آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

القراءة النقدية في الرد على الأستاذ الغذامي..التدين وصحوة التدين! (٣)

الخميس 10 شعبان 1436 الموافق 28 مايو 2015
القراءة النقدية في الرد على الأستاذ الغذامي..التدين وصحوة التدين! (٣)
 

من بدهيات الحياة الاجتماعية، وحركة التدين البشري تراوحها ما بين القوة والضعف، والبروز والتراجع، والصحة والسقم ، وما الصحوة إلا شكل من ذلك النمط التاريخي قوة وجدا وتوهجا، وأتيحت لها عوامل جعلت منها فصلا تاريخيا في العصر الحديث، واتسمت بمزايا أعلت من شأنها، ولم تكن تضاد التدين الطبيعي للناس..!
ويرفض الأستاذ المؤلف جعل تدين الصحوة واستقامتها تدينا معظما، أو مختلفا بامتياز، أو علامة فارقة ...استيقظ بعد سبات، وصحا من هوان؛ ليجدد دينه، ويصلح سلوكه، ويعود ليرسخ مسألة الحشود المستولية على عقله وقلمه، حتى أفرط منها في الكتاب...!
ولا أدري ما المزعج هنا، أن يعد الصحوة يقظة وتنبها، ورجوعا لامعا إلى منابع الإسلام الصافي، وإحياء للسنن،عبر منظومة تدين رائقة متوهجة، جددت الإيمان والسلوك والروحانية،  قد كانت الصحوة تمثل انفراجة في واقع كان مظلما بالبدعة والضلالة والهوى، غاب فيه الإسلام كثيرا عن المشهد السياسي والفكري والاجتماعي، ضامة إلى ذلك عدد من الأفكار الصحوية المبدئية، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.....ولا يعني سلامتها من الأخطاء ....!
وهي امتداد لحركة النهوض والضعف الإسلامي عبر التاريخ، ويتمثل غالبا من منهج الطائفة الناجية المنصورة، والتي تضطلع بهذا الدين، وتجدده من حين لآخر،.. وفي المنتهى هي حركات إسلامية تجديدية، لا تخلو من رهق الجهد البشري، وتصب في الجملة في أرضية الإسلام الواسعة، وكما قيل في مثل عالمي( كل السواقي تصب في البحر) !!

وهذا شيخنا العلامة محمد بن عثيمين رحمه الله، وهو من هو في تدقيق المصطلحات، وكشف أبعادها يصف الصحوة ( بالحركة المباركة واليقظة الحية لشباب الإسلام ) كما في كتابه الصحوة "الإسلامية ضوابط وتوجيهات" ص٦، وهو أحد مراجع المؤلف، ولم يعتبرها حركة دينية مغايرة، للواقع العام...، أتت لتقصي سابقيها أو لاحقيها...! أو تبدّع مخالفيها منهجا وفكرا، وكأنها دين جديد...!
وعدّد الأستاذ وفقه الله بعض المحاذير، الاحتزارية من ربط التدين بالصحوة ...! يقول مثلا ( ... وهنا يبدأ الإشكال المنهجي، لأننا لو ربطنا الصحوة بالتدين؛ فالذي سيجري بحثيا أن ننسب كل تصرف للصحوة تحت معنى الدين، ولهذا مخاطره...) ص ٥٣
وهذا تحكم غريب؛ لأنه من البدهي والطبيعي نسبة كل ذي عمل إلى جوهره ومعدنه!
للتثريب والتوبيخ، لا إن فعله هو الدين، إلا اذا حاجج على ذلك.
كما أنك إذا رأيت العلماني أو الحداثي يخالف حداثته تستغرب ذلك، وتعاتبه وتُدينه! لا أنك تعتقد أن تلكم العلمانية أو الحداثية.
ولما وقف مثقفو مصر وليبراليوها مع العسكر، وأيدوا سحق الناس وحرقهم، استنكر أرباب الضمائر من غير الإسلاميين  مثل هذا الصنيع، ولم يقولوا إن الليبرالية أو الدولة المدنية تقتل الناس بمثل ذلك الشكل الفظيع ؛ لكن قالوا ذاك ليبرالي-مجازا- استئصالي، لا عقل ولا مبدأ، ولا إنسانية ..!
والمقصد أن الممارسة والتعاطي تختلف عن الأصل والجوهر الذي ينطلق منه الإنسان.
وفي القرون المفضلة للصحابة والتابعين، حصلت هنات وربما كبائر، لم تلغ أفضلية تلك القرون ولا أهله ولا دينهم ، باعتبار أن التدين فعل بشري يختلف عن الإسلام وشرافة تلك المرحلة، فوجب التفريق للسلامة من الخلط.
فالإسلام معتقد، والمسلم فاعل المعتقد ومطبقه، وليس ضروريا إصابته وحسن تطبيقه؛ ولكنه يعاتب إذا أخطأ ويثرّب عليه، ويقال له مثل ذلك: هل هي أخلاق الإسلام؟ كما يقال في السياق الديمقراطي والحداثي: هل تلكم أخلاق الديمقراطية، وأدبيات الحداثة! من باب تأنيب سوء الانتماء، لا أنه هو الانتماء، لمن أدرك فروقات الأشياء ومخرجاتها وإيماءاتها وتحركاتها.
والدكتور عبدالله يعتقد التماثل بين مصطلحي الدين والتدين، وهذا عجيب، وهو ناقد خبير بالمصطلحات، وعرف بالدقة والتدقيق!
فالدين هو الإسلام المنزل من الله تعالى بالنصوص والبراهين، وهو نظام شامل لكل مناحي الحياة، بخلاف التدين فهو فعل العبد وسلوكه، وتعاطيه لمعاني الإسلام، إصابة أو خطأ.
ولا ينبغي تحميل الإسلام أو المعتقد أو الشريعة أخطاء أصحابها، إلا من باب النصيحة والتأنيب كما تقدم، كما قال تعالى في العلماء الساكتين : (( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت )) سورة المائدة؛ لأنهم حملة العلم والحكمة.
والمتعين هنا أنه كان ينبغي التفريق؛ لئلا نصل للتخليط، وإلا فليس ثمة تعارض بين التدين وصحوة ذلك التدين، كما استظهره الشيخ القرضاوي، وقبله ابن عثيمين ، باستدعائه المعنى اللغوي للكلمة، مستحضرا حالة الأمة المهينة، والوضع المأساوي على كافة الصُعد، وبالتالي فإن الصحوة كانت دينية تدينية بكل المقاييس، وما كان ينبغي للأستاذ الفاضل الدخول في مثل ذلك التورط والتمحل، وافتراض حشدية الصحوة بلا تدين بارز، أو دين متوهج ، جُدد في أكثر مرافق الحياة، أو التجاسر بدعوى خلوها من الأفكار والمفاهيم الموافقة لتلكم الحشود، وكان في غنى عن الانزلاق إلى مثل ذلك التوهم ، ولكن موقفه المبدئي من الصحوة الإسلامية، وترسبات الحداثيين ،وعقيدته السابقة عند رقم الكتاب، جعلته يدخل بالعقل الطافح بنظرية الحشد والتجمع والترويع والتوجس، حتى فرغ الصحوة عن محتواها التجديدي والإصلاحي !
- ثم ساق محاذير في خللية ربط الصحوة بالتدين، وهو (إن أي انشقاق داخل صفوف الصحوة سيكون تفرقا بالمعنى العقدي للمصطلح ) ص ٥٣.
وهذه علامة كاشفة في أن الرجل مع جلالة قدره الفكري، لم يفطن للفرق الجلي بين الدين، الإسلام من جهة، والتدين والسلوك من جهة أخرى؛ لأنه لم يقل أحد من حمالي الفكر الصحوي بخروج مخالفيهم أو تكفيرهم وتفسيقهم، بل وقع ذلك من خصومهم كالفرقة الجامية، وهذا سلوك استثنائي لا علاقة له بالسياق الصحوي ولا بأدبيات الصحويين.
بل كانوا -أعني- الرموز من أعف الناس لساناً مع العاملين في النطاق الإسلامي، بخلاف المبتدعة والعلمانيين؛ فالوطيس كان حاميا معهم كما تقدم، وعبارته هنا متطرفة، وطريفة، ومغزاها أن خصوم الصحوة كانوا يحملون ذات الفكر التبديعي في مفهوم التدين، وهي تهمة دائماً تركب على الصحوة !
ومع كثرة ما كتب من يسمون بالجامية، لم يرد مشايخ الصحوة عليهم، بل تجاهلوهم تمام التجاهل، وهمشوهم أعظم التهميش، وكان ذاك من أنجع الوسائل في وأد حركتهم، كما قيل :

