إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل يُحدُّ المعتوه؟
المجيب
خالد بن سعود الرشود
قاضي في ديوان المظالم
التاريخ السبت 07 جمادى الأولى 1430 الموافق 02 مايو 2009
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
ما هو حد المعاق عقليًّا في الشرع إذا قَتَل أو سَرَق؟ وما الفرق بينه وبين المجنون؟

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
فالأصل في سقوط القصاص عن المجنون والمعتوه قوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل" وفي رواية: "وعن المعتوه حتى يعقل". وبناءً على ذلك فالمعاق عقليا يدخل فيه معان عدة نص عليها الفقهاء:
1- الجنون، وقد عرَّفه الفقهاء والأصوليون بعبارات مختلفة منها: أنه اختلال العقل بحيث يمنع جريان الأفعال والأقوال على نهجه إلا نادرًا. وقيل: الجنون اختلال القوة المميزة بين الأشياء الحسنة والقبيحة المدركة للعواقب بأن لا تظهر آثارها، وأن تتعطل أفعالها. وعرفه صاحب البحر الرائق بأنه: اختلال القوة التي بها إدراك الكليات.
2- البرسام وهو: علة عقلية ينشأ عنها الهذيان، شبيهة بالجنون.
3- العته: في اللغة: نقصان العقل من غير جنون أو دهش. وهو عند الفقهاء والأصوليين آفة توجب خللا في العقل؛ فيصير صاحبه مختلط الكلام، فيشبه بعض كلامه كلام العقلاء، وبعضه كلام المجانين، وكذا سائر أموره. والفرق بين الجنون والعته، أن المعتوه قليل الفهم مختلط الكلام، فاسد التدبير، لكن لا يضرب ولا يشتم بخلاف المجنون.
فهذه ثلاث درجات: الجنون وهو زوال العقل بالكلية، ثم البرسام وهي مقاربة الجنون، ثم العته وذلك مثل تصرفات المريض المنغولي. والعته أيضا درجات، فقد يكون يسيرًا يعي معه المعتوه تصرفاته، وقد يكون كثيرًا فيقارب المبرسم.
وعموما فضابط الإعاقة العقلية -كما سماها السائل- المانعة من وجوب الحد: هو نقص العقل المانع من صحة القصد، وصحة الفهم لخطاب الشارع.
قال الغزالي في المستصفى: ولا يصح خطاب الجماد والبهيمة بله خطاب المجنون والصبي الذي لا يميز؛ لأن التكليف مقتضاه الطاعة والامتثال، ولا يمكن ذلك إلا بقصد الامتثال، وشرط القصد العلم بالمقصود، والفهم للتكليف، فكل خطاب متضمن للأمر بالفهم، فمن لا يفهم كيف يقال له افهم؟ ومن لا يسمع الصوت كالجماد كيف يكلم؟ وإن سمع الصوت كالبهيمة ولكنه لا يفهم، فهو كمن لا يسمع. ومن يسمع وقد يفهم فهما ما، لكنه لا يعقل ولا يثبت -كالمجنون وغير المميز- فمخاطبته ممكنة، لكن اقتضاء الامتثال منه مع أنه لا يصح منه قصد صحيح غير ممكن..اهـ
وبناءً على ذلك قرر الفقهاء أنه لا يقام الحد على المجنون ودرجاته المذكورة؛ وذلك لعدم فهم الخطاب بالمنع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: عدم صحة القصد الجنائي منهم، فلهذا عدّوه في القتل كالقتل الخطأ يجب الضمان، ولا يجب القصاص.
والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