عن العبرة، على الرغم من ظهورها، وفيه (تَعْرِيضٌ بِهِمْ ،وَأَكَّدَهُ هَذَا التَّأْكِيدَ لِمَا تَقْتَضِيهِ شِدَّةُ الْغَفْلَةِ مِنْ قُوَّةِ التَّنْبِيهِ، أَيْ إِنَّهُمْ لَشَدِيدُو الْغَفْلَةِ عَنْهَا عَلَى شِدَّةِ ظُهُورِهَا فَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي أَسبابِهَا وَنَتَائِجِهَا وَحِكَمِ اللهِ فِيهَا، وَلَا يَعْتَبِرُونَ بِهَا، وَإِنَّمَا يَمُرُّونَ عَلَيْهَا مُعْرِضِينَ كَمَا يَمُرُّونَ عَلَى مَسَارِحِ سورة الأنعام، وَفِيهِ ذَمٌّ لِلْغَفْلَةِ، وَعَدَمِ التَّفَكُّرِ فِي أسباب الْحَوَادِثِ وَعَوَاقِبِهَا وَاسْتِبَانَةِ سُنَنِ اللهِ فِيهَا، لِلِاعْتِبَارِ وَالِاتِّعَاظِ بِهَا.)()

أكثر الناس لا يشكرون

نعم الإله على العباد كثيرة، ومننه على خلقه لا تحد ولا تعد ومع ذلك أكثرهم لا يشكرون، مضت بذلك سنة الله (تعالى)، فالله تعالى ذو فضل على الناس، ولكن أكثرهم لا يشكرون، وقد بذل إبليس في ذلك، واجتهد أن يكون أكثر الناس لا يشكرون، ووردت الآيات القرآنية الكريمة دالة على ذلك، وأيده واقع الناس وحياتهم، قال (تعالى): (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ)، سورة البقرة:

(وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) أَيْ: لَا يَقُومُونَ بِحُقُوقِ هَذِهِ النِّعْمَةِ، وَلَا يَسْتَفِيدُونَ مِنْ بَيَانِ هَذِهِ السُّنَّةِ; أَيْ هَذَا شَأْنُ أَكْثَرِ النَّاسِ فِي غَفْلَتِهِمْ وَجَهْلِهِمْ بِحِكْمَةِ رَبِّهِمْ، فَلَا تَكُونُوا كَذَلِكَ أَيُّهَا سورة المؤمنون، بَلِ اعْتَبِرُوا بِمَا نَزَلَ عَلَيْكُمْ وَتَأَدَّبُوا بِهِ لِتَسْتَفِيدُوا مِنْ كُلِّ حَوَادِثِ الْكَوْنِ، حَتَّى مِمَّا يَنْزِلُ بِكُمْ مِنَ الْبَلَاءِ إِذَا وَقَعَ مِنْكُمْ تَفْرِيطٌ فِي بَعْضِ الشُّئُونِ)()،واطراد السنة هنا واضح من تأكيد القرآن الكريم وتعبيره، وواقع الناس يؤكد ذلك واطراده.

أكثر الناس لا يعلمون

ومن وصف القرآن الكريم للناس وأكثرهم: أنهم لا يعلمون، ورد ذلك في آيات متعددة، وقد ورد نفي العلم عن أكثر الناس في مقامات متعدد، ومواطن شتى، ومن خلال تتبع الآيات الكريمة ندرك الآتي:

نفي العلم عن أكثر الناس أن الدين هو: البراءة من عبادة ما سوى الله تعالى-، وإخلاص التوحيد له عز وجل هو الدين القيم، قال تعالى:(مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)،سورة يوسف: (40)

والمعنى: ( ولكن أهل الشرك بالله يجهلون أن الدين القيم هو البراءة مما سوى الله- تعالى-، فلا يعلمون حقيقته.)()

وورد نفي العلم عن أكثر الناس في بيان مقام العلم بأولياء الله تعالى، في قوله: (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68)، قال ابْنُ عَبَّاسٍ: (لَا يَعْلَمُ الْمُشْرِكُونَ ما ألهم الله أولياءه.)()

وورد نفي العلم عنهم في مقام بيان معرفتهم بأن وعد الله حق، قال تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38)، أي: (ولكن أكثر قريش لا يعلمون وعد الله عباده، أنه باعثهم يوم القيامة بعد مماتهم أحياء.)()

ونفى علمهم بمعرفة البعث فقال تعالى: (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، أي: أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ.()

ونفى الله تعالى عدم علم أكثر الناس بأن الله قادر على أن ينزل آية، ولا يعلمون ما يترتب على نزول الآية ورفضهم لها من وجوب حلول العذاب كما مضت بذلك سنة الله (تعالى) في خلقه، (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)، (37)

(وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ بأن الله قادر على أن ينزلها. ويقال: لاَّ يَعْلَمُونَ بما في نزول الآية لأنه لو نزلت الآية عليهم فلم يؤمنون به استوجبوا العذاب.)()

وهؤلاء الطالبون لآية من الله (تعالى) لا يعلمون أن الآيات تجري على سنن ثابتة وقوانين لله عز وجل في عباده، فلا تنزل تلبية لطلب المدعوين، وإلا لو نزلت وكذبوا بها لكان في ذلك هلاكهم؛ لكثرة تكذيبهم، ولخالفت تلك الآية سنة الله تعالى في استئصال المكذبين، ورسالة النبي - صلى الله عليه وسلم- في الأمة عامة لا يرد عليها سنة الاستئصال فيكون في ذلك تعارض لسنن الله تعالى وهذا لا يكون، فهم قالوا: (هَلَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ - أَيِ الرَّسُولِ - آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ مِنَ الْآيَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِسُنَنِهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، مِمَّا اقْتَرَحْنَا عَلَيْهِ، وَجَعَلْنَاهُ شَرْطًا لِإِيمَانِنَا بِهِ؟ وَقِيلَ: إِنَّ مُرَادَهُمْ آيَةٌ مُلْجِئَةٌ إِلَى الْإِيمَانِ، وَالْإِلْجَاءُ اضْطِرَارٌ لَا اخْتِيَارٌ، فَلَا يُوَجَّهُ إِلَيْهِ الطَّلَبُ وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ إِنْ حَصَلَ (قُلْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) أَيْ: قُلْ أَيُّهَا الرَّسُولُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى تَنْزِيلِ آيَةٍ مِمَّا اقْتَرَحُوا، وَإِنَّمَا يُنَزِّلُهَا إِذَا اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَنْزِيلَهَا، لَا إِذَا تَعَلَّقَتْ شَهْوَتُهُمْ بِتَعْجِيزِ الرَّسُولِ بِطَلَبِهَا، فَإِنَّ إِجَابَةَ الْمُعَانِدِينَ إِلَى الْآيَاتِ الْمُقْتَرَحَةِ لَمْ يَكُنْ فِي أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ سَبَبًا لِلْهِدَايَةِ، وَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُهُ تَعَالَى فِي الْأَقْوَامِ، بِأَنْ يُعَاقِبَ الْمُعَجِّزِينَ لِلرُّسُلِ بِذَلِكَ بِعَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ.)()

كما أنهم لا يقدرون المعجزة الكبرى وهي القرآن الكريم وحصروا أنفسهم في المعجزات الحسية التي تنتهي بانتهاء زمانها، ولم يدروا أن القرآن تجاوز الزمان والمكان، وحاجات البشر، ففيه لكل زمان ما يعجز أهله ويرشدهم إلى صدق قائله.

ومما نفى الله تعالى علم أكثر الناس به: علمهم بأن العطاء والمنع  من الله

تعالى، قال سبحانه: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)، سورة الأعراف: (131).

فهم لا يعلمون أن العطاء والمنع من الله، وأن تطيرهم غير مبني على وعي ولا بصيرة؛ لأن مقاليد الأمور كلها بيد الملك ، لكنهم لا يرون ذلك ولا يلحظون أنه فضل الله يؤتيه من يشاء، فالشكور يرد النعمة إلى مصدرها، ويسند الفضل إلى صاحب الفضل.

نفي علم أكثر الناس بأن وعد الله حق، وأن كل ما في السماوات والأرض لله.

وورد نفي علم أكثر الناس بأن وعد الله حق، وأن ما في السماوات والأرض في قوله تعالى: (أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)، (55). أي:( أنّ كل ما في السموات وكل ما في الأرض من شيء، لله مِلْك، لا شيء فيه لأحدٍ سواه. )()

فالوجود كله في يديه، والخير كله منه وإليه، و (الحادثات بأسرها لله ملكا، وبه ظهورا، ومنه ابتداء، وإليه انتهاء فقوله حقّ، ووعده صدق، وأمره حتم، وقضاؤه بات. وهو العلىّ، وعلى ما يشاء قوى.)()

نفي علم أكثر الناس بما يصلح للناس

ونفى الله (تعالى) علم أكثر الناس بما فيه مصلحة الأنام، وأن النسخ والإحكام من لدن علام الغيوب، وأنك يا رسول الله لا تأتيهم بشيء من عند نفسك بل( الذي تأتيهم به من عند الله ناسخه ومنسوخه، وهم لا يعلمون حقيقة صحته.)()، قال تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، سورة النحل: (101)

(فيه وجهان: أحدهما: لا يعلمون جواز النسخ. الثاني: لا يعلمون سبب ورود النسخ.)()

نفي علم أكثر الناس بالحق

كما نفى الله تعالى علم أكثر الناس بالحق، ومعرفتهم به، فلا يدرون ما يأخذون وما يدعون، فقال تعالى:( أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ)، (24).

والمعنى: (بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون الصواب فيما يقولون ولا فيما يأتون ويذرون، فهم معرضون عن الحق جهلا منهم به، وقلَّة فهم.)()،أو(لا يصدقون بالقرآن، ويقال بالتوحيد.)()

أكثر الناس لا يعلمون قدر عظمة الله

   الناظر في ملك الله (تعالى) يبهره هذا العلم المحكم وهذا الترتيب الدقيق الذي يشمل كل شيء من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة، ومن علم الإنسان إلى علم الحيوان والنبات والحشرات، فكل بحسبان، وكل يدل على عظمة خالقه، والناس في غفلاتهم عن هذا الإدراك سادرون، وفي غيهم يعمهون، ولقد ضرب الله تعالى مثالاً لافتاً لأنظار الناس واضحاً بيناً لا يحتاج إلى عمق في العلم ، ولا مهارة دقيقة في الإدراك بل يراه العامي والعالم، وكل يفهمه حسب معطياته وقدراته، :( أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)،سورة النمل: (61).

ولكن أكثر الناس لا يعلمون لأنهم لا يقفون ولا يفكرون في دلائل قدرة الله تعالى، فهم  (لا يعلمون قدر عظمة الله، وما عليهم من الضرّ في إشراكهم في عبادة الله غيره، وما لهم من النفع في إفرادهم الله بالألوهية، وإخلاصهم له العبادة، وبراءتهم من كلّ معبود سواه.)()

نفي الله (تعالى) علم أكثر الناس بأن وعد الله حق، قال تعالى: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)،سورة القصص:(13)، أي: (ولكن أكثر المشركين لا يعلمون أن وعد الله حقّ، لا يصدقون بأن ذلك كذلك.)()، أو: (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، أَنَّ اللَّهَ وَعَدَهَا رَدَّهُ إِلَيْهَا.)()

نفى الله (تعالى) عن أكثر الناس علمهم بأن الله هو الذي رزقهم وأمَّنهم وجبى إليهم ثمرات كل شيء.

كثيرا ما يصد الناس عن الإيمان، ويردهم عن الطاعة خوفهم على مصلحة حاضرة يخشون فواتها، أو طمعهم في منفعة منتظرة يرجون نوالها، انطبق ذلك على قريش مع الرسول – صلى الله عليه وسلم- كما انطبق على كل الأمم السابقة بما يؤكد السننية في تلك القضية المطردة، ولقد أبطل الله –تعالى – حجتهم ودحض مزاعمهم بصورة واقعية رائقة يفهمها كل ذي عينين، ويعقلها كل ذي عقل، قال تعالى:(وقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)، سورة القصص: (57).

أي: (لَا يَعْلَمُونَ أَنَّا نَحْنُ الَّذِينَ مَكَّنَّا لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا، وَرَزَقْنَاهُمْ فِيهِ، وَجَعَلْنَا الثَّمَرَاتِ مِنْ كُلِّ أَرْضٍ تُجْبَى إِلَيْهِمْ، فَهُمْ بِجَهْلِهِمْ بِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ يَكْفُرُونَ، لَا يَشْكُرُونَ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ.)()

ولقد قال الله (تعالى) ذلك لقريش ردا على تخوفهم من الإيمان وأنهم يخشون إن هم اتبعوا الهدى أن يتخطفوا من أرضهم، فذكرهم الله تعالى بأنه هو الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف وجبى إليهم ثمرات كل شيء، والمتأمل في الآية الكريمة يدرك أن المراد بالثمرات هنا ليست ثمرات الفاكهة بل (ثمرات كل شيء)، أي : خلاصة كل شيء، وأفضل ما فيه سواء كان ذلك في الطعام أو الشراب، أو الثياب، أو العقول البشرية، أو الخبرات الإنسانية، أو غيرها من ثمرة كل شيء، والأيام تزيد هذه النبوءة القرآنية تأكيداً، فما زلنا نرى ثمرات كل شيء تجبى إلى هذه البلاد المباركة، قديما وحديثاً، ومع ذلك  (هم غافلون عن الاستدلال، وأن من رزقهم وأمنهم فيما مضى حال كفرهم يرزقهم لو أسلموا، ويمنع الكفار عنهم في إسلامهم.)()

نفي علم أكثر الناس بأن للذين ظلموا عذابا غير عذاب الدنيا

ونفى الله (تعالى) عن أكثر الناس علمهم بأن للظالمين عذابا غير عذابهم في الدنيا، وأنه نازل بهم ما لم يتوبوا لا محالة، قال تعالى: (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47).والمعنى: أكثرهم لا يعلمون (أَنَّهُمْ ذَائِقُو ذَلِكَ الْعَذَابِ)()،أو: (أنّ الله ناصر لدينه.)()، أو (أَنَّ الْعَذَابَ نَازِلٌ بِهِمْ.)()

 

نفي علم أكثر الناس بالمتقين حقاً

ونفى الله (تعالى) علم أكثر الناس بأن أولياء الله هم المتقون حقا، قال (تعالى): (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)،سورة الأنفال: (34).

(ولكن أكثر المشركين لا يعلمون أن أولياء الله المتقون، بل يحسبون أنهم أولياء الله.)()

نفي علم أكثر الناس أن الله وحده هو الحقيق بالحمد

الله (عز وجل) وحده هو الحقيق بالحمد والثناء، والجدير بالشكر والدعاء، لفضله وإنعامه، وبره وإكرامه، وأكثر الناس لا يعلمون ذلك، قال (تعالى): (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)، سورة الزمر: (29).

( إنما الحمد الكامل هو لله خالصا؛ لأنه هو المنعم والخالق ، والرازق ولكن أكثر هؤلاء الكفرة لا يعلمون أنها كذلك.)()، فـ (الثناء له، وهو مستحقّ لصفات الجلال.)()

أكثر الناس لا يعلمون مدار العطاء والمنع

يعطي الله (تعالى) ويمنع، ويهب وينزع لحِكَمٍ يعلمها، وأسرارٍ يربي بها عباده، منها الابتلاء والاختبار، وإقامة سورة الحجة على عباده، قال تعالى: (فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)، سورة الزمر: (49).

