الفهرس خزانة الاستشارات استشارات تربوية وتعليمية تربية الأولاد الأساليب الصحيحة لتربية الأولاد مرحلة الطفولة

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

خطوات التربية القويمة

المجيب
مرشد طلابي بالمعهد العلمي بالأحساء التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
التاريخ الاربعاء 26 شوال 1428 الموافق 07 نوفمبر 2007
السؤال

أعيش في بلاد الغربة منذ أكثر من عشر سنوات، وقد وفقني ربي للالتزام وفهم ديني أكثر في هذه المدة، وتزوجت بشخص ملتزم، ورزقنا الله بولد عمره الآن سنة ونصف، نخاف جداً من أن نخسر ابننا في هذا المجتمع، وندعوا الله أن يوفقنا لتربيته كما يحب ويرضى، وأدعوه باستمرار أن يجعلني مربية وراعية على بيتي وأولادي، وأن يوفقني لهذه المسؤولية.
أرجو أن تعطوني بعض النصائح لأضعها أمامي عند تربية ابني وإخوته في المستقبل؟
علماً أني وزوجي ننوي أن نترك هذه البلاد قبل أن يبلغ ابننا سن الدراسة، لأننا نشعر أن هذا العمر حساس، ووقتها سيكون تأثير المدرسة والمجتمع أكثر لكن ستصعب علينا العودة لبلادنا الأصلية، لما فيها من محاربة الإسلام والمسلمين هناك، فأتمنى أن تفيدوني ببعض النصائح، علماً أنني كانت لدي بعض العادات السيئة، التي وفقني ربي لأترك بعضها مثل الاستماع للموسيقى، كما أن اللغة العربية هي لغتنا الثانية، أي أن لغتي الأولى لغة أخرى أعجمية، ونحن الآن نعيش في دولة أوروبية، فالمجتمع يتكلم بلغة أخرى، والمدرسة وغيره، وأنا وزوجي نحاول أن نعوده اللغة العربية، لكي يسهل عليه حفظ القرآن الكريم. فما هي أنسب طريقة لابننا وهو في هذا العمر؟

