الفهرس خزانة الاستشارات استشارات اجتماعية العلاقات الأسرية معاملة الوالدين

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

تفكر في الانتحار لمشكلات أسرية

المجيب
القاضي بالمحكمة الكبرى بالرياض
التاريخ الاثنين 23 جمادى الآخرة 1425 الموافق 09 أغسطس 2004
السؤال

هذه هي المرة الأولى التي أستشير فيها العلماء في أمر يخصني، لكنني لم أستطع سؤال أي شخص من عائلتنا؛ لأنني أخاف أن تصيبني مشاكل ولا أستطيع السكوت؛ لأنني أريد معرفة وضع أخي في المجتمع، فهناك مشاكل كثيرة بين أمي وأبي، وهم دائماً يتشاجرون على أتفه الأسباب، وقبل شهر اكتشفت أن أبي يقيم علاقة مع امرأة أخرى، فأخبرت أمي، وتشاجرا بعنف، وبعدها أخبرتني أمي كيف وافقت على الزواج منه
ولقد أخبرتني بأنه كان يقص عليها كلام الحب والغزل، إلى أن وقعت في شباكه وأقاموا الفاحشة، ولم يعلم أحد بالأمر، وبعدما حملت أمي في أشهرها الأولى تزوجوا. في الحقيقة لم أصدق ما سمعته ذلك اليوم، وأنا أعيش في كوابيس وأوهام؛ لأن أمي هي مثلي الأعلى، وآخر ما توقعته منها هذا الشيء؛ لأنها تعرف الله وتصلي وتصوم، وحريصة على طاعة الله -عز وجل-، لكن بعد ما سمعته أحس أن محبتي لها قلَّت، وأنني أكره أبي كرهاً جماً، وأنني أشفق على أخي الأكبر الذي كان قبل أن يتزوجا، ولا أعرف إن كان ولد حلال أم حرام، فأنا أعيش في حالة يرثى لها، لا أستطيع التوقف عن البكاء، ولا عن التفكير، وامتحاناتنا قريبة، ولكنني لا أستطيع التركيز، فكل تفكيري: هل أخي ابن حلال أم حرام؟
كانت أمي مثلي وقدوتي، والآن تغيرت وجهة نظرتي لها، فلا أود أن أكون مثلها، ولا أريد عمل أي شيء مثلها. ومع الأسف فأمي حرمتني من الخروج مع أصدقائي، والآن لا يوجد عندي أصدقاء، فأمي كانت صديقتي، والآن فقدتها وفقدت كل شيء، فأنا وحيدة، وحتى إنني كنت أكلم شاباً أحببته فكان صديقي وأخي وكل شيء بالنسبة لي، فقد منعوني من الكلام معه، مع أنه والله شاب جيد، حتى إنه يخاف علي أكثر من نفسه، لا أريد أن أطيل عليكم، لكنني محتارة وأريد الحل في أسرع ما يمكن؛ لأنني تعبت وأنا أفكر.
ومع الأسف الشديد أنا فتاة لا أذكر الله، وكل وقتي أضيعه في اللهو واللعب؛ لكي أشغل نفسي عن مشاكل الوالدين، وفي بعض الأحيان أفكر في الانتحار أو الهروب من المنزل فإنني أرى بعيني أبي يضرب أمي ويهينها أمامنا، ويطردها من المنزل، ويخرب حاجاتها، ولا حتى يصرف عليها، ويلعنها،
فماذا أفعل؟.

الجواب

الحمد لله وحده ، وبعد:
فسؤالك أختي الكريمة- اشتمل على عدة مسائل، وكل مسألة منها بحاجة لبسط القول فيها، ولكن سأوجز الجواب فأقول مستعيناً بالله تعالى:
أولاً: ذكرت – حفظك الله- أن والدك يقيم علاقة مع امرأة أخرى، ولا أدري ممن استفدت هذه المعلومة؟ هل أقر بذلك والدك؟ أو من أحد الناس؟ وأنت على كل حال وقعت في خطأين: الأول: قذفك لوالدك بأنه يقيم علاقة محرمة مع امرأة لا تحل له، فإن صح ذلك فقد تكون زوجة ثانية له، وإن لم تكن زوجة له فلا يحل لك قذفه بذلك؛ لأن القذف محرم شرعاً، ولا يتثبت صحته إلا بإقرار المقذوف، أو بأربعة شهود يشهدون على أنهم رأوه يواقع امرأة لا تحل له، قال تعالى: "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ"
[النور:4]، ولو رأيت ذلك بعينيك فالجواب عليك مناصحته وستره، لا التشهير به وفضحه، فقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم- لهزال الأسلمي – رضي الله عنه- لما أقر عنده ماعز – رضي الله عنه- بالزنا فأمره أن يأتي النبي – صلى الله عليه وسلم- ليقر بذلك قال له: "يا هزال لو سترته بثوبك كان خيراً لك مما صنعت" رواه ابن أبي شيبة(5/540)، وأحمد(5/216)، وأبو داود(4377)، والنسائي في الكبرى(4/305).
الثاني: إخبارك لوالدتك بذلك مما تسبب في وقوع المشاجرة بينهما بسبب معلومة لا يدرى أصحيحة هي أم لا؟.
ثانياً: قولك عن والدك إنه غير مؤدب ومفترس!، ومثل هذا الكلام لا يجوز للولد أن يقوله عن والده، ولو كان الأب كذلك؛ لأن حق الوالد عند الله تعالى عظيم، قال تعالى: "وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً"[الإسراء:23]، فالأدب مع الوالدين واجب شرعاً لعظم حقهما علينا، فعن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال: "لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملَّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك"، رواه مسلم(2558)، فانظري كيف أمرنا أن نتعامل مع الأقارب المسيئين فكيف بالوالدين؟.
ثالثاً: ما ذكرتيه عن والدتك من أنها تعرف الله وتصلي وتصوم، وحريصة على طاعة الله...فهذا من توفيق الله تعالى لها، وعليك أن تحمدي الله تعالى على أن جعل أمك كذلك.
رابعاً: ما ذكرتيه أن والدتك قد أقامت علاقة مع والدك قبل الزواج، وحملت منه ثم تزوجته...فهذا الكلام قد تكون أمك قالته ساعة غضب، فلا يؤبه به، وهو من الأمور التي ينبغي أن لا تشغلي بالك بها، فإن صح فقد تابت من ذلك حسب ما ذكرتيه من استقامتها، وهو أمر يخص والديك وهم أعلم بالحال، أما إن كان الأخ الأكبر ولد زنا- والأمر ليس كذلك بإذن الله- فلا عليك، فهو أخ لك ومحرمٌ لك؛ لكونه منسوباً لأمك شرعاً، وأنصحك بعدم الخوض في ذلك.
خامساً: ذكرت – وفقك الله- أنك تكرهين والدك، وهذا خطأ كبير، بل الواجب عليك الرجوع عن ذلك، فمحبة الوالد -خاصة المسلم- عبادة يتقرب بها المرء إلى الله تعالى لأدلة كثيرة ذكرنا طرفاً منها أعلاه.
سادساً: ذكرت أنك لا تحبين أن تعترفي به كأب... وهذا ظلم لك وله، فلو انتسبت لغير والدك لوقعت في كبيرة من كبائر الذنوب، لقوله – صلى الله عليه وسلم-: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر" رواه البخاري(3508) ومسلم(61) من حديث أبي ذر – رضي الله عنه-، وقوله – صلى الله عليه وسلم-: "من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلا" رواه أحمد(1/81)، ومسلم(1370) من حديث علي –رضي الله عنه-.
سابعاً: ذكرت – وفقك الله- أن والدتك منعتك من الخروج مع أصدقائك، ومنعتك من الحديث مع شاب أحببتيه، أقول: قد أحسنت والدتك إليك كل الإحسان بمنعك من الخروج مع الأصدقاء، ومنعك من الحديث مع ذلك الشاب؛ لأنه يحرم عليك شرعاً الخروج مع رجال أجانب عنك وليسوا من محارمك، قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: "لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم" متفق عليه عند البخاري (5233)، ومسلم (1341) من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما-، وما ذكرتيه عن ذلك الشاب لا يشفع له في الخلوة والخروج معه، فقد كان والدك حسب ما ذكرتيه كذلك مع والدتك يكلمها بالكلام المعسول حتى وقع ما وقع بينهما... لذا المؤمن دائماً يتعظ بغيره ولا يكون عظة لغيره، وهذا الشاب إن كان صادقاً فعليه التقدم لخطبتك والزواج بك.
ثامناً: ذكرت أنك لا تذكرين الله، وكل وقتك تضيعينه في اللهو واللعب.. أقول: قال الله تعالى: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى"
[طـه:124]، فلعل ما ذكرتيه من مشاكل سببها بعدك عن الله تعالى فبذكر الله تعالى ولزوم طاعته كل خير وفلاح دنيوي وأخروي، قال تعالى: "إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً" [الأحزاب:35]، وقال – صلى الله عليه وسلم-: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل همٍ فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب" رواه أحمد(1/248)، وأبو داود(1518)، والنسائي(10290)، وابن ماجة(3819)، والحاكم(4/291)، وصححه من حديث ابن عباس –رضي الله عنهما-.
تاسعاً: ما ذكرتيه – حرسك الله- من تفكيرك بالانتحار للتخلص مما أنت فيه... أقول لا شك أن الانتحار من كبائر الذنوب، فلو انتحرت لفررت من مشاكل يسيرة إلى نار عظيمة، فعن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا، ومن شرب سماً فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا" رواه البخاري (5778)، ومسلم(109) من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- وعن جندب بن عبد الله – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: "كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكيناً فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة" رواه البخاري(3463) ومسلم (113).
عاشراً: ذكرت أن والدتك مشغولة بأختك المريضة ولا تهتم بكم، أقول: أنت الآن امرأة بالغة، والواجب عليك مساعدة أمك في أعمال البيت والقيام بشئونه، وكذا مساعدتها في تمريض أختكم لا أن تكثري الطلبات على أمك؛ بل الواجب عليكم خدمتها وتطييب خاطرها، وطلب رضاها، أسأل الله تعالى أن يمن علينا بطاعته، وأن يعيننا على بر والدينا إنه جواد كريم، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.