آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

تتمة القراءة النقدية على الأستاذ الغذامي.. أفكار الصحوة! (٢)

الجمعة 19 رجب 1436 الموافق 08 مايو 2015
تتمة القراءة النقدية على الأستاذ الغذامي.. أفكار الصحوة! (٢)
 

إذا تأملت السنوات العشر التي حددها المؤلف من عام ١٤.٨ إلى ١٤١٧ هجريا،أو ميلاديا كما يحلو لهم من 1987 إلى...1997 وجدت أن الصحوة حوت أفكارا، ومفاهيم جديدة؛ قد نختلف في جدتها، أو تجديدها؛ ولكنها في النهاية لم تخل من نواح تجديدية، وتراكمات معرفية عريضة، أضافت شيئا جديدا على الحركة الاسلامية ،والتفاعلات الاجتماعية، وتحولاتها. وحققت شيئا من الوعد النبوي الصحيح الوارد عند أبي داود بسند صحيح، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها )). فهي حركة تجديد، وإحياء إسلامي منير...
وأن تلكم الظاهرة البالغة في المضمون والسطوع؛ لم تكن مجرد هدير حشدي، أو تعبئة جماهيرية كاسحة، أرعبت الأنظمة والنخبة المثقفة، والفلول المستغربة!

وأية فكرة غالبا يحتشد لها وإليها، لا بد أن يكون لها أفكار ومنطلقات ومبادئ، تعمل على رسم مخططها التكويني والمنهجي والاستراتيجي، وإلا كانت ضربا من العبث، وصحوة مجلجلة، هزت كافة الأقطار الاسلامية، وكان لبلاد الحرمين التميز والاحتفاء بها، لابد وأن تنضوي على جملة من المحددات التي تشكل وعيها ومسارها، وأن دعوى الاحتشاد من المؤلف، ليست إلا تصورا منقوصا، ومشوشا للعمل الدعوي الاسلامي؛ لأن صحوة المملكة على الخصوص حظيت بأعلام وأقمار، شعوا علوما وفهوما، ولم يكونوا من السذاجة المكتملة؛ بحيث لا يعدون للركب عدته، ويحسبون للمأزق حسبته...
ومن ذلك  أشياء ومتابعات نرصدها في النقاط الآتية :
١/ تصحيح التدين: بالاقتفاء الشرعي المجانب البدع، والمظهر للسنن، وتزيينه بحسن العمل، والجد في الخيرات، والصرامة في الاقتداء والتنسك! ودعواه أن التدين متوارث من آبائنا وأجدادنا صحيح؛ ولكنه لم يكن بتلك الصرامة في الاتباع، وحسن العمل، والتدقيق في كل مناحي السلوك، ثبوتا وإلغاء، وصحة وضعفا.
٢/ تعميق العبودية لله: لا سيما في الخطاب الوعظي الروحي، والذي حاول تعميق ذلك في النفوس، واشتمل كل مناحي الحياة، باعتبار أن حياة الإنسان ملك لله تعالى، كما قال عز وجل (( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين )) سورة الأنعام .
٣/ الإسلام خيار الأمة الفريد: ومن خلاله قطع الطريق على الأفكار الفاسدة، والمسالك الضالة التعيسة؛ فلم يُرفع شعار للتجمع والظهور والانتصار كالشعار الاسلامي، حتى ألغيت كل مظاهر  العصبية الوطنية، والقوميات بدعوى التنافي مع التوجه الاسلامي!
٤/ تقبيح الأيديولوجيات المناوئة للإسلام: كالعَلمانية والحداثة والقومية، والاصطفاف ضدها بضراوة، وهذه فكرة مبدئية أشار هو إليها؛ ولكنه لم يؤكد أنها كانت فكرة أصيلة في التكوين الصحوي بخلاف رأي الأستاذ محمد أبو هلال في كتابه ( خطاب الصحوة الإسلامية )، فيؤصل - عكس رأي المؤلف - مثلا للفكر الصحوي، وكيف ناهض العلمانية ( فالعلمانية والعلمانيون من الثوابت الأغراضية الملازمة لفكر المؤلف الصحوي يستحضرها على نحو من التكرار اللافت للنظر ) ص ١٠١
ولكن الأستاذ المؤلف لم يلفت نظره ذلك، ووظفه إن وجد لنظرية الحشد.
ويكفي في تجريد تهمة الحشد بلا فكر، فكرة (التصدي للمنهج الحداثي) والاستغراب، وإن خالطه شيء من التوجس، إلا أن طبيعة الفكرة قائمة على مثل ذلك؛ ولو دقق المنصف لاعتبر مثل ذلك فكرة ومبدأ أساسيا، ارتسمته الصحوة من إطلاتها الأولى، وربما كانت هي، وغيرها من وراء تلكم الحشود ..
٥/ السخط على الواقع العربي: من نحو هشاشة التعاطي تجاه القضية الفلسطينية، ومحوريتها في حس كل مؤمن،وحنينية الأقصى لديهم، كما قال الشاعر الصحوي:

لندائِه في كل قلبٍ ..مؤمن وخزُ الرماحِ
أين الذين يقودهم.. للبذل ذبحي واجتياحي؟!

وهذه فكرة، لا يمكن تجاهلها، وقد برزت بقوة في الصحوة السعودية المحلية، ولم تكن ظروف الصحوات الأخرى تسمح بذلك.
وغالب الرموز تعاطت مع هذا الملف بجلاء وشفافية.
بدءا بالشيخ سلمان قصيما، وانتهاء بالشيخ عائض القرني جنوبا، وبينهما خطباء وأتباع ساروا على نفس المنوال، واختطوا ذات الطريق الساخط..!
ومن هؤلاء :
د. ناصر العمر
د. عوض القرني
د. عبد الوهاب الطريري
د. سفر الحوالي
د. بشر البشر
د. سعيد الغامدي
حتى بات انتقاد المواقف العربية، ومحادثات السلام علنا، ومن تلاميذ أولئك!
وتجاهل الأستاذ الغذامي مسالة الاستعانة بالقوات الأجنبية، وما سببته من جدلية فقهية بين مشايخ المملكة من جهة، وبعض رموز الصحوة من جهة أخرى كالشيخ الحوالي خصوصا، وكتابه الشهير( وعد كيسنجر )...!
٦/ التمظهر السني الصارم: من السواك، وقصر الثوب واللحية الشرعية لا الثقافية، والتي يجعلها هو علامات لذلك التوجه والحشد، برغم أنها تولدت من مجموعة أفكار ذهنية، أصاب في تطبيقها أو أخطأ.
٧/ بناء الشخصية الإسلامية الشجاعة والعزيزة، والمتطلعة الى إعادة مجد الإسلام. وما سماه المؤلف (بالفتى الصحوي) الجاد المتوجس... والمناقش المطالع، والمفرط في الثقة بنفسه..!
٨/ التمحيض السلفي العقدي النقي، الذي يضيق بالبدعة وأنواعها، ويرفض أي خطوط ائتلاف معها، وقد تجلى ذلك من غزارة التربية العقائدية، والردود الساحقة على الاتجاهات الصوفية والأشعرية، وقد تولى ذاك غالب الرموز؛ لاسيما الدكتور سفر الحوالي،  وبعض أساتذة الجامعات كالدكتور محمد سعيد القحطاني، والعلامة بكر أبو زيد، والشيخ عبدالله المنيع وغيرهم؛ حتى أجمع الجميع على مفارقة المبتدعة بلا هوادة!

وهذه قضايا لا يفطنها الإخوة المتخاصمون مع الصحوة؛ لأنهم ينظرون للإسلام نظرة تبسيطية هشة، وأنه يستوعب كافة الأطياف البدعية المناوئة ، دون نصح، أو نقض، أو حوار جاد.
وذكر هذه الأشياء عندهم مدعاة للسخرية والضحك؛ ولذلك يتجاهل المؤلف التجديد العقدي من قبل الصحوة، وازدحام المساجد بها، خلافا للسابق... ولذلك يبدي عجبه من جعل الأستاذ السكران وفقه الله (أن الصحوة هي التي حاربت الشرك، وأنها التدين بكل مظاهره ومنجزاته، وأنها هي التي عرفت النساء بدينهن...) ص ٧
وكأنهم ما أدركوا ضعف التدين والتحشم السابق، أو حكي لهم من آبائهم الأقدمين!
وبالتالي: يعتبرون كل ذلك الحراك العقدي التصحيحي نوعا من الترف الفكري، ومن كتب فيها، ضيع الزمان فيما يضر ولا ينفع؛ لأنهم دعاة للوحدة والاجتماع، ومثل تلك الأطروحات تفرق، ولا تجمع، والله المستعان .

ومضة : الحشود لا تنطلق إلا عبر منظومة أفكار .

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف