الفهرس خزانة الاستشارات استشارات اجتماعية العلاقات الزوجية قبل الزواج اختيار الزوج أو الزوجة

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

أنا وخطيبتي.. توافق أم تضاد؟!

المجيب
مرشد طلابي بالمعهد العلمي بالأحساء التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
التاريخ الخميس 27 جمادى الآخرة 1428 الموافق 12 يوليو 2007
السؤال

أنا شاب في الرابعة والعشرين من عمري: أكملت تعليمي الجامعي، وحظيت بوظيفة محترمة، ولدي نشاط اجتماعي، في جمعية كفالة الأيتام، ومعروف بالالتزام في القرية التي أعيش فيها، ولا علاقة لي بأي فتاة حتى في المرحلة الجامعية، كما أنني خجول بعض الشيء.
طوال عمري وأنا أحلم بإنسانة أحبها وتحبني، ونستطيع معاً أن نكون أسرة سعيدة وملتزمة. وتكون زوجة صالحة تعينني على أمر آخرتي ودنياي.
وتمضي الأيام ويمضي الحلم دون حدوث شيء، حتى قابلت فتاة شديدة الجمال، وبدأ قلبي يتعلق بها، وبدأت أفكر فيها بصورة جادة، وكلما قابلتها ونظرت إليها أحس أن هناك أشياء تربطني بها، وأنها تبادلني نفس الشعور. لكن من الواضح أنها متحررة بعض الشيء، فملابسها ضيقة وغير مناسبة ولا أرضاها لزوجتي، ولكني التمس لها العذر، حيث إنها تربت في مدينة وليس في القرية التي نسكن فيها. وأقول سيصلح حالها عندما نتعرف أكثر، ونبدأ صفحة جديدة لنبني أسرة ملتزمة.
وقد سألت عنها وعرفت من هي، وسألت صديقاً لي عنها فنصحني بالابتعاد عنها؛ حيث قالي لي إنها فتاة (لعوب)، وذكر لي أنها كانت على علاقة مع شاب وافترقا، لأنها طلبت منه أن يُقَبِّلها فرفض الشاب طلبها.
ومع كل هذا لم أستطع أن أنساها فما زلت متعلقاً بها. ولكن ما قاله صديقي يقف حائلاً بيني وبين تحقيق رغبتي والزواج بها. فأصبحت الآن في حيرة من أمري، وأحس أن حلم عمري يضيع من بين يدي؛ فأنا أحب هذه الفتاة بجنون. فأرشدوني ماذا أفعل؟

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإني أسأل الله، خالق الخلق، وباسط الرزق، ومحيي العظام وهي رميم، أن يحيي قلبك، ويقوي إيمانك، وينير بصيرتك، وأن يقر عينك بالظفر بذات الدين، ويدلك على الخير ويرزقك اتباعه، ويبصرك بالشر ويرزقك اجتنابه.. اللهم آمين.

خليلي ما ألقى من الوجد باطن *** ودمعي بما أخفي الغداة شهيد
إذا قلت ما بي يابثينة قاتلي *** من الحب قالت ثابتٌ ويزيد
وإن قلت ردي بعض عقلي أعش به *** تولت وقالت ذاك منك بعيد
فلا أنا مردود بما جئت طالباً *** ولا حبها فيما يبيد يبيد
يموت الهوى مني إذا مالقيتها *** ويحيى إذا فارقتها فيعود

