الفهرس خزانة الاستشارات استشارات اجتماعية العلاقات الأسرية معاملة الوالدين

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

والدي والخادمة!

المجيب
مرشد طلابي بالمعهد العلمي بالأحساء التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
التاريخ الجمعة 18 ذو الحجة 1428 الموافق 28 ديسمبر 2007
السؤال

أنا الفتاة الصغرى في ترتيب عائلتي، رأيت أبي يوماً قد احتضن الخادمة وهو يشكي لها تعبه!! مر على الموقف أكثر من شهرين صدمتي لم تكن عادية أبدا؛ فأبي كان يعني لي بأنه أطهر رجل رأته عيناي..
تعبت نفسيتي بعدها، ولم أستطع محادثته بالأمر، ولم أستطع أيضا أن أكلمه أو أسلم عليه.. أعلم بأني مخطئة، ولكن لا أعلم كيف أبدأ، وكيف يمكن أن تعود لي نفسيتي الأولى المرحة فقد تعبت جدا!! وأبي يمثل دور البريء أمام أهلي ويشكو لهم مني! تتعبني أمي حين تقول لي: أنت مقصرة مع والدك كثيراً وأخاف أن يعاقبني ربي بما أفعل، ولكن هل أعود وأسلّم وكأن شيئاً لم يحدث؟! مع أني حاولت كثيراً أن أسلم ولم أستطع، وقلبي يتقطع على ما أقوم به. أرشدوني إلى الطريق الصحيح.

