عين على العالم

لماذا تصر الولايات المتحدة على دعم الأكراد في سوريا والعراق؟

الخميس 22 رجب 1438 الموافق 20 إبريل 2017
لماذا تصر الولايات المتحدة على دعم الأكراد في سوريا والعراق؟

عماد عنان

في بيان صادر عن وكالة التعاون الأمني التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" تم الكشف عن أكبر صفقة تسليح تقدمها أمريكا للقوات الكردية بالعراق، وذلك حين وافقت على بيع أسلحة ومعدات بقيمة 295.6 مليون دولار لوحدات البيشمركة الكردية التابعة لإقليم كردستان العراق.

البيان أشار إلى أن الصفقة تمت بناء على طلب من الحكومة العراقية بتسليح لوائي مشاة وكتيبتي مدفعية تابعين للوحدات القتالية التابعة لقوات البشمركة، موضحًا أن السلاح المزمع تقديمه لتلك القوات يشمل مدافع ومدرعات وأسلحة ثقيلة وخفيفة إضافة إلى بعض الملابس والأدوات العسكرية المستخدمة في القتال.

الدعم الأمريكي المتواصل للأكراد سواء في العراق أو سوريا يضع العديد من علامات الاستفهام بشأن توجهات الخارجية الأمريكية تجاه المسألة الكردية خاصة أنها تؤثر سلبًا على حلفاء واشنطن في المنطقة، فلماذا تحرص واشنطن على تسليح الأكراد إلى هذا الحد؟

دعم أكراد سوريا

الدعم الأمريكي للأكراد لم يتوقف على العراق فحسب، كذا التسليح، فهناك مؤازرة وتأييد قوي من قبل واشنطن حيال قوات سوريا الديمقراطية ووحدات الشعب الكردية، حيث تشير العديد من التقارير إلى حصول تلك القوات على دعم عسكري ولوجستي من قبل البنتاجون.

المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية طلال سلو، في تصريحات سابقة له كشف عن بعض المساعدات العسكرية الأمريكية لوحدات حماية الشعب الكردية التي تعد القوة الأساسية في صفوف قواته، موضحًا أن وزارة الدفاع الأمريكية زودت المقاتلين الأكراد بعدد من المركبات والمدرعات وناقلات الجنود وبعض الأسلحة الثقيلة التي تستطيع من خلالها مواصلة القتال داخل سوريا.

تغير ملامح الخارطة العسكرية داخل سوريا لعب دورًا محوريًا في موقف أمريكا من القوات الكردية، فبعد فترات طويلة من الجفاء بين الجانبين، ها هي واشنطن تعيد حساباتها من جديد، وتقرر دعم وحدات حماية الشعب الكردية بصورة غير مسبوقة، لا سيما بعدما نجح تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في التمدد بصورة كبيرة في العديد من المناطق السورية، إضافة إلى تحفظ الإدارة الأمريكية على تعامل المعارضة السورية مع بعض الفصائل وفي مقدمتها جبهة فتح الشام "النصرة سابقًا"

جدير بالذكر أن "وحدات الحماية الشعبية" الكردية السورية، تعدّ جماعة شبه عسكرية، يعود تأسيسها للعام 2004، حيث تضم نحو 23650 من الرجال، بينما وصل عدد عناصرها من النساء إلى 19350، وفقًا لإحصائيات صادرة عن قادتها.

الدعم الأمريكي.. لماذا؟

البيان الصادر عن وكالة التعاون الأمني التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" برر الموافقة على صفقة التسليح لقوات البيشمركة الكردية العراقية بأنها (أي الصفقة) تحقق أهداف السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة، من خلال دعم قدرة العراق على تحطيم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وهزيمته.

وتسعى واشنطن خلال الفترة الأخيرة إلى محاصرة داعش في عدد من المدن العراقية وفي مقدمتها مدينة الموصل (المعقل الأساسي لعناصر التنظيم)، كما أنها استخدمت من أجل تحقيق هذا الهدف العديد من الأساليب والاستراتيجيات منها دعم القوات الكردية المقاتلة ضد التنظيم في كركوك.

أما فيما يتعلق بدعم المقاتلين الأكراد في سوريا، فهناك رغبة أمريكية واضحة في إيجاد حلفاء جدد داخل سوريا لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، لا سيما بعد فشل المعارضة في القضاء عليه طيلة السنوات الماضية.

كما أن تعامل المعارضة مع بعض الفصائل التي تراها واشنطن محسوبة على التنظيمات الإرهابية كجبهة فتح الشام "النصرة سابقًا" دفع الإدارة الأمريكية إلى الشعور بالقلق حيال ما يمكن أن تقود إليه الأمور حال الإطاحة بنظام الأسد، لا سيما فيما يتعلق بسيطرة "النصرة" على الأوضاع بسوريا، وهو السيناريو الذي يقلق البيت الأبيض بصورة كبيرة، مما دفعه إلى دعم وحدات الشعب الكردية كحليف جديد لأمريكا داخل سوريا.

المستشار السابق للرئيس الأمريكي باراك أوباما، دوغلاس أوليفانت، في رده على سؤال عن كيفية تعامل واشنطن مع تنظيمات إرهابية في إشارة إلى وحدات حماية الشعب الكردية، أجاب أن الأكراد السوريين ليسوا مدرجين على قوائم الإرهاب في أمريكا، ومن ثم فلا حرج في التعامل معهم ودعمهم خاصة إن كان لهم دور كبير في القضاء على تنظيم الدولة ومحاصرته داخل سوريا.

وهو نفس ما أشار إليه نائب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية مارك تونر، والذي أوضح أن وحدات الحماية الكردية وقوات سوريا الديمقراطية غير مرتبطة بالإرهاب، مؤكدًا مواصلة بلاده تقديم الدعم لها.

يذكر أن نجاح أكراد سوريا في إلحاق العديد من الهزائم بـ"داعش" خلال السنوات الماضية لفت أنظار العديد من القوى الدولية على رأسها الولايات المتحدة، وهو ما دفعها إلى دعمها عسكريًا وسياسيًا، خاصة في وقت كانت تحتاج فيه واشنطن إلى دعم فصائل مسلحة من داخل سوريا ضد الضربات الروسية التي تستهدف قوى الثورة والمعارضة بصورة عامة.

كما أن مساعي روسيا لتقليص حلفاء واشنطن داخل سوريا كان أبرز الدوافع التي دفعت أمريكا لدعم قوات سوريا الديمقراطية وهو ما كشف عنه الباحث الأمريكي المتخصص في الشؤون العربية والإسلامية، بارك بارفي، الباحث في مؤسسة أمريكا الجديدة.

بارفي في تقرير نشره على الموقع الرسمي لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدني، دعا الولايات المتحدة إلى دعم "وحدات الحماية الشعبية"، الأمر الذي من شأنه تعزيز المصالح الأمريكية، وتحقيق أهدافها السياسية، مبررًا هذا الدعم بأنه "في حين تركز روسيا حاليًا على تقليص تهديدات حلفاء واشنطن السوريين، وبالتالي إلحاق الهزيمة بهم، تحتاج الولايات المتحدة إلى حشد أكبر عدد ممكن من المتعاونين في معركتها ضد تنظيم الدولة، وبما أن وحدات الحماية الشعبية تتصدر هذه المعركة داخل سوريا، فإن دعم قواتها من شأنه أن يعزز المصالح الأمريكية إلى حد كبير".

وفي سياق متصل فإن واشنطن كما تسعى إلى مناهضة مساعي موسكو في تقليص حلفائها في سوريا، تسعى في الوقت نفسه إلى مناهضة الوجود الإيراني في العراق أيضًا من خلال الحليف الكردي الذي يمثل أمريكا داخل العراق كما تمثل قوات الحشد الشعبي الشيعي إيران ومن يدعمها، بمعنى آخر فإن أمريكا تسعى لوضع قدم لها في سوريا عن طريق وحدات الحماية الشعبية وفي العراق عن طريق قوات البشمركة.

ما النتائج؟

الدعم الأمريكي المتواصل للأكراد سواء في العراق أو سوريا لا شك أنه سيمنح القوات الكردية مزيدًا من القوة تنعكس بصورة واضحة على وضعها السياسي هنا وهناك، وهو ما تكشف من خلال النداءات التي تطالب بالانفصال والاستقلال سواء داخل العراق أو في سوريا.

وتأتي حادثة رفع العلم الكردي على كركوك العراقية لتجسد الوضع بصورة كبيرة، ورغم الانتقادات الداخلية والخارجية التي قوبلت بها، فإن حزب "الاتحاد الوطني الكردستاني" وحكومة إقليم كردستان رفضوا إنزال العلم بأي صورة من الصور.

وفي السادس من أبريل الحالي، اتفق رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي خلال لقائه مع وفد يمثل إقليم كردستان الشمالي على تفعيل المادة "140" من الدستور القاضية بإجراء إحصاء سكاني في محافظة كركوك المتنازع عليها ثم إجراء استفتاء شعبي على ضمها لإقليم كردستان أو إبقائها تابعة للحكومة المركزية ببغداد، وهو ما يمثل تطورًا خطيرًا في المشهد العراقي يقود إلى احتمالية تحقيق إقليم كردستان حلمه التاريخي في الانفصال والاستقلالية.

وفي الجهة السورية ما زال حلم بناء كيان كردي مستقل شمال سوريا يراود الملايين من الأكراد السوريين خاصة بعد التقدم العسكري الملحوظ لهم على أرض الواقع، في ظل الدعم الأمريكي المتواصل والذي يعزف عليه الكثير من الأكراد في ترجمته مستقبلاً إلى تبني قضيتهم في الانفصال والاستقلال.

هذا الحلم الكردي تجسد في الموافقة المعلنة أكثر من مرة حيال الأطروحات المقدمة لحل الأزمة السورية والتي تخدم القضية الكردية في المقام الأول وفي مقدمتها فكرة بناء المناطق الآمنة، كذلك إعلان إنشاء نظام فيدرالي تحت مسمى "المجلس الديمقراطي الفيدرالي في كردستان سوريا".

لكن يبقى السؤال: في ظل هذا الدعم الأمريكي لأكراد العراق وسوريا وما نجم عنه من تقوية موقفهم السياسي في بلدانهم والاقتراب من تحقيق حلمهم في الاستقلال والانفصال، ماذا عن الموقف التركي من هذا الدعم؟

ماذا عن تركيا؟

أعلنت تركيا مرارًا وتكرارًا أنها لن تقبل بدعم أي فصيل كردي يحقق تفوقًا عسكريًا على حدودها السورية، محذرة في وقت سابق كل من واشنطن وموسكو من هذه المسألة.

تركيا ترى أن قوات سوريا الديمقراطية ووحدات الحماية الشعبية فصائل إرهابية لها صلة وثيقة بحزب العمال الكردستاني لا بد من التصدي لها، حيث تخشى من أن التقدم الذي تحققه عناصر الأكراد المقاتلة - التي يدعمها الجناح السياسي في تركيا لحزب الاتحاد الديمقراطي - على الجانب السوري من حدودها سيعزز من التطلعات الانفصالية بين الأكراد الأتراك في جنوب شرق البلاد.

ومؤخرًا انتقد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الولايات المتحدة واتهمها بازدواجية المعاييرِ، وذلك بعد ظهور جنود أمريكيين بشارات وحدات الحماية الكردية خلال عمليات مشتركة في سوريا، وهو ما ينذر بصدام أو توتر في العلاقات بين الجانبين لا سيما أن واشنطن تنظر إلى المقاتلين الأكراد كونهم حلفاء لها في حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش".

ومن ثم فإن الدعم الأمريكي للأكراد سواء في العراق أو سوريا وإن كان سيمكن واشنطن من بناء تحالفات جديدة في مواجهة إيران أو روسيا أو حتى تنظيم الدولة إلا أنه في الوقت ذاته ربما يفقدها أحد أبرز حلفائها في المنطقة وهي تركيا، وهو ما سينعكس بصورة واضحة على مستقبل العلاقات بين البلدين.

(نون بوست)

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • يحتوي كلمة لا تليق.
  • الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

أنقر هنا لتغيير الرقم

تبقى لديك حرف


إقرأ ايضاً