الفهرس خزانة الاستشارات استشارات اجتماعية العلاقات الأسرية مشكلات أسرية

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

الأسرة المسلمة وأعاصير الانفتاح.

المجيب
بكالوريوس هندسة طبية من جامعة القاهرة
التاريخ الاحد 14 رمضان 1429 الموافق 14 سبتمبر 2008
السؤال

ابنتي عمرها تسع عشرة سنة، إلا أنني أشعر أن مساحة الالتقاء بيننا مفقودة، لا أنكر أنني أعطي أولوية دائما للاهتمام بعملي الذي تثني علي فيه رئيساتي. وقد وصلت الآن إلى فرقة كبيرة بيني وبين ابنتي على الرغم من أنها الابنة الوحيدة من بين خمسة أبناء، وأصبح حوارها معي حادا عنيفا قد يتجاوز إلى نعتي أحيانا بالتائهة أو الغائبة أو مصدرة القرارات والبيانات، وأشعر أنني في طريق اللاعودة مع ابنتي، وأنها ستنتقل لبيتها بالكثير من الجمود الذي أعترف بأنني مارسته معها، على الرغم من أنني أقدم لها تجربتي الناجحة في العمل، وتجربتي المستقرة في بيتي، كنموذج لها فيما تستقبل من حياة، ولكن أخشى أن أكون قد قدمت لها نموذج الأم غير الصالحة، أو الأم صاحبة البيانات كما تقول، والتي قد تكون قد نسيت في زحمة حياتها أن تنشئ الروح والسكينة لأبنائها وبيتها على الرغم من الصورة الظاهرية لهذا الاستقرار. فهل مر الوقت ولم تعد لي وسيلة معها؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
حياكِ الله أختي الكريمة
وكيف لا أشعر بما تعانيه، وأي بيت يخلو منه اليوم، ونحن قد تعلمنا في مدارسنا- ومن خلال مناهجنا الفذة في أوطاننا العربية- كل شيء إلا مهارات تكوين الأسرة وسبل الحفاظ على البيوت، والإبداع في تربية الأولاد، والتجديد في ذلك لمسايرة التحديات والانفتاح الذي واجهته أمتنا، ووقفنا نحن بصدده بنفس الوسائل التي تربى من خلالها أجداد الأجداد!.
في زحمة الحياة فقدنا الكثير من القيم الأصيلة، نسينا أو تناسينا أن الأسرة مؤسسة لا تنجح إلا بعمل جماعي لا يذيب حق الفرد، ولا يعلي من شأنه على حساب المجموع. نسينا الوسطية أو تذكرناها ولكننا لم نعبأ بتطبيقها في سلوكياتنا داخل بيوتنا، واكتفينا بترديد الآيات التي نصت عليها في كتاب الله تعالى، وزاد الفخر من لدنا حين حفظناها عن ظهر قلب، ولكم جفاها الفهم و السلوك!.
في زحمة الحياة حُرمت المرأة و باسم الإسلام، و بسلطة من الرجل لم يمنحها له شرع و لا عقل من الكثير من حقوقها في التعليم و العمل، فلما تهيأت لها الفرص انطلقت لا تلوي على شيء دون أن تتبصر جيداً موضع خطواتها وما هي مقدمة عليه، وكأنها تسابق الزمن و تخشى أن تتفلت منها تلك الفرص مرة أخرى، فلا هدف سوى نجاحها وتحقيق طموحاتها، دون اعتبار أوحتى مجرد وقفة أن نجاحها داخل بيتها وفي علاقتها بأولادها هو أيضاً من النجاح المعتبر. ولو تحققت الوسطية من البداية للمرأة ما كانت ردة الفعل العنيفة هذه منها، والتي ضاع بسببها الكثير من حقوق البيت و الأولاد.
لو كان في مجتمعاتنا وعي بأن مسؤولية البيت وتربية الأولاد هي مسؤولية مشتركة بين الرجل و المرأة لا تقوم بها أبداً المرأة وحدها، ما انطلق الرجل هكذا باحثاً عن طموحاته وآماله غير عابئ بما سيؤول إليه حال أولاده حين يتصور أن ساعة يمكثها في بيته و بين أولاده، يلاعبهم، يلاطفهم، يحاورهم، أن هذا ليس فقط من عمل النساء!.
في زحمة الحياة اضطر أولادنا لتربية أنفسهم بأنفسهم و اكتساب الكثير من اللغات! التي عجزنا عن ترجمتها و فهمها، في ظل منظومة من المؤسسات أصبحت تحكم العملية التربوية من مدرسة إلى مجتمع بكل ما يحمل من قيم ومفاهيم إيجابية وسلبية، وإعلام بكل وسائطه المسموعة و المرئية والعنكبوتية.
حين انحصر فهمنا للإسلام في العبادات، وتبنى كل منا ما يحلو له من مفاهيم ووسائل عند المعاملات، فكيف لا أشعر بمعاناتك المتحققة- وبكل أسف- في كل البيوت المسلمة اليوم ولا أجازف أبداً بالتعميم، والاستثناء هنا فقط لا يكون إلا اعترافاً برحمة الله تعالى التي أبى سبحانه إلا أن تلحقنا إلى هذا الزمان رحمةً منه تعالى و تفضلاً.
