إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان مسابقات الشركات التجارية
المجيب
د. عبدالله بن ناصر السلمي
عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء
التاريخ الاحد 07 ربيع الأول 1423 الموافق 19 مايو 2002
السؤال

أنا أعيش في بلد غربية، تسلمت عن طريق البريد ورقة من شركة ما، فيها بعض الأسئلة، عن هل تستخدمين ذلك المنتج أم هذا؟ وكم مرة في الشهر؟ وما هي عيوبه؟ وغير ذلك مما يفيد تلك الشركة من ناحية زيادة المبيعات ونحوها، ووعدت الشركة المشتركين بأن تبعث لهم هدايا رمزية وكوبونات بخصومات على مختلف المنتجات لديها. وفي آخر الورقة سؤال (إن كنت ترغب في الاشتراك في السحب على مبلغ من المال فضع علامة صح على هذا السؤال). والحمد لله لما حاك الأمر في صدري وخشيت أن يكون في ذلك حرمة، لم أضع علامة واكتفيت بالهدايا والكوبونات. ومع ذلك بعد زمن أرسلت الشركة لي الهدايا والكوبونات، وأرسلت تذكرني أنني لم أشترك في السحب وتحذرني أني إذا لم أرسل إليهم سيسقط اسمي ولن أستحق المشاركة في السحب المالي. ولكني لم أرد عليهم وتناسيت هذا الأمر. وبعد مدة من الزمن أرسلوا إلي أنهم قد أدرجوا اسمي في المسابقة وأنني قد فزت في المرحلة الأولى، وأنني إن بعثت إليهم بالموافقة سيدرجون اسمي في المرحلة الثانية، وقد أعطوني 6 أرقام مختلفة حتى يزيد احتمال فوزي، رغم أنهم لم يعطوا الآخرين سوى رقمين. قلت في نفسي: إنني جاوبت على أسئلتهم بمنتهى الأمانة، فربما فهموا ذلك فكافؤوني.
أنا الآن في انتظار رد فضيلتكم على حلية ذلك الفعل أولا؟ وهل ذلك المال حلال أم لا؟ وإن كان حراماً فهل يجوز أخذه وصرفه في أعمال الخير بدلاً من تركه لمن يصرفه في غير ذلك؟ وهل يجوز الحج منه؟ وجزاكم الله خيراً.

الجواب

هذا السؤال لا يخلو من أحوال:
الحالة الأولى: إن كان من شرط الدخول في المسابقة أو السحب على الكوبونات هو الشراء من ذات المحل، أو من سلعة معينة، فهذه العملية محرّمة ولا تجوز؛ لأنها داخلة في الميسر الذي حرّمه الله –تعالى- بنص كتابه، قال –تعالى-: "يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون" [المائدة:90].
قال أهل العلم: الميسر ميسران:
1-ميسر اللهو، فمنه النرد والشطرنج والملاهي كلها.
2-ميسر القمار وهو ما يتخاطر الناس عليه، وضابطه: وهو أن يكون الداخل في المسابقة إما غانماً وإما غارماً، يعني إما أن يضيع المال الذي قدمه ولا يفوز بالمسابقة، وإما أن يفوز بالمسابقة، فهذه المسابقة محرّمة ولا تجوز، لأجل أنها من القمار وأكل لأموال الناس بالباطل.
والداخل إن كان دخل واشترى رغبة في الفوز في الجائزة ليس إلا ولا حاجة له في الشراء لولا الجائزة، فما أخذه فهو محرّم، وإن كان لم يقصد الجائزة أصلاً، أو قصدها وقصد حاجته للسلعة أيضاً، فهذا لم يكن مقامراً لأنه لم يدخل في التردد بين الغنم والغرم، إلا أن ما أخذه أكل لأموال الناس بالباطل إذا كانت المسابقة بهذا الشرط، وإن كان الداخل في المسابقة قاصداً الجائزة ابتداءً، وما اشترى إلا لأجلها فهذا مقامر، ومرتكب ما نهى الله عنه، ومن الأدلة على تحريم ذلك أمور:
-أن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، والله يقول: "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" [البقرة:188].
-أن فيها من زرع الضغائن والأحقاد في قلوب الخاسرين ما لا يخفى، وقد قال –تعالى-: "إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون.." [المائدة:90].
-أن الذي قد فاز بالجائزة بمثل هذه المسابقات، إن كان إنما دفع واشترى هذه السلعة ليحصل على الجائزة فقط، وربما اشترى أكثر من ذلك فهو داخل في حكم القمار؛ لأنه متردد أمره بين الربح وبين الخسارة فهو محرّم، أما الذي لم يقصد الجائزة أصلاً أو قصدها وقصد السلعة معها، فهذا وإن لم يكن مقامراً إلا أن الجائزة التي أخذها إنما هي من أموال المشتركين، فتكون هذه السلعة من أموال القمار؛ لأن غالب من يفعل هذا من أصحاب الجوائز والمسابقات من أصحاب المحلات التجارية إن لم يكن كلهم إنما يقتطع ثمن الجوائز والهدايا من الأموال التي تحصّلها من المتسابقين، فتكون الجائزة التي تحصّلها الفائز الذي لم يقصد الهدية، من الأموال المحرّمة في الغالب، فالواجب على من أخذ الهدية في مثل هذه المسابقات التصدق بها، كما فعل النبي –صلى الله عليه وسلم- في الشاة التي ذبحت له بغير إذن مالكها فقال فيها: "أطعميه الأسارى" أخرجه البيهقي (ج5صـ335ـ) بسند جيد.
الحالة الثانية: إذا قال أصحاب المسابقات إذا اشتريت بما قيمته كذا من المال (300) ريال مثلاً، فإن لك الحق في الدخول في السحب أو الاشتراك، فهذا القسم كسابقه من الحالة الأولى، ويدخل في ذلك مسابقة أصحاب الصحف اليومية.
الحالة الثالثة: إذا قالوا هدية لكل مشترٍ أو لو قالوا: لو اشتريت بكذا تحصل على طقم من الأواني أو غير ذلك، فهذا القسم وإن كان بعض أهل العلم يمنعه ويحرّمه، إلا أن الأظهر أنه لا بأس به في حق المشتري؛ لعدم وجود القمار والغرر، والهدية متحققة ليس مبناها على الحظ والتردد بين الغنم والغرم، أما في حق البائع فلا بأس به أيضاً؛ لأنه متبرع ولأنه في حكم الدعايات الإعلانية لمحله وبضاعته، بشرط ألاّ يزيد قيمة السلع لأجل الهدية، لأنه يكون غابناً غيره، والغبن من الغش، والله أعلم.
الحالة الرابعة: إذا كان لكل مشترك حق السحب ووضع الكوبونات بلا اشتراط شراء سلعة أو بذل مال أو غير ذلك كما هو ظاهر سؤال السائلة فهذا لا بأس به أيضاً؛ لأنه تبرع وليس فيها أكل لأموال الناس بالباطل، وما أخذه الفائز من ذلك لا بأس به، والله أعلم.
ومع كل هذا فإن الأولى ترك هذه المسابقات من قبل أصحاب المحلات، فإنها أبرأ وأهنأ وأمرأ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