آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

قراءة نقدية لكتاب الأستاذ الغذامي.. أثر الصحوة الإسلامية..(٤)

الجمعة 02 رمضان 1436 الموافق 19 يونيو 2015
قراءة نقدية لكتاب الأستاذ الغذامي.. أثر الصحوة الإسلامية..(٤)
 

لم أكن أتصور في عالم المعرفة النقدي، أن أتجرأ في التصدي لمشروع معرفي، يقدمه قامة فكرية مثل الدكتور الغذامي، وهو يؤرخ لمرحلة تاريخية في الوسط الديني السعودي، وقد شغل الناس بطرحه ومصطلحاته، لفارق السن والفكر والقدرة النقدية... ولكن لحبي للصحوة والدفاع عنها، وكثرة الثغرات في كتابه( ما بعد الصحوة )، وملامسته بعض ما أهتم به، جرأني وجرني لمثل ذلك، وأنه لا بأس أن يناقش التلامذة أساتذتهم، ويراجع المتخصصون سواهم، للتصحيح والإبانة والتحقيق.

وقليل من القوم، من يصف الصحوة بشكل منصف وموضوعي، وغالب من حمل عليها، ممن لديه خصومة معها، أو نحّته قليلا، أو أفنت مشروعه وبرنامجه؛ ومن هؤلاء: المد العَلماني والعروبي القديم، والذين مع محاولاتهم المستميتة لم يحققوا أدنى الأهداف، وانصرف الناس عنهم بسبب التعويل العرقي العنصري، وتغييب الهوية والعقيدة؛ ولذلك سقطوا في( 1967 م) ،وبدت سوأتهم للناس، وأن الائتلاف العربي، المقصي للإسلام وعقيدته لن يحدث شيئا ذا بال! فوقعت النكسة، وتمت الهزيمة.

وحينما انتصروا في ( 1973م ) رفعت الراية الإسلامية، وتغيرت العقيدة!

ولذلك -ولو كنت صحوي الهوى، وأحد أبناء ذلك الجيل- ؛ لكني لن أكون المادح المطلق، ولا الهاجي التام.... بل سأتوخى العدل، وأحاول إبراز المحاسن والمساوئ في نفس الوقت، ولن أحابي أحدا على حساب البراهين المنطقية، أو المعطيات التاريخية الواضحة.. قال تعالى(( وإذا قلتم فاعدلوا )) سورة الأنعام .

وكان للصحوة آثار باهرة، ومحاسن منتشرة، لا يمكن اختصارها وتجاهلها، وسأعدها عدا، ثم ألامس الجانب السلبي لها؛ لأنها في النهاية جهد بشري، وحركة بعث إسلامي رشيد، تستقوي بالنص وقفو السلف، ولا يعني سلامتها من الجنف والتجاوز، أو ارتكابها أخطاء ، لا سيما من قبل شبابها المتحمس، أو بعض خطبائها المندفع، وذلك طبيعة أية مرحلة دعوية ناشئة وقد ابتدأت بدون تأهيل مسبق، أو صناعة مخبرية رصينة.

فإن يكنِ الفعل الذي ساء واحدا// فأفعاله اللاتي سرَرنَ ألوفُ !

ومن تلك الآثار:
١/ التجديد الديني الشامل، والعودة بالأمة إلى منابع الإسلام الحقيقي، حيث الصدق والرشد والسداد.
٢/ بناء الوعي السياسي والاجتماعي، لغالب شرائح المجتمع.
٣/ تأسيس نواة المجتمع المدني المبدئي .
٤/ إبراز المملكة في العمل الخيري والدعوي والثقافي.
٥/ إيجاد حاضنة شبابية، محصّنة من براثن الانحراف، وبالتالي التقليل من سعار الجريمة، الذي بدأ ينتشر هذه الأيام.
٦/ إثراء الثقافة الشرعية وانتشار الدروس، وطباعة الكتب وازدهار المكتبات.
٧/ تأكيد شرعية النظام وتثبيت أركانه، لا سيما وأن الحكومة تماهت معها، ومكنت لها أسباب الظهور، واعتقدت أنها بمثابة الدعائم المؤسسة والمساعدة لها، ولذلك لم تصطدم بها ابتداء، وقد رأت فيها تزكية الشيخين، ونبذ الأفكار المناوئة، والقضاء النهائي على الافكار القومية الناصرية والبعثية الاشتراكية ...!

وأما السلبيات فهي كالتالي:
١/ عدم التأهيل الدعوي لدى بعض منتسبيها، أو بمعنى قلة الفقه والبصيرة الدعوية.
٢/ الأحادية الفقهية والمحاكمة أحيانا بمذهب فقهي وحيد..!
٣/ التشدد في بعض الممارسات من نحو الموقف من المرأة، كما أفاده الدكتور الحضيف، في حلقة ( حراك ) مع الأستاذ عبد العزيز قاسم، واتكأ عليها الغذامي كثيرا، وكانت الحلقة في ٢٠١٣/١٢/٦ ! وتوسيع قاعدة سد الذرائع الأصولية، وسياتي نقاش مستقل لذلك.
٤/ تقصيرها في البنية الدعوية المؤسسية، وبرغم أنها فتحت الباب، ولكنها كانت تحتاج إلى الخطاب التمكيني الدعوي، والذي ينتهي إلى المشاريع بعيدة المدى، والراسخة رسوخ الجبال الشوامخ.
٥/ الحدة في النقد واتخاذ المواقف، وتصنيف الناس؛ وهذا من أشد مزالق الصحوة، وقد خسرت بذلك شرائح مختلفة، وصنعت خصوما، كان بالإمكان أن يكونوا إخوانا مناصرين، ولكن كما قلت سابقا ضعف التأهيل، والحماس المفرط، وقلة الفقه أنتج مثل تلك الممارسات!

- وبالرغم من أن كتاب  الأستاذ الغذامي أشبه ما يكون بالدراسة النقدية التحليلية، إلا أنه أغفل المنهج العلمي في النقد، فكان تحليله مهتما بالجوانب السلبية، وهي ما يركز عليه خصوم الصحوة غالبا؛ فيكبرونها ويتجاهلون سواها!

وحينما عقد الأستاذ الغذامي عنوانا عن منجزات الصحوة (ص ٤٢)، تقاعس وتردد عن أن يكتب ولو رؤوس أقلام عن المنجزات، سوى ما أشاد به سابقا، الفتى الجاد القارئ المترقب...!

ونقل المضربَ إلى متابعيه على تويتر ، وهو العنوان الوحيد الذي في الكتاب، وخص به محبيه ومتابعيه؛ ليُدلوا بآرائهم!

فلا تدري: أهو المنظور السلبي من الصحوة، والعقيدة المسبقة المشوهة، أم تقويم جماهيري جاد، يفضّل محاكمتها من خلال المجتمع الذي عايشها؟!

ولا ريب أن الاختيار لن يكون دقيقا، ولو موضوعيا، وسيخص عينة، الله أعلم بحالها، مع استحضار أن المؤلف ليس أتباعه مِن الإسلاميين، بل الغالبية منهم أناس مختلفون مع التيار الإسلامي، أو مثقفون مستقلون.

ومع ذلك كانت العينات المختارة، وقد بلغت(١٢) عينة، وتزيد بخمس عينات لشخص واحد اسمه الأستاذ عبدالله اليابس! وكان افتتاحها بالدكتور سعيد السرحاني، فمجموعها حينئذ (١٧) تقويما.. وقد حملت الموقف الترحيبي الإيجابي بالصحوة ، سوى موقفين حويا الإيجاب والسلب، وهو موقف نقدي فرزي مطلوب.

وضن هو بعقليته المتوقدة،أن يكشف شيئا من الحسنات الاجتماعية والثقافية، ولو ما يتصل بالحداثة، مكتفيا بأنها قد خدمت الحداثة... لما وفرت من يقظة وملء للمكان والزمان.

وهذه حسنة ثقافية، تكشف روعة الوعي الصحوي، واختباره للأفكار.

ولم يحب الإشادة بها!

واكتفى بالإشارة إلى من كتب في المنجزات، كالأستاذة حصة الأسمري والأستاذ إبراهيم السكران كما في (ص٤٥)

وبما أن العنوان لا يحتمل سوى الجانب الإيجابي الإنجازي، لم يترك أن يشير إلى إيحاءاته النقدية السلبية، فيقول في نفس الصفحة:( وفي الفصلين الثالث والرابع وقفت على الصحوة من حيث ثقافة الاحتساب، وعلى نقد الصحوة من داخل صفوفها)

فما يعني مثل ذلك؟! وما لازمه في هذا السياق؟!

إلا ما بيناه سابقا، وهو الموقف السلبي المسبق، والعقيدة الثقافية المشحونة من كل ما هو صحوي.

على أنك إذا عدت إلى تلك الفصول، لم تجد إلا النفس النقدي السلبي، ولا ريب أن من تداعيات ذلك، تكوين الانطباع الذهني السلبي لدى جماهير القرّاء، وأن الصحوة لا تعني سوى الحشد والضغط والمحاكمة والاحتساب.

وانتهى المشهد!

فضائل الصحوة كثيرة ومتعددة، ولكن الأستاذ وفقه الله نظر من زاوية واحدة، ضاق بها المكان، وخالطتها القتَرة والعجاج، والسلام.

ومضة : العقائد الثقافية المسبقة، أحكام مسبقة، تخفي المحاسن!

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف