إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان ولدت بنته سفاحًا فقتل ولدها!
المجيب
عبد العزيز بن عبد الرحمن الشبرمي
التاريخ الخميس 25 محرم 1430 الموافق 22 يناير 2009
السؤال

امرأة متزوجة زنت وحملت سفاحًا، وأنجبت ولداً، قام والداها بقتل الولد، خشية العار وكلام الناس، وأختها كانت شاهدة على الحادثة فماذا على الأب؟ علماً أنه الآن كبير السن وأعمى ولا يستطيع أن يقوم من مكانه، وتقوم ابنته التي حملت سفاحا برعايته، وهو فاقد للوعي، والأم الآن كبيرة في السن، والبنت كبيرة أيضاً، فماذا يترتب عليهم، وماذا عليهم أن يفعلوا تكفيرا لذنوبهم؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن ما سألت عنه هو جريمة مركبة من عدّة جرائم، وهي الزنا، ثم قتل النفس التي حرم الله قتلها وأمر بإبقائها واحترامها، والموضوع فيه عدّة مسائل:
الأولى: وجوب التوبة من كبيرتي الزنا والقتل العمد، حيث إنهما كبيرتان عظيمتان، بدليل قوله تعالى: "والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما".
الثانية: وجوب دفع الدية عن القتل العمد، حيث يسقط القود (وهو القصاص) إذا قتل الوالد ولده، ويبقى البذل، وهو بذل الدية المغلظة، وقدرها مائة وعشرة آلاف ريال سعودي، فهي على من قتله تدفع لأمه لأنها الوحيدة التي ترث ابنها من الزنا ما لم تكن ساهمت بقتله، ورضيت به، فيجب عليها المساهمة بدفع الدية، وتودع في بيت مال المسلمين؛ لأن الإمام وارث من لا وارث له، والقاتل لا يرث شيئا.
الثالثة: ما يتعلق بكفارة القتل وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين على كل مساهم بالقتل، فقد اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة في القتل العمد على قولين: القول الأول: عدم وجوب الكفارة في القتل العمد، وإليه ذهب الحنفية والمالكية، وهو مشهور مذهب الحنابلة، وبه قال الثوري وأبو ثور وابن المنذر. واستدلوا بقوله تعالى: "ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا"، وقوله تعالى: "ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم" فالله عز وجل أوجب في الآية الأولى كفارة القتل الخطأ، ثم ذكر في الآية الثانية القتل العمد، ولم يوجب فيه كفارة، جعل جزاءه جهنم، فلو كانت الكفارة فيه واجبة لبينها وذكرها، فكان عدم ذكرها دليلا على أنه لا كفارة فيه. كما استدلوا بما روي أن الحارث بن سويد رضي الله عنه قتل رجلا، فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم عليه القود، ولم يوجب كفارة، وقتل العمد كبيرة محضة، فلا تكفرها الكفارة كسائر الكبائر، مثل الزنا والسرقة والربا، ولعدم جواز قياسه على قتل الخطأ، لأنه دونه في الإثم، فشرعه لدفع الأدنى لا يدل على دفع الأعلى، ولأن في القتل العمد وعيدا محكما، ولا يمكن أن يقال يرتفع الإثم فيه بالكفارة مع وجود التشديد في الوعيد بنص قاطع لا شبهة فيه،ولأن الكفارة من المقدرات فلا يجوز إثباتها بالقياس على ما عرف في موضعه، ولأن قوله تعالى: "فجزاؤه جهنم" هو كل موجبه، وإيجاب الكفارة زيادة على العقوبة.
القول الثاني: وجوب الكفارة في القتل العمد، وإليه ذهب الشافعية وهو رواية عن أحمد، وإليه ذهب الزهري. واستدلوا بما روى واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فأتاه نفر من بني سليم فقالوا: يا رسول الله إن صاحبا لنا قد أوجب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتقوا عنه رقبة يعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار"، فقد أوجب الرسول صلى الله عليه وسلم الكفارة فيما يستوجب النار، ولا تستوجب النار إلا في قتل العمد، فدل هذا على أن  القتل العمد يوجب الكفارة. كما استدلوا بأن الكفارة إذا وجبت في قتل الخطأ مع عدم المأثم، فلأن تجب في العمد وقد تغلظ بالإثم أولى، لأنه أعظم إثما وأكبر جرما، وحاجة القاتل إلى تكفير ذنبه أعظم والله أعلم بالصواب.
وخلاصة القول أن على الزانية والمساهم في القتل التوبة والندم، وبذل الدية، وأما الكفارة فعلى الخلاف المفصل المذكور، والعاجز يبذل من ماله، أو ينوب أحد منابه بنية إخراجها عنه براءة للذمة حسب القدرة. والله المستعان...


إرسال إلى صديق طباعة حفظ