والمعنى: (عطيتنا إياهم تلك النعمة من بعد الضرّ الذي كانوا فيه فتنة لهم، يعني بلاء ابتليناهم به، واختبارا اختبرناهم به (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ) لجهلهم، وسوء رأيهم (لا يَعْلَمُونَ) لأي سبب أعطوا ذلك.)()، أو لا يعلمون (البلوى من النعمى.)()ولا يعلمون (أَنَّ هَذَا التَّخْوِيلَ إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ الِاخْتِبَارِ.)()

أكثر الناس لا يعلمون سنن الله الماضية

أكثر الناس لا يعلمون حكم الله تعالى في خلقه، وسننه الماضية في عباده، وأن ما تصير إليه الأمور تجري بحسبان وقدر معلوم، لخالق الأرض والسماء، وأن الكون مسطوره ومنظوره يجري (بحسبان)وأنه (تعالى) لذلك وضع (الميزان) وخلقه جميعا (كل في فلك يسبحون)، وما يجري في عالم الحياة يجري في عالم الأحياء، قال (تعالى) في شأن يوسف:( وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِسورة يوسف فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، سورة يوسف: (21).

أي: (لَا يَدْرُونَ حِكْمَتَهُ فِي خَلْقِهِ، وَتَلَطُّفَهُ لِمَا يُرِيدُ)()،  (أنَّ الأمر كله بيد الله.)()أو: (لا يعلمون أن سنة الله ماضية وأن أمره هو الذي يكون.)(

وقد مضت سنة الله تعالى التي أرادها في يوسف؛ لأن أمره غالب، وحكمه نافذ ولا يقع في ملكه إلا ما يريد.

أكثر الناس لا يعلمون أن خلق السماوات أكبر من خلق الناس

الناظر في ظاهر الأمر يظن أن كثيرا من الناس على وعي وعلم، وواقع الأمر يثبت أن أكثرهم لا يعلمون، وعلمهم الظاهر علم ظني، (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، سورة غافر: (57).

 أكثر الناس يجهلون

ومن مواطن الكثرة التي ذكرها القرآن في مقام الذم ذكره أن أكثر الناس يجهلون، وهذه تتمة لحكم القرآن في عموم الناس أنهم لا يؤمنون، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ)،سورة الأنعام: (111).

يقول: (ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون أن ذلك كذلك، يحسبون أن الإيمان إليهم، والكفرَ بأيديهم، متى شاءوا آمنوا، ومتى شاءوا كفروا. وليس ذلك كذلك، ذلك بيدي، لا يؤمن منهم إلا من هديته له فوفقته، ولا يكفر إلا من خذلته عن الرشد فأضللته.)()

أو أن جهلهم هنا إما أن يكون المراد به جهلهم فيما يقترحونه من الآيات، أو أنهم لو أجيبوا إلى اقتراحهم لما تمكنوا من الإيمان طوعا، والقرآن لا يجبر الناس على الإيمان به، أو لو أجيبوا ولم يؤمنوا لحق عليهم العذاب. وذلك (لأن الآيات وإن توالت، وشموس البرهان وإن تعالت فمن قصمته العزّة وكبسته القسمة لم يزده ذلك إلا حيرة وضلالا، ولم يستنجز إلا للشقوة حالا.)()

أكثر الناس لا يعقلون

   ومضى القرآن الكريم يؤكد طبع الأكثرية بأنهم لا يعلمون، وأكثرهم يجهلون، وأنهم لا يعقلون فقال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)، (63).

(بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) يقول: (بل أكثر هؤلاء المشركين بالله لا يعقلون ما لهم فيه النفع من أمر دينهم، وما فيه الضرّ، فهم لجهلهم يحسبون أنهم لعبادتهم الآلهة دون الله، ينالون بها عند الله زُلْفة وقربة، ولا يعلمون أنهم بذلك هالكون، مستوجبون الخلود في النار.)()

أكثر الناس لا يؤمنون

وجرت سنة الله تعالى في الناس بأن الكثرة منهم لا تؤمن، ولا تستجيب، قال تعالى: ( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)، سورة يوسف: (103).

وسواء أكان المراد بالناس هنا أهل مكة، أم الناس على عمومهم وحقيقتهم، فإن السنة هنا ماضية لا تتخلف ولا تتأجل، أي: (وما أكثر مشركي قومك، يا محمد، ولو حرصت على أن يؤمنوا بك فيصدّقوك، ويتبعوا ما جئتهم به من عند ربك، بمصدِّقيك ولا مُتَّبِعيك.)()

والله عز وجل هنا (أخبر عن سابق علمه بهم، وصادق حكمه حكمته فيهم. ويقال معناه: أقمتك شاهدا لإرادة إيمانهم، وشدّة الحرص على تحقّقهم بالدّين، وإيقانهم. ثم إنّى أعلم أنهم لا يؤمن أكثرهم، وأخبرتك بذلك، وفرض عليك تصديقي بذلك، وفرضت عليك إرادتي كون ما علمت أنه لا يكون من إيمانهم.)()

كما أبان القرآن الكريم عن سنة الله في عدم إيمان أكثر الناس على الرغم من علمهم بالحق ورؤيتهم له، قال تعالى: (المر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ)،سورة الرعد: (1).

(وفي المراد ب {أكثر الناس} قولان: أحدهما: أكثر اليهود والنصارى ، لأن أكثرهم لم يسلم. الثاني: أكثر الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم.)()

وسواء أكان المراد من أكثر الناس هنا اليهود والنصارى أم الناس في زمان الرسول - صلى الله عليه وسلم- ، فالسنة بهذا ماضية، أي: (ولكن الأكثر من الناس من أصناف الكفار لا يؤمنون به، فهم الأكثرون عددا، والأقلون قدرا وخطرا )()

أكثر الناس لا يؤمنون بالله إلا وهم مشركون

وتعدد حديث القرآن عن وصف طبيعة أكثر الناس، وأنهم كافرون أو مشركون أو لا يؤمن أكثرهم إلا وهم مشركون بالله (تعالى)،وتنوع حديث القرآن في التعبير عن هذه الكثرة كما تنوع الحديث عنها في الزمان فشملت السور المكية والمدنية على السواء، قال (تعالى): (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ )،سورة يوسف:(106).، وقال تعالى:(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (82) يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83)، سورة النحل:82، 83.، وقال تعالى:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) سورة الشعراء: (8).وقال تعالى:( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ)، سورة الروم:42.

وفي هذه الآية الكريمة أمر من الله (تعالى) لرسوله (صلى الله عليه وسلم) والمؤمنين أن يسيروا في الأرض حتى يروا واقع هذه السنة التي لا تتخلف وهي أن أكثر الناس قبلهم كانوا مشركين.

أكثر الناس للحق كارهون

وأكد القرآن الكريم ، أن أكثر الناس للحق كارهون، قال تعالى: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76) وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78)،سورة الزخرف:76-78.

(ولكن أكثرهم لما جاء به محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من الحق كارهون.)()

كما نفى القرآن الكريم كون رفضهم للحق مبنيا على أن بالرسول جنة؛ بل لأنهم هم الذين كرهوا الحق وأعرضوا عنه، وتنكبوا صراطه المستقيم،(أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)، سورة المؤمنون: (70).

وبين القرآن الكريم علة رفضهم الحق، وكرههم له؛ بأنه: (يخالف شهواتهم وأهواءهم فلذلك أنكروه، وإنما قيد الحكم بالأكثر لأنه كان منهم من ترك الإِيمان استنكافاً من توبيخ قومه، أو لقلة فطنته وعدم فكرته لا كراهة للحق.)()، والحق لا يتبع الأهواء بل يفرض نفسه ويتبعه الناس لأنه الحق، وإلا لو اتبع هوى كل هاو لما قرت الحياة، ولو كان هذا الحق يمشي على رغبات الناس وجاء  (موافقاً لأهوائهم الباطلة لفسد نظام العالم، وتخصيص العقلاء بالذكر حيث عبَّر بمن لأنَّ غيرهم تبع.)()

كثير من الناس بلقاء ربهم كافرون

وتتم الآيات اطراد سنة الله (تعالى) في الأكثرية، فهم لا يؤمنون ، وهم للحق كارهون، وهم بلقاء ربهم كافرون، فيقول تعالى:(أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8)، أي: (وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم جاحدون منكرون؛ جهلا منهم بأن معادهم إلى الله بعد فنائهم، وغفلة منهم عن الآخرة.)() (أَي: جاحدون، ولقاء رَبهم هُوَ الْبَعْث يَوْم الْقِيَامَة.)()

ذلك أنهم لم ينظروا في الآيات والعبر، نظر المتبصر، راغب الإيمان، بل حجبتهم أهواؤهم ومنعتهم شهواتهم وشبهاتهم، (إنّ من نظر حقّ النظر، ووضع النظر موضعه أثمر له العلم واجبا، فإذا استبصر بنور اليقين أحكام الغائبات، وعلم موعوده الصادق في المستأنف- نجا عن كدّ التردد والتجويز. فسبيل من صحا عقله ألا يجنح إلى التقصير فيما به كمال سكونه.)()

وختام الآية بتلك الجملة (تذييلٌ مقررٌ لمَا قبلَهُ ببيانِ أن أكثرَهم غيرُ مقتصرين على ما ذُكر من الغفلةِ عن أحوالِ الآخرةِ والإعراضِ عن التَّفكُّرِ فيما يُرشدهم إلى معرفتِها من خلقِ السمواتِ والأرضِ وما بينهما من المصنُوعاتِ بل هم مُنكرون جاحدون بلقاءِ حسابِه تعالى وجزائِه بالبعثِ)()

  كثير من الناس يضلون بأهوائهم بغير علم

ينعى الله تعالى على من يتنكب طريقه، وينكص على عقبيه، بعد أن تبين له الحق، ويتبع أهواء الذين يضلون بغير علم، ويؤكد أن كثيرا من الناس يضلون بأهوائهم بغير علم؛ اتباعاً لأهوائهم، ونكوصاً عن طريق الحق، قال تعالى: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ)،سورة الأنعام: (119)

والمعنى أن هؤلاء الذين يفتون لأتباعهم ويحرمون عليهم ويحلون لهم لا برهان لديهم على ما يقولون، فهم (يُضلون أتباعهم بأهوائهم من غير علم منهم بصحة ما يقولون، ولا برهان عندهم بما فيه يجادلون، إلا ركوبًا منهم لأهوائهم، واتباعًا منهم لدواعي نفوسهم، اعتداءً وخلافًا لأمر الله ونهيه، وطاعة للشياطين)()

(ويضلون الناس بما يشرعونه لهم من عند أنفسهم، ويعتدون على ألوهية الله وحاكميته بمزاولتهم لخصائص الألوهية وهم عبيد)()، وهذه السنة هي ما عبر عنها القرآن الكريم في موطن آخر بقوله تعالى:(وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)،سورة الأنعام: (116).

كثير من الخلطاء يبغي بعضهم على بعض

حكم القرآن الكريم بأن كثيرا من الخلطاء يبغي بعضهم على بعض، ولم يستثن من هذا الحكم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ووصف هذا الاستثناء بأنه قليل، فقال تعالى:(قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ)،سورة ص: (24).والمعنى:(وإن كثيرا من الشركاء ليتعدَّى بعضهم على بعض (إِلا الَّذِينَ آمَنُوا) بالله (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) يقول: وعملوا بطاعة الله، وانتهوا إلى أمره ونهيه، ولم يتجاوزوه)()

واختيار القرآن الكريم للخلطاء مع أن البغي والظلم جبلة لا يتخلى عنها إلا من وفقه الله تعالى، كما قال أبو الطيب:

          والظلم في خِلَقِ النفوس فإن تجد   ذا عفة فلعلة لا يظلم()

لأن المخالطة مظنة كثرة المنازعة، وهم إذا اختلطوا (اطلع كل واحد منهما على أحوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفسية إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه فيُفْضِي ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة فلهذا خص داود - عليه الصلاة السلام- الخلطاء بزيادة البغي والعُدْوَان ثم استثنى عن هذا الحكم الذين آمنوا وعملوا الصالحات لأن مخالطة هؤلاء لا تكون لأجل الدين.)()

مفردات تتعلق بكثير من الناس

  1. الحياة الدنيا وتكاثر الناس في الأموال والأولاد

الدنيا قنطرة الآخرة، ومعبر الآجلة، وهي دار ابتلاء واختبار، وهي سوق لما بعدها يربح فيه من يربح، ويخسر فيه من يخسر، وكثير من الناس تغيب عنه مهمتها فيتكاثر فيها في الأموال والأولاد، فحذر الله تعالى المؤمنين منها، وأمرهم أن يجعلوها معبرا لما بعده، قال تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)، سورة الواقعة:20.

ومن بيان القرآن الكريم لسنته في الكثرة حديثه عن تكاثر الناس في الدنيا ولهوهم بهذا التكاثر حتى وقفوا على جلية الأمر وحقيقة الحق عندما رجعوا إلى عقولهم وزاروا المقابر، وذلك بعد أن فارقوا الدنيا وانكشفت لهم حقائق الأشياء، قال تعالى: (َألْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حتى زرتم المقابر)، التكاثر:1، 2.

والمعنى: ( شغلكم تفاخركم فيما بينكم إلى آخر أعماركم إلى أن متّم.ويقال: كانوا يفتخرون بآبائهم وأسلافهم فكانوا يشيدون بذكر الأحياء، وبمن مضى من أسلافهم. فقال لهم: شغلكم تفاخركم فيما بينكم حتى عددتم أمواتكم مع أحيائكم. وأنساكم تكاثركم بالأموال والأولاد طاعة الله.)()

كثير من نجوى الناس لا خير فيه

حكم القرآن على كثير من نجوى الناس بأنه لا خير فيه، واستثنى من هذا الحكم من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس،(لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)،سورة النساء: (114).

قَالَ مُجَاهِدٌ:( الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي حَقِّ جَمِيعِ النَّاسِ، وَالنَّجْوَى: هِيَ الْإِسْرَارُ فِي التَّدْبِيرِ، وَقِيلَ: النَّجْوَى مَا يَنْفَرِدُ بِتَدْبِيرِهِ قَوْمٌ سِرًّا كَانَ أَوْ جَهْرًا.)()

فالحكم هنا عام في جميع الناس يمثل سنة الله تعالى في الكثرة. ويشمل الزمان ويعم المكان والأفراد.

كثرة الخبيث لا تغني شيئا ولو أعجبتك كثرته

ومن ضوابط سنة الله في الكثرة أن الخبيث والطيب لا يستويان ولو بدا للرائي ما يعجبه من كثرة الخبيث، وهذه سنة الله تعالى في الكثير، فليس كل كثير جيدا، مهما بان رواؤه وظهر بهاؤه، ( قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، سورة المائدة: (100).

(وَجَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِالْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ وَهِيَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِصِفَةِ الشَّيْءِ لَا بِعَدَدِهِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْعِزَّةُ بِالْكَثْرَةِ بَعْدَ التَّسَاوِي فِي الصِّفَاتِ..)()

الكثرة المعجبة لا تغنى عن المرء شيئا

مضت سنة الله تعالى في عباده بأن الكثرة  المعجبة لا تغني عن أصحابها شيئاً، فهي في الحرب ليس لها قيمة ما لم تشفع بثبات، وفي السلم ليس لها وزن ما لم تؤيد بعمل، (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)

(إن الكثرة العددية ليست بشيء، إنما هي القلة العارفة المتصلة الثابتة المتجردة للعقيدة. وإن الكثرة لتكون أحياناً سبباً في الهزيمة، لأن بعض الداخلين فيها، التائهين في غمارها، ممن لم يدركوا حقيقة العقيدة التي ينساقون في تيارها، تتزلزل أقدامهم وترتجف في ساعة الشدة فيشيعون الاضطراب والهزيمة في الصفوف، فوق ما تخدع الكثرة أصحابها فتجعلهم يتهاونون في توثيق صلتهم بالله، انشغالاً بهذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة لسر النصر في الحياة. لقد قامت كل عقيدة بالصفوة المختارة، لا بالزبد الذي يذهب جفاء، ولا بالهشيم الذي تذروه الرياح!)()

وهذا ما وضحته الآية الأخرى في قوله تعالى: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ سورة الفتح وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ)، سورة الأنفال: (19).فإن (من غلبته قدرة الأحد لم تغن عنه كثرة العدد.)()

وصف أكثر أهل الكتاب

وتنتقل سنة الكثرة من وصف عموم الناس، إلى وصف بني إسرائيل، وهم شريحة من الناس لهم من الصفات ما يستدعي الوقوف أمامهم، وتحليل تلك الأوصاف التي لم يكتف القرآن الكريم بأن يشاركوا عموم الناس فيما وصفوا به بل خصهم بصفات اطردت فيهم اطرادا سننياً،  فقد وصفهم بأن أكثرهم فاسقون، وأن كثيرا منهم ساء ما يعملون، وأن كثيرا منهم عموا وصموا، وكثيرا منهم يودون أن يردوا المؤمنين  من بعدهم كفارا حسداً من عند أنفسهم، وأن كثيرا منهم يصدون عن سبيل الله، وأن أكثرهم لا يعقلون، وأن كثيرا منهم يتولون الذين كفروا، وأن كثيرا من الأحبار والرهبان يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله، وجاء الواقع على مدار الزمن يؤكد تلك الأوصاف؛ فسبحان من وصفهم بها من حكيم خبير، ومن تتبع آيات الكثرة الدالة على تلك الصفات أن نصنف وصف أهل الكتاب حسب الكثرة على النحو الآتي:

 أكثر بني إسرائيل لا عهد لهم وأكثرهم فاسقون

حكم القرآن الكريم أن أكثر أهل الكتاب لا عهد لهم، وأن أكثرهم فاسقون، قال تعالى: (وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ)، الأعراف: (102).

قال أبو جعفر: (ولم نجد لأكثر أهل هذه القرى التي أهلكناها واقتصصنا عليك، يا محمد، نبأها "من عهد أي: من وفاء بما وصيناهم به، من توحيد الله، واتباع رسله، والعمل بطاعته، واجتناب معاصيه، وهجر عبادة الأوثان والأصنام.)()

وتنوع حديث القرآن عن تأكيد هذه السنة في الكثرة عن أهل الكتاب في بيان فسق أكثر أهل الكتاب، وبعدهم عن سواء السبيل.

كثير من أهل الكتاب ساء ما يعملون

ذكر القرآن الكريم أن كثيرا من أهل الكتاب ساء ما يعملون، قال تعالى:(وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ)، سورة المائدة: (66). أي:(كثير منهم سيئ عملهم،  وذلك أنهم يكفرون بالله، فتكذب النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتزعُم أن المسيحَ ابن الله، وتكذِّب اليهود بعيسى وبمحمد -صلى الله عليهما-. فقال الله تعالى فيهم ذامًّا لهم: "ساء ما يعملون"، في ذلك من فعلهم.)()

 كثير من أهل الكتاب عموا وصموا

ووصف القرآن الكريم كثيرا من أهل الكتاب بأنهم عموا وصموا، ومن ذلك قوله تعالى:(وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)،سورة المائدة: (71).

(فعموا عن الحق والوفاء بالميثاق الذي أخذته عليهم، من إخلاص عبادتي، والانتهاء إلى أمري ونهيي، والعمل بطاعتي )()

كثير من أهل الكتاب يودون أن يردوا المؤمنين من بعد إيمانهم كفارا

وصف القرآن الكريم الكثرة من أهل الكتاب بأنهم يودون لو يردون المؤمنين إلى الكفر من بعد إيمانهم كفارا؛ حسدا من عند أنفسهم، وقد أيد الواقع الذي يعيشه الناس قديما وحديثا هذه الأحكام القرآنية المعجزة التي تظهر لكل ذي عينين أن هذا القرآن (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)، سورة فصلت:42.

ومن الآيات التي رصدت تلك الصفة لدى أهل الكتاب، وأكدت أن الكثرة منهم بهذا الميل القلبي والحنف الجائر ما ورد في قوله تعالى: ( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )، سورة البقرة:(109).

(ولكن كثيرا منهم ودوا أنهم يردونكم من بعد إيمانكم كفارا، حسدا من عند أنفسهم لكم ولنبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، من بعد ما تبين لهم الحق في أمر محمد، وأنه نبي إليهم وإلى خلقي كافة.)()، وهذه الكثرة هي مناط السننية في حديث القرآن الكريم.

كثير من أهل الكتاب ضالون ومضلون عن سبيل الله

وصف القرآن الكريم أكثر أهل الكتاب بأنهم ضلوا وأضلوا عن سبيل الله وسواء السبيل،(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)، سورة المائدة: (77).

أكثر أهل الكتاب لا يؤمنون

وصف القرآن الكريم أهل الكتاب بأن أكثرهم لا يؤمنون، فقال: (أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)، البقرة: (100).

أي:(بل أكثر هؤلاء - الذين كلما عاهدوا الله عهدا وواثقوه موثقا، نقضه فريق منهم - لا يؤمنون.)()

كثير من أهل الكتاب يتولون الذين كفروا

يقل (تعالى(: (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ)، سورة المائدة: (80).

(تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ قال مقاتل: يعني: اليهود يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا من مشركي العرب. وقال الكلبي: تَرى كَثِيراً من المنافقين يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: اليهود، لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ معناه: لبئس الفعل الذي كانوا يستوجبون به السخط من الله تعالى، ويوجب لهم العقوبة والعذاب وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ يعني: دائمون.)()

كثير من الأحبار والرهبان يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله

أكد القرآن الكريم للمؤمنين أن كثيرا من أهل الكتاب يأكلون أموال الناس بالباطل عن طريق الرشا والربا والسحت، ويزعمون لأتباعهم أنهم يفتونهم من الوحي، وينفرونهم عن الدخول في الإسلام، وأكد واقع الناس قديما وحديثا هذه الصفة في أهل الكتاب، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ )، سورة التوبة:(34).

فهؤلاء الأحبار والرهبان يجعلون من أنفسهم ويجعلهم قومهم أرباباً تتبع وتطاع وهم فيما يشرعون يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله.وأكل أموال الناس كان يتمثل في صور شتى ولا يزالون.

             المبحث الرابع

          سنن الله في الكثرة

المتأمل  لآيات الكثرة في القرآن الكريم يجد خيطا دقيقا رقيقا يربطها، وسياجا واضحا يحكم صورتها، بما يؤكد السننية فيها ،وأن الآيات  تمضي بطريقة يكمل بعضها بعضا، ويؤكد بعضها بعضا في غير تنافر ولا غرابة، بل الكل يمضي ليؤكد هدفا واحدا، ويسعى ليؤدي رسالة واضحة، ويمكن أن نتابع رسم تلك الصورة الرائقة الفائقة في خطوتين:

الأولى: ملامح الترابط السنني في آيات الكثرة

الثانية: الأصول الجامعة لسنن الله في الكثرة

ويمكن أن نتناول ذلك على النحو الآتي:

أولاً: ملامح الترابط السنني في آيات الكثرة:

وإذا نظرنا إلى آيات الكثرة وتفحصنا سيرها ودلالاتها، رأينا أنها تمضي في خط واحد، وتهدف إلى رسالة واضحة، في كل الآيات الكريمة، بما يبرز السننية الواضحة والقاعدية المطردة، فهي مثلاً تأتي في مواطن لوم قوم نوح له على كثرة جداله لهم، وإلحاحه في دعوتهم إلى، ورد في موطن وصف قوم فرعون الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، وفي موطن لوم الله تعالى للضالين من الجن الذين استكثروا من الإنس ووصف أكثر الناس بأنهم يضلون عن سبيل الله، وأن أكثر الجن والإنس ذرأهم لجهنم، وبيان أن كثيرا من الناس عن آيات الله غافلون، وبيان أن كثيرا من الخلطاء يبغي بعضهم على بعض، وبيان أن أكثر الناس لا يشكرون، وأن أكثرهم لا يعقلون، وأن أكثرهم لا يعلمون، وأن أكثرهم يجهلون، وأن أكثرهم فاسقون، وأن أكثرهم لا يعقلون، وبيان أنه لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبت الرائي كثرة الخبيث، المتتبع لهذه الآيات الكريمة يجد الخيط الذي يربطها والمحور الذي تدور حوله هو وصف أكثر الناس ووصف أكثر أهل الكتاب وهو من وصف البعض بعد الكل أو وصف الخاص بعد العام، ووصف لمفردات من الأشياء متجانسة كما مر في صلب البحث متن، بما يشعر الناظر المتأمل أن هذه السنة متكاملة المعالم واضحة الملامح بينة القسمات، جلية الصفات.

ومن بينات الدلالة السننية في تلك الآيات ما يأتي:

  1. تعبيرات القرآن الكريم نفسه  عنها بجلاء ووضوح بألفاظ تؤكد سننيتها مثل التعبير عنها بالأحكام العامة  التي تتسم بالشمول والعموم، والقابلة للتطبيق في أفراد كثيرة مثل: (أكثر الناس)، (أكثرهم)،(كثير منهم)، ونحو ذلك من العبارات التي تبين السننية والحُكْمية في الدلالة.
  2. الأحكام المطلقة الواردة في الآيات، (أكثرهم، كثير، أكثر الناس، كثير منهم، )، وهذا الإطلاق الذي تعبر عنه الآيات الكريمة سمة من سمات السنن الربانية، وخصيصة من خصائصها، سواء كانت سننا تتعلق بالكون والحياة، أو سننا اجتماعية، أو تاريخية، فردية أو جماعية.
  3. كما أن من بينات الدلالة السننية في آيات القلة والكثرة، ما ورد في تعقيب القرآن على كثير من الآيات التي تتناول وصف تلك السنة، من مثل قوله (تعالى) بعد الحديث عن قوم طالوت وقصة الذين خرجوا من ديارم وهم ألوف حذر الموت: (تلك آيات الله نتلوا عليك بالحق وإنك لمن المرسلين)، سورة البقرة:252.

        بلفظ (الآيات)،يقول ابن القيم في زاد المسير: (أي: نقص عليك من أخبار المتقدمين. وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ حُكمُك حكمهم، فمن صدقك، فسبيله سبيل من صدقهم، ومن عصاك، فسبيله سبيل من عصاهم.)()،وتلك كلها عين السنن الربانية في خصائصها وبيانها وفي دلالتها وتعبيرها.

وقد عقب الله تعالى هذه السنن الواردة في قصة الألوف والملأ من بني إسرائيل من بعد موسى بقوله: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين)، سورة البقرة:251

  1. التعبير القرآني عن الشخص الذي تدور عليه آية  الكثرة أو تعقب عليه بالوصف لا بالاسم ولا بالرسم، مما يعطي شمولا لكل من وصف وصفه، ونسج على منواله، وتلك واضحة في عدم ذكر اسم فرعون الذي عقب الله تعالى على إغراقه بقوله(فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية)،حتى يمضي وصفه على كل (فرعون) ما بقيت الحياة، وتلك بعض ملامح السننية في القرآن الكريم، فهي لا تحدد الاسم، ولا الزمان، ولا المكان؛ حتى يفيد الناس من الوصف، ولا يتوقفوا عند الاسم والرسم، ولكن أكثر الناس غافلون عن هذه العبر، وتلك الفوائد التي تبقى ما بقي الإنسان، وتتعاقب ما تعاقب الليل والنهار.
  2. كثرة التأكيدات في التعقيب على بعض آيات الكثرة لفتا لأنظار الناس وبيانا لسننية الآيات الكريمة  مما يدعو إلى لفت أنظار الناس إليها وتنبيههم إلى الإفادة منها؛ لأنها تتكرر مع غيره كما حدثت له، كما يقول صاحب المنار في بيان أثر المؤكدات الواردة في شأن فرعون:  (وَأَكَّدَهُ هَذَا التَّأْكِيدَ لِمَا تَقْتَضِيهِ شِدَّةُ الْغَفْلَةِ مِنْ قُوَّةِ التَّنْبِيهِ، أَيْ إِنَّهُمْ لَشَدِيدُو الْغَفْلَةِ عَنْهَا عَلَى شِدَّةِ ظُهُورِهَا فَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي أَسبابِهَا وَنَتَائِجِهَا وَحِكَمِ اللهِ فِيهَا، وَلَا يَعْتَبِرُونَ بِهَا، وَإِنَّمَا يَمُرُّونَ عَلَيْهَا مُعْرِضِينَ كَمَا يَمُرُّونَ عَلَى مَسَارِحِ الأنعام، وَفِيهِ ذَمٌّ لِلْغَفْلَةِ، وَعَدَمِ التَّفَكُّرِ فِي أسباب الْحَوَادِثِ وَعَوَاقِبِهَا وَاسْتِبَانَةِ سُنَنِ اللهِ فِيهَا، لِلِاعْتِبَارِ وَالِاتِّعَاظِ بِهَا.)()

ثانيا: الأصول الجامعة لسنن الله في الكثرة

بعد رصد الآيات التي تناولت الكثرة: مكية ومدنية، وسواء كانت تلك الكثرة في الأمم، أو الأفراد أو الأشياء ودرسها وتأمل دلالاتها يمكن أن نستخلص في نقاط السنن الماضية والأصول الجامعة في قضية الكثرة على النحو التالي:

  1. أن الكثرة شملت في آياتها الأفراد والأمم.
  2. أن منها ما يتعلق بالناس، ومنها ما يتعلق بأهل الكتاب، ،وفي كل تمضي في سننية مطردة تزيدها الحياة تأكيدا، خاصة في المقدور على معرفته من واقع الناس وأحداث الحياة.
  3. أن الكثرة تكون محمودة إذا كانت فيما يفيد كالكثرة في عدد القبيل والآل الذين يستعان بهم في قضاء المراد، والتغلب على الأعداء.    
  4. أن الكثرة تكون محمودة إذا كان العدد فيها لا يؤثر على النوع، والكم فيها لا يفسد الكيف، بل يدعمه ويقويه.     
  5. أنها تكون محمودة في استجلاب الخير، والحرص عليه.  
  6. أنها تكون محمودة في باب ذكر الله (تعالى)،وشكره وتسبيحه.    
  7. وتكون محمودة إذا كانت في جانب النفع عامة للبلاد والعباد، كالكثرة في الغيث المفيد الذي يحيي الله به البلاد ويقيت به العباد.    

تلك بعض الأصول الجامعة التي يمكن أن تصور لنا سنن الله (تعالى) في القلة في ضوء الآيات الكريمة، والتي يمكن أن يفيد منها المسلمون عامة والمعنيون بنهضة الأمة خاصة وسيبين ذلك في صفحات آتية لدى الحديث عن ريادة القلة وأثرها في الشهود الحضاري للأمة المسلمة، وفقه صناعة القلة الرائدة.

وهذا ما ستعالجه الصفحات الآتية بعون الله وتيسيره.

الفصل الثالث

موقف المسلمين من سنة الله في القلة والكثرة بين الوعي والسعي

       وفيه  مبحثان

المبحث الأول: ريادة القلة وأثرها في الشهود الحضاري للأمة المسلمة وموقف الأمة منها

المبحث الثاني: فقه صناعة القلة الرائدة، في ضوء هذه السنة وموقف الأمة منها.

المبحث الأول

ريادة القلة وأثرها في الشهود الحضاري للأمة المسلمة، وموقف الأمة منها

سنة الله في وجود القلة

جرت سنة الله (تعالى) في عباده أن يجعل في كل زمان قلة رائدة، تدعو الناس إلى الهدى، وتردهم عن الردى، وتهديهم إلى صراط الله المستقيم.

والناظر في حياة الأنبياء والمرسلين، والدعاة والمصلحين يجد أنهم بدؤوا دعواتهم أفرادا، ثم انضم إليهم من حمل فكرتهم، وتبنى رؤيتهم، وبذل في سبيلها، وضحَّى من أجلها، حتى استقرت على النهج المبتغى، والهدف المرتجى، وأفاد منها من يسر الله له سبل الهداية والرشاد، (فكل المحاولات التي غيرت مجرى التاريخ أو عدلته وقومته بدأت بأفراد، فإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وكل الرسل – صلى الله عليهم وسلم- بدؤوا أفرادا، وعن طريق التأثير التربوي آمن بهم البعض فعاونوهم فتوسع التأثير حتى غير مجرى الحياة، وخبر المصلحين المجددين من بعد الأنبياء مشهور مستفيض، وكذلك كل المحاولات غير الإسلامية،(مع الفارق البَيِّن) فأصحاب البدع في التاريخ بدؤوا أفرادا، ثم انتهوا إلى تكوين طوائف واسعة، وماركس وهتلر كل منهم بدأ فردا واستعمل التأثير التربوي فكون حزبا واستلم الحزب السلطة فتغير مجرى التاريخ، ولا مغير إلا الله ولا من حركة إلا بإذنه، وكذلك هرتزل ووايزمن وأصحابهما، بدؤوا أفردا واستغلوا التأثير التربوي المزدوج في اليهود وشعوب العالم أجمع فتغير مجرى تاريخ اليهود)()

والناظر في أنواع القلة التي حفل بها التاريخ البشري قديما وحديثا يجد أن لها أثرها البارز ومهمتها التي لا تنكر، فالقلة المؤمنة مع نوح عليه السلام  والتي وصفها قومه بأنهم أراذل وأنهم اتبعوه بادي الرأي بلا تفكر ولا وعي هي الفئة التي عمرت الأرض وبلغت رسالة الله (تعالى) وحفظ بهم الله عز وجل البشرية من الفناء، وأصحاب الكهف الذين لبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا بعدا عن طواغيت الأرض وظلمهم ونأيا بدعوتهم من أن يستأصلها البغاة الطغاة، رواد في الحفاظ على دينهم ،ويوسف في أهل مصر فرد واحد لكنه استطاع أن يعبر بهم سني الغلاء والبلاء، وأن يكون ذلك مفتاح إسلامهم له وإيمانهم بدينه، استطاع أن يقود هذه الأمة بما لديه من حفظ وأمانة، وعلم وتخصص، وذو القرنين فرد وهو من القلة لكنه استطاع أن يفيد من القوم الذين لا يكادون يفقهون قولا، وكيف آثر أن يشركهم معه في البناء الحضاري الذي يفوق بناء السد فبناء الإنسان ودلالته على مكامن نفسه وإرشاده إلى قدراته واكتشاف نفسه أمر لا يقدر بثمن وتبذل فيه المهج والنفوس، وأهل بدر الذين كانوا مقارنة بعدوهم قلة استطاعوا أن يفرقوا - بإيمانهم وبذلهم وتضحيتهم- بين الحق والباطل لهم ولمن بعدهم حتى سمى الله تعالى يوم لقائهم بعدوهم (يوم  الفرقان)، وكان لهم بعد في مجتمع النبوة وما بعده شأن أي شأن، وهكذا كل قلة في كل زمان ومكان.

وقد حفلت آيات القرآن الكريم بالحديث عن أن الروَّاد في كل زمان قلة، وأن الفاعلين في مجرى الحياة قلة، وأن النهضات البشرية والحضارية والإصلاحية حمل لواءها قلة، وأن الكثرة غير الفاعلة لا وزن لها ولا قيمة فهي غثاء كغثاء السيل، أو جمع كحَطْبِ الليل، أو هباء تذروه الرياح، (قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، المائدة: (100)

(وقد جرت عادته- تعالى- بكثرة الخبيث من كل شيء، وقلة الطيب من كل شيء، قال تعالى: (وقلِيلٌ ما هُمْ)،سورة ص:«24» ، (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) سورة سبأ:«13»وفي الحديث الصحيح: «النّاسُ كإبلٍ مِائةٍ لا تكادُ تَجِدُ فيها رَاحِلةَ» «»  وقال الشاعر:

  إنّي لأفتَحُ عَينِيَ حِينَ أفتَحُها ... عَلَى كثير لكن لا أرى أحَدا()

فأهل الصفا قليل في كل زمان، ولذلك خاطبهم بقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ أي: القلوب الصافية في تجنب الخبيث وإن كثر، وأخذ الطيب وإن قلّ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ بصلاح الدارين.)()

والعبرة في القلة ليس العدد، بل جودة المعدن، ونفاسة المحتد، وطيب المنبت، وعراقة الأصل، والعمل الذي يولده حَمْلُ الرسالةِ، وتقدير المسؤولية، والانشغال بهم الأمة التي يعيشون فيها بل تعيش فيهم، إن صحت النوايا واستقام الفهم، وإلا لو استوت القلة والكثرة في صفة من الصفات فإن قانون الله الغالب وسنته الماضية أن يكون الأمر في جانب الكثرة، ومن معاني قوله تعالى(قل لا يستوي الخبيث والطيب) أي: (في القلوب والأحوال والأعمال والأموال والأشخاص، فالطيب من ذلك كله مقبول محبوب، والرديء مردود ممقوت، فالطيب مقبول وإن قلّ، والرديء مردود ولو جلّ، وهو معنى قوله: وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ، فالعبرة بالجودة والرداءة، دون القلة والكثرة، )().

وإلا فالعدد المؤثر مقصود، ومن سنن الله التي لا تتغير سنته في الغلب والنصر، وهو ما حوته آية سورة الأنفال،« إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون . الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مشتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين » سورة الأنفال – 66 - .

فالنص على العدد هنا له دلالة، و(نفهم من هذه الآية أن صبر عدد قليل كعشرة أمام ألف لا يشترط إحراز النصر ، فكأن الآية تتحدث عن توازن في الكم والكيف ضمن حدين . ويمكن الاختلاف على اعتبار أن العدد لا مفهوم له . ولكن الذي لا يمكن الخلاف عليه هو اعتبار التوازن في الكم والكيف ، وزيادة الكم حين يضعف الكيف، وهذا واضح في قوله(تعالى) :« الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مائتين » ، بعد أن كانوا يغلبون ألفاً .

فمن هنا نفهم ، أن الغلب أو النصر الذي يحرزه المجتمع ، أو الأمة المخاطبة بقوله : (منكم) لا يتم بثبات فرد ، أو بأن يكون ما بنفس فرد قد تغير ، إذ لا بد من ثبات عدد معين ، له حد أدنى وأعلى، وإن كانت آية سورة الأنفال هذه تحدد الكم، وتدخل عامل الكيف ، الذي جاء بحثه في موضوع خاص ألا وهو الثبات في المعركة.

إلا أن هذه الخصوصية ليست محصورة في المعركة القتالية ، فمعارك الحياة كثيرة ، فمعركة بناء المجتمع كذلك تحتاج إلى التوازن نفسه .ونَذْرُ الإنسان نفسه، وما وهبه الله من قوة وعمر في سبيل فهم مشكلات المسلمين ، يشمل كذلك نفس التوازن، سواء ذلك في بناء الفرد والمجتمع.

ومعركة التعامل مع سنن الله على أساس الوعي ، أمر يشمل الكافرين والمؤمنين، وأن الفقه لسنن الله يعطي النتائج حتى للكافرين ، ولما قال تعالى :« يغلبوا ألفاً من الذين كفروا » أعقبه بقوله « بأنهم قوم لا يفقهون » فهذا يدل على تدخل فقه الكافرين أيضاً، كماً وكيفاً، ولاسيما الفقه لسنن الحياة الدنيا كما سنبحثه فيما يأتي ، لأن الله يمد المؤمنين والكافرين: « كُلَّاً نُمِدُّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً ».سورة الإسراء 20().

لماذا الفئة المؤمنة قليلة

المتأمل للقلة في الآيات التي رصدَتْها، وتحدثتْ عنها في ثنايا القرآن الكريم، يجد أنها قاعدة مطردة، وسنة حاكمة، وأن الفئة المؤمنة دائما قلة، فالذين عبروا النهر مع طالوت قلة، والذين اتبعوا نوحا في دعوته قلة، والذين آووا ونصروا قلة، وهكذا في سننية ماضية، وناموس لا يتخلف ولا يتأجل، ( فهذه هي القاعدة في حس الذين يوقنون أنهم ملاقوا الله. القاعدة: أن تكون الفئة المؤمنة قليلة لأنها هي التي ترتقي الدرج الشاق حتى تنتهي إلى مرتبة الاصطفاء والاختيار. ولكنها تكون الغالبة؛ لأنها تتصل بمصدر القوى؛ ولأنها تمثل القوة الغالبة. قوة الله الغالب على أمره، القاهر فوق عباده، محطم الجبارين، ومخزي الظالمين وقاهر المتكبرين.)()

خطورة عدم وجود القلة العاملة

والمجتمع الذي يخلو من قلة تقوده، وفئة مختارة تَرُوْدُه، ونخبة سابقة ترتاد له مواطن الخير، تكون وارده إليها، وفرطا له لديها، تدله عليها، وترشده إليها، وتحذره من مغبات الشر والفساد، وتحذره منها، مجتمع على خطر عظيم؛ لأن القلة الرائدة في كل مجتمع بمثابة العقل الواعي، والذاكرة الواعبة التي تحفظ الأمة، وتحفظ لها، وتعي أسباب عزها ونصرها، وعوامل تحللها وفسادها، وهؤلاء هم أولو البقية التي يعبر عنهم القرآن الكريم في قوله: (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ)، سورة هود: (116).

(وهذا النظر إلى الموضوع يبين  خطورة أن يبقى في المجتمع أعداد، مهما كانوا قلة، لا يتمتعون بالوعي التام لقضايا المجتمع . وكذلك ، خطورة عدم وجود العدد الكافي ، أو الحد الأدنى ، من الذين يعون الأمور على هذا الأساس من النظر . وإدراك ضرر وجود غير الواعين في الأمة ، يولد لدى المجتمع شعوراً بالخطر ، أن يكون المركب الذي يسير بالمجتمع ، يحتوي على نماذج لا تعرف سنن طفو الأجسام على الماء ، فيسعون بحسن نية، أو سوء نية ، لخرق السفينة، كما ورد في الحديث الشريف الصحيح().)()

سر الريادة في القلة وعلاقة ذلك بالسننية

وإذا تأملنا آيات القرآن الكريم ومطابقتها لواقع الحياة والأحياء أدركنا سر كون الريادة للقلة وأن ذلك سنة من سنن الله (تعالى)؛ ذلك أن العبرة في الأشياء بخصائصها وصفاتها وكيفها، لا بعددها وكثرتها وكمها، وقد سورة فصلت آية سورة الأنفال هذه القاعدة أيما تفصيل، فجاءت (بِالْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ وَهِيَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِصِفَةِ الشَّيْءِ لَا بِعَدَدِهِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْعِزَّةُ بِالْكَثْرَةِ بَعْدَ التَّسَاوِي فِي الصِّفَاتِ.)()

والقليل النافع المفيد من الأشياء والأحياء هو الذي يكتب له القبول والبقاء، والخيرية والسر في ريادة القلة في كل زمان؛ أنها تحمل من الخصائص والسمات ما يختزل لها الزمن ويطوي لها القوى والقُدَر، ويجمع فيها من أسس البقاء والتحمل ما لا يتوفر لغيرها، فهي في جهدها تختلف عن غيرها، وفي عطائها تباين من سواها، وفي مقاييسها ومعاييرها نمط آخر،  تستمد من مصدر قوتها وإلهامها مالا يقدره إلا الراسخون، وما لا يعرفه إلا العالمون الواعبون، وهذا ما عشته الفئة المؤمنة مع داوود (عليه السلام)، في حركتها وسيرها، وفي دعائها وتعبيرها، وفي نصحها وإرشادها، وهذا هو السر في الريادة من هذه القلة التي ذكرها القرآن نموذجا يحتذى، وأسوة تقتدى، في بيانها وتعبيرها، وفي ثقتها وتوكلها، وفي مقياسها للأشياء، وميزانها للأحداث، ورؤيتها للأمور.

أثر ريادة القلة في المجتمع

وهذه القلة وإن كانت في أعين الناس كذلك إلا أنها في الواقع ونفس الأمر كثيرة، كثيرة بأفعالها، كثيرة بأثرها، وقد وصفها الله (تعالى) بهذا الوصف في آية سورة  البقرة، في قوله (تعالى)):يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا)، مع أن المتوقع في غير القرآن أن التقسيم يكون بعضهم قليلا وبعضهم كثيرا، وهذا لبيان أنهم في أثرهم وفعلهم كثرة، (فإنْ قيل: كيف وصف المهتدين هنا بالكثرة وهم قليلون..فالجوابُ أَنّهم، وإن كانوا قليلينَ في الصُّورة، فهم كثيرون في الحقيقةِ؛)()

أو(تحمل الكثرة على الكثرة المعنوية بجعل كثرة الخصائص اللطيفة بمنزلة كثرة الذوات الشريفة كما قيل:

 ولم أر أمثال الرجال تفاوتت         لدى المجد حتى عد ألف بواحد)()

وهذه القلة هي التي يحمي الله (تعالى) بها الأمة، وينهض بها الكسالى، ويوقظ بها النومى، فالقلة مع طالوت هي التي أعطت النموذج الصابر والواعب لسنن الله (تعالى) في الحياة والأحياء، وهي التي أعطت القدوة من نفسها، في صبرها على الظمأ، وإرادتها القوية، وتغلبها على نفسها ومتطلباتها الأساسية، وهي التي من أجلها صنع الله ما صنع في جالوت وجنوده، وهي التي من أجلها صنع الله ما صنع في الأرض من طوفان نوح، ذلك أن ثبات هذه الفئة هو الذي يغير مجرى الحياة، وانتفاضة تلك المجموعة هي التي أزهرت عصور بني إسرائيل في عهد داوود.

أثر هذه القلة في النهضات والشهود الحضاري

هذه القلة هي التي تؤثر في الشهود الحضاري للأمم والجماعات، وهي التي تقوم بها الحضارات، وتستمر بها أسس التمكين، فلها الريادة فيه، وعليها المعول في بقائه، والنماذج التي ذكرها القرآن للقلة خير شاهد على هذا،( إذا هذه الفئة هي التي تقرر مصير المعركة. بعد أن تجدد عهدها مع الله، وتتجه بقلوبها إليه، وتطلب النصر منه وحده، وهي تواجه الهول الرعيب: «وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ، وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ، وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ» ..

وكانت النتيجة هي التي ترقبوها واستيقنوها: «فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ» .. ويؤكد النص هذه الحقيقة: «بِإِذْنِ اللَّهِ» .. ليعلمها المؤمنون أو ليزدادوا بها علماً. وليتضح التصور الكامل لحقيقة ما يجري في هذا الكون، ولطبيعة القوة التي تجريه.. إن المؤمنين ستار القدرة يفعل الله بهم ما يريد، وينفذ بهم ما يختار.. بإذنه.. ليس لهم من الأمر شيء، ولا حول لهم ولا قوة ولكن الله يختارهم لتنفيذ مشيئته، فيكون منهم ما يريده بإذنه.. وهي حقيقة خليقة بأن تملأ قلب المؤمن بالسلام والطمأنينة واليقين.. إنه عبد الله. اختاره الله لدوره. وهذه منة من الله وفضل. وهو يؤدي هذا الدور المختار، ويحقق قدر الله النافذ. ثم يكرمه الله- بعد كرامة الاختيار- بفضل الثواب.. ولولا فضل الله ما فعل، ولولا فضل الله ما أثيب.. ثم إنه مستيقن من نبل الغاية طهارة القصد ونظافة الطريق.. فليس له في شيء من هذا كله أرب ذاتي، إنما هو منفذ لمشيئة الله الخيرة قائم بما يريد. استحق هذا كله بالنية الطيبة والعزم على الطاعة والتوجه إلى الله في خلوص.)()

وإذا تتبعنا القلة ومهمتها في نهضات الأمم عرفنا قيمتها وأثرها، ورصدُ القرآنِ الكريم لها دليل صدق، وبرهان حق على هذا الأثر للقلة العاملة، وواقع الناس بفطرهم السوية وإدراكهم السليم يعي هذا الأمر ويعمل في ضوئه، فالعرب ببساطتهم وصفاء فطرتهم يعرفون هذه المعادلة وكلامهم في دوواينهم التي حفظت خصائصهم في ذلك غني عن التعقيب.

وهذه القلة المختارة والصفوة المنتقاة هي التي تؤثر ولا تتأثر، وتقود ولا تقاد، وتُتْبع ولا تَتْبع، أما الكثرة الفارغة من كل عطاء، والقاعدة عن كل مضاء، فلا تقوم بها حضارة، ولا تنهض عليها أمة، ولا يؤسس عليها تمكين، (إن الكثرة العددية ليست بشيء، إنما هي القلة العارفة المتصلة الثابتة المتجردة للعقيدة. وإن الكثرة لتكون أحياناً سبباً في الهزيمة، لأن بعض الداخلين فيها، التائهين في غمارها، ممن لم يدركوا حقيقة العقيدة التي ينساقون في تيارها، تتزلزل أقدامهم وترتجف في ساعة الشدة فيشيعون الاضطراب والهزيمة في الصفوف، فوق ما تخدع الكثرة أصحابها فتجعلهم يتهاونون في توثيق صلتهم بالله، انشغالاً بهذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة لسر النصر في الحياة.

لقد قامت كل عقيدة بالصفوة المختارة، لا بالزبد الذي يذهب جفاء، ولا بالهشيم الذي تذروه الرياح!)()

القلة مع نوح (عليه السلام) وأثرها في الشهود الحضاري

وإذا نظرنا إلى قلة مؤمنة أخرى عاشت المحنة والمنحة، والبلاء والعطاء، والسلب والإيتاء، وهي القلة المؤمنة مع نوح (عليه السلام) وجدنا كم كان جهدها في الشهود الحضاري وكم كان لها من مهمة في بقاء بذور الإيمان بالله، ولذا صنع الله لها ما صنع من إغراق الكافرين وتغيير ناموس الأرض، (إن هذه الحفنة- وهي ثمرة ذلك العمر الطويل والجهد الطويل- قد استحقت أن يغير الله لها المألوف من ظواهر هذا الكون وأن يجري لها ذلك الطوفان الذي يغمر كل شيء وكل حي في المعمور وقتها من الأرض! وأن يجعل هذه الحفنة وحدها هي وارثة الأرض بعد ذلك، وبذرة العمران فيها والاستخلاف من جديد.. وهذا أمر خطير..)()

ونوح عليه السلام هو أول من صنع الفلك، الفئة المؤمنة معه هي التي منها عَمُرَت الدنيا واستقرت الحياة.

حاجة القلة المعاصرة للإفادة من هذه الملامح

والقلة المؤمنة اليوم التي تسعى لريادة البشرية باسم الله، وقيادة الدنيا بالدين، في أمس الحاجة لتفهم هذه الملامح السننية في قانون القلة، وإدراك هذه الأسس التي تتكرر في كل زمن وفي كل قلة؛ لأنها قانون مطرد وناموس حاكم، وفي حاجة ماسة لإدراك عاقبة هذه القلة التي رصدها القرآن، وألح في عرض صورها، ونوع في بيان خصائصها، على تباعد الزمن وتباعد المكان، وتغاير الأفراد، إلا أن القانون واحد في كل زمن وفي كل مكان،(إن طلائع البعث الإسلامي التي تواجه الجاهلية الشاملة في الأرض كلها والتي تعاني الغربة في هذه الجاهلية والوحشة كما تعاني الأذى والمطاردة والتعذيب والتنكيل.. إن هذه الطلائع ينبغي أن تقف طويلاً أمام هذا الأمر الخطير، وأمام دلالته التي تستحق التدبر والتفكير! إن وجود البذرة المسلمة في الأرض شيء عظيم في ميزان الله تعالى.. شيء يستحق منه سبحانه أن يدمر الجاهلية وأرضها وعمرانها ومنشآتها وقواها ومدخراتها جميعاً كما يستحق منه سبحانه أن يكلأ هذه البذرة ويرعاها حتى تسلم وتنجو وترث الأرض وتعمرها من جديد! لقد كان نوح عليه السلام يصنع الفلك بأعين الله ووحيه، كما قال تعالى: «وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ» ..)()

وحينما تدرك هذه الطلائع تلك العاقبة وتدرك قبلها اتفاق السمات والخصائص، وتوافق الملامح والصفات، يأتيها شيء من برد اليقين، ورَوْحِ الإيمان وهدوء الاطمئنان إلى سلامة العاقبة، وحين تدرك تأييد الله (تعالى) للقلة العاملة وتغيير نواميس الكون لها بسننه الخارقة، توقن من نصر الله لها، وحمايته لبقائها.

تغيير نواميس الكون للقلة المؤمنة

وهذه القلة المؤمنة مرعية في عين الله (تعالى) وفي عنايته؛ إنها البقية الباقية التي تسعى لتعبيد الناس لله، وتهيئة الوجود لأرقى حالات الشهود، تتحمل ما تتحمل في سبيل تعريف الناس بربهم، وصلتهم به، ودلالتهم عليه، وهي من أجل ذلك استحقت أن تحظى برعاية الله (تعالى) وتأييده، فيغير لها النواميس ويخضع السنن الجارية في حقها للسنن الخارقة، فالكل مربوب لله رب العالمين، والمتأمل للقلة مع داوود يجد بوضوح هذا التغيير فداود قتل جالوت بمقلاع، بسيط، والعدد القليل الذي عبر النهر هو الذي تهيأت له الأسباب للغلب على الكثرة المغرورة، والقلة المؤمنة مع نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) هي التي تغير لها وبها الناموس الحاكم والسنن الجارية، فانتصروا في بدر وغيرها وهم لا يصلون إلى ثلثي عدد جيش عدوهم، والقلة المؤمنة مع نوح هي التي غير الله (تعالى) لها السنن الجارية فأرسل لها الطوفان، وحمله  على ذات ألواح ودسر، تجري بأعين الله تعالى جزاء لمن كان كفر، (إن عصر الخوارق لم يمض! فالخوارق تتم في كل لحظة- وفق مشيئة الله الطليقة- ولكن الله يستبدل بأنماط من الخوارق أنماطاَ أخرى، تلائم واقع كل فترة ومقتضياتها. وقد تدِق بعض الخوارق على بعض العقول فلا تدركها ولكن الموصولين بالله يرون يد الله دائماً، ويلابسون آثارها المبدعة. والذين يسلكون السبيل إلى الله ليس عليهم إلا أن يؤدوا واجبهم كاملاً، بكل ما في طاقتهم من جهد ثم يدَعوا الأمور لله في طمأنينة وثقة. وعند ما يُغلبون عليهم أن يلجأوا إلى الناصر المعين وأن يجأروا إليه كما جأر عبده الصالح نوح: «فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ، فَانْتَصِرْ» .. ثم ينتظروا فرج الله القريب. وانتظار الفرج من الله عبادة فهم على هذا الانتظار مأجورون.)()

مهمة القلة المؤمنة اليوم

ومهمة القلة المؤمن اليوم التي تسعى لإنهاض أمتنا على أسس ربانية في حاجة ماسة  لمعايشة هذه السنن تقف أمامها طويلا وترى كيف نصر الله القلة المؤمنة، خاصة وان العام العربي اليوم في حالة مخاض جديد يؤذن بميلاد عصر سعيد ورشيد، تعلو فيه كلمة الحق والعدل والحرية، سيما وقد عاش الناس عصورا من الخسف والتنكيل، والمسخ الفكري، والتيه التاريخي الممنهج وآن لها أن تعود إلى ربها وكتابه ومنهاجه والسعيد من وعظ بغيره، وقد بصر الله تعالى القلة المؤمنة الأولى مع النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) للوقوف والتذكر لتقارن بين حالين، وتبصر الفرق بين زمانين، زمان القلة والذلة، والهوان والامتهان، وزمان الإيواء والعناية، وعندما تقف القلة المعاصرة الرائدة بهذه النية، وهذا العزم وتبصر السابق وتنسج على منواله تنجو كما نجا، وتحيا عزيزة الجانب مرعية الجناب، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

المبحث الثاني

فقه صناعة القلة الرائدة وموقف الأمة منها

إذا تأملنا واقع المسلمين بين الماضي والحاضر، وموقفهم من سنة الله في القلة والكثرة، رأينا  أن وعي المسلمين بها وعنايتهم بأثرها، أو إهمالهم لها وعدم اهتمامهم بها هو الذي شكل محور الأساس وحجر الزاوية في فترات الانتصار أو الانكسار، فيوم أن وعى المسلمون – على ضوء مقاصد القرآن، وفلسفته للقلة والكثرة بل سنته فيها - يوم أن وعوا أثر القلة في الشهود الحضاري وقيمة هذا التضام والتجمع على مستوى العلماء والأمراء، والنخبة الفكرية والعلمية وعلى مصاف الساسة والحكام، والزهاد وأرباب السلوك، يوم أن عزوا وقدموا للبشرية - فضلا عن الإسلام أروع صور الحضارة، وأرقى نماذج الإنسان عندما يبدع ويبتكر في ضوء مقولات الوحي ومتطلبات السماء، ويوم أن أغفلوا  النظر إلى هذه السنة الماضية وأهملوا التعامل معها يوم أن أصبحوا غثاء كغثاء السيل أو هباء تذروه الرياح، فلا وزن في عالم الحضارة، ولا قيمة في دنيا الأرقام، ولا سبق في مجال العلم ولا ريادة في جانب الاجتماع، وكانوا هم من انطبقت عليهم السنة في القلة والكثرة كما انطبقت على غيرهم.( كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال)، سورة الرعد: من الآية:17 .

وإذا سألنا التاريخ عن فترات الشهود الحضاري للأمة المسلمة أخبرنا أنها تلك الفترات التي فهم المسلمون فيها أثر هذه القلة ومهمتها في الشهود الحضاري وإنهاض الأمة وقد بدا ذلك في عصور متتابعة، فيوم أن تصدر العلماء لإرشاد الأمة ونصح الأمراء بالكتاب والسنة يوم أن وصلت الأمة إلى مرحلة  مشهودة من التمكين، وإذا نظرنا إلى محنة ضياع الأقصى وكيف عاد إلى دوحة الإسلام وحصن المسلمين عرفنا مهمة  القلة من العلماء الرواد الذين تعاونوا مع الأمراء الحكماء في معركة حطين التي انتصر فيها صلاح الدين الأيوبي، عام 583هـ،  والتي لم تكن وليدة تراتيب إدارية وعسكرية فقط، بل تراتيب تربوية لنفوس الجيش والأمة وليس على مستوى المرحلة الزمنية للمعركة بل على تطاول أجيال متعاقبة في عهود زنكي ونور الدين ثم صلاح الدين، ( فإن عددا من الدعاة والعلماء قد وقفوا مع هؤلاء الأبطال الثلاثة – زنكي ونور الدين وصلاح الدين، - وكان على رأس هؤلاء المؤرخ بهاء الدين أبو المحاسن سورة يوسف بن شداد (539/632ه) ،والفقيه ضياء الدين عيسى بن محمد الهكاري (585هـ)، والمؤرخ المعروف عبد الله محمد الأصفهاني المعروف بالعماد الكاتب، (519/597ه/ 1125/1200م) الذي كان قلمه كما يصفه المؤرخون أشد وأنكى على الصليبيين من سيوف المجاهدين، إذ به  جمع صلاح الدين عساكر المسلمين، وبأسلوبه البليغ المؤثر ألف بين قلوبهم وحبب الاستشهاد إلى نفوسهم)().

ومَثَّل وعيُ العلماء وفقههم بمتطلبات الحضارة وإقرار شؤون الدولة ومصالح العباد ورعايتهم، جانبا مهما من علاقتهم بالأمراء ومدى تأثيرهم فيهم وسماعهم رأيهم،  فقد أشار القاضي الفاضل على صلاح الدين  بعد صلح الرملة (588ه) بتأجيل سورة الحج إلى سنة أخرى لأسباب عرضها عليه؛ مؤيدا إقناعه بفتوى دينية نصها : أن الانقطاع لكشف مظالم الخلق أهم من كل ما يتقرب به إلى الله)()

والمطالع لحقب التاريخ المتطاولة في حياة المسلمين يرى ريادة القلة والتكامل بينها وبين الأمة عن طريق قيادتها وتبصيرها، مما كان له أبعد الأثر في نهضة الأمة فالتكامل بين الساسة والدعاة في العصر المملوكي والعثماني كان له أثره البالغ في حضارة الأمة واستقرارها، كما لا يخفى على مطالع للتاريخ مدى التكامل بين أمراء المماليك والعلماء في مقاومة التتار، وإذا نظرنا إلى بلاد المغرب وبلاد الهند واستعرضنا مواقف العلماء والقلة الرائدة وأثرها بالأسماء والأرقام عرفنا مدى أثر الوعي بسنة القلة وريادتها في الشهود الحضاري.

ووجود هذه القلة الرائدة الآمرة بالمعرف الناهية عن المنكر الداعية إلى صراط الله المستقيم ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي ذاته؛ (فهذه الجماعة هي الوسط الذي يتنفس فيه هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية. هو الوسط الخير المتكافل المتعاون على دعوة الخير. المعروف فيه هو الخير والفضيلة والحق والعدل. والمنكر فيه هو الشر والرذيلة والباطل والظلم.. عمل الخير فيه أيسر من عمل الشر. والفضيلة فيه أقل تكاليف من الرذيلة. والحق فيه أقوى من الباطل. والعدل فيه أنفع من الظلم..

فاعل الخير فيه يجد على الخير أعوانا. وصانع الشر فيه يجد مقاومة وخذلاناً.. ومن هنا تبرز قيمة هذا التجمع.. إنه البيئة التي ينمو فيها الخير والحق بلا كبير جهد، لأن كل ما حوله وكل من حوله يعاونه. والتي لا ينمو فيها الشر والباطل إلا بعسر ومشقة، لأن كل ما حوله يعارضه ويقاومه...)()

كيفية صناعة القلة الرائدة

وإذا انتقلنا من التنظير إلى التطبيق ومن ميدان الكلام إلى ميدان العمل نستطيع أن نرصد في برمجة عملية وخطوات إجرائية كيفية صناعة القلة الرائدة التي ترود أمتها إلى الشهود الحضاري وأستاذية العالم كما أراد الله (تعالى) حين أخبر : (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)، سورة البقرة: من الآية: 143.

