الفهرس خزانة الاستشارات استشارات تربوية وتعليمية قضايا التعليم

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

كُلِّيتـي دون طموحي

المجيب
التاريخ الثلاثاء 13 شوال 1434 الموافق 20 أغسطس 2013
السؤال

أنا شاب كنت متفوقًا منذ صغري، وشاء القدر أن تفوتني كلية أحلامي (الصيدلة) بسب درجتين، وكنت قادرًا على أن أحقق مجموعًا أكبر منها، ولكن في آخر امتحان لم أنم جيدًا، وأخطأت في حل مسألة ضيعت مني كلية أحلامي، وكان أمامي أن أختار كلية غيرها، وبعد عناد طويل سمعت كلام أهلي وكلام الناس، ورضيت أن ألتحق بكلية التمريض، وكنت أعلم أنها سوف تسبب لي تعبًا نفسيًّا، وما إن التحقت بها حتى بدأ معي الاكتئاب والقلق في كل سنة أمر بها، حتى أظن أنه أصبحت لديّ عقدة من الدكاترة، وممن استطاع أن يحقق طموحه، وأنجز في دراسته، وأشعر بتعب نفسي واكتئاب عندما أسمع كلمة دكتور أو صيدلي، وأحس بضعفي عندما أرى دكتورًا، وأشعر أني أريد أن أقول له إني كنت متفوقًا مثله، وأخاف من نظرته إليّ، وأشعر بأنهم من كوكب آخر، وأنهم أفضل مني، هذا بالإضافة إلى أني من النوع المنطوي المائل للاكتئاب، على الرغم من أني مع أهلي أستطيع أن أمزح معهم، وأصدقائي يعلمون جيدًا أني أحب الضحك وأقدر على المزاح، ولكني في أوقات لا أستطيع الكلام، أستحيي وأخجل في بعض الأوقات من التعبير عن أحاسيسي مع أصدقائي.. أرجوكم أخبروني عن حل.. أنا مصاب بالاكتئاب لأسباب عديدة، وذكرت لكم بعضًا منها، وهناك سبب آخر وهو أني كنت أحب فتاة وبعد فترة قطعت علاقتها معي.. أرشدوني مأجورين..

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيراً.

مرحبـا بك في موقعك المتميز الإسلام اليوم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقك الثبات على طاعته، كما أسأل الله لك التوفيق والسداد والهداية والخير في الدنيا والآخرة، وأن يملأ قلبك بحبه، ويجعلك من المقرَّبين إليه.. أما بعد.

ابني الكريم.. في بداية حديثي معك أطرح عليك ثلاثة أسئلة، إجابتها ستخرجك من هذه الحالة التي أنت قيها: هل رضيت بالله ربا؟ وهل رضيت بالإسلام دينا؟ وهل رضيت بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا؟. أراك متهللا ومؤكدا و بملء فيك تقول: نعم وبكل تأكيد. هكذا قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: "ذاق طعم الإيمان: من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- رسولاً" أخرجه مسلم في صحيحه. أما تعلم أن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان؟ وهل تعلم أن القدر منه ما هو خير وما هو شر؟ وأنك قد ذكرت (وشاء القدر أن تفوتني كلية أحلامي)- والله هو الذي يشاء لا القدر أخي الكريم، فانتبه لأمثال هذه العبارة حفظك الله وأسعدك- فقّدر الله لك غير ما ترجو وتأمل، وقدر الله وما شاء فعل، هكذا يقول المؤمن، فلماذا إذن الاعتراض والقلق والاكتئاب؟ أليس ذلك يتعارض مع إيمانك بالقدر خيره وشره، وأنت الإنسان المسلم صحيح الإيمان؟ أما تعلم أن تصريف الأمور كلها بيد الله  سبحانه وتعالى؟  وأنه قدّر مقادير الخلائق قبل خلقها بأزمنة طويلة؟ وأن ما أصاب الناس من خير أو شر فهو بتقدير الله وتصريفه ومشيئته، فعلام هذا اليأس والجزع؟ أما تعلم أن الله لا يقضي قضاء للمؤمن إلا كان خيراً له، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً؟ أما تعلم أن فوات كلية أحلامك (الصيدلة)، وإن بدت في ظاهرها محنة، فلربما فواتها سيجلب لك خيرا كثيرا؟ أليس الإيمان بالقدر يدفع الإنسان إلى الأمل والعمل، ولا يعني أبدا الاستسلام لليأس والقعود؟. أليس الإيمان بالقدر يمنحك السعادة ويزيدك قوة وقدرة على النجاح في أي مجال؟ فلماذا هذا الفهم الخاطئ لهذا الركن العظيم من أركان الدين؟ تأمل معي قول الله تعالى: "وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" [البقرة:216]، فكثيرا ما تمنينا أمورًا، ثم بعد ذلك يتبين لنا أن بقدومها شرا، والعكس صحيح، فالإيمان بالقضاء والقدر خير كله، وفيه راحة للنفس، وطمأنينة للقلب.

