إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل للتعزير بالجلد أصل؟
المجيب
فهد بن عبد الله الصقعبي
مستشار في مجلس الشورى
التاريخ الاربعاء 16 صفر 1430 الموافق 11 فبراير 2009
السؤال

أرجو من فضيلتكم بيان المبرِّر الشرعي لتوقيع عقوبة تعزيرية مقدارها 1500 جلدة.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الأصل في التعزير أن مرجعه إلى نظر الحاكم، إذ هو العقوبة التي لم يرد فيها تحديد من الشارع، وقد نصَّ المحققون من أهل العلم على أن التعزير لا يتقدر بقدر معلوم، وإنما هو بحسب الجناية في جنسها وصفتها وعظمها.
وهذا محل اتفاق بين الفقهاء.
فعند الحنفية: التعزير يكون في كل معصية، وليس فيه شيء مقدر، وإنما هو مفوض إلى رأي الإمام على ما تقتضي جنايات الناس وأحوالهم.
وعند المالكية: وهو موكول لاجتهاد الإمام.
وعند الشافعية: من أتى معصية لا حدَّ فيها ولا كفارة عزر حسب ما يراه السلطان.
وعند الحنابلة: التعزير هو التأديب، وهو واجب في كل معصية لا حدّ فيها ولا كفارة، وأقله غير مقدر، فيرجع فيه إلى اجتهاد الإمام والحاكم فيما يراه، وما يقتضيه حال الشخص.
وأما ما تذكره -أخي الكريم- من بلوغ التعزير في بعض الجنايات إلى هذا الحد من الجلد فهذا يعرفه من ولي القضاء ورأى حاجة الناس إلى هذه العقوبات، وأن بعض الناس لا ينكف شرهم إلا بمثل هذه العقوبات وربما أعظم منها، وقد وردت العقوبة بمثل ما تذكره -أخي السائل- في كلام أهل العلم، ومن ذلك على سبيل المثال ما جاء في مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (وهو من كتب المذهب المالكي): في مسائل أبي عمران القابسي من كتاب الاستيعاب، وكتاب الفضول فيمن باع حرا ماذا يجب عليه، قال: يحد ألف جلدة ويسجن سنة..
وأحسب أنك تتفق معي على أن هناك جنايات لها آثار تفوق آثار جناية بيع الحر بمراحل على الجاني وعلى المجني عليه، بل على المجتمع بأكمله ما تستحق معه عقوبة تناسب الجريمة والجناية المرتكبة.
واعلم -أخي الكريم- أن الناس يحدثون من الأقضية والجنايات ما ليس في العهود السابقة، فيستحقون عليها التعزير الشديد كفا لشرهم وردعا لغيرهم، وربما بلغ التعزير القتل في بعض أقضيته وأحواله، ولا ريب أن الألف وخمسمائة جلدة أقل وطئاً، وأخف أثراً، من القتل.
ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا الجواب أنه يجب في حال الحكم على جان بتعزير أن يراعى حاله ومدى إطاقته لعقوبة التعزير، فإن كان لا يطيق التعزير بهذا القدر من الجلد فإنه يخفف عنه، أو يبدل بعقوبة أخرى كالتعزير بالحبس أو بالمال ونحو ذلك.
أخي الكريم: إن المشاهد مع -الأسف الشديد- في كثير من المجتمعات، سواء كانت عربية أو غربية تعاملهم مع كثير من الوقائع بانحيازية وحمية غير مبررة، وقد يقبل هذا من عوام الناس، لأنهم يعذرون بجهلهم وعدم إدراكهم لكثير من الأمور، لكنه غير مقبول من أناس قد بلغوا مبلغا من العلم والإدراك والوعي والمكانة في مجتمعهم، لذلك تجد أن كبار القوم لرجاحة عقولهم وحصافة رأيهم وإدراكهم للأمور التي لا يدركها عوام الناس يقفون من قضايا الأمة موقف الشرفاء، ويتعاملون مع الحوادث بحكمة العقلاء.
ومما هو غير محمود في المجتمعات أن يكون التأثير عليها من أخبار وشائعات تنشر في صحف سيارة أو أحاديث عابرة لا تمت إلى الواقع بصلة.
وإن من المواثيق المهمة التي يجب أن تكون في تعامل الناس بعضهم مع بعض والمجتمعات والأمم بعضها مع بعض ما ورد في القرآن العظيم: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) فتؤخذ الوقائع من منظار سوي لا مبالغة فيه ولا إجحاف، وينسب الفعل إلى فاعله، ولا يعمم على مجتمع أو طائفة. أسأل الله التوفيق للجميع..


إرسال إلى صديق طباعة حفظ