ويمكن أن نرصد بعض الخطوات العملية التي من شأنها أن تساعد في صناعة القلة الرائدة على النحو التالي:

  1. إدراك أهمية هذه القلة الرائدة، والقناعة العملية وليست الفكرية أو النظرية بمدى حاجة الأمة إلى ريادة حقيقية إن لم تكن على المستوى الرسمي من الحكومات والدول فلتكن على مستوى أصحاب الرأي والفكر والمعنيين بالهم الإسلامي العام، والمنشغلين به؛ فقد ثبت عمليا أن غياب الوعي وعدم الإدراك الحقيقي لمدى خطورة فراغ الأمة من قلة رائدة أثر تأثيرا مروعا في عدم بروز هذه القلة، وعدم العناية بها إذا برزت وبدا ذلك بصورة ملحوظة لافتة في عدم تفرغ كفايات علمية لحمل ما خلقت من أجله من وعي يكون أساسا للسعي، ومن ثم توعية الأمة برسالتها ومهمتها حسب طبيعة كل مرحلة من المراحل التي تمر بها والمكان الذي تشغله، فما يصلح في وقت قد لا يصلح في وقت آخر، وما ينفع في زمان قد لا ينفع في زمان آخر وما يفيد قوما قد لا يَفِيد منه آخرون، وقد حوت الشريعة الإسلامية من عوامل السعة والمرونة ما أثبت لدى البعيد قبل القريب صلاحيتها لكل زمان ومكان.

وهذه القناعة العملية الحقيقية ليست بالأمر السهل اليسير بل تحتاج إلى توطين النفس واكتشاف نقطة البداية؛ لأن معرفة مدى حاجة الأمة إلى قلة رائدة لها أثر تربوي وفكري وعلمي يستطيع أن يؤثر ولا يتأثر ويجذب ولا ينجذب أمر هام ومؤثر، واكتشاف نقطة البداية هذه له ما بعده من تكاليف ومشاق، (ولعل أعظم زيغنا وتنكبنا عن طريق التاريخ أننا نجهل النقطة التي منها نبدأ تاريخنا، ولعل أكبر أخطاء القادة أنهم يُسقطون من حسابهم هذه الملاحظة الاجتماعية ، ومن هنا تبدأ الكارثة، ويخرج قطارنا عن طريقه حيث يسير خبط عشواء، ولا عجب فإن كوارث التاريخ التي تحيد بالشعب عن طريقه ليست بشاذة)()  

  1. إعداد قيادات المستقبل، في ضوء النظرة الاستشرافية العامة التي تنورنا بها قضية السنن بصفة خاصة؛ فإن أوجب الواجبات لدارس السنن أن يَفيد منها، ويَفيد من تيارها ولا يصادمها، خاصة أن من خصائصها عدم التبدل أو التغير فإذا وعينا ثباتها واطرادها فلنَفد منها على ضوء خصائصها وسماتها، وقد ثبت سننيا من خلال عرض هذه السنة في القلة والكثرة أن الريادة لكل أمر لا تكون لعامة الناس ولا لجمهور البشر بل لفئة لها من الوعي ما يعينها على إحسان السعي، ولها من العلم ما ييسر لها إتقان العمل، وقد سبقنا الغرب في هذه الدراسات الاستشرافية والمستقبلية بصورة جعلته يَفيد من السنن وإن لم يُسندها إلى ربها ومجريها، لكن على عادة السنن أنها تعطي من يحسن التعامل معها دون تفريق بين مسلم وكافر، وتلك من خصائص السنن التي لا تتخلف، فرأينا الدراسات الرقمية والإحصائية التي تمهد لاتخاذ القرار الصحيح، وكثير من أعمالنا ارتجالي لحظي، لا يمهد له بدراسة ولا يبنى على معرفة متينة ومعلومة قوية، وهذا ما جعل أعمالنا تخضع إلى حد كبير لمفاجئات القدر، مع أننا أولى الناس بالوعي بالسنن فكل شيء في ديننا (بحسسبان)،وبـ (تقدير العزيز العليم) عبادةً ومعاملةً، وفرائض وسننا، وهناك تلازميات بين الفرائض والسنن ومواقعها في خريطة العمل الإسلامي.

والناظر في منهجية القرآن الكريم يجد أنه عني بالنظرة المستقبلية حتى في العهد المكي الذي بدا فيه للناظر المتأمل معاناة المسلمين فيه، لكن القرآن الذي هو كلمة الله الخاتمة للبشرية يهيئ الأمة المسلمة لتكون رائدة ميدان وفارسة مضمار،  فهو منذ البداية (يوجه أنظار المسلمين إلى الغد المأمول، والمستقبل المرتجى، ويبين لهم أن الفلك يتحرك، والعالم يتغير، والأحوال تتحول، فالمهزوم قد ينتصر، والمنتصر قد يهزم، والضعيف قد يقوى، والدوائر تدور، سواء أكان ذلك على المستوى المحلي أم العالمي، وعلى المسلمين أن يهيئوا ويرتبوا بيتهم لما يتمخض عنه الغد القريب أو البعيد)().

والمتأمل لسورة القمر مثلاً ورصدها المركز لغزوة بدر يجد مدى عناية القرآن الكريم بالنظرة المستقبلية، وإرشادها المسلمين لما سيكون بعد سنين، فما بان معنى قوله (تعالى): (سيهزم الجمع ويولون الدبر )، سورة القمر:45.لعمر بن الخطاب  وقت نزولها وما فهمها إلا يوم بدر حين رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، يثب في الدرع ويتلوها، ()

والمتأمل لصدر سورة الروم في قوله تعالى: (الم (1) غُلِبَتِ سورة الروم (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7))سورة الروم:1/7.

يجد مدى حرص القرآن الكريم على توعية المسلمين بما يدور حولهم من أحداث، يترتب عليها كثير مما يخصهم، ويظهر منها أمران:(الأول: مدى وعي المجموعة المسلمة_ على قلتها وضعفها المادي _ بأحداث العالم الكبرى، وصراع العمالقة من حولها، وأثره عليها إيجابا وسلبا. الثاني: تسجيل القرآن لهذه الأحداث، وتوجيه النظر إلى عوامل التغير، والانتقال من الواقع إلى المتوقع في ضوء السنن.)()

  1. إعداد محاضن علمية خاصة بتكوين القادة، على مستوى العلوم الشرعية والاجتماعية والسياسية وتشرف عليها هيئة عالمية، تستقل ماليا وإداريا عن رعاية دولة بعينها؛ حتى تكون حرة الإرادة، قادرة على الاستقلال العلمي والعملي كما يفاد في ذلك من الخبرات العلمية العالمية التي تملأ أصقاع العالم الإسلامي  وتوضع لم برامج تربوية وعلمية وعملية تؤهلهم للقيام بالمهمة المنوطة بهم في قيادة الأمة وإرشادها، والأمة غنية بفضل الله تعالى بالعقول التي تحتاج من يفيد منها والطاقات المؤهلة للقيام بهذه المهمة.
  2. الإفادة من المحاضن العلمية القائمة كل في مجال تخصصه لتكون رافدا من الروافد المهمة في تزويد  المجتمع بما يتطلبه من رموز علمية وقيادية تتحمل المهمة أو جزءا منها.
  3. تفعيل دور العلم الكبرى  كالأزهر والزيتونة  والقرويين والأموي والجامعة الإسلامية ودار العلوم  بالهند وغيرها، لتقوم بمهمتها الرسمية والخروج بها من حالة الجمود والهمود إلى حالة  الوعي الحقيقي والسعي الجاد لإخراج الأمة من وهدتها والسير بها قدما إلى مصاف الريادة الحضارية،
  4. تفعيل الوقف الإسلامي ورصد قدر مناسب منه لمثل هذا البناء البشري المتين ، فلا أولى به منه، ولا أحوج إلى الوقف من هذا المشروع الذي يبني أمة، ويمهد لجيل تتبعه أجيال، ودعوة أهل الفضل إلى المشاركة في هذا الهم العام الذي له ما بعده من  تبصير الأمة برسالتها وتحميلها بمهمتها،
  5. توظيف القدر المتاح من الإعلام المسلم لخدمة هذا المشروع الريادي، يمهد له ويعلن عنه، ويغري الناس بما له من أثر وفضل، ويساعد في توعية الأمة بخطورة خلوها من هذه القلة الرائدة، وتوعية هذه القلة بمهمتها عبر وسائله الجاذبة والمؤثرة، والتي أثبتت تجربة الأيام أن أثره لا ينكر بل لا يقاوم في الخير والشر،  وهذا ما عبر عنه الطيب برغوث في دراسته المتميزة عن سنن الصيرورة والاستخلاف في ضوء التدافع والتجدد الحضاري في حديثه عن خصائص ومقومات التجدد الحضاري بقوله: (الشرط الثاني في الفعل التجديدي وهو وصل الحاضر بالعصر، خاصة إذا كانت الأمة في وضع المستضعف أو المتطلع على الانعتاق من التخلف والتبعية والاستضعاف، حيث يتحتم عليها التواصل البصير مع ثقافة العصر وحضارته؛ استفادة من معطياته وخبراته، وفهما لاتجاهاته ومجالات وآليات الصراع فيه، وارتقاء إلى مستوى التفاعل الواعي معه أو الفعل الإيجابي فيه كلما أمكن ذلك.)()
  6. استكتاب العقول الرائدة وأصحاب التجارب والخبرات الناجحة في هذا الميدان من تربويين وشرعيين واجتماعيين وإصلاحيين وكل من له شغل بالهم الإسلامي العام ليقدم تصوره في مجاله، ونتاج خبرته موثقا، وفي الأمة من الخبرات المتناثرة والعقول المهاجرة ما يكفي ويغني إذا صحت العزيمة وسلمت النوايا ويسرت السبل.

وهذا عينه ما تنبه له شيخنا الشيخ الصادق عرجون في كتابه النافع والماتع (سنن الله في المجتمع من خلال القرآن الكريم)، حين تسائل - بعد رحلة علمية قوية مؤصلة- عن المخرج لما فيه المسلمون اليوم وقد وضح الصبح لذي عينين، وبان النهار لذي باصرين، وخلص إلى وجوب أن تكون هناك (دراسة تحليلية تصف الداء في لطف لا يزعج المريض، وتضع أمام الدواء، وذلك في خطة إيجابية يسجلها العلماء ورواد الإصلاح الإسلامي مكتوبة في هدوء الحق، ترفع إلى المسئولين عن التنفيذ في جميع الأوطان الإسلامية تذاع في رفق بين سائر المسلمين ليفهموا داءهم ودواءهم، وعلى العلماء في صورة جماعية يحققها موسم الحج -وهو المؤتمر الذي أمر الله بعقده- أن يتابعوا السعي وراء هذه الخطة  ليتعرفوا العقبات التي تقف دون تطبيقها عمليا، والمشاكل التي تعترضها، ليشاركوا في حلها حلا لا يهدم بناء دون أن يقيم على أرضه بناء يقوم مقامه وعلى أسس من القرآن الكريم العظيم، ويجب أن تكون الحلول في مستوى واقع الأمة الإسلامية، فلا تحلق في سماء الخيال وتنسى أزمات الأمة)()

وقد قدم الشيخ رحمه الله هذه الدراسة السننية الراقية وهذا الاقتراح إلى رابطة العالم الإسلامي وما زال أمله وأملنا معقودا - بعد الله -في الرابطة وكل رابطة تتقدم لحمل العبء وترود الناس إلى مكان الصدارة والقيادة.

  1. استدعاء تراثنا الحي ليعيش معنا هذه الدورة الحضارية التي تكتب من جديد حسب التغير السنني في الكون والحياة، وحسب قانون التداول الحضاري الذي رصده القرآن الكريم وعني بتأكيده، ونرتشف منه تجارب القرون الماضية التي ثبت على مدار التاريخ ريادتها وقيادتها لنهضات ظلت قرونا مشاعل نور ومنارات هدى يفيء إليها الناس من شرق وغرب.

(ولا يخفى أن أي خلل في علاقة الحاضر بالتراث الحضاري للأمة، سيجعل حركة التجديد تمتد في فراغ، وستجد نفسها بعد فتور حماسة البداية، وكأنها تتحرك في مكانها، إن لم تتقهقر إلى الوراء؛ لأنها لا تجد السند الفكري والنفسي والاجتماعي الذي يمنحها مبررات الاستمرارية، ويضمن لها حيوية التجدد والاندفاع، ويقيها مخاطر التذبذب والتأرجح بين التيارات الفكرية والكتل الحضارية المتدافعة، الذي قد يفقدها هويتا ويمسخها خلقا اجتماعيا آخر!

ويكفي في هذا السياق استحضار مسار ومآلات تجربة النهضة الحديثة في العالم الإسلامي، وعجزها عن حل معادلة التواصل الأصيل مع الذات، وما نجم عن ذلك من ازدواجية وتذبذب واهتلاك وهدر للإمكانات والإرادات الحضارية للأمة، ومضاعفة لهمومها، ومباعدة بينها وبين طموحاتها.. للتأكد فعلا كيف مسخت هذه النهضة مسخا، وأفرغت من محتواها الحضاري الأصيل! ومن هنا فإن الشرط الأساس الأول في الفعل التجديديي، هو وصل الحاضر بالماضي وصلا واعيا، عن طريق استيعاب ثوابت الخبرة الذاتية للأمة، وتمثل روحها واستصحابها إلى الحاضر، وإدماجها في العصر باستمرار)()

  1. استلهام حركات الإصلاح والتجديد في العصور السابقة

فلكل فضل السبق وبداية الشرارة، على تطاول الرقعة المكانية والزمانية نفيد من كلٍ ما يناسب عصرنا ويزهي حياتنا فقد كانت وما زالت عند كثير من المنصفين زادا حقيقيا يغري  بالتقدم والريادة، وقد قال غوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب(...إن جامعات الغرب لم تعرف لها مدة خمسة قرون موردا علميا سوى مؤلفاتهم - أي: المسلمين- وإنهم هم الذين مدنوا أوربة مادة وعقلا وأخلاقا، وإن التاريخ لم يعر أمة أنتجت ما أنتجوه في وقت قصير، وإنهم لم يفقهم قوم في الإبداع الفني)  ويقول: (كان تأثير العرب في القطار التي فتحوها عظيما جداً في الحضارة، ولعل فرنسة كانت أقل حظا منهم، فقد رأينا البلاد تتبدل صورتها حينما يخفق علم الرسول الذي أظلها بأسرع ما يمكن، ازدرت فيها  العلوم والفنون والزراعة أي ازدهار... ولم يقتصر العرب على ترقية العلوم بما اكتشفوه، فالعرب قد نشروها كذلك بما أقاموا من الجامعات وما ألفوا من الكتب، فكان لهم الأثر البالغ في أوربة من هذه الناحية، ولقد كان العرب أساتذة للأمم المسيحية عدة قرون، وإننا لم نطلع على علوم القدماء وسورة الرومان إلا بفضل العرب، وإن التعليم في جامعاتنا لم يستغن عما نقل على لغاتنا من لغات العرب)()، والمتابع لقصة الحضارة لوول ديورانت يجد من هذه الأمثلة الشيء الكثير.

