إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان أبي والزيجة المتأخرة
المجيب
د. فاطمة الشيخ
التاريخ السبت 14 رمضان 1424 الموافق 08 نوفمبر 2003
السؤال

أنا فتاة عمري إحدى وعشرون سنة، أبي كان يعمل بالخارج، وكانت أمي هي التي ترعانا، وفي الخامسة عشرة من عمري سافرت أمي أيضاً إلى الخارج وعاشت هناك، وتأتينا فقط في زيارات متباعدة، وبعد ذلك أتت لتعيش معنا، ولكن بعد أشهر قلائل توفيت إلى رحمة مولاها، ولم نستمتع بوجودها معنا إلا أشهراً قلائل فقط.. لدي عدد من الأخوات كلهن تزوجن، وصرت في البيت أنا وأبي فقط بعد أن عاد من الغربة.. لقد ساد الحزن جميع أفراد العائلة بعد وفاة الوالدة..

أبي كان يعطينا الحنان الفياض، ونحن نحبه، ونشعر اتجاهه بمشاعر الحب والاحترام، ولكن فجأة تغير الحال، وبدأ يهملنا بعد وفاة أمي، وبدأ في تكوين صداقات حميمة مع أصحابه والخروج معهم والتجمع.. وقد بدأ بيننا وبينه جفاء، ولا يحن علينا كما كان، ولا يهتم بنا، وبدأت ألاحظ تأخره بالخارج، ومع مرور الأيام أحسست أن أبي على علاقة بامرأة، وتأكدت من ذلك، ولكني لا أعرف نوع العلاقة، ولكن كما يبدو أنه يريد الزواج بها، كما أحسست بالظلم الكبير من أبي تجاهي، فأنا الآن أعيش معه بمفردي، وبدأت أشعر أنني حرمت من أمي وحرمت من أبي أيضاً.. أنا الآن أشعر بالإحباط.. أرشدوني مأجورين..

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

حقيقة لا أخفي تأثري بقصتك  فأنا أحس  بما تشعرين به اتجاه حياتك،  ففقدان الأم ليس  بالشيء السهل، ولا أظن تعادله أية مصيبة من مصائب الدنيا،  ولكن في الأخير لا نملك إلا أن نحمد الله على مصابنا، ونقول إنا لله وإنا إليه راجعون،  ثم نمضي قدما في حياتنا  حاملين ذلك الإحساس  الحزين. لكن -هنا وفي هذه النقطة بالذات-  نحدد مسارنا وكيفية مضينا في الطريق، فإذا اخترنا أن نجعل إحساس الحزن ذاك عائقا لنا   فنقعد نندب حظنا، ونشفق على أنفسنا، فإننا لا نجني سوى الضياع والفشل،  بينما يستمر وينجح ويحقق أهدافه من يجعل ذلك الحزن  حافزاً له للتقدم وتحقيق الذات..  ماتت أمي،  وماذا بعد؟ هل سيرضيها لو كانت حية أن أتقوقع على نفسي، أم سيرضيها أن تراني مستقلة بذاتي ناجحة في حياتي؟

إن ما ذكرته سابقا هي مسألة عامة أتوجه بها لكل من فقد الغالية، لكن دعينا نعود إليك أنت ابتعدت أمك عنك بعد أن كنت في الخامسة عشرة من عمرك، ثم عادت لتتوفاها المنية بعد  ما يقارب الخمس سنوات، كان يرعاكم فيها أبوكم، وكانت رحمها الله تأتي للزيارة فقط،  تزوجت أخواتك، ويقيت أنت وأبوك في البيت، كيف ستستمر الحياة بينكما؟!

رجل عاش في الغربة بعيدا عن أسرته،  ثم عاد لتسافر زوجته  بعيدا عنه  لمدة خمس سنوات،  ثم تعود هي بدورها لأرض الوطن لتبتعد نهائيا تبدو وكان العلاقة بين هذين الشخصين  عبارة عن عودة ورحيل،  أي أن العلاقة التي دامت 40 سنة  لم يجتمعا فيها لمدة طويلة، ثم بعد كل هذا يجد نفسه -أي الزوج- وحيدا مع إحدى بناته في البيت. إن هذا الأب قبل أن يكون أبا هو إنسان، وهو رجل له احتياجاته  يحق له إشباعها،  كما يحق له كبتها، فهذه اختياراته، وهو أدرى بإمكانياته وقدراته، فإذا ما اختار أن يلبيها فإننا لا نستطيع إلا أن نتقبل ذلك خاصة -وكما ذكرت سابقا- أنه كزوج عاش حياة العودة والرحيل مع شريكة حياته، واختار ما اختاره بعد أن وصلت العلاقة إلى اللا عودة وهذه نقطة تحسب له لا عليه.

فتاة في الواحدة والعشرين من عمرها رحلت أمها وتزوجت أخواتها، بقيت هي و أبوها فقط لكنه يغادر البيت ولا يعود إلا للمبيت، فيه  وبالتالي فهي تعاني الوحدة، وأن لا أحد يهتم بها،  وحتى أمها غادرت إلى البلد الأجنبي وهي في أمس الحاجة لها، والآن توفيت  وغادرت للأبد.

إن المقارنة السريعة بين هذين الشخصين (الأب- البنت) تبين  لنا أن أحدهما انطلق  ليمضي قدما في حياته، والثاني تقوقع في الحزن واسودت الحياة في وجهه، وجلست تندب حظها، وتطالب الآخرين بالاعتناء بها.. إذن كيف ستكون العلاقة، من سيشكل عثرة في طريق من؟

إن انطلاق الأب في حياته أمر طبيعي،  لكن دون أن يهمل في دوره كأب، وإن مطالبة الفتاة بقيام الأب بدوره حق طبيعي، لكن دون أن تحمله  ما لا يطيق  فيحصل أن ينفر منها، ومن ثم يصطدم بها؟

حاولت فيما سبق أن أفتح أمامك رؤى أخرى في التفكير،  أما الآن فأقول لك تحتاجين:

 أن تدعمي نفسك  من داخلك أولا، وتعتني بنفسك قبل مطالبة الآخرين بذلك، هل فكرت أن تخلقي لنفسك حياة جديدة، أن تستغلي ظروفك وتنخرطي في عمل نافع لك والآخرين، وفي أنشطة تروحين بها عن نفسك مع أصدقائك وأخواتك، إنك كلما انطلقت خارج الإطار الضيق الذي وضعت نفسك فيه كلما قل إحساسك بالاحتياج للآخرين،  وإذا قل هذا الإحساس زادت استقلاليتك وقلَّت اعتماديتك عليهم، وبالتالي لن تكوني حجر عثرة  أمام أحد؛ لأنك سيكون لك عالمك الخاص  المليء بالإنجاز والنجاح. إذن قفي مع نفسك، وانظري إلى الإمكانيات التي تملكينها، واستغليها وطوريها وحددي لنفسك أهدافا عملية حاولي تحقيقها.

أن تقيمي حوارا مع أبيك خاليا من الاتهام والعتاب، توضحين فيه تفهمك لوضعه وظروفه، وتشرحين له احتياجاتك كابنة له دون أن تجعلي نفسك تبدين على شكل ضحية؛  لأن هذا من شأنه أن يولد النفور بينكما، وستدورين في نفس الدائرة السابقة.؟

ربما يكون قيام أحد إخوتك بمناقشة أبيك في الوضع القائم في البيت مفيداً قبل أن تجري نقاشاً معه.

واعلمي أن السعادة والرضا بالحياة نحن من نصنعه، ولا أحد  قادر على صنعه لنا، إذن حان الوقت أن تستجمعي قوتك، وتواجهي الحياة وتثبتي للجميع أنك  مصدر شفقة، ولا حجر عثرة في طريق أي أحد، وتأكدي أنه كلما استقللت عن الآخرين كلما تجدينهم أكثر محاولة للتقرب منك، فمن منا لا يود التقرب من الإنسان الناجح الواثق من نفسه ليتعلم منه،  فلتكوني ذلك الإنسان.

أخيرا أتمنى لك التوفيق، وأرجو أن تصلك المعاني التي حاولت أن أوصلها لك..


إرسال إلى صديق طباعة حفظ