إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل في قتلة عثمان مَنْ بايع بيعة الرضوان
المجيب
د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ السبت 23 ذو الحجة 1427 الموافق 13 يناير 2007
السؤال

ما هي ترجمة الصحابي عبد الرحمن بن عديس لدى غالب علماء الرجال؟ وهل صحيح أنه بايع تحت الشجرة بيعة الرضوان، وشارك في مقتل عثمان؟ وإن ثبت هذا فكيف يصح رضا الله عن شخص شارك في قتل رجل مثل عثمان ظلما وعدوانا؟ أرجو الإجابة بالتفصيل وبالدليل القاطع .

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:
عبد الرحمن بن عديس البلوي كان من الفرسان، وقد شهد فتح مصر، ثم اشترك في الفتنة، حيث كان رئيس الخيل التي سارت من مصر إلى عثمان فحاصرته. وقد ذكره ابن سعد والبغوي وابن أبي حاتم وابن منده وغيرهم في الصحابة، وذكروا أنه ممن بايع تحت الشجرة، وإذا ثبت أنه ممن بايع تحت الشجرة فيكون حاله كحال غيره ممن دخل في الفتنة وهو مشهود له بالجنة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في أصحاب الشجرة: " لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا ... " أخرجه مسلم (2496) من حديث أم مُبشر –رضي الله عنها- قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: "وقد دخل في الفتنة خلق من هؤلاء المشهود لهم بالجنة. والذي قتل عمار بن ياسر هو أبو الغادية، وقد قيل: إنه من أهل بيعة الرضوان، ذكر ذلك ابن حزم، فنحن نشهد لعمار بالجنة، ولقاتله إن كان من أهل بيعة الرضوان بالجنة....
ولا نشهد أن الواحد من هؤلاء لا يذنب، بل الذي نشهد به أن الواحد من هؤلاء إذا أذنب ، فإن الله لا يعذبه في الآخرة، ولا يدخله النار، بل يدخله الجنة لا ريب، وعقوبة الآخرة تزول عنه إما بتوبة منه، وإما بحسناته الكثيرة ، وإما بمصائبه المكفرة، وإما بغير ذلك" [منهاج أهل السنة 6/305)]، وقال في موضع آخر: "وأما الساعون في قتله –يعني قتل عثمان -رضي الله عنه- فكلهم مخطئون، بل ظالمون باغون معتدون، وإن قُدِّر أن فيهم من قد يغفر الله له" [ منهاج أهل السنة6/297)].
وأحب في ختام هذا الجواب أن أبين أن طريقة أهل السنة والجماعة هي الإمساك عما جرى بين الصحابة من الحروب والفتن ، وترك الخوض في ذلك، وما أحسن ما قاله عمر بن عبد العزيز –رحمه الله– حين قال: "تلك دماء طهر الله منها سيوفنا، فلا نخضب بها ألسنتنا" [ينظر: حلية الأولياء (4/98)].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: "ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: "وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ"، وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ"، ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم. ويفضلون من أنفق من قبل الفتح -وهو صلح الحديبية- وقاتل على من أنفق من بعد وقاتل. ويقدمون المهاجرين على الأنصار. ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر وكانوا ثلاث مائة وبضعة عشر: "اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"، وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة؛ كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، بل لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربع مائة، ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالعشرة، وثابت بن قيس بن شماس، وغيرهم من الصحابة، ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغُيِّرَ عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون: إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة. ولهم من السوابق والفضائل ما يقتضي مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم خير القرون، وأن المُدَّ من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبا ممن بعدهم. ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب؛ فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له؛ بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه. فإذا كان هذا في الذنوب المحققة؛ فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين: إن أصابوا؛ فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور.
ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغفور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم؛ من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح.
ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما منّ الله عليهم به من الفضائل؛ علم يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، ما كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله." [العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية]، والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