  1. الإنسان قبل البنيان والساجد قبل المساجد

من الخطوات العملية التي يجب على المعنيين بمستقبل الأمة في ضوء علم السنن أو علم الاستشراف  وما يسميه بعضهم علم الاستراتيجية ،أن يكون اهتمام المؤسسات السابقة والجهات المهتمة بهذا الشأن منصبا على الإنسان أولا قبل المناهج  والأدوات والوسائل، كما نرى في واقع المسلمين الآن؛ فالإنسان قبل البنيان، والساجد قبل المساجد، ولعل الجد في تلك النظرة إلى الإنسان هو محور الأساس في النجاح والنصر والتمكين، فما يفيد إذا وفرنا مؤسسات تصفر فيها الريح بلا عقول قادرة على إدارتها وملئها بما تحتاجه الأمة من أفكار ورؤى، وما يفيد إذا عددنا من علامات نجاحنا أننا أسسنا من الهيئات والمؤسسات كذا وكذا دون أن يكون لدينا القدرة على الحشد الإنساني، والانتخاب البشري، الذي يزين هذه البنايات الضخمة والصروح الفخمة، كما قال أبو الطيب في بيته الرائد:

     وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا      إذا لم يكن فوق الكرام كرام()

والمتأمل للقلة الرائدة التي رباها رسول الله (صلى الله علي وسلم)، يجد اهتمامه بالإنسان قبل أي شيء آخر، فانتصر بهم حين أخرجهم من بداة جفاة إلى رادة وقادة، يعلمون الدنيا معنى الحضارة والمدنية، ويبعثون في نفوسهم معنى العزة والكرامة، وما موقف ربعي بن عامر وحديثه عنا ببعيد،.

فهذا هو مؤشر النصر الحقيقي في تكوين القادة الرادة الذين يقولون في حزم، ويعملون في عزم شأن الجيل القرآني الفريد الذي رباه الرسول (صلى الله عليه وسلم)، بهذه المنهجية القرآنية، وكان مؤشرا من مؤشرات انتصاره، فلقد انتصر (صلى الله عليه وسلم) (يوم أن صنع أصحابه رضوان الله عليهم صورا حية من إيمانه، تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، يوم صاغ من كل فرد نموذجا مجسما للإسلام، يراه الناس فيرون الإسلام، إن النصوص وحدها لا تصنع شيئا، وإن المصحف وحده لا يعمل حتى يكون رجلا، وإن المبادئ وحدها لا تعيش إلا أن تكون سلوكا، ومن ثم جعل محمد (صلى الله عليه وسلم) هدفه الأول أن يصنع رجالاً لا أن يلقي مواعظ، وأن يصوغ ضمائر لا أن يدبج خطبا، وأن يبني أمة لا أن يقيم فلسفة، أما الفكرة ذاتها فقد تكفل بها القرآن الكريم، وكان عمل محمد أن يحول الفكرة المجردة إلى رجال تلمسهم الأيدي وتراهم العيون،...ولقد انتصر محمد بن عبد الله يوم صاغ من فكرة الإسلام شخوصاً، وحول إيمانهم بالإسلام عملاً، وطبع من المصحف عشرات من النسخ  ثم مئات وألوفا، ولكنه لم يطبعها بالمداد على صحائف الورق، إنما طبعها بالنور على صحائف من القلوب، وأطلقها تتعامل مع الناس وتأخذ منهم وتعطي، وتقول بالفعل والعمل ما هو الإسلام الذي جاء به محمد بن عبد الله من عند الله.)()

وهذا ما يصرخ به علامة الهند الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه الماتع (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) ،بعد ما شخص الداء ووصفه وصف الطبيب الماهر كأنه يحيا بين ظهراني العرب غدوا ورواحا، فالمهم لديه بل(المهم الأهم لقادة العالم الإسلامي وجمعياته وهيئاته الدينية وللدول الإسلامية غرس الإيمان في  قلوب المسلمين، وإشعال العاطفة الدينية، ونشر الدعوة إلى الله ورسوله، والإيمان بالآخرة على منهاج الدعوة الإسلامية الأولى، لا تدخر في ذلك وسعا، وتستخدم لذلك جميع الوسائل القديمة والحديثة، وطرق النشر والتعليم، كتجوال الدعاة في القرى والمدن، وتنظيم الخطب والدروس، ونشر الكتب والمقالات، ومدارسة كتب السيرة، وأخبار الصحابة، وكتب المغازي والفتوح الإسلامية، وأخبار أبطال الإسلام وشهدائه، ومذاكرة أبواب الجهاد، وفضائل الشهداء)().

  1. دقة الانتخاب ومهارة الاختيار  

كما لا يفوتنا التنبيه على أهمية مصداقية الاختيار، ودقة الفرز لهذه القلة الرائدة، فما كل من تلقاه يصلح لها، ولا كل فصيح يصيح، ولا كل من يصيح قادر على الريادة والقيادة، فميدان الكلام غير ميدان العمل، وميدان العمل غير ميدان الجاد، وميدان الجهاد غير ميدان الجهاد المنتج الفاعل المؤثر، فتختار لهذا المشروع الضخم (مجموعة من النوابغ المخلصين الذين تتوافر فيهم الصفات العقلية والنفسية والإيمانية والسلوكية، وأن يزكيهم عدد من الشخصيات المعروفة، البصيرة بخصائص الرجال، وأن يعقد لهم بعض الاختبارات المتنوعة تحريرية وشفهية، ويحسن أن يكونوا في معهد يتعايشون فيه ويحيون حياة ربانية، علمية دعوية أخوية جهادية)()   

ومن خلال هذا  الحشد لنوعيات خاصة يمكن أن يختار من بين هؤلاء من يصلح بعد التجربة والاختبار، خاصة بعد الرصد الراقب والمتابعة الواعية من تلمع فيه صفات الريادة والقيادة، وهذا لا يأتي من خلال الجمع العشوائي بل بعد انتخاب أفضل العناصر المؤهلة ثم فرزها ليتميز منهم من يتميز، وساعتها يتقدم الخبير المجرب الميداني ليختار على بصيرة ووعي، و(لن تخطئ عينك الرائد أبداً، ولعلك تصادف فتى من ناشئة الدعوة لم يبلغ مبلغ الرجال، فتدرك أنه لها، وليس هو بالذي يميز مقدمات الدعوة بعد...أول ما تقع عليه عينك، ومن النظرة الأولى تقول: هذا مبتغاي. ولمثل هذا نفتش عن منهجية التربية، ونحاول تلمس المدارج التي تأخذ به صعدا. لو كانت مجرد صيحة لتركنا كل فصيح يصيح، لكنه علم الدعوة يقول: لا، ليس هو الصياح، ولا مجرد العواطف، ولا قفزات المستعجل، إنما هي أنغام الحداء التي تقود القوافل فتوصلها، ولابد أن نُعلم كل فصيح هذه الصنعة.

في الأنغام تجانس وتوافق، وجمال وتناسب، وتدرج واستمرار، من الصفات المتماثلات، ولكن فيها أيضاً من النقائض: السرعة والسكون، والرتابة والتجديد، والعلو والهبوط، وكل هذا التماثل والتناقض لازم لتربية الرائد، فمتماثلاته تؤدي به إلى استواء النفس، ووحدة الفكر واتساقه، ومنهجية السير، والثبات على الارتباط بالمنطلقات الإيمانية الأساسية، وتناقضاته تمكنه من التكيف مع الظرف، والمرونة إزاء المفاجأة، وإتقان التملص والإفلات و الفر إذا لم يُتَح له الاقتحام ومواصلة الكر.)()

  1. ولا يفوتنا هنا أن نغري القائمين بصناعة القلة بإدامة النظر في تاريخ المصلحين المجددين، كالأفغاني ومحمد عبده، ومحمد بن عبد الوهاب ورشيد رضا، والسنوسي، الإدريسي والبشير  الإبراهيمي،  وابن باديس، وبديع الزمان   النورسي، وأورانك ذيب ، وأحمد السرهندي، والبنا، والمودودي، والندوي، وغيرهم مما يزخر بهم تاريخنا الحديث والمعاصر، والله وحد بيده مقاليد الأمور، وإليه يرجع الأمر كله.
  2. أما عن المنهج والمحتوى، فهو واضح وضوح الشمس بيِّنٌ بيانَ الدليل الساطع، والبرهان القاطع، هو نفس المنهج الذي اختاره الله للبشرية، كلها، منهج يجمع بين متطلبات العصر وضرورات الواقع، المنهج المتكامل الشامل لكل جنبات الحياة، فلا يتضخم فيه شيء على حساب آخر، ولا يضمر فيه معنى تحيفا أو انتقاصا، (وهو نفس المنهج الذي أخرج من متاهات الجاهلية خير أمة أخرجت للناس، والذي يملك أن يخرج في كل زمان ومكان الجيل القائم على الحق، المجاهد من أجله، الذي لا يضره من خالفه حتى يأتي أمر الله)()
  3. الانتقال من طور الكلام والتنظير إلى طور العمل والبناء

فقد ثبت واقعا، أن ميدان الكلام غير ميدان العمل وميدان العمل غير ميدان العمل المنتج البناء، وسيظل الناس وقوفا حتى يقرنوا بين الكلام والعمل،(إن أصحاب الأقلام  يستطيعون أن يصنعوا شيئا كثيرا، ولكن بشرط واحد: أن يموتوا هم لتعيش أفكارهم، أن يطعموا أفكارهم من لحومهم ودمائهم، فداء لكلمة الحق، أن يقولوا ما يعتقدون أنه الحق، إن أفكارنا وكلماتنا تظل جثثا هامدة، حتى إذا متنا في سبيلها أو غذيناها بالدماء، انتفضت حية، وعاشت بين الأحياء....والكلمة ذاتها – مهما تكن مخلصة وخالقة- فإنها لا تستطيع أن تفعل شيئا، قبل أن تستحيل حركة، وأن تتقمص إنسانا، الناس هم الكلمات الحية التي تؤدي معانيها أبلغ أداء، إن الفارق الأساسي بين العقائد والفلسفات ، إن العقيدة كلمة حية تعمل في كيان إنسان، ويعمل على تحقيقها إنسان، أما الفلسفة فهي كلمة ميتة، مجردة من اللحم والدم، تعيش في ذهن، وتبقى باردة ساكنة هناك  )()

وهذا هو السبيل الوحيد الذي ينقل الكلام من ميدان الترف العلمي والسرف الثقافي إلى ميدان الإنتاج الفاعل البناء، ومن ميدان القول إلى ميدان التطبيق العملي الذي يأخذ بيد البشرية إلى مراقي الصعود والكمال البشري.

 

(فإذا أراد العالم الإسلامي أن يستأنف حياته، ويتحرر من رق غيره، وإذا كان يطمح إلى القيادة، فلابد إذن من الاستقلال التعليمي، بل لابد من الزعامة العلمية، وما هي بالأمر الهين ؛ إنها تحتاج إلى تفكير عميق، وحركة التدوين والتأليف الواسعة، وخبرة إلى درجة التحقيق والنقد بعلوم العصر، مع التشبع بروح الإسلام، والإيمان الراسخ بأصوله وتعاليمه، إنها لمهمة تنوء بالعصبة أولي القوة، إنما هي من شأن الحكومات الإسلامية، فتنظم لذلك جمعيات، وتختار لها أساتذة بارعين في كل فن، فيضعون منهاجا تعليميا، يجمع بين محكمات الكتاب والسنة، وحقائق الدين التي لا تتبدل وبين العلوم العصرية النافعة والتجربة والاختيار، ويدونون العلوم العصرية للشباب الإسلامي على أساس الإسلام وبروح الإسلام، وفيها كل ما يحتاج إليه النشء الجديد، مما ينظمون به حياتهم، ويحافظون به على كيانهم، ويستغنون به عن الغرب، ويستعدون به للحرب، ويستخرجون به كنوز أرضهم، وينتفعون بخيرات بلادهم، وينظمون مالية البلاد الإسلامية، ويديرون حكوماته على تعاليم الإسلام، بحيث يظهر فضل النظام الإسلامي في إدارة البلاد وتنظيم الشئون المالية عن النظم الأوربية، وتنحل مشاكل اقتصادية عجزت أوربا عن حلها، وبالاستعداد الروحي، والاستعداد الصناعي والحربي والاستقلال التعليمي ينهض العالم الإسلامي، ويؤدي رسالته، وينقذ العالم من الانهيار الذي يهدده، فليست القيادة بالهزل، إنما هي جد الجد، فتحتاج إلى جد واجتهاد، وكفاح وجهاد، واستعداد أي استعداد

     كل امرئ يجري إلى          يوم الهياج بما استعدا)()

إننا أمة تملك من مقومات البقاء والنماء ما لا يتوفر لغيرها من الأمم، فقط نحتاج أن ندرك رسالتنا ونعرف غايتنا، ونمضي بعزم إلى هدفنا بعد وضوح الغاية واستبانة الطريق، وقد رصد الله تعالى لأمتنا من عوامل البقاء والنماء ما يمدها بمصادر القوة ويمنحها ديمومة الحياة؛ لأنها الأمة الخاتمة، صاحبة الرسالة الأخيرة، والحضارة العالمية، والمنهج الوسط الذي يجمع بين مقولات الدين ومتطلبات الحياة.










الخاتمة أسأل الله حسنها

وبعد هذه الرحلة مع سنة من سنن الله (تعالى) وفي ضوء كتابه الكريم، دستور البشرية وهاديها، ومرشدها إلى نفعها وخيرها وحاديها، عرفنا من خلالها مفهوم سنة الله (تعالى) في القلة والكثرة، تتبعنا معنى القلة والكثرة لغة وقرآنا وبان من خلال هذا التتبع مدى التوافق والتطابق بين اللغة ومضامين القرآن الكريم، كما بان من خلال التتبع صفات القلة المحمودة ومدى وعي المسلمين الحريصين على الشهود الحضاري بها والحرص على التحلي بصفاتها، وأن خيطا رفيعا يربط بين القلة المحمودة على تطاول الزمان والمكان، من لدن نوح وسورة هود إلى محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى القلة في العصر الحديث، والصحوة الإسلامية المعاصرة، كما بان صفات القلة المذمومة ومدى أثرها في فقدان خصائص القلة الحقيقية، ومدى السننية في الأولى والثانية.

كما اتضح من خلال المعايشة صفات الكثرة المحمودة وكيف يَفيد منها المسلمون في عصرهم الحاضر، وصفات الكثرة المذمومة وكيف يتقيها من يرغب في الصلاح والفلاح، والسننية المطردة في ذلك.

كما اتضح مدى حاجة المسلمين إلى الوعي بهذه السنة خاصة والسنن عامة، استشرافا إلى مستقبل يكون رائدا كما أراد الله (عز وجل)، وبان موقف المسلمين من سنة الله في القلة والكثرة، وريادة القلة العاملة وأثرها في الشهود الحضاري للأمة المسلمة، وأن صناعة هذه القلة بات من الواجبات المتحتمة على الأمة المسلمة أفرادا وجماعات وشعوبا وحكومات ويزداد التحتم على قدر الوعي بمدى خطورة فقد القلة الرائدة، وأن صناعة هذه القلة ليس من المستحيل بل العالم كله من حولنا يمضي بهذه المنهجية التي سبق القرآنُ بها ودعا إليها وأكدها، وأن غياب الحكومات الراعية لمثل ذلك لا يعفي النخبة المثقفة والقيادة الفكرية من المسؤولية والمسائلة أمام الله والتاريخ.