أعتذر إليكِ بشدة عن هذه المقدمة الطويلة، و لكن رسالتك حقاً أثارت الكثير من الشجون و الألم على حال الأسرة المسلمة اليوم والتي تواجه ما لم تكن مستعدة له بحال. و لكن وحتى لا نقع في توصيف الأسباب فقط دون البحث عن مخرج أو علاج. بداية لا أوافقك على التعبير الذي جاء في رسالتك "طريق اللاعودة" فهذا يعني اليأس، و هذا اليأس مفردة غير واردة على الإطلاق في قاموس المسلم، لقوله تعالى:" إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون".
لا شك أن المطلوب لن يكون منكِ وحدك، فللأب دوره الذي يتساوى في الأهمية تماماً مع دورك أنتِ، و بخاصة أن أغلب أولادك من الذكور، و أنهم قد وصلوا لمرحلة المراهقة بالفعل . و لكنني سأركز في رسالتي على دورك أنتِ، فما لا يدرك كله لا يترك جله. خذي كتاباً أو مجلة و اجلسي معهم في أماكن مذاكرتهم، قومي بإعداد أكواب العصير لهم و بعض الوجبات الخفيفة. رددي على مسامعهم دعائك لهم بالتوفيق و النجاح، و أمنياتك أن يكونوا من أكثر الناس نجاحاً و تفوقاً. لا تدخلي معهم في أي نقاش جاد فترة الاختبارات و تحملي أخطاءهم و توترهم و ما قد يصدر عنهم من أخطاء في هذه الفترة، فقط هي فترة لإعطائهم جرعة مكثفة عالية التركيز من الاهتمام و الرعاية و من دون إحساسهم أن هناك مقابلاً من النجاح و التفوق عليهم أن يقوموا بتسديده، و إلا فقدوا تكرار تعاطي مثل هذه الجرعة فيما يستقبلوه من أيامهم.
في فترة الإجازة لابد من التفرغ لهم من خلال الحصول على إجازة من عملك بأي طريقة كانت فترة لا تقل عن شهر، و السفر معهم لأي مكان، سواء كان زوجك بصحبتكم أم لا، فابنك اليوم يصلح محرم لكِ و لابنتك، فلا عائق إن شاء الله تعالى يحول بين سفركم إلى مكان هادئ من أجل لم الشمل و ترتيب علاقتك بهم، و إعادة النظر فيها بهدوء بعيداً عن ضغوط الحياة و أعبائها اليومية. هنا يبدأ الحوار معهم، و الاستماع لهم و اللعب معهم، و مشاركتهم هواياتهم، و الذهاب معهم للأسواق و استشاراتهم في الاختيار بين الأذواق، و الشكوى منهم و إليهم و التشاجر معهم و مصالحتهم... هنا تتشكل الصداقة معهم من دون إصدار بيانات أو قرارات، و إنما تشكيل لجان، لجنة مسؤولة عن الطبخ، و أخرى للنظافة، و ثالثة لترتيب و متابعة برنامج اليوم و رابعة للاتصالات، و خامسة لفض النزاعات ... و أنتِ في كل هذا عضو مشارك لا رئيس و لا وزير و لا وكيل. هنا يُعاد تشكيل العلاقة ورسم ملامح جديدة لها، وإعادة بناء جدار من الثقة عالياً بينك و بينهم. اتركي لهم محاور الحديث وبدايته، وأن يقوموا هم بتحديد دورك في هذا الحديث، استمعي منهم ماذا يريدوا منكِ تحديداً، وأنت بماذا تطالبينهم. كيف ستسير الحياة بينكم بعد هذه الإجازة؟ لا بد من وجود ساعة تجتمعون فيها كل يوم مع بعضكم البعض، و ألا تتخلفوا عنها أبداً مهما كانت أعباؤكم، ونزهة في نهاية الأسبوع بعيداً عن البيت، وأحاديث لا تنقطع، وحوارات أنتِ فيها مثلهم، لا يقفوا أثناء الحديث وأنتِ جالسة، ولا يكن إصبع السبابة دوماً مشهراً في وجوههم منكِ، و إنما كفك الحانية على أكتافهم، وعناق حنون بين أناملك و أناملهم.
لا تقطعي أمراً وبخاصة فيما يتعلق بشؤون البيت من دون استشاراتهم، ولا تكثري من الزيارات من دونهم، ويا ليت ابنتك تكون معكِ في كل زيارة، واطلبي منهم دعوة أصدقائهم وكوني معهم، واحتفي دوماً بكل من يريد عقد صداقات معهم طالما أنه صديق صالح إن شاء الله.
احرصي على تقديم الهدايا لهم دوماً ومن دون مناسبة.
أسأل الله تعالى أن يعينك على أداء هذه الأمانة، وأن يلهمك رشدك و يسددك و يبارك لكِ فيهم، و يرزقك و أباهم برهم، و أن يجعل كل ما تقومين به في ميزان حسناتك، وأن يصلحهم و أولاد المسلمين جميعاً، إنه ولي ذلك و القادر عليه، و الحمد لله رب العالمين.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.