إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل أقترض ممن ماله حرام؟
المجيب
د. عبدالله بن ناصر السلمي
عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء
التاريخ الاحد 27 ذو القعدة 1422 الموافق 10 فبراير 2002
السؤال
إذا أردت أن أقترض قرضاً من صديق، فهل يشترط أن يكون ماله حلالاً أم أن هذا شأنه؛ لأن القرض حلال في الإسلام؟
الجواب
الانتفاع من مال شخص حرام، أو التعامل معه لا يخلو من :
الحالة الأولى:
أن يكون التعامل مع الشخص إما بالاقتراض، أو الانتفاع، أو أي نوع من أنواع التعامل في عين المال الحرام، بحيث يكون المال الحرام هو موضع التعامل، كأن يكون ثمن الطعام، أو الهدية من عين الربا، أو من مال الغصب، أو القمار، أو السرقة، أو الغش والخداع، فإذا كان كذلك فلا يجوز الاقتراض أو الانتفاع بالمال الحرام؛ لأن من الأصول المتقررة في الشريعة الإسلامية أنه لا يجوز للمسلم أن يتصرف في ملك غيره بغير إذنه، فإن تصرف في ملك غيره بغير إذنه كان تصرفه باطلاً وهو مضمون عليه، ومعاملة الشخص فيما لا يملك بالاقتراض، أو الانتفاع، أو نحو ذلك لا تجوز، وتكون معاملة باطلة لما فيها من التصرف في مال الغير بغير إذنه، ولما فيها من الإقرار لحائز هذا المال على ما بيده من مال.
ومن الأدلة على ذلك: ما جاء عند الإمام أحمد (22509)، وأبي داود(3332)، والدارقطني(4/285-286)، والطحاوي في (مشكل الآثار)(3006.3005) بسند قوي من طريق عاصم بن كليب، عن أبيه، عن رجل من الأنصار، قال :" خرجنا مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في جنازة، فرأيت رسول الله –صلى الله عليه وسلم-وهو على القبر يوصي الحافر: أوسع من قِبَل رجليه، أوسع من قِبَل رأسه، فلما رجع استقبله داعي امرأة، فجاء وجيء بالطعام، فوضع يده، ثم وضع القوم فأكلوا، فنظر آباؤنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يلوك لقمة في فمه، ثم قال :" أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها"، فأرسلت المرأة قالت يا رسول الله: إني أرسلت إلى البقيع يُشترى لي شاة فلم أجد، فأرسلت إلى جارٍ لي قد اشترى شاة أن أرسل إليّ بها بثمنها فلم يوجد، فأرسلتُ إلى امرأته فأرسلتْ إليّ بها، فقال –صلى الله عليه وسلم- :" أطعميه الأسارى" فهذا رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قد رفض الأكل من لحم الشاة التي أخذت بغير إذن مالكها؛ لأن أخذ المال بغير إذن مالكه حرام، والانتفاع به مع علمه بالحرام -كما هو واقع المرأة بأخذها الشاة- حرام؛ لأن النبي –صلى الله عليه وسلم- لم يطعمها بعد العلم بها، ومن الأدلة على ذلك أيضاً ما أخرجه البخاري في صحيحه(3842) أن أبا بكر الصديق –رضي الله عنه- كان له غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوماً بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ فقال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا إني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده، فقاء كل شيء في بطنه".
الحالة الثانية:
أن يكون التعامل مع شخص يتعامل في معاملات يدخلها الحرام فيختلط ماله الحلال بما يأتيه من مال حرام، ويكون غالب ماله من حلال أو لا يعرف ولا يعلم بالمال المتعامل معه به من اقتراض، أو هدية، أو نحوه أهو من عين ماله الحرام أم لا؟
فهذا القسم وقع فيه خلاف عند أهل العلم على أقوال أقواها وأظهرها:
جواز ذلك إلا إنه إذا غلب على ماله الحرام فإنه يكره، وهذا هو مذهب الشافعية والحنابلة، وقواه ابن قدامة في (المغني) ونصره، وهو ظاهر اختيار ابن تيمية –رحمه الله-في (مجموع الفتاوى 22/320)، حيث قال :" إن الحرام لكسبه كالمأخوذ غصباً أو بعقد فاسد إذا اختلط بالحلال لم يحرمه " ا.هـ.
والدليل على ذلك هو:
1- أن الظاهر أن ما في يد الإنسان ملكه، فإن لم يعلم من أيهما هو كرهناه، والكراهة تقوى وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته كما يقول المرداوي في (الإنصاف).
2- أن الأصل في المال والتعامل به الإباحة، ولا يثبت التحريم بمجرد الاحتمال.
3- ولما أخرجه البيهقي في (السنن الكبرى) (5/335) عن ربيع بن عبدالله سمع رجلاً سأل ابن عمر- رضي الله عنهما- : إن لي جاراً يأكل الربا، أو قال: خبيث الكسب، وربما دعاني لطعامه أفأجيبه، قال: نعم".
قال البيهقي –رحمه الله-: "وهذا إذا لم يعلم أن الذي قدم إليه حرام، فإذا علم حراماً لم يأكله كما لم يأكل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من الشاة التي قدمت إليه"ا.هـ.
والأحوال في هذا كثيرة، ولكن هذا جواب على حسب المقام وإن كان في المسألة تفصيل لا يحتمله مثل هذا الجواب، والله أعلم.

إرسال إلى صديق طباعة حفظ