والله وحده بيده مقاليد الأمور وهو وحده المستعان وعليه التكلان.

 

الفقير إلى عفو ربه والمنسلخ من حوله وطوله وقوته واللائذ بحول الله وطوله وقوته

رمضان خميس زكي الغريب

حائل/ المملكة العربية السعودية

في الخامس من شهر ربيع الأول عام 1433ه

الثامن والعشرين من يناير 2012م

أهم المصادر والمراجع

أولاً: القرآن الكريم.

ثانياً:

  1. الإتقان في علوم القرآن: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة: 1394هـ/ 1974 م.
  2. أساس البلاغة: أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى: 538هـ)،تحقيق: محمد باسل عيون السود، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1419 هـ - 1998 م
  3. أنوار التنزيل وأسرار التأويل: ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي (المتوفى: 685هـ)،المحقق: محمد عبد الرحمن المرعشلي، الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الأولى - 1418 هـ
  4. أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير: جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري، الناشر: مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الخامسة، 1424هـ/2003م
  5. بحر العلوم: أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي (المتوفى: 373هـ).
  6.  البحر المحيط في التفسير: أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي (المتوفى: 745هـ)،المحقق: صدقي محمد جميل، الناشر: دار الفكر – بيروت، الطبعة: 1420 هـ.
  7. البحر المديد في تفسير القرآن المجيد: أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة ،لحسني الأنجري الفاسي الصوفي (المتوفى: 1224هـ)،المحقق: أحمد عبد الله القرشي رسلان، الناشر: الدكتور حسن عباس زكي – القاهرة، الطبعة: 1419 هـ.
  8. البرهان في علوم القرآن: المؤلف: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (المتوفى: 794هـ)،المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة: الأولى، 1376 هـ - 1957 م، الناشر: دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه.
  9. المسلمون من التبعية والفتنة إلى القيادة والتمكين، د عبد الحليم عويس، 114،ط: مكتبة العبيكان، ط أولى 1427هـ ، 2006م.
  10. أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، د. يوسف القرضاوي، ط: مكتبة وهبة.
  11. بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز: المؤلف: مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى (المتوفى: 817هـ)،المحقق: محمد علي النجار، الناشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة،.
  12. التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»: محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى 1393هـ)،الناشر: الدار التونسية للنشر– تونس، سنة النشر: 1984 هـ
  13.  تفسير ابن فورك من أول سورة المؤمنون - آخر سورة السجدة: محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني، أبو بكر (المتوفى: 406هـ)،دراسة وتحقيق: مجموعة من الباحثين، الناشر: جامعة أم القرى - المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى: 1430 - 2009 م.
  14. تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم: أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (المتوفى: 982هـ)،الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت
  15. التفسير الحديث [مرتب حسب ترتيب النزول]: محمد عزت دروزة: الناشر: دار إحياء الكتب العربية – القاهرة، الطبعة: 1383 هـ.
  16. تفسير الشعراوي – الخواطر: محمد متولي الشعراوي (المتوفى: 1418هـ)،الناشر: مطابع أخبار اليوم، (ليس على الكتاب الأصل - المطبوع - أي بيانات عن رقم الطبعة أو غيره، غير أن رقم الإيداع يوضح أنه نشر عام 1997 م)
  17. تفسير القرآن العزيز: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)،المحقق: أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز، الناشر: الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة، الطبعة: الأولى، 1423هـ - 2002م
  18. تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم: أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، الحنظلي، الرازي ابن أبي حاتم (المتوفى: 327هـ)، أسعد محمد الطيب، الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثالثة - 1419 هـ
  19. تفسير القرآن العظيم: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)،المحقق: سامي بن محمد سلامة، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية 1420هـ - 1999 م.
  20. تفسير القرآن: أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)،المحقق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم، الناشر: دار الوطن، الرياض – السعودية، الطبعة: الأولى، 1418هـ- 1997م
  21. تفسير الماوردي = النكت والعيون: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)،المحقق: السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان.
  22. تفسير المراغي: أحمد بن مصطفى المراغي (المتوفى: 1371هـ)،الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة: الأولى، 1365 هـ - 1946 م
  23. التفسير المظهري: المظهري، محمد ثناء الله، المحقق: غلام نبي التونسي، الناشر: مكتبة الرشدية، الباكستان، الطبعة: 1412 هـ.
  24. تفسير مجاهد: أبو الحجاج مجاهد بن جبر التابعي المكي القرشي المخزومي (المتوفى: 104هـ)،المحقق: الدكتور محمد عبد السلام أبو النيل، الناشر: دار الفكر الإسلامي الحديثة، مصر، الطبعة: الأولى، 1410 هـ - 1989 م
  25. تفسير مقاتل بن سليمان: أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي البلخى (المتوفى: 150هـ)،المحقق: عبد الله محمود شحاته، الناشر: دار إحياء التراث – بيروت، الطبعة: الأولى - 1423 هـ.
  26. تهذيب اللغة، المؤلف: محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (المتوفى: 370هـ)،المحقق: محمد عوض مرعب، الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الأولى، 2001م
  27. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (المتوفى: 1376هـ)،المحقق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى 1420هـ -2000 م.
  28. جامع البيان في تأويل القرآن: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)،المحقق: أحمد محمد شاكر، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 2000 م
  29. الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه = صحيح البخاري، المؤلف: محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)،الطبعة: الأولى، 1422هـ
  30.  الجامع لأحكام القرآن، تفسير القرطبي: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى : 671هـ)،ت حقيق : أحمد البردوني إبراهيم أطفيش، الناشر : دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة : الثانية ، 1384هـ - 1964 م،
  31. جمهرة الأمثال: أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري (المتوفى: نحو 395هـ)،الناشر: دار الفكر – بيروت

الجواهر الحسان في تفسير القرآن: أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي ،المتوفى: 875هـ)،المحقق: الشيخ محمد علي معوض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة:الأولى - 1418 هـ.  

  1. حتى يغيروا ما بأنفسهم، جودت سعيد، ط الثالثة، 1397هـ،1977م.
  2. خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب: عبد القادر بن عمر البغدادي (المتوفى: 1093هـ)،تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة: الرابعة، 1418 هـ - 1997 م.
  3. دراسات إسلامية، للأستاذ سيد قطب، ط: دار الشروق، 1393 هـ / 1973م .
  4. الدر المنثور: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)،الناشر: دار الفكر – بيروت.
  5. ديوان المتنبي ط: دار الزهراء، بيروت لبنان،عناية د عبد الوهاب عزام رحمه الله.
  6. روح البيان: إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي ، المولى أبو الفداء (المتوفى: 1127هـ)،الناشر: دار الفكر – بيروت.
  7. زاد المسير في علم التفسير: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)،المحقق: عبد الرزاق المهدي، الناشر: دار الكتاب العربي – بيروت،الطبعة: الأولى - 1422 هـ
  8.  سنن ابن ماجه، المؤلف: ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، وماجة اسم أبيه يزيد (المتوفى: 273هـ)،تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء الكتب العربية - فيصل عيسى البابي الحلبي.
  9. سنن أبي داود ،المؤلف: أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)،المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: المكتبة العصرية، صيدا – بيروت،
  10.  سنن الترمذي، المؤلف: محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (المتوفى: 279هـ)،تحقيق وتعليق:،أحمد محمد شاكر وآخرين الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر، الطبعة: الثانية، 1395 هـ - 1975 م.
  11. سنن الله في المجتمع، الدار السعودية للنشر والتوزيع، للعلامة محمد الصادق عرجون، ط الثالثة،1404/ 1984م
  12. شرح ديوان أبي تمام  للتبريزي، ط:دار الكتاب العربي، ط الثانية،1414ه،1994م.
  13. شروط النهضة،  مالك بن نبي: 47،ط: دار الفكر1399ه ،1979م.
  14. الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي (المتوفى: 393هـ)،تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، الناشر: دار العلم للملايين – بيروت، الطبعة: الرابعة 1407 هـ‍ - 1987 م.
  15. صناعة الحياة، لمحمد أحمد الراشد ، ط:دار المحراب.
  16.  العقد الفريد: أبو عمر، شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه ابن حبيب ابن حدير بن سالم المعروف بابن عبد ربه الأندلسي (المتوفى: 328هـ)،الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى، 1404 هـ.
  17. فضائح الفتن، لمحمد أحمد الراشد، ط: دار المحراب.
  18.  المدخل إلى التفسير الموضوعي، لأستاذنا د عبد الستار فتح الله سعيد ط:دار التوزيع والنشر الإسلامية، ط الثانية،1411ه،1991م.
  19. غرائب القرآن ورغائب الفرقان: نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري (المتوفى: 850هـ)،المحقق: الشيخ زكريا عميرات، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى - 1416 هـ.
  20. الفروق اللغوية: أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري (المتوفى: نحو 395هـ)،حققه وعلق عليه: محمد إبراهيم سليم، الناشر: دار العلم والثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة – مصر.
  21. في ظلال القرآن: سيد قطب إبراهيم حسين الشاربي (المتوفى: 1385هـ)،الناشر: دار الشروق - بيروت- القاهرة،الطبعة: السابعة عشر - 1412 هـ
  22. القراءات العشر المتواترة، بهامش المصحف الكريم، محمد علي كريم، ط: دار المهاجر، المدينة المنورة، ط: الثالثة،1414هـ، 1994م.
  23. الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى: 538هـ)،الناشر: دار الكتاب العربي – بيروت، الطبعة: الثالثة - 1407 هـ، الكتاب مذيل بحاشية (الانتصاف فيما تضمنه الكشاف) لابن المنير الإسكندري (ت 683) وتخريج أحاديث الكشاف للإمام الزيلعى]
  24.  الكشف والبيان عن تفسير القرآن:: أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أبو إسحاق (المتوفى: 427هـ)،تحقيق: الإمام أبي محمد بن عاشور، مراجعة وتدقيق: الأستاذ نظير الساعدي، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى 1422، هـ - 2002 م.
  25. لباب التأويل في معاني التنزيل: علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي أبو الحسن، المعروف بالخازن (المتوفى: 741هـ)،المحقق: تصحيح محمد علي شاهين، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى - 1415 هـ
  26. اللباب في علوم الكتاب: أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (المتوفى: 775هـ)،المحقق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان، الطبعة: الأولى، 1419 هـ -1998
  27. اللباب في علوم الكتاب: أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (المتوفى: 775هـ)،المحقق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان، الطبعة: الأولى، 1419 هـ -1998م.
  28. لطائف الإشارات، تفسير القشيري: عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري (المتوفى: 465هـ)،المحقق: إبراهيم بسيوني، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب – مصر،الطبعة: الثالثة.
  29. ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، لأبي الحسن الندوي، ط: دار المعارف، ط السابعة، 1408ه / 1988م.
  30.  مجمل اللغة لابن فارس، المؤلف: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395هـ)،دراسة وتحقيق: زهير عبد المحسن سلطان، دار النشر: مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة الثانية - 1406 هـ - 1986 م
  31. محاسن التأويل: المؤلف: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (المتوفى: 1332هـ)،المحقق: محمد باسل عيون السود، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى - 1418 هـ.
  32. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي (المتوفى: 542هـ)،المحقق: عبد السلام عبد الشافي محمد، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى1422 هـ.
  33.  المخصص: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي (المتوفى: 458هـ)،المحقق: خليل إبراهيم جفال، الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت،الطبعة: الأولى، 1417هـ 1996م.
  34. مدخل على سنن الصيرورة الاستخلافية على ضوء نظرية التدافع والتجديد، الطيب برغوث.
  35. مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد: محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا (المتوفى: 1316هـ)،المحقق: محمد أمين الصناوي، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى - 1417 هـ.
  36. مستخرج أبي عوانة: أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النيسابوري الإسفراييني (المتوفى: 316هـ)،تحقيق: أيمن بن عارف الدمشقي، الناشر: دار المعرفة – بيروت، الطبعة: الأولى، 1419هـ- 1998م.
  37. المستدرك على الصحيحين: أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الضبي السورة طهماني النيسابوري المعروف بابن البيع (المتوفى: 405هـ)،تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى، 1411 – 1990
  38. مسند ابن أبي شيبة: أبو بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي (المتوفى: 235هـ)،المحقق: عادل بن يوسف العزازي و أحمد بن فريد المزيدي، الناشر: دار الوطن – الرياض، الطبعة: الأولى، 1997م.
  39. مسند البزار المنشور باسم البحر الزخار: أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق بن خلاد بن عبيد الله العتكي المعروف بالبزار (المتوفى: 292هـ)، المحقق: محفوظ الرحمن زين الله، وآخرين، الناشر: مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، (بدأت 1988م، وانتهت 2009م)
  40. معالم التنزيل في تفسير القرآن: لمحيي السنة ، أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى : 510هـ)،المحقق : عبد الرزاق المهدي،الناشر : دار إحياء التراث العربي –بيروت، الطبعة : الأولى، 1420 هـ
  41. معجم الفروق اللغوية، المؤلف: أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري (المتوفى: نحو 395هـ)،المحقق: الشيخ بيت الله بيات، ومؤسسة النشر الإسلامي، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بـ «قم»، الطبعة: الأولى، 1412هـ.
  42. معجم مقاييس اللغة، المؤلف: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395هـ)،المحقق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، عام النشر: 1399هـ - 1979م.
  43. مفاتيح الغيب = التفسير الكبير: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: 606هـ)،الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الثالثة - 1420 هـ.
  44. المفردات في غريب القرآن: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى (المتوفى: 502هـ)،المحقق: صفوان عدنان الداودي،الناشر: دار القلم، الدار الشامية - دمشق بيروت، الطبعة: الأولى - 1412 هـ.
  45. مفهوم السنن الربانية من الإدراك إلى التسخير: رمضان خميس زكي الغريب، ط: مكتبة الشروق الدولية، بتقديم د.محمد عمارة.
  46. مناهل العرفان في علوم القرآن: محمد عبد العظيم الزُّرْقاني (المتوفى: 1367هـ)،الناشر: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، الطبعة: الطبعة الثالثة.
  47. منهجية التربية الدعوية، محمد أحمد الراشد ،ط: دار المحراب، ط: أولى1422هـ، 2001م.
  48. الموسوعة القرآنية: إبراهيم بن إسماعيل الأبياري (المتوفى: 1414هـ)،الناشر: مؤسسة سجل العرب، الطبعة: 1405 هـ.
  49. نحو حركة إسلامية عالمية، فتحي يكن، ط: مؤسسة الرسالة، ط الخامسة،1407ه /1987م.
  50. نهاية الأرب في فنون الأدب: أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم القرشي التيمي البكري، شهاب الدين النويري (المتوفى: 733هـ)،الناشر: دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، الطبعة: الأولى، 1423 هـ.
  51. الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه: أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)،المحقق: مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي، الناشر: مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة، الطبعة: الأولى، 1429 هـ - 2008 م.
  52. الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (المتوفى: 468هـ)،تحقيق: صفوان عدنان داوودي، دار النشر: دار القلم ، الدار الشامية - دمشق، بيروت،الطبعة:الأولى،1415 هـ.
  53. الوسيط في تفسير القرآن المجيد: أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (المتوفى: 468هـ)، تحقيق وتعليق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود وآخرين، الناشر: دار الكتب ،العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1415 هـ- 1994 م

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم