الفهرس خزانة الاستشارات استشارات اجتماعية العلاقات الأسرية معاملة الوالدين

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

والدي يبدد مالي

المجيب
داعية إسلامي مشهور
التاريخ السبت 10 محرم 1426 الموافق 19 فبراير 2005
السؤال

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
أنا يا شيخي لي أب متزوج بغير أمي، وله منها أولاد، أنا وإخوتي نعمل سوياًَ ونصرف على أبي وزوجته وأولاده، ولكن أبي وزوجته دائما يحاولون أن يجعلونا في صورة غير لائقة أمام الجميع، أنا لي شركة -والحمد لله- ولكن أبي لا يراعي هذه المسألة، ودائماً مديون، ودائما يطلب من الناس على أساس أني أدفع لهم، وأنا والله العظيم ما بخلت عليه بشيء، وبالعكس أدفع ديونه وأدفع له مصاريف شخصية، زوجته تقول له خذ أموالاً من الناس وابنك غصباً عنه سيردها لأصحابها خوفاً من سمعته والفضائح، وأنا أشتري الأرض وهو يبيع ويمضي شيكات وأنا أدفع خوفاً من الفضيحة على نفسي لو دخل السجن، وأنا عندي المال، المهم في هذه الأيام أنا ظروفي في النازل، وهو لا يراعي لهذه الظروف أي شعور، يذهب و يبيع ما عندي من بهائم في مزرعتي، وعندما رفضت دعا علي، وأنا أخاف من دعائه، مع العلم أنني قلت له يا أبي (خذ ما تريده من مال ولا تبع البهائم أمام الناس)، رفض و قال: (أنت تتحكم فيَّ أنا حر أنا سآخذ ما أريد وأنت لا تتكلم) وفعلا أخذ البهائم وأنا غير راض؛ لأنها بآلاف الأموال، وأنا تعبان في جمع هذه الأموال أنا وأخواتي والله يعلم، السؤال هنا هل دعوة والدي تجوز ويتقبلها الله منه؟ مع العلم أنني والله رب السماوات والأرض لم أحوجه لشيء لكن زوجته سبب كل شيء، مع العلم أن من يعطيه أموالاً منا أنا وأخواتي يكون ابنه الوحيد، وابنه البار، والذي لا يعطيه يدعو عليه ويقاطعه. فماذا أفعل؟.

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الهادي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد
فأشكر لك ـ أخي الكريم ـ مرورك على موقع (الإسلام اليوم)، ومراسلتنا عليه، ونرجو أن نكون عند حسن ظنك بنا، كما أشكر لك حرصك على برك بوالدك، وكذلك خوفك الشديد من دعائه عليك، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على خلق نبيل، وحسن أدب مع من أوصى الله تعالى ببرهما، وهذا ما نؤكد عليه، فقد قال تعالى في كتابه: "وقضى ربك إلاَّ تعبدوا إلاّ إياه وبالوالدين إحساناً"[الإسراء:23]، فللحق ـ يا أخي ـ فإن للوالدين مقاماً وشأناً يعجز الإنسان عن إدراكه، ومهما جهد القلم في إحصاء فضلهما فإنَّه يبقى قاصراً منحسراً عن تصوير جلالهما وحقّهما على الأبناء، وكيف لا يكون ذلك وهما سبب وجودهم، وعماد حياتهم وركن البقاء لهم.لقد بذل الوالدان كل ما أمكنهما على المستويين المادي والمعنوي لرعاية أبنائهما وتربيتهم، وتحمّلا في سبيل ذلك أشد المتاعب والصعاب والإرهاق النفسي والجسدي، وهذا البذل لا يمكن لشخص أن يعطيه بالمستوى الذي يعطيه الوالدان.
ولهذا فقط اعتبر الإسلام عطاءهما عملاً جليلاً مقدساً استوجبا عليه الشكر وعرفان الجميل، وأوجب لهما حقوقاً على الأبناء لم يوجبها لأحد على أحد إطلاقاً، حتى أن الله تعالى قرن طاعتهما والإحسان إليهما بعبادته وتوحيده بشكل مباشر، فقال: "واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً"[النساء:36].
لأن الفضل على الإنسان بعد الله هو للوالدين، والشكر على الرعاية والعطاء يكون لهما بعد شكر الله وحمده، "ووصينا الإنسان بوالديه... أن أشكر لي ولوالديك إليَّ المصير"[لقمان:14].
وقد اعتبر القرآن العقوق للوالدين والخروج عن طاعتهما ومرضاتهما معصية وتجبراً، حيث جاء ذكر يحيى بن زكريا بالقول: "وبراً بوالديه ولم يكن جباراً عصيا"[مريم:14].
ولا يقل حق الأب أهمية وجلالاً عن حق الأم، فهو يمثل الأصل والابن هو الفرع، وقد أمضى حياته وشبابه وأفنى عمره بكد واجتهاد للحفاظ على أسرته وتأمين الحياة الهانئة لأولاده، فتعب وخاطر واقتحم المشقات والصعاب في هذا السبيل، وفي ذلك يقول الإمام زين العابدين: "وأمَّا حق أبيك فتعلم أنَّه أصلك وإنَّك فرعه، وإنَّك لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك مِمَّا يعجبك فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك فيه، واحمد الله واشكره على قدر ذلك ولا قوة إلا بالله".
ولذلك حذّر الإسلام من عقوق الوالدين لما له من دلالات ونتائج،وقد حدّد تعالى المستوى الأدنى لعقوق الوالدين في كتابه المجيد، حيث يقول جلّ وعلا: "إمَّا يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أُفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما"[الإسراء:23].
وعن هذا الحد فقد رُوي: "لو علِمَ الله عز وجل شيئاً من العقوق أدنى من أُفّ لحرمه ". أخرجه الديلمي (5063).
لكن هل هناك حدود لطاعة الوالدين ، نعم ـ يا أخي ـ لقد رسم الله تعالى للإنسان حدود الطاعة لوالديه عندما قرن عبادته وتوحيده وتنزيهه عن الشرك بالإحسان إليهما والطاعة لهما، وقد جعل رضاه من رضاهما، ووصل طاعته بطاعتهما، فقال عزَّ من قائل: "واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة"[الإسراء:24].
فعندما يصل الأمر إلى معصية الله والشرك به يتوقف الإنسان عند هذا الحد، فلا يطيعهما فيما أمرا لأنَّه بحسب الحديث المعصوم: " لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ" أخرجه البخاري (7257)، ومسلم (1840).
فالواجب على الولد تجاه أبويه أمران: (الأول) الإحسان إليهما، بالإنفاق عليهما إن كانا محتاجين و تأمين حوائجهما المعيشية و تلبية طلباتهما فيما يرجع إلى شؤون حياتهما في حدود المتعارف والمعمول حسبما تقتضيه الفطرة السليمة، ويعدّ تركها تنكراً لجميلهما عليه، وهو أمر يختلف سعة وضيقاً بحسب اختلاف حالهما في القوة والضعف. (الثاني) مصاحبتهما بالمعروف، بعدم الإساءة إليهما قولاً أو فعلاً وإن كانا ظالمين له، فيما يرجع إلى شؤونهما، وأما فيما يرجع إلى شؤون الولد نفسه مما يترتب عليه تأذي أحد أبويه فهو على قسمين:
1 ـ أن يكون تأذيه ناشئاً من شفقته على ولده، فيحرم التصرف المؤدي إليه سواء نهاه عنه أم لا.
2 ـ أن يكون تأذيه ناشئاً من اتصافه ببعض الخصال الذميمة كعدم حبّه الخير لولده دنيوياً كان أم أخروياً، و لا أثر لتأذي الوالدين إذا كان من هذا القبيل، ولا يجب على الولد التسليم لرغباتهما من هذا النوع. وبذلك يظهر أن طاعة الوالدين في أوامرهما ونواهيهما الشخصية غير واجبة في حد ذاتها.
وعليه؛ فلا يجب عليك ـ شرعا ـ أن تطيع والدك فيما يأخذه من مالك ليتصرف فيه بالطريقة التي أشرت لها، وعليك أن تبين له أنك ستمتنع عن إعطائه هذا المال إذا أقدم على هذا التصرف، وأنك لن تسدد عنه دينه إن لجأ إلى الاستدانة بغير حاجة، ما دمت ـ حسب قولك ـ تنفق عليه وتعطيه من مالك ما يحتاجه، كل ذلك بحسن أدب، أما دعاؤه عليك بغير حق فلا أثر له لأنه دعاء بغير حق، فعن جابر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم". رواه مسلم (3009)، وأبو داود (1532). والله أعلم.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.