إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان عاهد الله أن يهجر فلاناً
المجيب
عبد الله بن علي الريمي
ماجستير من كلية الشريعة من جامعة الإمام
التاريخ الاحد 07 شوال 1427 الموافق 29 أكتوبر 2006
السؤال

ما الحكم إذا عاهدت الله ألا أفعل هذا الشيء ثم فعلته؛ أي أنني قلت اللهم إني أعاهدك ألا أتكلم مع هذا الشخص وكلمته. مع العلم أنني كلمته من أجل أن أطلب منه ألا يكلمني مجددا؟.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فقبل الجواب يحسن التنبيه على مسألتين :
المسألة الأولى: يحرم هجر المسلم أكثر من ثلاثة أيام لغير مصلحة شرعية. قال صلى الله عليه وسلم "لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا و يعرض هذا و خيرهما الذي يبدأ بالسلام" رواه البخاري و مسلم، و عن أبي هريرة –رضي الله عنه– قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار" رواه أبو داود، و عن عائشة –رضي الله عنها– أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: "لا يكون لمسلم أن يهجر مسلماً فوق ثلاثة، فإذا لقيه سلم عليه ثلاث مرار كل ذلك لا ير د عليه فقد باء بإثمه" رواه أبو داود وعن أبي خراش السلمي –رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: "من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه" رواه أبو داود.
وقال ابن عبد البر رحمه الله: "أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث إلا أن يخاف من مكالمته وصلته ما يفسد عليه دينه، أو يولد به على نفسه مضرة في دينه أو دنياه، فإن كان كذلك رخص له في مجانبته، ورب صرم جميل خير من مخالطة مؤذية" منقول عن طرح التثريب للعراقي (8 / 99).
وإليك مقتطفات نفيسة للعلامة ابن عثيمين في مسألة الهجر قال رحمه الله "ومن المعلوم أن المسلم لا يخرج عن الإسلام بالمعاصي –وإن عظمت- ما لم تكن كفراً.
وعلى هذا فلا يحل هجر أصحاب المعاصي إلا أن تكون في هجرهم مصلحة بإقلاعهم عنها وردع غيرهم عنها...- وأما اليوم فإن كثيراً من أهل المعاصي لا يزيدهم الهجر إلاّ مكابرة وتمادياً في معصيتهم، ونفوراً وتنفيراً عن أهل العلم والإيمان. فلا تكون في هجرهم فائدة لهم ولا لغيرهم. وعلى هذا فنقول: إن الهجر دواء يستعمل حيث كان فيه الشفاء، وأما إذا لم يكن فيه شفاء، أو كان فيه إشفاء (وهو الهلاك) فلا يستعمل.
فأحوال الهجر ثلاث:
إما أن تترجح مصلحته فيكون مطلوباً.
وإما أن تترجح مفسدته فينهى عنه بلا شك.
وإما أن لا يترجح هذا ولا هذا فالأقرب النهي عنه لعموم قول النبي، صلى الله عليه وسلم: "لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة" أ.هـ كلامه رحمه الله.
المسألة الثانية: إن حلف الإنسان أو عاهد الله على أن يفعل الذي أوجبه الله عليه، أو أن يترك الذي حرمه الله عليه يوجب عليه تغليظ العقوبة إن نكث في يمينه؛ وذلك عقوبة ترك الواجب أو فعل المحرم، بالإضافة إلى عقوبة الحنث باليمين وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن ما وجب بالشرع إذا نذره العبد أو عاهد الله عليه...، فإن هذه العهود والمواثيق تقتضي له وجوبا ثانيا غير الوجوب الثابت بمجرد الأمر الأول فتكون واجبة من وجهين بحيث يستحق تاركها من العقوبة ما يستحقه ناقض العهود والميثاق, وما يستحقه عاصي الله ورسوله أ.هـ. الفتاوى 35/ 346. فترك هذه الأيمان والعهود أولى.
أما جواب السائل فيكون بالتفصيل التالي:
أولاً: إذا قال الإنسان أعاهد الله أو علي عهد الله فهو بمنزلة اليمين وزيادة فلو قال علي عهد الله أن أفعل كذا كان نذرا ويمينا. وإذا قال علي عهد الله أن لا أفعل كذا كان عهدا ويمينا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والعهود والعقود متقاربة المعنى أو متفقة. فإذا قال: أعاهد الله أني أحج العام فهو نذر وعهد ويمين. وإن قال: لا أكلم زيدا فيمين وعهد لا نذر. فالأيمان تضمنت معنى النذر وهو أن يلتزم لله قربة لزمه الوفاء، وهي عقد وعهد ومعاهدة لله؛ لأنه التزم لله ما يطلبه الله منه. "الفتاوى الكبرى" (5/553).
فمن حال السائل يكون عهده بمنزلة اليمين. ففي حال الحنث عليه التوبة من نقض العهد وتلزمه الكفارة وهي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة. فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. فالخصال الثلاث الأول هو مخير بينها، لكن لا ينتقل إلى الصيام إلا إذا عجز عن الثلاث كلها. والإطعام عام يشمل أن يغدي هؤلاء المساكين، أو يعشيهم بغداء أو عشاء جرت العادة لهم بمثله مما يشبعهم.
ثانياً: إذا كان الكلام مع هذا الشخص مباحا، وكان ممن يصح هجره، أو كان الهجر لا يزيد عن ثلاث ليال ففي هذه الحالة يكون التفصيل التالي :
أ- إذا كان لا يمكن العمل باليمين أو العهد (عدم الكلام معه) إلا بإبلاغه بذلك فإن هذا الإبلاغ لا يعد حنثاً في اليمين، بل مكمل للعمل بموجب اليمين؛ لأن المشتغل بتحصيل الشرط كالمشتغل بالمشروط. ولأن ظاهر القصد من اليمين هو هجره ومجرد الإبلاغ بالهجر لا يعد قطعا للهجر.
ب- أما إذا كان يمكن العمل باليمين أو العهد (عدم الكلام معه) بدون إبلاغه فهذا يعد حنثاً في اليمين يوجب الكفارة.
ثالثاً: إذا كان الكلام مع هذا الشخص غير مباح شرعا؛ كأن تكلم امرأة رجلا أجنبيا، أو يكلم الرجل امرأة أجنبية عنه كلاما غير ملتزم بالضوابط الشرعية –(من الحاجة لهذا الكلام لا مجرد التسلية وأن يكون بقدر الحاجة وأن لا يكون فيه لين وتكسر)- فيجب على السائل أن يتوب إلى الله من هذا الفعل، وتجب عليه كفارة يمين للحنث في يمينه.
رابعاً: إذا كان الشخص ممن لا يصح هجره فيجب على السائل أن يكفر عن يمينه، ولا يهجر أخاه المسلم فقد قال صلى الله عليه وسلم "وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير، أو أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني" رواه البخاري وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