الجواب

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
السائلة الكريمة: يا ابنة الرجال، يا قوية الإيمان، يا مرهفة الإحساس، يا صاحبة العقل الراجح، ما رأيكِ وبعد أكثر من (60) يوماً على هذه الحادثة، أن تكون خطواتنا عملية هادفة، ما رأيكِ أن ندعَ الشكوى والألم والضيق جانباً، لنرتدي لباس التصرف السليم، والكلمة الطيبة، والعلاج الناجع، بل ما رأيك أن نتعامل مع هذه الحادثة على أنها حالة مَرَضيَّة، وأنتِ الطبيبة الحكيمة الماهرة الشفيقة.
وقبل أن نفتح ملف المشكلة، أرجو منك أن تقفي بباب أرحم الراحمين، ودليل الحائرين، ومُفَرِّج هم المهمومين، مَنْ قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلِّبها كيف يشاء، تَحَيَّني الوقت الذي ترين فيه نفسك طيبة صافية من الشواغل، والليل قد أرخى سمائله، ارفعي أكف الضراعة بنفس خاشعة، وعين دامعة، وقلب مطمئن لحسن استجابته، توسَّلي إلى الغني الرحيم بأن يُصلِح حال والدك الغالي، وأن يُطَهِّر قلبه، ويُحَصِّن فَرْجه، ويغض بصره عن الحرام، ويقوي إيمانه، ويخسأ شيطانه، ويصرف عنه شياطين الإنس والجن، توسَّلي إليه أن يؤلِّف بين قلبه وقلب والدتك على الخير، وأن يكتب أسرتكم أسرة مؤمنة، طائعة، متكاتفة، مجتمعة على المودَّة والرحمة، تعيش في سعادة وألفة ومحبة وطاعة لله سبحانه ولرسوله صلى الله عليه وسلم، توسَّلي إليه سبحانه أن يجعلكِ صالحة، مصلحة، بَرَّة، تقيَّة، نقيَّة، بارَّة بوالديك وإخوتك والمجتمع من حولك، توسَّلي إليه سبحانه ألا يجعل في قلبكِ على والدك ما يُفَرِّق بينك وبينه، توسَّلي إليه سبحانه، وألِحِّي عليه بالدعاء، وأعيديه بين الفينة والأخرى، يقول ابن بطال رحمه الله: (ينبغي للداعي أن يجتهد في الدعاء، ويكون على رجاء الإجابة، ولا يقنط من رحمة الله عزوجل، فإنه يدعو كريماً)، ويقول مصطفى السباعي رحمه الله: (ربما كان التأخر في استجابة الدعاء، وتحقيق الرجاء، رحمة بالمبتلى؛ تدفع عنه مزيد البلاء، أو كرامة تدخر له في يوم الجزاء).
ثم أعرض لكِ التالي:
1- عن أسماء رضي الله عنها قالت: قَدِمت عليّ أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدهم، فاستفتيت النبي فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت عليّ وهي راغبة أفأصلها؟ قال: (نعم، صلي أمك ). (أخرجه البخاري/2620).
هل لكِ أختي الكريمة أن تتأمَّلي أيهما أشد جرماً؛ ما فعله والدك! أم الشرك بالله الذي هو أظلم الظلم!؟ لا شك أن الشرك أشد ظلماً، ومع ذلك أمر نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم أسماء رضي الله عنها أن تَصِلَ أمَّها ولا تقطعها.
يقول الله تعالى: "وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" [العنكبوت:8].
لاحظي أختي المؤمنة أمر الله بالإحسان للوالدين، وبِرِّهما، مع كونهما يطلبان من أولادهما الشرك، بل ويرغمانهم عليه.
ثم انظري للحديث الذي رواه الإمام الترمذي، وصححه ابن حبان، وحَسَّنه الألباني رحمهم الله (رضى الرب في رضى الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد).
فقد جعل صلى الله عليه وسلم مرضاة الله في مرضاة الوالد، وسخطه سبحانه في سخط الوالد.
هذه النصوص أختي الفاضلة تدل على أن قطيعتك لوالدك، وإن بدر منه ما يشين، خطأ عظيم وجريمة كبيرة، لا تليق بأمثالك المؤمنات المراقبات لربهن، الراجيات مغفرته سبحانه ومرضاته.
جاء في كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر، عند تعليقه على قوله تعالى: "وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا" [الإسراء:23]. قال: (أيْ اللَّيِّنُ اللَّطِيفُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْعَطْفِ وَالِاسْتِمَالَةِ وَمُوَافَقَةِ مُرَادِهِمَا وَمَيْلِهِمَا وَمَطْلُوبِهِمَا مَا أَمْكَنَ سِيَّمَا عِنْدَ الْكِبَرِ، فَإِنَّ الْكَبِيرَ يَصِيرُ كَحَالِ الطِّفْلِ وَأَرْذَلَ؛ لِمَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْخَرَفِ وَفَسَادِ التَّصَوُّرِ، فَيَرَى الْقَبِيحَ حَسَنًا وَالْحَسَنَ قَبِيحًا، فَإِذَا طَلَبْت رِعَايَتَهُ وَغَايَةَ التَّلَطُّفِ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَأَنْ يَتَقَرَّبَ إلَيْهِ بِمَا يُنَاسِبُ عَقْلَهُ).
2- أدركُ أن ما فعلتِ كان نتيجة الصدمة الكبيرة التي رأَيْتِها من والدك، وأنها ردَّة فعل طبيعية من فتاة مثلك كانت ترى في والدها صورة العفاف والصدق والإيمان بالله.
نعم أختي الكريمة، أدركُ ذلك، لكنَّنا مأمورون بالسير في تعاملنا مع الأحداث من حولنا، وفق منهج الله تعالى، وحسب ما رسمه لنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا فإني أوصيكِ إن كنت لازلتِ مقاطعة له؛ أن تجاهدي نفسك للعودة في تعاملك مع والدك إلى ما قَبْلَ الحادثة، استحضري الجوانب المشرقة في حياة والدك، تذكري العلاقة الحميمة التي تربطكِ به، استشعري أن المرء لا تُطوى صفحاته الإيجابية كلها لموقف خاطئ وقع فيه، عودي إلى بوتقة أسرتك، كوني شخصية أصيلة فيها، أشيعي فيها أجواء الحب والمرح، عزِّزي فيها الركائز الإيمانية، والمعاني الأخوية، تواصلي مع جميع أفرادها وِصَال المحب المشفق، واطرحي عنك كل مايعكر صفو نفسك، أو سعادة أسرتك.
ثم اعلمي أنه مهما كان من والدك، يجب أن تكون مفرداتك عنه، غاية في الأدب والاحترام، فلا يجوز أن تقولي مثلاً "وأبي يمثل دور البريء أمام أهلي ويشكو لهم مني"، أنتِ جزء من والدك، وبالتأكيد تحتلين مكانة عالية في قلبه، فكيف لا يتأثر من مقاطعتك له، أو عدم الحديث معه، افتحي في حياتك صفحة جديدة، تقدمي إليه، قبِّلي رأسه، وجبينه، ويديه، فلستِ تدرين، لعلَّ هذه القبلات تكون نقطة التحول في حياة والدك، لا تجعلي حواجز بينكِ وبينه، أمطريه حباً ودلالاً وصلة وحنانا.
3- الجفاف العاطفي، أو الجوع العاطفي، قنبلة مُدَمِّرة، تُصيب أحد الزوجين، حين لا يجد لدى شريك حياته ما يسد حاجته، أو يرى منه انشغالاً عنه، وعن الاستماع إلى همومه، أو تَفَهُّم مشكلاته، ووالدك وإن كانت استشارتك مختصرة جداً، إلا أن هذا ما يُلحظ في تصرف والدك، وعليه أوصيكِ بالتالي:
- انظري في أحد إخوتك أو أخواتك، من تثقين في حكمتهم ورجاحة عقلهم، اجلسي إليه، وأعلميه بالحادثة التي رأيتِ، ثم اعرضي عليه هذه الاستشارة والإجابة عنها، واطلبي منه مساعدتك في علاج هذه المشكلة.
- أشبعا والدكما حباً وتواصلاً وبراً وسرورا؛ فهو في أشد الحاجة لتغذيته عاطفياً، حتى لا يطلب ذلك من الآخرين، بل إنني لأرجو أن يصبح أحد أهل البيت مقرباً جداً إليه، يستشيره إن طرأ عليه طارئ، ويبثَّه همومه ومشاعره إن ضاقت عليه الأمور.
- اعملا على أن تكون لأمكما التفاتة إلى والدكما، فهو في حاجة إلى قربها، وصلتها، وتَفَهُّمها لأفكاره، وحاجياته، وعليها أيضاً ألا تنشغل عنه بأمور البيت، أو حاجات الأولاد، أشيرا إليها بلبس الجميل من اللباس، والتزود بأطيب الريح، ومسامرة الوالد بين الفينة والأخرى، بل وشكره الدائم كلما رأت منه بذل أو عطاء.
- إن استطعتما إقناع والدتكما باستبدال الخادمة فحسن يكون، على ألا تكشفا لها أو لغيرها حقيقة ما حدث سابقاً، وإلا فعليكما العمل ألا تبقى في المنزل لوحدها عند خروجكم هنا أو هناك، كما أنه يجب أن يتم الاتفاق على ألا تختلط الخادمة بأفراد المنزل من الرجال، وأن تكون صلتها وتوجيهها من خلال والدتكما وحسب.
4- اتركي بين يدي والدك، في مجلسه، أو سيارته، شريطاً صوتياً، أو كُتَيِّباً، يتحدث عن مراقبة الله، أو اذكري أنت في إحدى جلساتكم الأسرية بعض القصص عن المراقبة وأثرها على العبد، ولاحظي ألا يبدو في حديثك أنك تعنينه على الخصوص بهذا الكلام.. وأخيراً.. إن رأيت أن علاقة الوالد بالخادمة لم تنته، فعليك ارسال استشارة أخرى، بيني فيها واقع والدتك، والخادمة، ووالدك على التفصيل.
وفقك الله لكل خير، وأقرَّ عينكِ بصلاح والدك، وسعادة أسرتك، وصرف عنكم شياطين الإنس والجن، وجعلك من الصالحات المصلحات اللواتي لا خوف عليهن ولا هن يحزنَّ، والله أعلم، وصَلِّ اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

1 - أم فهد | مساءً 08:40:00 2010/06/26
وأضيف أن تسرعوا بإخراج الخادمة لأن وجودها يوقد النار من جديد , كيف بها إن كانت هي تتفنن في إعراءه وإستدرار العطف والإنتباه والله يهدينا وإياكم لما فيه صواب .