إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل في هذا الحديث تشبيه الخالق بالمخلوق
المجيب
راشد بن فهد آل حفيظ - رحمه الله -
القاضي بمحكمة الهدار العامة بمحافظة الأفلاج
التاريخ الثلاثاء 30 ربيع الثاني 1426 الموافق 07 يونيو 2005
السؤال

السلام عليكم.
قرأت كتاباً يروي فيه مؤلفه عن الإمام مالك، أنه قال: (من يصف أن لله يداً، ويشير إلى يده هو (برفعها لكي تُرى) فيجب أن تقطع يده، وكذلك من شبه بوجهه). فلماذا أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى عينيه وأذنه، عندما تلا قوله تعالى: "إنه هو السميع البصير"؟ وكذلك ما يحيرني هو: كيف قارن النبي -صلى الله عليه وسلم- كلام الله بجر السلاسل على الصخر، أليس في المثالين أعلاه تشبيه؟.
جزاكم الله خيراً.

الجواب

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
إن من الإيمان بالله –تعالى- الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله – صلى الله عليه وسلم- من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، هذا هو منهج أهل السنة والجماعة في صفات الله –تعالى-، فهم يؤمنون بها إيماناً خالياً من هذه الأمور الأربعة، فالتحريف: تغيير اللفظ والمعنى، فتحريف المعنى هو تغييره بصرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل، وهو نوع من التعطيل.
أما التعطيل: فهو إنكار ما أثبته الله –تعالى- لنفسه من الأسماء والصفات كلياً أو جزئياً، بتحريف أو بجحود، فهذا كله تعطيلٌ.
أما التكييف: فهو ذكر كيفية الصفة من صفات الله –تعالى- وهو محرم، وبدعة منكرة، وقول على الله بغير علم؛ لأن الله – سبحانه – وصف نفسه في كتابه بصفات، ولم يخبرنا بكيفيتها.
أما التمثيل: فهو تمثيل الله –سبحانه- بخلقه، في ذاته، أو في صفاته، والتمثيل ذكر مماثل للشيء.
وأهل السنة يتبرؤون منه ومن التحريف، والتعطيل، والتكييف، قال تعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" [الشورى: 11]، فقوله: "ليس كمثله شيء" ردٌّ على الممثلة، وقوله: "وهو السميع البصير" ردٌ على المعطلة.
وقال تعالى: "هل تعلم له سميا" [مريم: 65]، أي مماثلاً، وقال تعالى: "ولم يكن له كفوا أحد" [الإخلاص: 4]، وقال تعالى: "فلا تجعلوا لله أنداداً" [البقرة: 22]، أي نظراء مماثلين، وقال تعالى: "فلا تضربوا لله الأمثال" [النحل: 74]، فإن قيل: إن هناك أحاديث قد تشتبه علينا، ونريد الجواب الشافي عنها:
أولاً: قوله صلى الله عليه وسلم: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته" أخرجه البخاري (7434)، ومسلم (633)، فالجواب عن ذلك من وجهين:
الأول: أنه لا يمكن أن يقع تعارض بين كلام الله –تعالى- وكلام رسوله –صلى الله عليه وسلم- الذي صح عنه أبداً؛ لأن الكل حق من عند الله- تعالى- لكن قد يقع التعارض في فهم البعض، لقلة العلم، أو لقصور الفهم، أو للتقصير في البحث والتعلم والتدبر، أو لسوء القصد والنية، وبناء على ذلك فيجب عليك عند الاشتباه أن ترد المشتبه إلى المحكم؛ حتى يبقى النص كله محكماً، وهذه طريق الراسخين في العلم، قال تعالى: "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات..." [آل عمران: 7]، وبهذا تسلم أمام الله.
الثاني: أن الحديث ليس فيه تشبيه للمرئي بالمرئي، وإنما فيه تشبيه للرؤية بالرؤية، أي ترون ربكم كرؤيتكم القمر ليلة البدر، ولهذا أعقبه بقوله: "لا تضامون في رؤيته" أو: "لا تضارون في رؤيته" أخرجه البخاري (7440).
ثانياً: قوله صلى الله عليه وسلم: " خلق الله آدم على صورته" أخرجه البخاري (6227)، ومسلم (2841)، والجواب عنه من ثلاثة وجوه:
الأول: - بما سبق-: أنه لا يمكن أن يتعارض هذا الحديث مع قوله تعالى: "ليس كمثله شيء"، فإن استطعت الجمع فافعل، وإلا فقل: إن الله خلق آدم على صورته، وأنه سبحانه ليس كمثله شيء، فأثبت الصورة بدون مماثلة.
الثاني: أنه لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلاً له من كل وجه، فقد قال صلى الله عليه وسلم-: " أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر" أخرجه البخاري (3246)، ومسلم (2834)، فهؤلاء البشر ليسوا على صورة القمر من كل وجه، بل على صورتهم، لكن في الوضاءة والحسن والجمال، وما أشبه ذلك على صورة القمر، لا من كل وجه.
الثالث: أن الإضافة في قوله: "على صورته" من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، فيعني خلقه على الصورة التي اختارها، واعتنى بها خلقاً، وتصويراً، فإضافة الله الصورة إليه من باب التشريف والتكريم.
ولا يعني ذلك نفي الصورة، فإنها ثابتة لله –تعالى- بأدلة كثيرة، وسيأتي بيان معناها، أي معنى الصورة التي تكون لله –تعالى- وتليق بجلاله وعظمته.
وهذا الوجه – أعني الوجه الثالث- صحيح، وله نظير، لكن الوجه الثاني أسلم منه؛ لأن لظاهر اللفظ مساغاً في اللغة، وإمكاناً في العقل، فالواجب حمل الكلام عليه، مع اعتقادنا الجازم أن الصورة لا يلزم منها مماثلة الصورة الأخرى، وحينئذ يكون الأسلم أن نحمله على ظاهره. فإن قيل: ما هي الصورة التي لله –تعالى- ويكون آدم عليها؟
فالجواب: أن الله –تعالى- له وجه يليق بجلاله وعظمته، وله عينان تليقان بجلاله وعظمته، وله يدان تليقان بجلاله وعظمته، لكن لا يلزم من أن تكون هذه الصفات مماثلة لصفات الآدمي، كما أن الزمرة الأولى من أهل الجنة تكون على صورة القمر، لكن بدون مماثلة، وهذا بالنسبة بين المخلوق والمخلوق، فكيف بالأمر إذا كان بين الخالق – سبحانه- وبين المخلوق الذي هو ليس بشيء بالنسبة إلى الخالق- سبحانه- "ليس كمثله شيء".
ثالثاً: قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعاناً لقوله: "كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك..." أخرجه البخاري (7481)، وفي لفظ: "كالسلسلة على صفوان ينفذهم ذلك" أخرجه البخاري (4701)، وفي لفظ "إذا تكلم الله تعالى بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا.. " أخرجه أبو داود (4738).
ومعنى قوله: "كأنه" أي صوت القول في وقعه على قلوبهم، حين سماعه. وقوله: "صفوان" هو الحجر الأملس الصلب، والسلسلة عليه يكون لها صوت عظيم. والجواب عن ذلك بثلاثة وجوه:
الأول: - كما سبق- أنه لا يمكن أن يقع تعارض بين كلام الله وكلام رسوله – صلى الله عليه وسلم-؛ لأن الكل حق من عند الله –تعالى- فإن استطعت الجمع فافعل، وإلا فرد المتشابه إلى المحكم؛ حتى يبقى النص كله محكماً، "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".
الثاني: أن الحديث ليس فيه تشبيه لصوت الله –تعالى- بصوت السلسلة على صفوان، وإنما فيه تشبيه سماع الملائكة لصوت الله –تعالى- بسماع من يسمع سلسلة على صفوان. أو يقال: إن المراد تشبيه ما يحصل للملائكة من الفزع عندما يسمعون كلام الله –تعالى- بفزع من يسمع سلسلة على صفوان. إذاً ليس في الحديث تشبيه الصوت بالصوت، وإنما فيه تشبيه السماع بالسماع، والفزع بالفزع، والوقع بالوقع، ولذلك أعقبه بقوله: "ينفذهم ذلك" أي أن الصوت يبلغ منهم كل مبلغ. فإن أبى أحدٌ وأصر زاعماً أن في الحديث تشبيهاً للصوت بالصوت، قلنا: إن هذا لا يفهم من الحديث، لكن حتى وإن سلمنا بذلك، فلا يلزم منه أن يكون مماثلاً له من كل وجه، كما سبق وأن بيناه في حديث الزمرة الأولى من أهل الجنة؛ لأن الله – سبحانه- "ليس كمثله شيء" أبداً، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وهذا هو الوجه الثالث.
رابعاً: أن الرسول – صلى الله عليه وسلم- قرأ قوله تعالى: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها..." إلى قوله تعالى: "إن الله كان سميعاً بصيراً"، فوضع إبهامه على أذنه اليمنى، والتي تليها على عينه، وأبو هريرة –رضي الله عنه- لما حدث به فعل ذلك. أخرجه أبو داود بسند صحيح (4728).
والجواب عن ذلك بوجهين:
الأول: - بما سبق-: أنه إذا اشتبه عليك مثل ذلك، ولم تستطع الجمع، فردّ المتشابه إلى المحكم، "ليس كمثله شيء"، واجزم أنه لا تعارض بين كلام الله، وكلام رسوله – صلى الله عليه وسلم-، وأنه إنما حصل لك الاشتباه لسبب من الأسباب المذكورة فيما سبق.
الثاني: أن الرسول – صلى الله عليه وسلم- فعل ذلك ليؤكد ثبوت هاتين الصفتين لله –سبحانه- على الوجه اللائق به، فهو إذاً تحقيق لهما، وإثبات لهما بالقول والفعل، وليس في الحديث ما يدل على التمثيل أبداً، لا من قريب ولا من بعيد، "ليس كمثله شيء".
خامساً: أنه قد ورد في حديث ابن عمر- رضي الله عنهما- كيف يحكى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: "يأخذ الله – عز وجل- سماواته وأرضيه بيديه، فيقول: "أنا الله، ويقبض صلى الله عليه وسلم أصابعه ويبسطها- أنا الملك" أخرجه مسلم (2788).
ويجاب عنه بالوجهين السابقين، وأن المراد بفعل الرسول –صلى الله عليه وسلم- لذلك، هو تحقيق صفة اليدين لله تعالى، وإثباتها حقيقة على الوجه اللائق به، وأنه سبحانه يقبض بهما سماواته وأراضيه حقيقة، يوم القيامة، كما قال تعالى: "وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه"[الزمر: 67]، فإن قيل: هل يجوز لأحد أن يفعل كما فعل الرسول –صلى الله عليه وسلم- في الحديثين السابقين؟
فالجواب: أن هذا يختلف بحسب ما يترتب عليه، فإذا خشينا أن يتوهم أحد التمثيل فينبغي أن نكف عن ذلك كما لو كان أمامك عامة لا يفهمون الشيء على ما ينبغي، وعلى كل فلا حاجة إلى أن نفعل ذلك ما دمنا نعلم أن المقصود هو التحقيق، مما يعني أن ما فعله الرسول – صلى الله عليه وسلم- إنما هو مقصود لغيره، وحينئذ فلا حاجة إلى ذلك، ولكل مقام مقال.
المراجع:
(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية.
(2) العقيدة الواسطية، لشيخ الإسلام ابن تيمية.
(3) شرح العقيدة الواسطية، للشيح محمد بن عثيمين.
(4) القول المفيد، للشيخ محمد بن عثيمين.
(5) فتح المجيد، للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