عن سفيان بن زيادقال: قلتُ لامرأةٍ من عذرة، ورأيتُ بها هوى غالباً حتى خفْتُ عليهاالموتَ: ما بال العشق يقتـلكم معاشرعذرة من بين أحبَّاء العرب؟قالت: فينا جمالٌ وتعـفُّـف، فالجمال يحملنا على العفاف، والعفاف يورثـنا رِقَّة القلوب، والعشق يفني آجالنا.
أخي: لستُ لكَ بلائم.. إلا أنني كما تأملت عاطفتك ونبضات قلبك الذي تملك عليه حب هذه الفتاة، أريد أن أتحول إلى عقلك، ومراقبتك لربك، وحكمتك، لننظر ماذا لدينا هناك.
أخي الحبيب: قبل أن تقرأ ما سأسطره لك لاحقاً أتمنى منك التالي:
1- أن تصلي ركعتين (صلاة الاستخارة) وتدعو بعدها بالدعاء الوارد فيها، سائلاً الله إن كان في الاقتران بهذه الفتاة خير أن يجمع بينكما على خير، وإن كان خلاف ذلك أن يكتب الخير لكل واحد منكما، وهو ما جاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: "إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر-فيسميه ما كان من شيء- خيرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو خيرا لي في عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي وبارك لي فيه، وإن كنت تعلم، يقول مثل ما قال في المرة الأولى، وإن كان شرا لي فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيثما كان ثم رضني به". أخرجه البخاري (1166).
قال العلماء: "وينبغي له أن يفرغ قلبه من جميع الخواطر؛ حتى لا يكون مائلا إلى أمر من الأمور، فعند ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه، فإن الخير فيه إن شاء الله". (تفسير القرطبي ج13ص307 ).
2- الكأس الممتلئ لا يقبل الإضافة أو التغيير بتجرد، ولذا حاول أن تزيل من ذهنك –ولمدة "شهر واحد فقط"– صورة هذه الفتاة لديك، لا تُكرر في مخيلتك أو على لسانك: (حلم عمري يضيع من بين يدي، ما دعوت الله إلا ودعوته أن يقدر لي هذه الفتاة ويقدرها لي زوجة صالحة، أستيقظ من النوم مفزوعا كلما تخيلت أنها ستمضي من بين يدي ويصيبني القلق كلما فكرت فيما، أحب هذه الفتاة بجنون) واعمل على ألا تلتقي بها خلال هذه الفترة، أو تلتقي بما يذكرك بها.
3- أوصيك خلال الأيام القادمة بالتَقَرَّب إلى الله بالصدقة، والمحافظة على الصلوات، وابتهل إلى الله تعالى في خلواتك، وصلواتك، وفي الثلث الأخير من الليل، سائلا إياه أن يهديك لأحسن الأقوال والأعمال، وأن يدلك على الخير في أمر زواجك، وأن يصلح حالك، ويهدي قلبك، ويكتب لك الخير.
والآن لندخل في الجانب التفصيلي لاستشارتك:
أولاً: لنتأمل ما وصفت نفسك به: (في الرابعة والعشرين، أتممت التعليم الجامعي، حظيت بوظيفة محترمة، لك نشاط اجتماعي، معروف بالالتزام بالقرية، لم يكن لك أي علاقات مع الفتيات، خجول).
ثم لنتأمل أحلامك: (أحلم بإنسانة أحبها وتحبني ، نستطيع معا أن نكون أسرة سعيدة، نبنى أسرة مسلمة ملتزمة، زوجة صالحة تعينني على أمر آخرتي ودنياي).
ثم لنتأمل صفات هذه الفتاة: (شديدة الجمال، نصحني صديقي بالابتعاد عنها لكونها فتاة لعوباً، واضح أنها متحررة بعض الشيء لكون ملابسها غير مناسبة وضيقة، أنا لا أرضاها لزوجتي).
تأمَّل أخي الحبيب هل هناك توافق بين صفاتك وأحلامك: (جامعي، موظف، ملتزم، لك أنشطة خيرية، عُرِف عنك الالتزام، لا علاقات سلبية مع الفتيات، وتحلم بالزواج من فتاة تحبها وتحبك، تكونان أسرة سعيدة ملتزمة، تعينك على أمور دينك ودنياك) نعم أخي.. توافق وانسجام تام بين صفاتك وأحلامك.. أسأل الله القدير أن يُثبتك على الالتزام، ويُحقق أحلامك.