بهذه المقدمة التي لابد منها أردت أن أوضح لك حقيقة أن المؤمن يعمل ويجد ويجتهد ويبذل كل الأسباب، ويبقى قلبه معلقا بخالقه سبحانه، وفي نفس الوقت يعلم أن الحياة مليئة بالمفاجآت، فلا يدري ما يحصل له من خير، أو ما يدهمه من شر، فيأتي الإيمان بالقدر سكينة وطمأنينة ورضا فينشرح الصدر، وتزداد الثقة بالنفس وخالق النفس، فلا استسلام ولا انهيار ولا قلق ولا اكتئاب، فلم كل هذا وكل شيء عنده بمقدار؟.. لو استقرت هذه المعاني في قلبك لاستطعت أن تقابل الدنيا بوجه جديد مشرق متفائل، ويقين راسخ تهون معه شدائد الدنيا، وابتلاءاتها.

ابني المؤمن.. ليس من الضروري أن تصبح طبيبا أو صيدلانيا أو مهندسا، أو غير ذلك من المهن، ولكن الشيء المهم أن تجيد المهنة التي تعلمتها وتبدع فيها، وتسلح نفسك بالعلم والمهارات وبالإجادة، فأي إنسان يمكن أن يكون فعالا ومؤثرا في المجال الذي هو فيه إذا أجاد. أما رأيت المئات بل الآلاف من خريجي الكليات والتي يطلقون عليها كليات القمة قد انضموا لصفوف البطالة، حتى إن الكثيرين منهم قد غيروا مسار حياتهم، واتجهوا لتعلم حرفة أو مهنة، ليستطيعوا مواجهة الحياة وأعباءها؟ إذن العبرة ليست بالكلية ومستواها. وفي هذا المقام أشكرك، كما أشكر أهلك وأصحاب المشورة (سمعت كلام أهلي وكلام الناس) في حرصكم على اختيار مجال علم لا يحصل به اختلاط، ولا يخالف تعاليم ديننا الحنيف، بل ويتسع لرفع المعاناة، ندعو الله أن يبارك في نيتكم ويتقبل منكم. فلماذا هذا التعب النفسي والشعور بالقلق والاكتئاب (كنت أعلم أنها سوف تسبب لي تعبًا نفسيًّا وما إن التحقت بها حتى بدأ معي الاكتئاب والقلق)؟

 أما تعلم أن مهنة التمريض من المهن الحساسة، بل هي من أعظم المهن الإنسانية؟ بل إن ما زاد من أهميتها في الوقت الراهن أنها اشتملت على فروع وتخصصات عديدة، فمعظم عمل المستشفيات يعتمد على التمريض، ومن خلال مواصلة الدراسة والتفوق يمكنك الحصول على الماجستير والدكتوراه.

ابني الكريم.. عليك بالنظر إلى نصف الكوب الممتلئ، ولا تنظر إلى نصف الكوب الفارغ، فإذا نظرت إلى حالك لوجدت أن العلم الذي يسره الله لك هو من صالحك، فتقدير الله لك أن تكون سببا في تخفيف أوجاع مئات بل آلاف المرضى والجرحى، وإخلاصك في عملك وابتغاؤك الأجر من الله، لا شك فيه الخير والخير العميم. فلا تتحدث مع نفسك بشكل سلبي، لا تكرر مفردات الفشل، والضيق، والملل، والقلق، وكل مفردة سلبية؛ فإن كثرة تردادها يجعل العقل الباطن يَتَشرَّبها، ومن ثَمَّ يتعامل معها على أنها حقيقة واقعية، وهنا مكمن الخطورة عليك.. ولذا عَزِّز ثقتك بنفسك، ولا تكرر (وكنت أعلم أنها سوف تسبب لي تعبا نفسيًّا) فهذا الشعور المسبق الذي بدأ يتردد بداخلك قد أفقدك حماستك لمهنة التمريض، بل قد وجد الشيطان لديك التربة الخصبة ليولد في نفسك حقدا وكرها لمن صار طبيبا أو صيدلانيا (حتى أظن أنه أصبحت لدي عقدة من الدكاترة وممن استطاع أن يحقق طموحه وأنجز في دراسته، وأشعر بتعب نفسي واكتئاب عندما أسمع كلمه دكتور أو صيدلي)، وهذا أخطر ما في حالتك، فالمؤمن يحب الخير لغيره وإن فاته ذلك الخير. فإذا كنت فعلا تريد أن تحدث تغييرا إيجابيا في حياتك وكنت جادا في ذلك ورغبتك قوية، فتوكل على الله سبحانه وتعالى، واستبدل أفكارك السلبية بأخرى إيجابية، تدعمك وتحمسك، وكن على يقين أنك أنت الوحيد على هذه الأرض الذي يمكن أن يدخل السرور على قلبك، ويستبدل هذا القلق والاكتئاب بالسكينة والطمأنينة والرضا.

ابني العزيز.. أنت بحاجة إلى الاقتراب أكثر من الله، ففي نفسك فراغ لا يملأه إلا القرب من الله، و في نفسك ظمأ لا يرويه إلا أن تشعر أنك قريب من ربك، فبهذا تصل إلى أن تذوق طعم السكينة، وأن تذوق طعم الطمأنينة، قال تعالى: "الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ".

إنها السكينة التي يلقيها الله في قلب عبده المؤمن، فمهما حصل في هذه الدنيا ومهما أفنى الإنسان نفسه في تحصيل مصالحها ونال فيها ما تمنى، إلا أنه يظل في حاجة لفضل ربه ورحمته "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون". فأنصحك بتقوية علاقتك بربك والجأ إليه واجعل دعاءك سبيلاً تتقرب به إلى ربك، افزع إليه، وكلما شعرت بهذا الشعور فارفع يديك إليه جل وعلا، واسأله برحمته التي وسعت كل شيء أن يشرح صدرك: (رب أعني ولا تُعِن عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ، واهدني ويسر الهدى إليَّ، وانصرني على من بغى عليَّ، رب اجعلني لك شكَّارًا لك رهَّابًا لك مطواعًا إليك مخبتًا أواهًا منيبًا، رب تقبل توبتي واغسل حوبتي وأجب دعوتي وثبت حجتي وأهد قلبي وسدد لساني، واسلُلْ سخيمة قلبي)، (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الممات راحة لي من كل شر)، (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين)، (رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين)، (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، (حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). فبهذا تشعر حقًّا أنك قد امتلأت من الراحة والطمأنينة بل وذقت حلاوة الإيمان التي قال فيها -صلوات الله وسلامه عليه-: (ذاق طعم الإيمان: من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- رسولاً) أخرجه مسلم في صحيحه..

وفي الختام.. نسأل الله عز وجل برحمته التي وسعت كل شيء أن يشرح صدرك، وأن ييسر أمرك، وأن يجعلك من الناجحين في الدنيا والآخرة، وأن يوفقك في دراستك، وأن يجعلك قرة عين لأهلك وللمسلمين، ونحن في انتظار جديد أخبارك.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

1 - Dr.Google | مساءً 09:56:00 2010/06/12
انا متفق مع الاخت سميحة في كل ماقالته لك من ناحية الاجابة وقد كانت شافية جدا , وشكرا جزيلا لها .اما انت فسوف اقول لك بأنني قبل احدي عشر سنة كان حلمي ان اكون طبيب ولكن جرت الرياح بما لاتشتهى سفني وصبرت ورضيت بما قسم الله لي وانا الان ادرس طب وفي السنة الرابعة ولله الحمد . اخى اقولها لك ومن واقع تجربة ارضى بما قسم الله لك واتق الله في شئون حياتك وصدقني ان الله سبحانه سيسر لك امور لم تكون في حسبانك . الصبر الصبر ثم الصبر . شكرا واسف علي الاطالة .