إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان أدمن على الزنى فرغب عن الزواج
المجيب
د.طارق بن عبد الرحمن الحواس
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ الاربعاء 20 ربيع الأول 1424 الموافق 21 مايو 2003
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ابتليت وأنا في صغري بكثرة الزنا حتى قبل أشهر، حيث كانت حياتي مرتبطة بالنساء، حيث تدربت على يد بنت الجيران؛ كانت تكبرني بخمس عشرة سنة، وأنا حينها في السادسة عشرة من عمري، وبعدها عرفت طريق الزنى، وأرى كل بنت يسهل التعرف عليها أو يمكن أن تخون، لقد عشعش هذا التفكير على حياتي، ولم أستطع تغييره بكل السبل، لا أخاف من الزواج بل كرهته، وكرهت الكلام والجلوس حتى في العمل، بل أعاملهن أقل درجة (إلا الجنس فهو لغريزتي)، لجأت لديني بعد أن منَّ الله علي بالهداية. فهل من حل؟

الجواب

الأخ الكريم سلمه الله ورعاه، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فنشكر لك مراسلتك لنا على موقع (الإسلام اليوم)، ونرجو الله أن تجد منا النفع والفائدة.
والجواب على ما سألت كالتالي:
- فأبارك لك توبتك ورجوعك إلى الله، وهنيئًا لك فرح الله بك وبعودتك إليه، ونرجو الله أن يقبلنا جميعًا عنده ويغفر لنا، ويعفو عنا، ويثبتنا جميعًا على الإيمان والطاعة حتى نلقاه وهو راض عنا.
- نعم، هناك حل ودواء لما تشكو منه؛ فإن الله ما أنزل من داء إلا وله دواء، ونحمد الله أن شرح صدرك للطاعة، ولبغض المعصية، وهذا أول الطريق الذي يسلكه العبد الجاد في التوبة والبعد عن المعصية، إن وجود الرغبة الملحة لترك المعصية ولبغضها هو الوقود- بعد عون الله- للانتصار على النفس الأمارة بالسوء، فأبشِرْ بخير، واعلم أنك بحاجة إلى أن تنتبه لبعض الأمور التي سوف أقترحها عليك للفوز بالنفس المطمئنة، وانشراح الصدر بالطاعة وكراهية المعصية، ومن ذلك:
1- أكثر من تذكر بشاعة تلك الجريمة؛ ليزداد بغضك لها ونفورك منها، لاسيما إذا تذكرت لو أن المزني بها أمك، أو أختك، أو زوجتك، أو بنتك، فهل ترضاه لهن؟ لاشك أنك لا ترضاه، وكذلك الناس لا يرضونه لنسائهم.
2- أؤكد عليك أهمية الزواج ووجوبه عليك؛ ليعصمك من الرجوع إلى ذلك الذنب مرة أخرى؛ لأن فيه غنية وعفافًا، وليس بصحيحٍ نظرتك إلى الزواج وكراهيتك بناء على نظرتك السوداء للنساء بحكم تجاربك معهن، فإن النساء ليسوا سواء، وكذلك الرجال، والناس يقولون: أصابعك ليست سواءً. وكذلك الحال في الناس؛ ليس كل من وقع في فاحشة أو خيانة يكون الناس كلهم كحاله، فتأمل هذا جيدًا، واعلم أن في الأمة من النساء الخيرات الصالحات القانتات من يسرك عفافهن وحشمتهن ودينهن، فلا بد من أن تقدم على الزواج عاجلًا وليس بآجل.
3- تذكر أن الإخلاص لله عز وجل- في التوبة النصوح، والعمل الصالح واجب، وأن العبد إذا لجأ إلى ربه بإخلاص وصدق وفَّقه الله وأعانه وصرف عنه السوء والفحشاء، قال سبحانه عن يوسف عليه السلام: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)[سورة يوسف: 24]. فأخبر سبحانه أنه صرف عن يوسف السوء من العشق والفحشاء من الفعل؛ بإخلاصه، فإن القلب إذا أُخلص وأَخلص عمله لله لم يتمكن منه عشق الصور، فإنه إنما يتمكن من القلب الفارغ.
4- لابد من توطين النفس على الصبر فالصبر خصلة محمودة، وسجية مطلوبة، وعواقبه جميلة، وآثاره حميدة، وهو علاج ناجع، ودواء نافع، وأكثر الناس له حاجة من يتعرض لفتن الشهوات خاصة فهو أحوج الناس إليه، فلابد من التذرع به، وأن تتكلفه وتوطن النفس عليه وتتجرع مرارته في بداية الأمر لتذوق حلاوته في النهاية، ومن ثم يصبح لك سجية وعادة. وفي صحيح البخاري (1469) ومسلم (1053) عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنْ الصَّبْرِ".
5- املأ قلبك بمحبة الله عز وجل، من خلال تذكر نعمه عليك، وستره لك على ما فعلت، ومع ذلك يقبلك إذا عدت إليه، ويحبك ويقربك، ولا يخفى عليك أن في القلب فقرًا ذاتيًّا، وجوعًا، وشعثًا، وتفرقًا لا يلمه ولا يسده إلا محبة الله والتوجه إليه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله: (فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا يلتذ ولا يسر ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه، ومن حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة).
فإذا خلا القلب من محبة الله تناوشته الأخطار، وتسلطت عليه سائر المحبوبات، فشتتته وفرقته وذهبت به كل مذهب.
6- حافظ على الصلاة مع جماعة المسلمين، فإن الله يقول: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون)[العنكبوت: 45]. فكم في ترداد المسلم إلى المسجد من تزكية لنفسه وصلاح لقلبه.
7- احرص على غض البصر ما استطعت إلى ذلك سبيلًا؛ فمن غض بصره أطاع ربه وأراح قلبه، وسلِم من تبعات إطلاق البصر، ونجا من التعلق بحب الصور التي يراها، وقد قيل: (إن حبس اللحظات أيسر من دوام الحسرات).
8- لابد من البعد عن المثيرات التي تحرك كوامن الشهوة، وتدعو إلى فعلها من الاختلاط بالنساء، ومشاهدة الأفلام، وسماع الأغاني، ولابد من قطع صلتك بما يذكرك بالفاحشة.
9- اشتغل بما ينفعك وتجنب الوحدة والفراغ ما استطعت.
10- أكثر من الدعاء والابتهال إلى الله بأن يصرفك عن السوء والفحشاء، وأن يحبب إليك الإيمان ويزينه في قلبك، فإنه على كل شيء قدير.
11- احرص على الصحبة الصالحة فإنها مفتاح كل خير، وتجنب صحبة الأشرار فإنها مفتاح كل شر وبلاء.
12- تذكر العواقب السيئة من فعل هذه الفاحشة؛ من الأمراض المستعصية، ومن الفضيحة وغير ذلك، وليكن لك عبرة بمن ابتلوا بالفضيحة أو الأمراض، ومعلوم أن الشهوة الخاطئة، والنزوة العابرة سيعقبها حسرة وندامة، وخزي وعار، وذلة وشنار، وأن لذتها ستصير عذابًا فتذهب اللذات وتبقى التبعات والحسرات.
تَفْنَى اللَّذَائِذُ مِمَّنْ نَالَ صَفْوَتَهَا*** مِنَ الحَرَامِ وَيَبْقَى الإِثْمُ والعَارُ
تَبْقَى عَوَاقِبُ سُـوءٍ فِي مَغَبَّتِهَا *** لَا خَيْرَ فِي لَذَّةٍ مِن بَعْدِهَا النَّارُ
13- أكثر من زيارة القبور لتذكرك الآخرة فتتعظ وتزهد في المنكر.
هذا، وأسأل الله لي ولك الهداية والرشاد، والعفو والعافية، والتوفيق والسداد، إنه جواد كريم. والسلام عليكم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