لنعد مرة أخرى، هل هناك توافق بين صفاتك وأحلامك من جهة، وبين صفات هذه الفتاة (طبعاً نحن لا نعلم الغيب، والحكم سيكون من خلال المعطيات التي ذكرتها، ومن خلال تجارب آلاف الحالات التي لجأت إلى مواقع الاستشارات من قبلك):
أنت تُحبها وهي تحبك (توافق) أنت ملتزم وهي متحررة (تضاد) عُرفتَ أنت بالتوقف عند حدود الله، وعُرفتْ هي بأنها لعوب (تضاد)، لم تكن لك علاقة بالفتيات سابقاً، وهي كانت لها علاقة بالشباب (تضاد)، أنت خجول وهي تطلب من صاحبها أن يُقبلها (تضاد)، أنت لا تقبل إلا بفتاة محتشمة في ملبسها، وهي تلبس ملابس غير مناسبة وضيقة (تضاد).
النتيجة أخي الكريم: ليس هناك توافق وانسجام بينك وبين هذه الفتاة.. فإن من أبرز عوامل نجاح الزواج، أن يكون الزوجان متوافقين في أهدافهما، وتوجهاتهما، وأفكارهما، بل ومشاعرهما، وللأسف لم أجد حتى تقارباً بين ما تتصف به أنت، وما وصَفْتَ به هذه الفتاة وفقها الله لهداه.
ثانياً: أخي الفاضل: لقد أرشدنا صلى الله عليه وسلم إلى آلية المفاضلة في اختيار الزوجة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" صحيح البخاري (5090). وصحيح مسلم (1466).
إن الجمال ليس هو المعتبر في آلية المفاضلة، وليس الحب والهيام فقط هو المقصود، بل هي موازين تأتي متأخرة، إن المعتبر الأساس هو (الدين)، فاظفر بذات الدين، فتاة ملتزمة بأوامر الله، حافظة لنفسها، حريصة على رضا زوجها.
وأما المغامرة والمراهنة على احتمال أن تُصلح من حالها، وأن تفتح صفحة جديدة، فهذا احتمال ليس مستحيلاً، ولكنه يحمل مخاطرة عالية، قد تدفع ثمنها غالياً إن لم تتحقق، في دينك وسعادتك وحياتك الأسرية.
ثالثاً: أنت مقبل على زواج.. والزواج علاقة والتحام بين زوجين، "هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ" (البقرة/187)، ولذا عليك بأن تقدر هذه الخطوة قدرها، وتسأل عالم الغيب والشهادة، من جعل قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء، عليك أن تكثر من الدعاء في صلواتك وخلواتك وفي آخر الليل، تسأله بقلب صادق، وبنفس خاشعة، وعين دامعة، تتذكر قدرته سبحانه وضعفك، وغناه وفقرك، وكرمه وحاجتك، تسأله أن يدلك على الخير في أمر زواجك، أن ييسر لك الزوجة الصالحة التي تُسعدك وتَسْعد معها، تسأله أن يرزقك الزوجة التي تحفظك إذا غبت، وتسرك إذا أقبلت، تسأله أن يكتب لك الزوجة الصالحة التي تربي أبناءك التربية القويمة الإيمانية. أكثر من الدعاء في كل وقت وحين، وعليك بالإلحاح في الدعاء؛ فقد جاء في جامع العلوم والحكم "فما دام العبدُ يُلحُّ في الدُّعاء، ويَطمعُ في الإجابة من غير قطع الرّجاء، فهو قريبٌ من الإجابة، ومَنْ أَدمن قرعَ الباب، يُوشك أنْ يُفتح له".
"واعلم أن العبد لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق، فالسعيد من وفقه الله تعالى لسؤاله؛ فإنه تعالى قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه، ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار" (تفسير ابن كثير:ج1ص139).
رابعاً: وأما بشأن الاستشارات فإني لا أنصح بتعدد طلبها حتى لا تقع في حيرة الجمع بينها، إلا أني أرجو أن تكون خيراً لك، فقد أمر الله سبحانه رسوله الكريم بالاستشارة فقال: "وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" [آل عمران: 159]، ويقول الشاعر :

عقل الفتى ليس يغني عن مشاورة *** كحـدة السيف لا تغني عن البطل

وكان هذا هدْيَ الأنبياء فقد رُوي عن سليمان بن داود عليهما السلام أنه قال لابنه: (يا بني لا تقطع أمراً حتى تشاور مرشداً، فإنك إذا فعلت ذلك لم تندم). وكان هدياً للصالحين أيضاً، فعن الإمام أحمد بن حنبل أنه كان لا يدع المشورة إذا كان في أمر حتى إن كان ليشاور مَن دونه، وكان يقبل مشورة مَن لا يُتَّهَم من أهل الدين والنسك، وكان إذا شاوره الرجل اجتهد له رأيه وأشار عليه بما يرى من صلاح.
وفي فوائد المشاورة يقول ابن الجوزي رحمه الله: "إن المشاور إذا لم ينجح أمره علم أن امتناع النجاح محض قدر فلم يلُم نفسَه، و إنه قد يعزم على أمر يتبين له الصواب في قول غيره فيعلم عجز نفسه عن الإحاطة بفنون المصالح".
وأنت ترى أن استشاراتك السابقة، وهذه الاستشارة، قد اتفقت على عدم مناسبة اقترانك بهذه الفتاة، ليس كرهاً لها، فهي أخت لنا في الله، نسأل الله أن يوفقها لهداه، وأن يجعل عملها في رضاه، وأن يرزقها إيماناً لا شك فيه، وعملاً صالحاً متقبلاً..
إلا أن المستشار مؤتمن، والاستشارات تنظر في المصالح والمفاسد، وهنا نرى أن المفاسد التي قد تلحق بك جراء هذا الزواج أكثر من المصالح.
وتأمل هنا جيداً قول الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله: "كثيراً ما تلهفنا للحصول على أمور نحبها، ثم تبين لنا فيما بعد أن فواتها كان محض الخير والفائدة لنا". (هكذا علمتني الحياة: ج 2) وقد قال تعالى: "وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَالله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" [البقرة:216].
فلا تقل أن هذا هو حلم عمرك، وأنه يضيع من بين يديك؛ فإنك لا تدري أين مكمن السعادة الحقيقية.
خامساً: لتترجم محبتك لهذه الفتاة بالدعاء لها بالهداية والصلاح، ثم لا تُحجِّر واسعاً، انظر يمنة ويسرة من خلال أهلك، فلعلك تجد فتاة أخرى تتبوأ ما لم تحتله الفتاة الأولى في قلبك، ولا تنس أن: (الأذن تعشق قبل العين أحياناً)، وانظر إلى مقولة أحد المختصين:
أثبتت الدراسات فشل أكثر الزيجات المبنية على علاقة حبٍّ مسبق بين الرجل والمرأة..
ففي دراسة ميدانية لأستاذ الاجتماعالفرنسي (سول جور دون) كانت النتيجة "أن الزواج يحقق نجاحاً أكبر إذا لم يكنطرفاه قد وقعا في الحب قبل الزواج".
وفي دراسة أخرى لأستاذ الاجتماع (إسماعيل عبد الباري) على 1500 أسرة كانت النتيجة أن أكثر من 75 % من حالات الزواج عنحب انتهت بالطلاق، بينما كانت تلك النسبة أقل من 5% في الزيجات التقليدية.. وأبرز أسباب ذلك أن الاندفاع العاطفي يعمي عن رؤية العيوب ومواجهتها قبل الزواج، لكنها لا تلبث أن تظهر بعد الزواج.
أسأل المولى القدير، الرحمن الرحيم، أن يسعدك سعادة تامة تامة تامة في الدنيا والآخرة، وأن يشرح صدرك للخير، ويجعل حياتك الأسرية حياة سعادة واستقرار، ويرزقك الذرية الصالحة.. مع أملي طمأنتنا عن حالتك.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.