عين على العالم

معركة الموصل.. وعود بالنصر واستنزاف مستمر

الجمعة 22 شعبان 1438 الموافق 19 مايو 2017
معركة الموصل.. وعود بالنصر واستنزاف مستمر


حاتم كريم الفلاحي

انطلقت معركة استعادة الجانب الغربي لمدينة الموصل بتاريخ 19 فبراير/شباط 2017، وكانت في بدايتها تجري بوتيرة متسارعة بسبب الإسناد الجوي غير المسبوق الذي أمنته طائرات التحالف الدولي، ولكون المنطقة مفتوحة وتسمح باستخدام مختلف أنواع الأسلحة التي تساعد على التقدم والحسم، ولا توجد فيها مبان سكنية ومدنيون يعوقون التقدم.
وفعلا استطاعت القوات المهاجمة التقدم خلال الأسبوع الأول من بداية معركة الموصل، وإدامة التماس مع الموضع الدفاعي الرئيسي لتنظيم الدولة الإسلامية في أحياء الطيران، ووادي حجر، والمنصور، والمأمون، وتل الرمان، والطرب.


معركة الموصل ومرحلة التعقيد
لكن بعد اصطدام القوات الحكومية بالموضع الدفاعي الرئيسي لتنظيم الدولة، بدأت وتيرة المعارك تتباطأ بالموصل، فخفت سرعتها وزادت شدتها بسبب الاشتباكات العنيفة والمقاومة الشرسة التي أبداها التنظيم، إضافة إلى الخسائر الكبيرة في صفوف المدنيين نتيجة عدم تقييد كثير من الأسلحة المدمرة.
كان هذا مؤشرا كبيرا على أن استعادة ما تبقى من مدينة الموصل دخلت مرحلة غاية في التعقيد، خصوصا في المناطق الواقعة بالبلدة القديمة، والتي يصعب على القوات العراقية استخدام الأسلحة الثقيلة فيها.
كانت هناك ضرورة كبيرة لتغيير الخطط واعتماد أخرى بديلة، من أجل أن يتحقق ما صرح به رئيس أركان الجيش العراقي الفريق الأول الركن عثمان الغانمي من أن "تحرير" الموصل بالكامل سيكون "قبل بداية شهر رمضان المبارك" القادم.
وتزامن ذلك مع لقاء رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي مع قائد القيادة الأميركية المركزية الوسطى الجنرال جوزيف فوتيل، حيث ناقشا سير عمليات الموصل وتسليح وتدريب القوات المسلحة العراقية، وجدد الجنرال فوتيل دعم بلاده للعراق في محاربة الإرهاب.
وهذا اللقاء يؤشر على أن هناك طلبا عراقيا لزيادة الدعم الدولي لإسناد للقوات الحكومية لاستعادة ما تبقى من مدينة الموصل، بوصفها المرحلة الأصعب بسبب طبيعتها الجغرافية، ولاعتمادها -بشكل كبير جدا- على الإسناد الجوي الذي سيستهدف كافة العجلات والدراجات النارية في مناطق سيطرة التنظيم، كما تحتاج إلى تنسيق الجهد الاستخباري والإداري.
لقد سبق للعبادي أن وعد باستعادة الموصل قبل نهاية 2016، وعندما فشلت القوات في ذلك صرح بأن القوات تحتاج إلى ثلاثة أشهر أخرى، لكن المدة انتهت ولم تُستعَد المدينة.
ثم جاء تصريح رئيس الأركان الغانمي في 29 أبريل/نيسان 2017 الذي قال فيه إن قواته "ستستعيد كامل مدينة الموصل شمالي العراق من قبضة تنظيم الدولة خلال ثلاثة أسابيع كحد أقصى"، أي أن المهلة تنتهي يوم 19 مايو/أيار2017. ثم جاء تصريحه الأخير بأن استعادة المدينة سيكون قبل بدء شهر رمضان.
وتفيد هذه التصريحات بوجود ضعف في معلومات الاستخبارات لدى القوات الحكومية حول الإمكانيات والقدرات القتالية لتنظيم الدولة، مما يجعل القيادات تتخبط في تقدير قوته، وإعطاء مواعيد غير دقيقة ولا تنم عن خبرة ميدانية وفهم عميق لمسرح العمليات. علما بأن القادة الميدانيين يرفضون تحديد سقف زمني محدد لانتهاء العمليات العسكرية في المدينة.
إذ المعروف في العمليات السيالة الهجومية أو الدفاعية لمواجهة قوات غير نظامية (حرب العصابات) وخاصة القتال في المناطق المبنية أو الجبلية؛ أنه من الصعب إعطاء توقيتات محددة للحسم، لأن تطور العمليات الميدانية على الأرض والمفاجآت التعبوية والمواقف غير المتوقعة، ستكون مانعا كبيرا جدا أمام صحة هذه التوقعات.


