أخي الغالي... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أسعد الله أوقاتك بكل خير.. أشكرك من كل أعماقي على حرصك على بر والدك.. وأشعر جداً بالألم الذي تمر به حالياً بسبب عدم قدرتك على المفاضلة بين مصلحتك الشخصية وبر والدك بمواصلة العمل معه في محله التجاري.. أعجبني جداً أسلوبك في عرض موقفك في الأسطر السابقة، وهي تشع نفساً من الكتابة الجيدة والتي ستنمو وتزداد بالقراءة الواعية والمنظمة، وهذا الخيط الذي أتمنى أن تلتقطه لأساهم وإياك في تجاوز هذا المشكلة اليسيرة -بإذن الله-.
أعتقد يا عزيزي أن المشكلة نابعة من عدم تقديرك واحترامك الكامل لذاتك، عذرا على هذه العبارة، ولكن هذا ما اتضح لي من خلال قراءتي لأسطرك السابقة،لاحظت أنك كنت بعيدا بشكل كبير عن ذاتك، وتبرر بقاءك مع والدك بالبر، ثم تلوم نفسك في أسطر أخرى على ترك الدراسة، وتتحسر على أن رواتب إخوتك أكثر منك، ثم النقطة التي تهز كيانك أحياناً، وهي راتب زوجتك المدرسة، وشعورك بالحرج من أنها تصرف على البيت أكثر منك، وعندما قررتَ أن تخوض التجربة في العمل بحرية توقفت لتفكر: هل هذا صحيح، أم أنه عقوق أو هل سأستطيع أن أنجح؟.
سأحاول أن أبحر معك في تجاوز كل تلك المشكلات بإذن الله من خلال النقاط التالية:
1. النقطة الأساسية التي أريدك أن تعيدها إلى ذاتك هي: الثقة بالنفس والاعتزاز بذاتك، ينبغي أن تفكر بطريقة مختلفة عن طريقتك الحالية، أن تفكر بما تملك لا بما تفقد! لا بمقارنة نفسك مع الآخرين بل بما تريد أن تكون، أعتقد أنك بحاجة ماسة أن تنسى كل السلبيات التي مرت بك، وجعلتك تعتقد أنك غير محظوظ، أو أنك لا تعرف شيئاً، أو أن أفضل مكان لك هو محل والدك لأنك عندما تتركه ستفشل. الثقة يا عزيزي أعظم نعمة يمن بها ربي على الإنسان، وخيرها الثقة بالله وبمعناها الشرعي اليقين بالله، وحسن الظن به، هذه هي الميزة التي تميزنا عن غيرنا من الملحدين والكفرة، عندما تتأمل قول ربك على لسان نبيك صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي "أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي عبدي ما شاء" وقول حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم: "لا يموتن أحدُكُم إلا وهو يحسن الظن بالله" فلا بد أن تبدد هذا الضعف والوهن الذي يراودك أحياناً، ويجعلك تشعر بالحيرة وعدم القدرة على المفاضلة، واتخاذ القرار المناسب لك. يبقى عزيزي في جانب الثقة أن تسعى من الآن بزيادتها بعدة عوامل، أجمعها لك في كلمة: "قادر بإذن الله"، رددها.. هل تحس بقوة الصدى الإيجابي الذي تُشْعِرُك به هذه الكلمة؟ خاصة أنك ترددها بإضافة بإذن الله.. هي كلمة لها تأثير كبير أيضا.. عرفت الأركان التي تعتمد عليها! وهي أيضا ستساعدك على تحقيق الثقة بنفسك...وهي وفق التالي:
• قـ: حرف القاف من قادر معناها قوة الإرادة.. قوة الهدف.. قوة الطموح.. قوة اليقين الذي يدفعك للتفوق.. لابد أن تُقَوِّيَ هذا الركن في ذاتك من خلال التأمل، ثم تحديد الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه مقارنةً بإمكانياتك والفرص المتاحة لك، ثم السعي الدءوب لتحقيقه.. قد تحرم نفسك من النوم من أجل هذا الهدف، قد تمتنع عن بعض اللقاءات الاجتماعية المتكررة لأجل هذا الطموح؛ لأن لديك قوة فوارة دائما تُشَجِّعُك وتدفعك نحو الهدف...وأنت الآن تعاني من مشكلة المال، فاجعل لك هدفًا وطموحًا أن تتغير أحوالك المادية و طريقة تفكيرك ونظرتك لنفسك من الآن.
• ــا: حرف الألف في قادر... بعد أن أصبح لديك قوة إرادة... ستواجه بعض المنغصات في حياتك... قد تَمَلُّ وتضجر..قد تَيْأَسُ... قد تطول المدة ولم تلاحظ التغيير، أو بينك وبين الهدف مسافات فاصلة.... هل تتوقف؟ لا! لأنك قادر.. فلا بد إذًا من(إصرار) يتجدد معك كلما أصابك اليأس والنَّصَب، وتذكَّرْ كل الناجحين، ومنهم الأنبياء والصالحون والعلماء والأغنياء وأصحاب المناصب وحتى أهل الرياضة،... لولا الإصرار والمثابرة المتواصلة لما حققوا ما طمحوا له، و عرفهم الناس بعد ذلك.
• د: حرف الدال... لابد بعد الإصرار وقوة الإرادة بأن تُحول جل طاقتك وتركيزك نحو (الدراية والإتقان) لما أردت أن تحققه .. بمعنى أنك لن تصبح قادراً وواثقاً من نفسك إلا إذا كان ما تُقَدِّمُه متميزاً عن غيرك.. وبالتالي تتميز.. وبعد التميز سيبحث عنك الناس، والسبب في ذلك أنك استطعت أن تتقن العمل الذي تقوم به، ولا ترضى أن تقدمه بأقل مما هو أهل له، أيضا قدرتك أن تحيط بكل ما يختص فيه. وأعتقد أن الدراية والإتقان، عزيزي، من أهم النقاط التي تجعلك قادرا.. ألا تلاحظ أن هناك أشخاصًأ أعلامًا، ويبحث عنهم الناس في بعض التخصصات.. لماذا؟.. هل هو محظوظ فقط ! أم أنه مهتم جداً بأن يحيط بكل المعلومات عن عمله... فإن كان ميكانيكياً..أو كهربائيا... أو بعمل في مجال الإلكترونيات، أو غيرها من آلاف التخصصات.. السر هو الحرص على الإتقان.
• ر: حرف الراء من (رحابة الصدر) أن يكون صدرك رحبا لكل من يخالفك أو يحاول أن يحبطك، بأن تتحمل هذا الضغط وتجعله عبارة عن تحفيز آخر لك لمواصلة السعي نحو الهدف، فلو أنك تألمتَ من كلام الناس من حولك وتذكيرك بما سبق أن فشلت فيه، أو بمحاولة إضعاف محاولاتك للنجاح، لتوقفت ولشعرت بالألم، ولو قرأت سِيَر الناجحين لرأيت أنهم أيضا تعرضوا لنقد لاذع، واستغرابٍ مما قدموا، ومع ذلك صبروا وقدموا أفضل ما لديهم ونجحوا.
آمل أني استطعت أن أساهم في تجاوز ما تعانيه، وتحتاج إلى تعايش وصبر ودعاء لله تعالى... أسأل الله أن يفرج همك وييسر أمرك.