إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان حدود الله في (الطلاق- والمعاملات- والعبادات)
المجيب
راشد بن فهد آل حفيظ - رحمه الله -
القاضي بمحكمة الهدار العامة بمحافظة الأفلاج
التاريخ الخميس 28 صفر 1426 الموافق 07 إبريل 2005
السؤال

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً، وبعد:
أخي الكريم -أعزكم الله- ما هي حدود الله في ( الطلاق - والمعاملات – والعبادات؟) وجزاكم الله عنا وعن الأمة الإسلامية خير الجزاء.

الجواب

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فالجواب: أن هذا سؤال مهم جداً، ونافع ومفيد لطالب العلم، وجوابه يحتاج إلى بسط، فأقول مستعيناً بالله، مراعياً جانب الاختصار ما يلي:
أولاً: العبادة ومفهومها: إن للعبادة مفهوماً عاماً، ومفهوماً خاصاً: أما العام فهو التذلل لله –تعالى- محبة وتعظيماً، بفعل أمره واجتناب نهيه على الوجه الشرعي.
أما الخاص: ويتعلَّق بتفاصيلها فهو أن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، والأصل فيها المنع والحظر، فلا يجوز لأحد أن يتعبد لله –تعالى- إلا بما شرعه، أو شرعه لنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال تعالى: "أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله"[الشورى: 21].
فمن تعبد الله بشيء لم يشرعه الله، أو بشيء لم يكن عليه النبي –صلى الله عليه وسلم- وخلفاؤه الراشدون فهو مبتدع، سواء كان ذلك التعبد فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، أو فيما يتعلَّق بأحكامه وشرعه؛ قال صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور"رواه أبو داود(4607)، والترمذي(2776)، وابن ماجة(42)، والعبادة مبنية على أمرين:
الأول: الحب، فبه تطلب مرضاة المعبود، تحبه فتطلبه.
الثاني: التعظيم، فبه يُهرب من معصية المعبود، تعظمه فتخافه.
ولا تقبل العبادة إلا بشرطين:
الأول: الإخلاص لله –تعالى- بأن يقصد المرء بعبادته التقرُّب إلى الله –تعالى- والوصول إلى دار كرامته.
الثاني: موافقة الشريعة، فلا بد من المتابعة للرسول – صلى الله عليه وسلم- بأن يعبد الله –تعالى- على وفق ما شرعه -صلى الله عليه وسلم- أو قلَّ.
والأدلة على هذين الشرطين كثيرة منها: قوله –تعالى-: "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا"[الكهف: 110]، وقوله –تعالى-: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء"[البينة: 5]، وقال صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"رواه البخاري(2697)، ومسلم(1718) من حديث عائشة-رضي الله عنها-.
ثانياً: الطلاق، وحكمه:
الطلاق: هو حل قيد النكاح أو بعضه، فإن كان بائناً فهو حل لقيد النكاح كله، ولا يكون إلا بعد نكاح، والأصل فيه الكراهة؛ لقوله –تعالى-: "فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم"[آل عمران: 226-227]، فقوله: "سميع عليم" فيه شيء من التهديد، وهذا في الطلاق، أما في الفيء فقال: "فإن الله غفور رحيم"، فدل هذا على أن الطلاق غير محبوب إلى الله –عز وجل- وأن الأصل فيه الكراهة، وقال صلى الله عليه وسلم: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" رواه أبو داود(2178)، وابن ماجة(2018) من حديث ابن عمر-رضي الله عنهما- لكن هذا الحديث ضعيف، وفي معناه نظر واضح - ولأن في الطلاق تشتيت للأسرة غالباً- ويباح الطلاق للحاجة، مثل ألا يستطيع الزوج الصبر على زوجته، ويستحب لضرر المرأة؛ لما في ذلك من الإحسان إليها لإزالة الضرر عنها، ويتأكد ذلك جداً في بعض الأحوال ويجب إذا آلى من زوجته بأن حلف ألَّا يجامعها أكثر من أربعة أشهر، فإذا تمت أربعة أشهر فإما أن يرجع ويكفر كفارة يمين، وإما أن يطلق وجوباً، وكذلك يجب أن يطلق إذا اختلت عفتها، ولم يستطع الإصلاح، وكذلك يجب أن يفارقها إذا كانت لا تصلي، وقد أصرَّت على ذلك، ويحرم أن يطلقها طلاقاً بدعياً، إما في الوقت كأن يطلقها في الحيض، أو في طهر جامعها فيه وهي ممن تحيض، ولم يتبين حملها، وإما في العدد بأن يطلق أكثر من واحدة.
إذاً فالطلاق السني أن يطلقها طاهراً من غير جماع، أو قد تبين حملها طلقة واحدة.
وهل يقع الطلاق البدعي أم لا؟
خلاف بين العلماء، وقاعدة شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم وتبعهما العلامة الشيخ/ محمد بن عثيمين: أن الطلاق البدعي لا يقع؛ لأدلة كثيرة معلومة، وبالإمكان الرجوع إليها في (مجموع الفتاوى) (وزاد المعاد)، و(إغاثة اللهفان)، و(الإعلام)، وفتاوى الشيخ محمد بن عثيمين وشرحه للزاد وللبلوغ.
ويصح الطلاق ممن يعقل معناه من زوج مكلف، وصبي مميز.
ثالثاً: المعاملات، والأصل فيها: الأصل في المعاملات الحل؛ لقوله –تعالى-: "وأحل الله البيع وحرم الربا"[البقرة: 275]، فكل مبايعة أو معاوضة فالأصل فيها الحل، وهكذا بقية العقود، وقال تعالى: "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً"[البقرة: 29]، ولا يحرم منها إلا ما دل الدليل على تحريمه، ومدار ذلك على أمور ثلاثة:
1- الربا.
2- الغرر.
3- الظلم.
فكل معاملة تضمنت ربا أو غرراً أو ظلماً، أو أدت إلى ذلك فهي محرمة، كما قرره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، والشيخ العلامة محمد بن عثيمين – رحمة الله على الجميع-؛ لأن المعاملات مبناها على العدل والقسط.
أما الربا ففروعه كثيرة، ومنها مسألة العينة: وهي بيع بيعتين في بيعة؛ بأن يبيع سلعة بثمن مؤجل، ثم يرجع فيشتريها ممن باعها عليه بثمن حالٍّ أقل.
أما الغرر فكل بيع فيه ميسر وقمار ومخاطرة، ومن ذلك كل بيع مجهول.
أما الظلم فهو أعم مما تقدم إذ يشملهما، فكل ما اشتمل على أحدهما من المعاملات دخله الظلم، كما أنه يشمل غير ذلك مما دخله الظلم الظاهر، كبعض المعاملات المعاصرة، ومنها على سبيل المثال: مسألة الإيجار المنتهي بالتمليك، ومنها اشتراط حلول الثمن المؤجل بتأخر سداد أحد الأقساط، كما يحصل في بيع التقسيط أحياناً، ووجه الظلم فيه أن التأجيل يكون له أثر معلوم في زيادة ثمن السلعة على ثمنها لو بيعت بثمن حال، أما قوله -صلى الله عليه وسلم-: "المسلمين على شروطهم..." رواه الترمذي(1352)، وابن ماجة(2353) من حديث عمرو بن عوف المزني –رضي الله عنه- فالمقصود بذلك الشروط الصحيحة التي لا تتضمن ربا، أو غرراً، أو ظلماً، وقد علل الشيخ العلامة محمد بن عثيمين تحريم هاتين المسألتين بذلك – يعني بالظلم-، وذلك حين سألته – رحمه الله-.

المراجع:
1- مجموع فتاوى شيخ الإسلام.
2- القواعد النورانية لشيخ الإسلام.
3- نظرية العقد (العقود) لشيخ الإسلام.
4- زاد المعاد.
5- الإعلام.
6- إغاثة اللهفان (كلها لابن القيم).
7- مجموع فتاوى الشيخ محمد بن عثيمين.
8- شرحه للزاد والبلوغ المطبوع والمسجل بالأشرطة.
9- الفتاوى السعدية.
10- المختارات الجلية (كلاهما للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي) على الجميع – رحمة الله-. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