تساؤلات حول إمكانية الحسم
هناك تساؤلات كثيرة حول إمكانية الحسم من عدمه؟ وكيف سيكون هذا الحسم؟ وما هي التكلفة المادية والبشرية والإنسانية والعسكرية التي تترتب عليه؟ وما هي السيناريوهات المحتملة للمعارك الدائرة هناك في ظل التقدم البطيء للقوات العراقية؟
لا شك أن أي تقدم ستجريه القوات الحكومية نحو الأحياء الباقية تحت سيطرة تنظيم الدولة سيكون على حساب المدنيين، حيث نجحت القوات الحكومية في تغيير الخطط واستخدام تكتيكات وأسلحة جديدة.
فقد نجحت في تطويق ومحاصرة المدينة بشكل كامل من جهة الغرب، باستخدام تكتيك الالتفاف والهجوم على جبهة واسعة وبمحاور متعددة، مما أدى إلى قطع الطريق على مقاتلي تنظيم الدولة باتجاه تلعفر.
كما أن استعادة عدد من الأحياء المهمة جعل التنظيم يسيطر على 12 كلم مربع فقط من الأرض، وهذا يجعل المسالك المفتوحة والخيارات المتاحة أمام القوات الحكومية صعبة جدا، ولكل مسلك سلبيات تجب معالجتها وإيجابيات يجب تعزيزها ومعاضل يجب تذليلها، وهي كما يلي:


أ- المسالك المحتملة للقوات الحكومية:
1- المسلك الأكثر احتمالا: أن تشن القوات الحكومية هجوما بقوات مدربة وذات قدرات قتالية عالية من محاور واتجاهات متعددة لخوض حرب شوارعمن بيت إلى بيت، وهذا سيؤمن إجبار التنظيم على الدفاع عن جميع الجهات، مما يشتت قواته المدافعة ويقلل لديه إمكانية المناورة بالقطعات.
على أن يتزامن ذلك مع إسناد جوي ومدفعي كبير يعوّض تعذر استخدام القطعات الآلية والمدرعة التي حُدّت حركتها بسبب ضيق الشوارع، مع استخدام الصواريخ الحرارية والانفلاق الجوي لمعالجة الأهداف الأرضية.
هذا مع العلم بأن الفرقة الأولى والثانية لقوات مكافحة الإرهاب تتدرب منذ مدة على ميدان مشابه لمنطقة الموصل القديمة، وهذا المسلك له تكلفته الإنسانية، ولذلك لن تستطيع القوات الحكومية الحسم عبره قبل بداية شهر رمضان، بل ستحتاج فيه إلى أسابيع أخرى.
2- المسلك الأخطر: أن تستخدم القوات الحكومية القصف التدميري الجوي والمدفعي والصاروخي، وهذا ما فعلته الشرطة الاتحادية في المحور الجنوبي، حيث مسحت حارات سكنية بالكامل عبر سياسة الأرض المحروقة التي انتهجتها قوات التحالف الدولي والقوات العراقية.
وهذا يؤمن لهذه القوات التقدم بأقل ما يمكن من الخسائر العسكرية، ولكن كلفته الإنسانية والمادية كبيرة جدا، خصوصا أن هذه المناطق ذات كثافة سكانية عالية. وإمكانية الحسم عبر هذا المسلك قبل بداية شهر رمضان ستكون كبيرة جدا، علما بأن حسم معركة الموصل بالكامل قد يحتاج إلى أسابيع.
3- المسلك الثالث: محاصرة التنظيم فترة طويلة لإجباره على الاستلام، أو جره لمعركة خارج المنطقة التي يسيطر عليها، ولكن هذا ستكون له تداعيات إنسانية كبيرة جدا بسبب الكثافة السكانية العالية التي تصل إلى 200 ألف شخص (حسب تصريح وزير الهجرة والمهجرين العراقي)، في ظل أوضاع إنسانية وصحية مزرية.
ب- المسالك المحتملة لتنظيم الدولة:
1- المسلك الأكثر احتمالا: لقد نجح تنظيم الدولة -إلى حد الآن- في جر القوات الحكومية لحرب استنزاف طويلة الأمد، لذا سيقوم بتوظيف وجود المدنيين، وتعقيدات المنطقة الجغرافية، ومعرفته الدقيقة بالأرض. وكذلك إمكانياته وقدراته القتالية العالية في نصب الكمائن والألغام ومصائد المغفلين، واستخدام القناصة والعجلات المفخخة والدراجات النارية.
هذا مع عدم وجود خيار للانسحاب من المنطقة بسبب تطويق المدينة بشكل كامل، مما يدفع عناصر التنظيم إلى القتال حتى النهاية، وإيقاع خسائر كبرى بالقوات الحكومية، وتعويق تقدمها إلى أهدافها.

