إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان معنى حديث " الشهداء خمسة"
المجيب
د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاربعاء 19 محرم 1425 الموافق 10 مارس 2004
السؤال

عن أبي هريرة – رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق، فأخره، فشكر الله له، فغفر له، ثم قال الشهداء خمسة: المطعون والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله، وقال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا لاستهموا عليه ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما و لو حبوا." ما معنى هذا الحديث الشريف؟ جزاكم الله خيراً.

الجواب

الحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد:
هذه ثلاثة أحاديث وقد أخرجها البخاري بسياق واحد ح(652-653-654) قال حدثنا قتيبة عن مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: "بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له، ثم قال: الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله، وقال: لو يعلم ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا لاستهموا عليه، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً" قال الحافظ: (وكأن قتيبة حدث به عن مالك هكذا مجموعاً فلم يتصرف فيه المصنف كعادته في الاختصار، وقد تضمنت هذه الأحاديث ما يأتي:
(1) دل الحديث الأول على فضل إماطة الأذى عن الطريق، وأن قليل العمل إذا أخلص فيه العبد لربه، يحصل به كثير الأجر والثواب،وقوله: "فشكر الله له...." الله -سبحانه وتعالى- هو الشكور، والشاكر على الإطلاق الذي يقبل القليل من العمل، ويعطي الكثير من الثواب مقابل هذا العمل القليل، ومن شكره -تبارك وتعالى- أن غفر لهذا الرجل الذي نحى غصن الشوك عن طريق المسلمين، وهو عمل قليل.
(2) أفاد الحديث الثاني أن الشهداء خمسة وهم:
أ- المطعون: هو الذي يموت بالطاعون، وهو الوباء، وقد فسره النبي –صلى الله عليه وسلم- في حديث آخر حيث قال: "الطاعون شهادة لكل مسلم" أخرجه البخاري(2830)، ومسلم(1916) عن أنس –رضي الله عنه-.
ب- المبطون: هو الذي يموت من علة البطن، كالاستسقاء، والحقن وهو: انتفاخ الجوف والإسهال.
ج- الغريق: هو الذي يموت بالغرق.
د- صاحب الهدم: هو الذي يموت تحت الهدم.
هـ- الشهيد في سبيل الله.
قال الحافظ: (اختلف في سبب تسمية الشهيد شهيداً، فقيل لأنه حي فكأن أرواحهم شاهدة أي حاضرة، وقيل: لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة، وقيل: لأنه يشهد عند خروج روحه ما أعدَّ له من الكرامة والحصر المذكور في الحديث غير مقصود، فقد دلت أحاديث أخرى على وصف غير المذكورين بالشهادة)، قال الحافظ: (والذي يظهر أنه -صلى الله عليه وسلم- أعلم بالأقل ثم أعلم زيادة على ذلك فذكرها في وقت آخر ولم يقصد الحصر في شيء من ذلك) فتح الباري(6/43)، وممن جاء وصف موتهم بالشهادة غير المذكورين في الحديث السابق ما يأتي الحريق، وصاحب الجنب، والمرأة تموت بجمع، وقد جاء ذلك في حديث جابر بن عتيك – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "ما تعدون الشهادة؟" قالوا: القتل في سبيل الله –تعالى-، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: "الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغرق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيدة" أخرجه أبو داود (2704)، وصاحب ذات الجنب: ذات الجنب هي: قرحة في الجنب، وورم شديد، وتسمى ذات الجنب الشوصة.
وأما المرأة تموت بجمع: يقال بضم الجيم وكسرها، وقد تفتح الجيم وسكون الميم فهي المرأة تموت حاملاً، وقد جمعت ولدها في بطنها، وقيل: هي التي تموت في نفاسها وبسببه، وقيل التي تموت عذراء، والأول: أشهر الأقوال،ومن مات دون ماله ودينه ودمه وأهله فهو شهيد، وذلك لما جاء في حديث سعيد بن زيد – رضي الله عنه- قال: "سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد" أخرجه الترمذي (1341)، وقال: هذا حديث حسن صحيح ومن قتل دون مظلمته فهو شهيد، وذلك لحديث سويد بن مقرن – رضي الله عنه- قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "من قتل دون مظلمته فهو شهيد" أخرجه النسائي(4025)، قوله: دون مظلمته، أي قصده قاصد بالظلم، وموت الغربة شهادة، وذلك لحديث ابن عباس – رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "موت غربة شهادة" أخرجه ابن ماجة (1602)، وقد ذكر الحافظ أنه من خلال نظره في الأحاديث تحصل له إطلاق الشهادة على عشرين خصلة، قال ابن التين: هذه كلها ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- بأن جعلها تمحيصاً لذنوبهم وزيادة في أجورهم يبلغهم بها مراتب الشهداء، ووصف هؤلاء بالشهداء بمعنى أنهم يعطون من جنس أجر الشهداء ولا تجري عليهم أحكام الشهداء في الدنيا.
الحديث الثالث: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا ن يستهموا لاستهموا عليه،ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً"، رواه البخاري(615)، ومسلم(437) من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- فقوله- صلى الله عليه وسلم: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا"، النداء هو: الأذان، والاستهام: الاقتراع ومعناه أنهم لو علموا فضيلة الأذان وقدرها وعظيم جزائه ثم لم يجدوا طريقاً يحصلونه به لضيق الوقت عن أذان بعد أذان، أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلا واحد لاقترعوا في تحصيله، ولو يعلمون ما في الصف الأول من الفضيلة نحو ما سبق، وجاءوا إليه دفعة واحدة وضاق عنهم، ثم لم يسمح بعضهم لبعض به لاقترعوا عليه، وفيه إثبات القرعة في الحقوق التي يزدحم عليها ويتنازع فيها،وقوله –صلى الله عليه وسلم-: "ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه"، التهجير: التبكير إلى الصلاة وقوله – صلى الله عليه وسلم-: "ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً"، العتمة: هي صلاة العشاء، وفيه الحث العظيم على حضور جماعة هاتين الصلاتين، والفضل الكثير في ذلك لما فيهما من المشقة على النفس من تنغيص أول نومها وآخره، ولهذا كانتا أثقل الصلاة على المنافقين ينظر شرح النووي لمسلم(4/158)، هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