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المهتدين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
هنيئاً لك الخير أختي الفاضلة، وهنيئاً لك طريق إياك نعبد وإياك نستعين أختي الكريمة، وبارك الله لك في زوجك، وأَقَرَّ أعينكما بوليدكما، وجعله صالحاً مُصلحاً براً تقياً نقياً، وصَرَفَ عنكم جميعاً شرَّ الأشرار، وكيد الفُجَّار، ونزغات الشياطين، وجعلكم من عباده الصالحين، اللهم آمين.
ثم إنِّي أزجي لكِ ولزوجكِ شكري لهذه المبادرة الطَّيبة، فحمل هَمِّ تربية الأبناء، وخصوصاً في المجتمعات الغربية، والتفكير في أنجع الطرق لتحقيقها؛ هو أول خطوات التربية الصحيحة القويمة، وهو السبيل لإيجاد محاضن تربوية تحفظهم من المغريات، وتؤكد فيهم السمة الإسلامية المباركة.
أختي الفاضلة:
إذا كُنَّا، معشر الآباء والأمهات، قد نشأنا في بيئات محافظة، وشَبَّ عودنا من جذور عميقة، وترعرعنا في أفياء الأخلاق الحسنة، واعتادت مسامعنا "حي على الصلاة، حي على الفلاح"، واستجابت نفوسنا وجوارحنا لنداء الإيمان، فإن الجيل الناشيء في المجتمعات الغربية،لم يعتد هذه المرتكزات، بل وإنَّه ليراها بصورة مُشَوَّشة ضبابية، بين ما يسمع عنها من والديه، وما يراها واقعاً مشاعاً في المجتمع من حوله، وخصوصاً في مسائل (الإيمان بالله، الحرية الشخصية، الشرف والعرض، الحلال والحرام)، ولذا فالحِمل عليكم كبير، والمسؤولية عظيمة، إلا أن الأجر كبير، والخير بعده عميم بإذن الله.
ومن هنا فإني أوصيكم بالتالي:
1- جاء في تفسير البغوي رحمه الله، عند تأويل قوله تعالى: "وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا" [الكهف:82]، قال محمد بن المنكدر رحمه الله: "إن الله يحفظ بصلاح العبد ولده، وولد ولده، وعترته، وعشيرته، وأهل دويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم"، وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: (إني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي).
ومن هنا فوصيتي لنفسي ولكِ أختي الكريمة، الله الله بصلاح نفسك، وصلاح زوجك، فإنه بصلاح الآباء، يصلح الأبناء، قال ابن عباس رضي الله عنه في تفسير الآية السابقة: (حفظا بصلاح أبيهما)، وقيل: (كان بينهما وبين الأب الصالح سبعة آباء).
يقول ابن كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: (فيه دليل على أن الرجل الصالح يُحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والأخرى بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة؛ لتقرّ عينه بهم).
2- أكثري أختي الفاضلة من الدعاء، في صلواتك، وخلواتك، وفي آخر الليل، سلي الله بقلب صادق، ونفس خاشعة، وعين دامعة، تذكَّري قدرته سبحانه وضعفك، وغناه وفقرك، وكرمه وحاجتك، سلي الله لذرِّيتك النشأة الصالحة، سليه أن يحفظهم بحفظه، ويكلأهم برعايته، سليه أن يصرف عنهم شرَّ الأشرار، وكيد الفجَّار، سليه أن يجعلهم بارِّين بكم، وأن يكونوا صالحين مصلحين، منتجين نقيِّين تقيين، بل سليه أن يجعلهم قُرَّة عين لكِ ولوالدهم وللمسلمين.
3- الأسرة، هي المؤثر الأكبر في حياة الطفل، ومنها يستقي ملامح حياته وتوجهاته، يقول صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) (رواه مسلم).
فالطفل كما قيل عجينة تتشكَّل حسب مؤثرات البيئة المحيطة به، وأقرب الناس إلى الطفل والداه، ومن هنا يتأكَّد في حقِّك زيادة حصيلتك المعرفية والمهارية في طرائق التربية، والتعامل مع المشكلات والمواقف التي قد تعترض مسيرة ابنك في مطلع حياته.. وهذ يكون بقراءة الكتب الموثوقة المتخصصة، أو حضور الدورات التدريبية، أو الاحتكاك بالقدوات والمتميزات في هذا الشأن.
ثم ينبغي ملاحظة أن حياتكما الخاصة: مفرداتكما، حركاتكما، لباسكما، علاقتكما بالله، مجريات حياتكما الأسرية، طرائق تعاملكما مع الآخرين، أبناء أصحابكما، العلاقة الحميمية مع طفلكما، الدفء الأسري من حوله، كل هذه مؤثرات تنقش ملامح حياة طفلكما، ومستقبل حياته بإذن الله.
4- الله الله بالغذاء الروحي والعاطفي لطفلك، أكِّدي فيه منذ نشأته علاقته بالله سبحانه، اسقيه محبة الله له، اعلميه أن الله أقرب إلينا من أنفسنا، وأنه لا حول لنا ولا قوة إلا بالله، ازرعي فيه مراقبة الله سبحانه، والاقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم، علميه وصية رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: " كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما، فقال: (يا غلام، إني أُعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سأَلت فاسأَل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أَن ينفعـوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف). (رواه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح").