2- المسلك الثاني: محاولة تنظيم الدولة كسر الطوق المفروض عليه، والانسحاب إلى المناطق الجبلية المحيطة بالموصل والوصول إلى الصحراء كما حصل في مدينة الفلوجة، وهذا يتطلب القابلية للحركة وقوة كبيرة للاختراق، وقوة ساندة لهذا العمل من الخارج، على أن يكون الانسحاب ليلا لتأمين الستر والاختفاء، وتقليل تأثير القوة الجوية.
وحسب قراءتي العسكرية للموقف؛ فإنه من الصعب جدا توفر هذه العوامل للقيام بهذا العمل، كما أن التنظيم لو أراد الانسحاب لفعله قبل تطويق ومحاصرة المدينة، علما بأن زعيمه أبو بكر البغدادي أصدر أوامره بالقتال وعدم الانسحاب، ولذا فإنني أستبعد هذا المسلك.
3- المسلك الثالث: الاستسلام للقوات الحكومية، وهذا يتناقض مع عقيدة التنظيم الفكرية والقتالية، ولذا أستبعد هذا الخيار إلا في حالات فردية لبعض السكان المحليين الذين يرون أنهم تورطوا في الانتماء لتنظيم الدولة، وهناك فرصة لترتيب وضعهم الأمني.
والخلاصة هي أن المسلك الأكثر احتمالا للقوات الحكومية هو الهجوم عبر محاور متعددة وبقوات مدربة، مع تقديم إسناد جوي ومدفعي كبير من التحالف الدولي لحسم المعركة، لأن التنظيم حسم أمره بقراره القتال حتى النهاية.
ولكن المعضلة الكبرى -التي تواجهها القوات الحكومية- هي الكثافة السكانية العالية، وضيق الشوارع الذي يحد من استخدام القطعات الآلية والمدرعة. ولذلك تبقى هذه المعركة هي الأشد استنزافا للدولة والقوات الحكومية، بسبب الخسائر المادية والبشرية والعسكرية الكبيرة نتيجة إطالة أمدها.
وما أرجحه هو أنه لن تكون هناك إمكانية لحسم معركة الموصل في التوقيتات المعلنة من القيادات العسكريةغرد النص عبر تويتر العراقية، وأن تكلفته ستكون باهظة للقوات الحكومية ماديا وبشريا، وسيحتاج إلى أسابيع عدة.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • يحتوي كلمة لا تليق.
  • الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

أنقر هنا لتغيير الرقم

تبقى لديك حرف


إقرأ ايضاً