إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان صرف الفوائد الربوية في احتياجات المسجد
المجيب
أ.د. سعود بن عبدالله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
التاريخ الاثنين 26 شوال 1423 الموافق 30 ديسمبر 2002
السؤال

بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ حفظه الله ورعاه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سؤال موجه من إدارة مسجد بجنوب هولندا نرجو منكم الإجابة العاجلة عليه، رفع الله درجاتكم، الشق الأول من السؤال: للمسجد مبلغ مودع باسمه في البنك يقدر بحوالي (خمسين ألف يور) ونظرا لأن البنوك هنا تمشي بنظام الفوائد فإن هذا المبلغ تخرج عليه فوائد ربوية والسؤال هنا كيف نتصرف بهذه الفوائد؟؟ وهل يمكن صرفها على المسجد ومرافقه ومرتبات عامليه؟؟ وهل في هذا الرصيد وفوائده زكاة ؟؟نرجو الإجابة التفصيلية مع النصح مأجورين، الشق الثاني من السؤال :جاء إلينا رجل مبعوث من أحد الأشخاص وقال إن فلاناً بعثني وهو يتبرع لكم بفرش المسجد كاملا !! ونحن نعرف أن الشخص الذي بعثه شخص يتعامل ببيع الحشيش والمخدرات ونعلم أيضا أن له مكسباً آخر غير المخدرات وهو مساعدات اجتماعية من حكومة هولندا، وله مصدر تجاري آخر فلهذا قلنا لهذا الشخص المبعوث أخبر فلاناً الذي بعثك بأننا لن نقبل منه حتى نستفتي العلماء في القضية، بالرغم من أن الذي بعثه يصر على أن الفرش من المال الحلال لا من ماله الحرام؟؟؟ نرجو من فضيلتكم التكرم بالإجابة مشكورين.

الجواب

المال المودع في البنك باسم المسجد الواقع بجنوب هولندا لا زكاة فيه لأن من شروط الزكاة: الملكية، وهذا المبلغ لا يملكه أحد وإنما هو وقف على هذا المسجد وأما الربا (الفائدة) فهي في الأصل حرام في القرآن والسنة، غير أن فتاوى العلماء وعدد من المجامع الفقهية المعاصرة أجازوا أخذ الفائدة التي تدفعها البنوك الربوية على أن تنفق بنية التخلص منها – لا بنية التقرب إلى الله وطلب الأجر، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وهي خبيثة وحرام وإنما جاز أخذها حتى لا يأخذها الكفار والمرابون ويتقوون بها على المسلمين، ولا بأس أن تنفق هذه الفائدة (الربا) على شئون المسجد من فرش وتكييف وصيانة، ولا يعطى العاملون في المسجد – مرتباتهم منها، لأنها سحت وأي جسم نبت من الحرام فالنار أولى به كما جاء في الحديث انظر: المسند (14441) والترمذي (614)، فصرفها في المرتبات لا يجوز لأنه إعانة على الباطل وتعريض الآخذ لعدم إجابة دعائه إذا دعا، كما في الحديث "رب أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يارب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام فأنى يستجاب لذلك" مسلم (1015).
2. أما قبول التبرعات للمسجد ونحوه ممن ماله كله أو بعضه حرام فجائز لا شيء فيه، فالمتبرع إن كان كافراً يجوز للمسلم قبول تبرع الكافر ولا أجر له على تبرعه، فقد قبل النبي – صلى الله عليه وسلم – الهدايا التي تهدى إليه من الكفار كما هو ثابت في الصحيحين وقد بوب البخاري في صحيحه (باب قبول الهدية من المشركين) وساق فيه أحاديث ثم إن قبولها من الكافر من حسن الخلق والمعاملة بالبر والإحسان الذي دلت عليه الآية: "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [الممتحنة:8]، فالآية وإن كانت في إحسان المسلمين إلى الكفار نصاً فإنها دالة على قبول المسلم لتبرع الكافر.
أما لو كان المتبرع مسلماً يتعامل بالمحرمات وكل ماله أو بعضه حرام فقبوله جائز ويثاب المسلم على تبرعه ويحاسب في الوقت ذاته عن ماله هذا من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ فإذا كان من حرام أو مختلطاً بالحرام وأنفقه في وجوه الطاعة فهو محاسب معاقب على الحرام ومثاب على الصدقة، وقد صح عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود – رضي الله عنهما - وعدد من كبار التابيعن جواز الأكل ممن مطعمه حرام، فقد سئل عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - عن رجل يدعو جيرانه إلى طعامه وهو يأكل الربا علانية ولا يتحرج من مال خبيث يأخذه؟ فقال للسائل: أجيبوه فإنما المهنأ لكم والوزر عليه، وإذا كان الأمر هكذا فإن قبول تبرعات المتبرعين للمسجد جائزة من باب أولى، وعمارة المسجد الحسية المادية تصح من الكافر والمسلم، أما العمارة الحقيقية فهي عمارتها بالعبادة ولا تصح ولا تجوز من كافر، قال تعالى: "أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" [التوبة:19] فدلالة الآية على جواز العمارة الحسية والمادية واضحة، وإنما العمارة الحسية لا تقارن بعمارتها بالعبادة لله وحده والجهاد في سبيله، ومثل هذه الآية قوله تعالى: "مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ" الآية، [التوبة:17] والمراد منع المشركين من دخول المسجد الحرام بعد عام الحديبية، وهي مرتبطة بأول سورة التوبة " بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" [التوبة:1] فهي عن الدخول وليس أفعال السقاية والرفادة، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