وفي رواية الإمام أحمد: (احفظ الله تجده أَمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك فـي الشدة، واعلم أَن ما أَخطأَك لم يكن ليصيبك، وما أَصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أَن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسرِ يسرا).
ذُكر أنَّ شاباً سَرَق، وحين حُكِمَ عليه بقطع يده، نادى القاضي قائلاً له: اقطعوا يدّ أمي؛ فعندما سَرَقتُ بيضة في صغري، تَهَلَّل وجهها فرحاً، وهذا يدل على أهمية التربية الحسنة منذ الصغر، وأن ما نبذله من تربية وعناية ورعاية لأطفالنا في صغرهم، سنجني ثمرته في الكبر، والعكس صحيح، وصدق الله العظيم: "وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا" [الأعراف:58].
يقول الأستاذ الدكتور ناصر العمر: (إن التربية على مبدأ التربية الذاتية منذ الصغر، لها آثارها الإيجابية على حياة المسلم، وهي وقاية وحصانة من شرور كثيرة، تشكو منها البشرية).
ثم عليكِ بالغذاء العاطفي، جاء في (أسس الصحة النفسية/75) (وهذا الغذاء العاطفي لا يقل أهمية عن الغذاء الجسدي في تنمية شخصيته، ومن هنا جاءت أفضلية التغذية الطبيعية من ثدي الأم على التغذية الاصطناعية، ففي الأولى يتمتع الطفل بأمرين هما: الغذاء والحنان، وأما التغذية الاصطناعية، فإنها تخلو غالباً من شعور الطفل بحنان أمه. ومن هنا يحسن في الأطفال الذي يحرمون من التغذية الطبيعية أن تضمهم أمهاتهم إلى صدورهن حسب ما ينصح به أطباء الأطفال).
ومن هنا فحاجة الطفل إلى محبة الأسرة المحيطة به، وخصوصاً والده ووالدته، هي محبة فطرية، وكلَّما كانت حظوظ الطفل أكثر لمحبة والديه وعاطفتهم، كانت روحه طيبة، ونفسه أكثر بُعداً عن الضيق والانحراف والتشاؤم، بل وسيكون أكثر استجابة للمهارات المتعددة التي يتلقاها خلال نشأته الحياتية.
5- ازرعي الثقة في نفس طفلك، واحترمي محبوباته ورغباته مالم تكن مضرَّة، وابتعدي تمام البعد عن وصفه بالصفات السلبية، أو إهانته وإشعاره بالعجز والقصور، واعملي على تكليفه منذ الصغر بالمهام المتناسبة مع سِنِّه، مع الثناء عليه حين تنفيذها لرفع معنوياته، وتأكيد الفاعلية والإيجابية في نفسه.
6- اضربي الأمثلة برسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، والسلف الصالح، والقادة المؤثرين في الأمة، وحبِّبي طفلك في هذه الشخصيات، بل واجعليها مثله الأعلى في مُجريات حياته، مع التعرُّف على سِرِّ نبوغهم وتفوقهم لاقتفاء آثارهم في التربية، مع تأكيد الدور الريادي لأمتنا الإسلامية، وقيادتها للعالم ردحاً من الزمان.
7- اللغة ركن أساس في هوية الطفل، والأم هي المحور الأساس في توجيه هذه الهوية، ولذا فمن الضروري عليك تنمية لغته الأم، بل والعمل على ألا تُشكل إحدى اللغتين عداءً للغة الأخرى، وانظري مع زوجك في أفضل الطرق ليتعلم الطفل لغته الأم، واللغة الأخرى، في جو من استقرار وأريحية لغة الحوار والتخاطب، بين الطفل، وبين أهله والمجتمع من حوله.
8- لتكن لكِ ملاحظة خاصة لمصادر التأثير على عقلية طفلك، وخصوصاً القنوات الفضائية، فإن صورة، أو مشهد، أو مفردات، تتعلق في ذهن طفلك، قد تهدم عشرات الدروس والإرشادات التي تحرصين تقديمها إليه.
وأخيراً أختي الكريمة:
سَرَّني جداً استشعاركم لأمانة التربية، وتضحيتكم لأجل تربية متميزة لوليدكم، وشَرَح صدري بُعدك عن بعض التصرفات التي ترينها مؤثرة سلبية في حياتك الأسرية، ورغبتك المُلِحَّة في توفير ملاذ آمن لطفلك المبارك بعون الله.
فأبشرا بالخير الكبير من المولى العظيم الرحيم، يقول صلى الله عليه وسلم، في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم رحمهما الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه: (يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة).
وفقك الله لهداه، وجمعك وزوجك وذريتك على خير في الدنيا، وفي الآخرة في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وحفظ عليكم دينكم وأمنكم واطمئنان حياتكم الأسرية، والله أعلم، وصلِّ اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.