الفهرس خزانة الاستشارات استشارات نفسية الوساوس

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

معاناة مع الوسواس

المجيب
أخصائي الطب النفسي
التاريخ الاحد 06 ذو القعدة 1430 الموافق 25 أكتوبر 2009
السؤال

أنا مصاب بالوسوسة في كل العبادات والمعاملات، وخاصة الزوجية، حتى إنني لا أستطيع أن أطلب من زوجتي القيام بعمل؛ لأنني أخاف أن أتلفظ بالطلاق، وفي بعض المرات أطلب منها أشياء عادية، لكن يخيل لي أنها إن لم تقم بها فهي طالق، أو حتى إذا قمت بأعمال بنفسي سواء في مكان العمل أو في البيت فإنه يخيل لي إن لم أقم بهذا العمل فهي طالق.. أرجو المساعدة، علمًا أنني متزوج منذ 15سنة، وأب لأطفال، وهذا الوسواس معي منذ ذلك الوقت. أرشدوني مأجورين

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أنت يا أخي تعاني من اضطراب الوسواس القهري، وهو عبارة عن بعض الأفكار السخيفة التي تقحم نفسها في ذهن المريض رغما عن إرادته، وتسبِّب له قلقًا شديدًا؛ لأن محتوى الفكرة يمس شيئا أو قيمة مهمة لدى المريض، لكن ما يخطئ فيه المريض أنه يتعامل مع الفكرة الوسواسية لا على أنها مجرد فكرة مرضية أقحمت نفسها على ذهنه رغما عن إرادته، ولا شأن له بها، ولا يترتب عليها أي عمل أو حكم، ولكن يتعامل معها على أنها ما دامت موجودة في ذهنه فإن معنى ذلك أنها فكرته الخاصة، وأنها حقيقية، وبالتالي يحكم على نفسه أحكاماً قاسية، ويشعر بالذنب، ثم يبدأ بفعل أفعال قهرية استجابة لهذه الفكرة في محاولة للتغلب عليها، لكن المشكلة أن الاستجابة لهذه الفكرة وإعطاءها أي قيمة يزيد من ضراوتها وسيطرتها على ذهن المريض، فتزداد أفعاله القهرية للسيطرة على الفكرة، فتزيد الفكرة، وهكذا يدور في هذه الدائرة بلا نهاية.

أيضا من الدوائر الأخرى التي يدور فيها المريض هي محاولته السيطرة على ذهنه لكي لا يسمح بوجود أي أفكار غير مرغوب فيها، لكن المشكلة أن الأفكار غير المرغوب فيها تحدث بصورة طبيعية في 80% من البشر لكن لا يلتفتون إليها، ولا يعطونها قيمة، لكن مريض الوسواس لا يحتمل وجود أية فكرة غير مرغوب فيها في ذهنه، وبالتالي يراقب ذهنه لالتقاط أي فكرة، ويحاول منعها، لكن الأفكار غير المرغوبة تأتي لا محالة؛ لأنها ظاهرة طبيعية، فيعتقد أنه لم يبذل الجهد الكافي للسيطرة على ذهنه، فيبذل جهدًا أكبر، فيلتقط أفكارًا أكثر، فيضطرب أكثر، وهكذا يدور في هذه الدائرة التي لا تنتهي.

وإذا طبقنا هذا التنظير على المثال الذي ذكرته في حالتك فأنت تأتيك فكرة أنك سوف تتلفظ بلفظ الطلاق، أو أن زوجتك طالق إن لم تفعل شيئاً معيناً، والملحوظ أن ما يأتيك لم يتعد مستوى الفكرة، فأنت لم تتلفظ بلفظ الطلاق، لكن مجرد وجود هذه الفكرة في ذهنك يزعجك بشدة؛ لأنك تتصور أن معنى وجودها في ذهنك أنك تريد فعلا أن تطلق زوجتك، أو أنك من المحتمل أن تتلفظ بلفظ الطلاق فعلا؛ لأنك قد تريد ذلك لكن بما أنك لا تريد ذلك لأنك تحب زوجتك، فالتالي ينشأ هذا القلق الشديد، فتحاول أن تقاوم هذه الفكرة للتغلب عليها، أو تتجنب المواقف التي تثير هذه الفكرة، لكن –للأسف- مقاومتك لهذه الفكرة تزيد من إلحاحها عليك، فتزداد مقاومتك ويزداد إلحاح الفكرة وهكذا.
أيضا أنت لا تقبل مجرد وجود هذه الفكرة في ذهنك على الرغم من أنها قد تكون أحد الأفكار غير المرغوبة التي قد تتواجد في ذهنك بصورة طبيعية، فتراقب ذهنك  لكي تمنع توارد هذه الأفكار، على الرغم من أن هناك أفكاراً أخرى غير مرغوبة قد ترد على ذهنك، لكنها لا تمثل لك أهمية، وبالتالي لا تعرها اهتماما وتذهب بلا رجعة، وبالتالي تلتقطها أكثر فتركز عليها أكثر فيزيد إلحاحها أكثر وهكذا.

وبالتالي أنا أنصحك بالتالي:

1- لا تعر هذه الفكرة أي اهتمام؛ لأنها بالفعل فكرة غير مهمة لسببين، الأول: إنك لا تريد بالفعل أن تطلق زوجتك، فالفكرة ليست فكرتك، ولكنها فكرة غريبة عنك كأن شخصا مزعجا بجوارك يلح عليك  باستمرار أن تطلق زوجتك، وأنت لتفاهته تتجاهله، والسبب الثاني: أن جمهور العلماء على أن طلاق الموسوس الذي يتلفظ فعلا بلفظ الطلاق استجابة لوساوسه غير واقع، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم". وهذا الحديث رواه البخاري (5269) في كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق، ومسلم (127) في كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر، وأبو داود (2209) في كتاب الطلاق (باب في الوسوسة بالطلاق)، والترمذي(01183) في كتاب الطلاق (باب ما جاء فيمن يحدث نفسه بطلاق امرأته)، وابن ماجة (2044) في كتاب الطلاق (باب طلاق المكره والناسي)، وقال الصنعاني في كتابه "سبل السلام في شرح بلوغ المرام": والحديث دليل على أنه لا يقع الطلاق بحديث النفس، وهو قول الجمهور، وأن الله تعالى لا يؤاخذ الأمة بحديث نفسها، وأنه "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"، وحديث النفس يخرج عن الوسع، والحديث دليل على أن الأحكام الأخروية من العقاب معفوة عن الأمة المحمدية إذا صدرت عن خطأ أو نسيان أو إكراه، وطلاق المكره لا يقع عند الجمهور، وقد استدلوا بقوله تعالى: "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان"، وقال عطاء: الشرك أعظم من الطلاق، وقرر الشافعي الاستدلال بأن الله تعالى لما وضع الكفر عمن تلفظ به حال الإكراه، وأسقط عنه أحكام الكفر، كذلك سقط عن المكره ما دون الكفر، لأن الأعظم إذا سقط سقط ما هو دونه بطريق الأولى.

وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عن الوسوسة في موضوع الطلاق فقال –رحمه الله-: المبتلى بالوسواس لا يقع طلاقه حتى لو تلفظ به بلسانه إذا لم يكن عن قصد، لأن هذا اللفظ باللسان يقع من الموسوس من غير قصد ولا إرادة، بل هو مغلق عليه وكره عليه لقوة الدافعة وقلة المانع.

2- ومعنى عدم إعارتها أي اهتمام ألا تحاول مقاومتها أبدا، بل اجعلها تمر في ذهنك مثل أي فكرة سخيفة ليس لها قيمة ترد على ذهنك وأنت تتجاهلها حتى تختفي.

3- من خصائص الفكرة الوسواسية أنك كلما تعرضت للمواقف التي تثيرها أكثر كلما قل إلحاح الفكرة، وتفقد قيمتها، لذلك فحاول أن تتعرض للمواقف التي تثير الفكرة، مثل أن تطلب من زوجتك القيام بالكثير من الأعمال التي ذكرت أنها تثير الفكرة، وكلما تعرضت لهذه المواقف أكثر كلما قلَّت الفكرة، قد يكون هذا مزعج في البداية لأنه يثير الكثير من القلق؛ لأنك ستضطر أن تحتمل تواجد الفكرة في ذهنك لفترة طويلة، ولكن مع كثرة التدريب وبمرور الوقت يحدث اعتياد على وجود الفكرة في ذهنك، ويقل القلق بالتدريج، مثال ذلك أنك إذا اضطررت أن تنزل في حمام سباحه مياهه باردة فإنك في البداية تشعر بالبرد الشديد، لكن مع مرور الوقت يبدأ جسمك في الاعتياد على درجة الحرارة المنخفضة ويختفي الشعور بالبرد، وهذا بالضبط هو ما يحدث مع التعرض للفكرة الوسواسية، واستحضر في ذهنك دائما ما ذكرته لك في النقطة الأولى، فإن هذه قد يخفف عنك من حدة القلق.
4- من الممكن أيضا أن تقوم باستحضار الفكرة في ذهنك بإرادتك لفترة طويلة،أو أن تقوم بكتابة كلمة الطلاق كثيرا حتى يحدث هذا الاعتياد، ولا تخف من وقوع الطلاق، فإني قد ذكرت لك كلام أهل العلم في طلاق الموسوس.

5- طبِّق نفس هذه التدريبات على بقية الوساوس الأخرى التي لم تذكرها، فإن ما ذكرته لك مثل يمكن تطبيقه على كل الوساوس القهرية، وراجع كلام أهل العلم في كل مسألة حتى تطمئن، واعلم أن علاج الوسواس يتطلب قدراً كبيراً من الدافعية والاعتماد على النفس، فشجِّع نفسك باستمرار، واستعن بالله، وأكثر من الدعاء حتى يعافيك الله.
6- ولا أنسى أن أوصيك بتعاطي الأدوية المضادة للوسواس؛ فإنها نافعة جدا في التقليل من الوساوس؛ لأن الوسواس ينشأ عن خلل في بعض الموصلات العصبية في المخ تقوم هذه الأدوية بإصلاحه، كما أن هذه الأدوية تساعدك على تحمل القلق  الناشئ عن التدريب الذي ذكرته لك، وليكن تعاطيك لهذه الأدوية تحت إشراف الطبيب.

وفقك الله تعالى إلى ما يرضيه.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

1 - انور | مساءً 11:31:00 2009/06/14
لقد كان جوابا قيما فعلى واستفدت منه الكثير وان لم يكن معي وسواس الطلاق ولكن معي وسواس غيره الا اني وجدت نفعا كبيرا بفضل الله تعالى ثم بفضل الدكتور ايمن الحسيني .
2 - ليلى | ًصباحا 12:34:00 2009/08/17
أكثروا من الاستغفار فانه يريح النفس ويذهب الهموم ويجلب الدزق
3 - تعبان | ًصباحا 06:36:00 2009/11/30
اه اه اه والله تعبت م غير تفكير شكه قلق والله والله والله غير اخاف من بكره والمستقبل واناموظف تكفون دلوني
4 - اضيخع | ًصباحا 12:48:00 2010/04/26
انا موسوس
5 - الله يعين | ًصباحا 02:14:00 2010/08/30
انا موسوس ومو بس فكرة مليون فكرة بس بالنسيان والله ترتاح لكن من يوم ترجع الافكار ارجع لحزني :( لا إله الا الله محمد رسول الله