الفهرس خزانة الاستشارات استشارات اجتماعية العلاقات الأسرية مشكلات أسرية

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

بيت لا يزال منزوع الملكية

المجيب
التاريخ الخميس 28 شوال 1431 الموافق 07 أكتوبر 2010
السؤال

زوجي اشترك مع والده في شراء قطعة أرض، وبنى بيتًا له في جزء منها بماله الخاص، وكذلك والده بنى بيتًا له وبماله الخاص، وكان قد تعهّد قبل شراء الأرض أنه سيكتب البيت باسم زوجي، و انتهى زوجي من بناء البيت الخاص به، وأسكن أخته معه ريثما ينتهي والدهما من بناء بيته الخاص به، وقد انتهى والده من بناء بيته ولكن أخته لا زالت تسكن معنا، وترفض الانتقال إلى بيت والدها رغم أن بيتهم واسع وكبير، وبه عدة غرف فارغة، وكذلك والده لم يكتب له البيت الخاص به باسمه، بل يريد أن يرجع له ما دفعه رغم أن سعر البيت قد تضاعف بعد مرور سبع سنين على شرائهم الأرض. المشكلة أنهم يعاملوننا على أننا في بيتهم وليس في بيت زوجي، وأنا منزعجة من وجودها معنا في نفس البيت.. أرشدونا ماذا نفعل؟.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً. أما بعد:

 المتأمل للمنهج القرآني في التعامل المالي من خلال آية الدين: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ" يجدها وقد اشتملت على أدق التشريعات، وأحكم التوجيهات، وأجمع الهدايات، حيث أنزلها الله تعالى من أجل حفظ الحقوق وتوثيقها بمختلف الوسائل والأحكام، والوفاء الكامل لكل الجوانب التشريعية، والاحتراس التام من كل ما قد يؤثر على سلامة التعاقد، وتطبيق ذلك من المؤكد أنه سيمنع الكثير من المشاكل التي تنتج من جراء عدم التوثيق والتسجيل.

ابنتي الفاضلة... حينما اشترى زوجك ووالده قطعة الأرض، كان ينبغي أن يكتب الجزء المخصص له باسمه منذ البداية، ويقوم بإثبات ذلك بسند التسجيل لدى دائرة الأراضي والمساحة فهذا الأمر كان سيمنع الكثير من المشكلات،ولكن قدر الله وما شاء فعل. فالإسلام يأمرنا عند التعامل المالي أن نكتب ونوثق ونُشهد على ما كتبناه من أجل قطع النزاع، وحتى لا تضيع الحقوق، ودليل على ذلك آية الدين. والكتابة نعمة من الله- سبحانه وتعالى- منّ بها على عباده يكتبون بها أمورهم، (فاكتبوه) وهذا الأمر للاستحباب وليس للوجوب، أي أنه أمر إرشاد بدليل أن الله سبحانه وتعالى قال في آخر الآية (فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته) يعني إذا أمن الدائن المدين ولم يكتب الدين ولم يأخذ عليه رهناً فهذا جائز، ويجب على المؤتمن والمدين أن يؤدي الذي اؤتمن عليه، ولا يمكر ولا يجحد. ولكن النسيان في البيع والشراء وارد، من أجل ذلك سنّ الله عز وجل الكتابة والإشهاد في الدين.

والواضح أن زوجك لم يكتب عقدًا حين شراء قطعة الأرض، وسجل الوالد عقد الشراء باسمه فقط، وفي هذه الحالة تكون قطعة الأرض بكاملها وما عليها من بناء ملكاً لمالكها المثبت في سند التسجيل، وهو والد زوجك، هذا أمام القانون. واكتفى الزوج بإقرار والده له أنه سيكتب حصته من الأرض باسمه فيما بعد، وهذا يلزم الوالد بالوفاء بما التزم به، لأن الله تعالى يقول: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ"، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلمون على شروطهم" رواه أبو داود. فعلى الأب أن يفي بما وعد به الابن، وليس له أن يأخذ مما اشتراه الابن، أو يعيد ثمن الأرض له بعد مضي سبع سنوات، وذلك دون رضا الابن. ولهذا على الابن أن يحاول إقناع والده بالحسنى أن هناك ضرراً قد وقع عليه جراء عدم تسجيل قطعة الأرض الخاصة به باسمه، ويبذل جهده في ذلك بكل الود والحب والبر لوالده، وأرجو أن يوفق الابن في ذلك، إحقاقا للحق، وبراءة لذمة الوالد فإن رفض الوالد، فليفوض زوجك أمره لله، ويسأل الله تعالى أن يختار له الخير. كما أقترح على زوجك أن يعرض على والده شراء قطعة الأرض الخاصة به وما عليها من مبانٍ، وذلك بتثمين سعرها في وقتنا الحالي ولو بشيء من التنازل، فإن وافق الوالد يقوم الزوج بشراء قطعة أرض مثلها أو بمساحة أقل منها ويبني عليها بيتنا جديدا لكم.

وتذكري – ابنتي العاقلة- قصة الابن الذي أتى إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو والده وكثرة ما يأخذ منه من مال، فقال له عليه الصلاة والسلام: (أنت ومالك لأبيك) وبالطبع في حدود المعقول والمقبول شرعا وعرفا.  فكوني عونا لزوجك في البر بأبيه،واحذري أن تشجعي زوجك على الصدام مع والده، أو شحنه ببعض العبارات السلبية التي من شأنها إشعال نار الفتنة بينهما، فكوني على حذر من ذلك، واعتبري أن ذلك من البلاء  فلتصبري، ولتدعي له بالهداية والمغفرة. ولتعلمي أيضا أن ظلم الوالد أو حتى كفره لا يُبيح لزوجك أن يعقه أو يسيء معاملته، فهو مأمورٌ بالإحسان والبر للوالد ولو كان كافرًا، و أيضًا مأمورٌ بمصاحبته بالمعروف والبرّ والصلة له.. قال الله تعالى: "وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا" [الإسراء. 23-24].

 ابنتي الحبيبة... تذكرت وأنا أقرأ رسالتك قصة سيدنا إسماعيل – عليه السلام-حين كان غلاما صغيرا يحب والده ويطيعه، وعندما جاءه أبوه إبراهيم- عليه السلام - ذات يوم وطلب منه طلبًا عجيبًا وصعبًا؛ حيث قال له: "يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى"، فرد عليه إسماعيل في ثقة المؤمن برحمة الله، والراضي بقضائه: "قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين". هكذا كان إسماعيل بارًّا بأبيه، مطيعًا له فيما أمره الله به، فلما أمسك إبراهيم -عليه السلام- السكين، وأراد أن يذبح ولده كما أمره الله، جاء الفرج من الله -سبحانه- فأنزل الله ملكًا من السماء، ومعه كبش عظيم فداءً لإسماعيل. وتذكرت أيضا قصة الثلاثة الذين اضطروا إلى أن يبيتوا ليلتهم في غار، فانحدرت عليهم صخرة من الجبل فسدت عليهم باب الغار،فأخذ كل واحد منهم يدعو الله ويتوسل إليه بأحسن الأعمال التي عملها في الدنيا؛ حتى يفرِّج الله عنهم ما هم فيه، فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت أحضر لهما اللبن كل ليلة ليشربا قبل أن يشرب أحد من أولادي، وتأخرت عنهما ذات ليلة، فوجدتُهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما أو أعطي أحدًا من أولادي قبلهما، فظللت واقفًا -وقدح اللبن في يدي- أنتظر استيقاظهما حتى طلع الفجر، وأولادي يبكون من شدة الجوع عند قدمي حتى استيقظ والداي وشربا اللبن، اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك ففرِّج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، وخرج الثلاثة من الغار (القصة مأخوذة من حديث متفق عليه).نستفيد من ذلك أن البر لا يُبلي، وأن مفرج الهم وكاشف الكرب لا يضيع أبدا الإحسان، فجزاء الإحسان سيكون إحسانا بإذن الله " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان".

نعم ابنتي الكريمة... فبر الوالدين له فضل عظيم، وأجر كبير عند الله -سبحانه-، فقد جعل الله برهما من أعظم الأعمال وأحبها إليه، قال تعالى: "واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا" [النساء: 36]. وعندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها). قال: ثم أي؟ قال: (ثم بر الوالدين). قال: ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) متفق عليه. ولهذا على المسلم دائمًا أن يسعى إلى رضا والديه؛ حتى ينال رضا ربه، ويتجنب إغضابهما، حتى لا يغضب الله. قال صلى الله عليه وسلم: (رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد) رواه الترمذي، وقال صلى الله عليه وسلم: (من أرضى والديه فقد أرضى الله، ومن أسخط والديه فقد أسخط الله) رواه البخاري.

ابنتي الكريمة... أحببت بذكر ما سبق أن أذكرك بفضل رضا الوالدين من باب ( فذكر فإن الذكري تنفع المؤمنين) لأن الماديات وظروف الحياة الصعبة والمعقدة قد أنست الكثيرين منا فضل التلاحم الأسري والروابط العائلية، وقيمة بر الوالدين ورضاهما، فباتت الأمور تحسب بالدرهم والدينار، والربح والخسارة، حتى صار الرجل يقاتل أخاه من أجل الميراث، ويغضب الابن أباه طمعا فيما يملك وما لا يملك، ونسي هذا وذاك أن من ثمرات البر بالوالدين ورضاهما حصول البركة، والبركة شأن عظيم من شؤون الله تعالى، فهي زيادة في الخير وسعة في الرزق، وحماية من كل مكروه،  وصلاح للأبناء، وبرهم وإحسانهم لوالديهم.. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بِرُّوا آباءكم تَبرُّكم أبناؤكم، وعِفُّوا تَعِفُّ نساؤكم) الطبراني والحاكم.

وإغضاب الوالدين يستجلب محق البركة وضيق الرزق وتسليط الأعداء، وفوق كل ذلك غضب الله سبحانه وتعالى، فماذا لو كسب زوجك أرضا أو مالا وخسر رضا والده وغضبه، بكل تأكيد خسارته ستكون كبيرة، نعوذ بالله من ذلك.

أما بخصوص أخت زوجك فلم تذكري عنها أي شيء سوى أنك منزعجة لوجودها في بيتك، فهل سبب الانزعاج أنها تحاول التدخل في حياتك؟ أم هل تثير المشاكل بينك وبين زوجك؟ أم مجرد وجودها فقط في بيتك يسبب لك الإزعاج؟ على العموم أنصحك بمعاملتها بالإحسان فربما تفتقد حنان الأم وتستشعره معك، ولهذا تصر على البقاء بجوارك، وأعتقد من رسالتك أنها غير متزوجة، أي أن مكثها في بيتك لن يدوم طويلا.. حاولي معالجة أمورك بشيء من الصبر، واعلمي أن الأيام كفيلة بحل ما لم نستطع حله.

وفي الختام... أدعو الله تعالى أن يصلح الأب، ويريه الحق ويرزقه اتباعه، ويريه الباطل ويرزقه اجتنابه، وأن يوفق الابن للبر بأبيه، ويرزقك الصبر والرضا والخير... اللهم آمين.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.