فإن جاوبتَه فرجت عنه// وإن خليته كمدا يموتُ

فأماتوهم بالإعراض والتغافل، والانشغال بما هو أهم، وإن ظهرت ردود فقد كانت من المحبين والمريدين.
وما ادعاه من النزاعات الداخلية بينهم كانت من باب اختلاف التنوع، وليست تضادية إلا من الفرقة التي سبق ذكرها. وخروج بعض التلامذة والمريدين عن أوامر الكبار كان طبيعيا جدا، ومرده للاجتهاد الفرعي، وليس العقدي كما يزعم.
وهو طبيعي في كل التوجهات البشرية؛ بل لو قيل بالتماسك القيادي في الصحوة، ونفور الخلاف، لما كان بعيدا، بسبب الشيخين المبجلين، ورمزية الأربعة الصحويين، وقد كانوا بمثابة القيادة الشعبية، والقائمة مقام الشيخين، وقد حصل الاختلاف لعظماء عبر التاريخ الإصلاحي والسياسي والعسكري، فما الخطب حينئذ ؟!
ولا يصح تفسيره على كونه خلافا دينيا عقديا، وإلا كانت صحوة صيالة قتالة خارجية، أشبه ما تكون بفعائل الروافض الباطنيين أو الخوارج الضالين! ولما كتب لها هذا التوهج المنير في أرجاء المعمورة؛ إذن فالواقع العملي يكشف وينفي أي تضاد عقدي حصل بين المختلفين، إلا بعض الاجتهادات الدعوية بين من سماهم إخوانا وسروريين، وجامية، ولم يكفر بها إلا الفرقة الجامية! وهي من تحالفت مؤخراً ضد التيار الصحوي الإسلامي، مع الليبراليين ، وعرفوا على تويتر (بالليبروجامية)، لا سيما مع العدوان الصهيوني الأخير على (غزة) والله المستعان.

وأظهروا من الأباطيل والمضحكات، ما يندى لها الجبين...

دعاوى يستحي الشيطان منها// ويبرأ من سفالتها الخليعُ

- ومن المحاذير في تصوره وتحكيمه في الربط :
( سيقتضي إخراج كل متدين سابق على زمن الصحوة....)
وهو مبني على المقدمة السابقة الخاطئة، والجواب لو صح ذلك- مع أنه لا قائل به- فإن الصحوة ليست دينا جديدا ولا مذهبا مختلفا، وإنما هي صيغة جديدة للتدين والاستقامة، جاءت للتجديد والتعميق والإبراز؛ ولذلك احتضنت الجميع لا سيما من تغذى على موائدها.
وجواب آخر عملي، أن غالبية موجهيها متدينون سابقون، ودعاة متقدمون على ظاهرة الصحوة، ويدرى ذلك من خلال أعمارهم، وحكايتهم عن الأوضاع السابقة بكل معاينة وحسن تعايش!
وفيهم من أدرك أيام المد القومي والنكسة والتطورات المصاحبة، ولم يخدع بتلك الشعارات .
- والمحذور الآخر : الفروق الكبيرة بين صحوات الأمة من بلد لآخر...ص ٥٥
وهذا صحيح وقد أكدناه في الحلقة الأولى، ولكن الصحوة تتلاقى في كونها رجعة حقيقية إلى الله، وعودة من جديد إلى الإسلام، وبالنسبة (لمصر) كانت أسبق في الجامعات المصرية كما أفاده الشيخ القرضاوي، زمن السبعينيات الميلادية، وأذكر أنني التقيت الدكتور سليمان الخطيب، المفكر الإسلامي المعروف ورئيس قسم الفلسفة بدار علوم المنيا، رحمه الله ،في زيارتي له في القاهرة، وحدثني عن صحوة الجامعات المصرية زمن الرئيس السادات، وكيف انتشر الحجاب، وسادت القيم الإسلامية؛ ولكن الإسلاميين وهو يعتب عليهم لم يستثمروها تجاه السادات، كذا حلل هو…
وما ذكره عقب ذلك لا علاقة له بمفهوم التدين، والمستنتجات التحذيرية، وله مقام آخر معلوم.
فالمحصل، أن الصحوة الإسلامية دينية، صبغت التدين الإسلامي بجلباب الاستقامة الصارمة، والاقتداء الجاد، وحاكمت على ذلك، ولم تخرج عوام الناس ولا مخالفيها، ولا تدين الآباء والعجزة.
وفيهم من ابتلع الصحوة وتفاعل معها، وزادت من تمسكه، وبات حاضرا منضبطا لإشعاعاتها، معتبرها (فترة ذهبية)، دفعت بسلوك المؤمن، وأعلت من دينونته لربه تعالى.

ومضة : الصحوة حركة بعث واستيقاظ، وليست منفصلة عن السياق !

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف