آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

الطب والأطباء في القدس نهاية القرن الحادي عشر الهجري

السبت 28 رجب 1431 الموافق 10 يوليو 2010
الطب والأطباء في القدس نهاية القرن الحادي عشر الهجري
 

الكتاب:

الطب والأطباء في القدس نهاية القرن الحادي عشر الهجري

المؤلف:

الدكتور محمد فؤاد الذاكري

الطبعة:

الأولى -2009م

الصفحات:

214 صفحة من القطع المتوسط

الناشر:

الهيئة السورية العامة للكتاب – دمشق- سورية

عرض:

محمد بركة


صدر حديثًا عن الهيئة السورية العامة للكتاب، في سلسلة آفاق ثقافية مقدسية، الكتاب رقم 78 تحت عنوان "الطب والأطباء في القدس.. نهاية القرن الحادي عشر الهجري"، من تأليف الدكتور محمد فؤاد الذاكري.

يقول الباحث في بداية الكتاب: كنت في التاسعة من عمري (من مواليد عام 1957)، حين زرت القدس، بعد رحلة طويلة من حلب إلى عّمان، اتجّهت مع عائلتي إلى القدس عبر حافلة صغيرة متهالكة، وأمام السور القديم كان اللقاء. لم أشعر بالغربة أبدًا في المدينة القديمة؛ فهي تتقاطع كثيرًا مع مدينتي حلـب، فالأزقة الحجرية الملتوية كانت منظرًا مألوفًا، والوجوه الحزينة التي تطالعك لأشخاصٍ منهمكين في تفاصيل حياتهم اليومية تصادفهم في أي مدينة عربية. كان مشهدًا لا ينسى حين أشار أحد المقدسيين إلى مكان بعيد قصيّ خلف الأسلاك الشائكة حيث يوجد العدو المترّبص، حدّقت طويلاً، وعند الوداع طلب مني ألا أنسى مشاهد القدس تشّدك إليها، باحة المسجد الأقصى تشعرك بالأمان، فهي خط الدفاع عن المسجد الأقصى وامتداده، ومن أراد شرًا سيفاجأ بالمئات النابتين منها، المزروعين فيها، ويستحيل اقتلاعهم، كأشجار الزيتون والبرتقال وكل نبات حي في سهول فلسطين وجبالها.

وقبل الحديث عن الكتاب نود القول: إن المؤلف الدكتور محمد فؤاد الذاكري من مواليد مدينة حلب.. حاصل على شهادة دكتوراه في طب الأسنان من جامعة دمشق، وباحث في التراث العلمي العربي، وخبير ومحرر مشارك في موسوعة أعلام العلماء العرب والمسلمين. ونشر مجموعة من الكتب تتضمن تحقيقًا لمخطوطات طبية تراثية ذات مواضيع متنوعة، تتناول أدب الطبيب، وطب الأسنان، وتعريب المصطلح الطبي، كما حصل على جائزة الباسل للإنتاج الفكري والإبداع الفني، وجائزة المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية.

عرض تاريخي

تحت هذا العنوان يكتب الباحث مبينًا دور فلسطين في مجال الطب إذ يقول: كان لفلسطين حضور قوي عبر مراحل التاريخ على صعيد الطب والأطباء، فيذكر المؤرخ الشهير النديم في (الفهرست) الطبيب طيماوس الفلسطيني، والمرجع أنه عاش في القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد، وقال: إنه من أوائل المفسرين لكتب أبقراط الطبية وهو الطبيب الفلسطيني الوحيد الذي وصلنا اسمه من الفترة الهلنستية في تاريخ فلسطين.‏

أما المدرسة العلمية التي أنشأها العالم اللاهوتي المسيحي أوريغن فهي مدرسة قيسارية (جنوب حيفا) ودليل على النفوذ العلمي اليوناني في ثقافة الشرق الأدنى.‏ خلال العصر الروماني البيزنطي بدأت الكنيسة المسيحية بتأسيس مؤسسات تؤدي بعض وظائف المشافي تجلت بإنشاء أنزال (ج- نزل) تؤوي الحجاج والمسافرين، وتقدم لهم المعالجة الطبية، وهي خطوة رائدة في تقديم الخدمات الطبية في القدس، ومن المهم أن نعلم أن القدس بوصفها مقصدًا للحجاج كانت من المدن الأولى في العالم، التي عرفت منازل كهذه.‏

انتقلت علوم الطب اليوناني إلى الحضارة العربية الإسلامية الناشئة عبر قنوات عديدة منها: مدرسة الإسكندرية وحران وإنطاكية والرها، وأكاديمية جند يسابور.... ومن الأديرة المسيحية (النسطورية خاصة) في الشرق الأدنى، ومنذ القرن الأول للهجرة أقبل أبناء الحضارة على ترجمة الكتب اليونانية بتشجيع من الحلفاء ورجالات الدولة وأصحاب الثروات.‏

في الفترة الإسلامية الأولى التي تلت الفتح العربي الإسلامي في القدس وفلسطين ظهرت ملامح تراث الطب العربي القديم في الفترة الأموية وما قبلها وما بعدها، فكتائب الجيوش الإسلامية حملت معها الأطباء وممارساتها الطبية وعلاجاتها الخاصة وعقاقيرها المستمدة من بيئة الجزيرة العربية.‏

وبرز أيضًا التراث المحفوظ في أديرة القدس من مخطوطات اليونان التي كان يتدارسها الرهبان والقسس في القدس والمنطقة المحيطة، وظهرت شخصية خالد بن يزيد بن معاوية حكيم آل مروان ونشاطه في مجال السيمياء والطب واتصاله مع مريانس الراهب المتبتل في جبال القدس وصداقته مع يوحنا الدمشقي الذي غدا من أعظم العلماء الذين أنجبتهم الكنيسة الشرقية، وهو مشهد ذو مغزًى عن تحالف لم يسبق بين السلطة وحملة العلم تباركه تعليمات دينية تم تنفيذها بدقة وحرفية عالية تقضي بطلب العلم ولو في الصين، وكان من نتيجة حلول العصر العلمي الذهبي للحضارة العربية الإسلامية في القرن الرابع الهجري /العاشر الميلادي.‏

وبداية ظهور عائلة التميمي المقدسية الشهيرة ممثلة بعالم عربي فذ، واسع الاطلاع، أصيل الرأي، والفكر بعيد النظر هو محمد بن أحمد التميمي الطبيب والصيدلاني.‏

لكن التميمي لم ينشأ من فراغ فوالده وجده كانا طبيبين أيضًا ومن خلال مؤلفاته سرد لنا عددًا من أسماء شيوخه وأساتذته الذين تلقى عنهم علوم الطب والصيدلة وتحضير الأدوية وبلغوا درجة عالية في التعرف على أنواع العقاقير والنباتات الطبية والأدوية المعدنية الطبيعية فدرسوها وحققوها ووصفوها وعرفوا تأثيراتها واستخدموها في المعالجة وكذلك مارسوا إعداد الأدوية المفردة واختيار الجيد منها، وعرفوا طرق التركيب وصناعة الأدوية.‏

فكان الطبيب يحسن مهنة الصيدلاني في تركيب العقاقير النافعة وفحص تأثيرها لزيادة مفردات جديدة وحذف ما لا يفيد حتى حازت تحضيراتهم الدوائية الجدوى والشفاء.‏

الطب والأطباء في القدس

جاء الكتاب في أحد عشر فصلاً تبدأ بالطب والأطباء في القدس قبل الميلاد، وفيه بين أن فلسطين تقع وسط منطقة لها تراث طبي عريق، بابل ومصر وبلاد اليونان، ومن الطبيعي أن تتأثّر فلسطين بالأفكار الطبية السائدة في تلك الحضارات، فالطرق الصحية القديمة في بلدان الشرق الأدنى القديم، وفي الحضارات القديمة عمومًا، بقيت على حالها لمدة آلاف من السنين، والتصوّرات والمعتقدات حول مفاهيم الصحة وأسباب حدوث المرض ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالآلهة والسحر، والأطباء القدامى كانوا من السَحَرة والكَهَنة الذين حصلوا على معرفة بجمع الأعشاب الطبية وتحضيرها واستخدامها في علاج الأمراض وكانت لديهم بعض المعارف حول عمل الجسم البشري ووظائفه.

ثم تناول في الفصل الثاني الطـب في القدس خلال العصر الإسلامـي الأول، وبين أن الخطوط العريضة للتراث الطبي العربي في بلاد الشام وفي القرن الأول للهجرة / السابع الميلادي تقوم على اتباع بعض القواعـد الصحيـة للوقايـة من الأمراض، والاعتمـاد على المعالجات، وأغلبها من المعارف الصحية العامة التي كان يمارسها العرب منذ أقدم الأزمنة، مثل: التمسـيد، الكيّ، الحجامة، اسـتفراغ فضـلات البـدن بالمقيئات، والمسـهلات، ويتجلّـى ذلك في وصايا الطبيب تيـاذوق (ت 90هـ/719م).

- لا تأكل طعامًا وفي معدتك طعام.

- لا تأكل ما يضعف أسنانك على مضغه، فتضعف معدتك عن هضمه.

- لا تشرب الماء على الطعام حتى تفرغ ساعتين، فإن أصل الداء التخمة.

- لا تأكل من اللحم إلا فتيًّا، وإذا تغدّيت فنم، وإذا تعشّـيت فامش ولو على الشوك، ولا تدخل بطنك طعامًا حتى تستمرئ ما في جوفك، ولا تأوِ إلى فراشك حتى تدخل الخلاء، وكُلّ الفاكهة في إقبالها ووفرّها في أدبارها، ولا تحبس البول وإن كنت راكبًا، وعليك في كل فصل قيئة ومسهلة، ولا تشرب الدواء إلا في علّة.

وبين أنه يصعب التوثيق التاريخي للطب والأطباء في القدس وبقية مدن بلاد الشام في القرون الثلاثة الأولى بعد الهجرة، لأسباب عدّة. منها أن بغداد عاصمة الخلافة العباسية اسـتأثرت بنصيب ملحوظ بمظاهر الازدهار عن سـواها، نتيجة نشـاط بيت الحكمة فيها، وتواصل هجرة الأطباء الجند يسابوريين إليها، وهي هجرة بدأت في القرن الثاني للهجرة. كما أن الاهتمام بتسـجيل وتوثيق نشـاط الأطباء والعلماء في مجال العلوم التطبيقية خـلال تلك الفترة لم يشـهد الزخـم المعروف الذي بدأت تباشـيره بدايـة القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي.

ولا بد من الإشارة إلى شخصيتين مهمّتين ارتبطتا بالعلوم القديمة - الفلسفة والطب والفلك والكيمياء والرياضيات والعلوم البحتة والطبيعية إجمالاً، وترجمتها ونشرها، وكانت لهما علاقة وثيقة بفلسطين وبالقدس بالذات.

الشخصية الأولى هي خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان المتوفى (85هـ/704م) أو (89هـ/708م) وكان يلقّب بـ "حكيم بني مروان"، وذكر بأنه أول من أمر بترجمة الكتب اليونانية والقبطية في الطب والكيمياء إلى العربية.

والشخصية الثانية الراهب يوحنّا الدمشقي المشهور، ويعتبر من قنوات الاتصال الرئيسة للعلم اليوناني.

كما برزت مجموعة من الأطباء في العصر الأموي مثل:

ابن أثال الخبير بالأدوية المفردة والمركّبة والسموم، وكان من الأطباء المتميّزين في دمشق، وأبو الحكم الدمشقي، وابنه الحكم الدمشقي اللذين استطبّهما معاوية بن أبي سفيان والطبيب السكندري عبد الملك بن أبجر الكناني، الذي اتصل بالأمير عمر بن عبد العزيز حين كان مع أبيـه الوالي يومئذ فلما ارتقى عمر سـدّة الخلافة الأموية في دمشـق عام (99هـ/717م)، استدعاه وعيّنه في أنطاكية ليمارس الطب.

ثم يتحدث في الفصل الثالث والرابع عن عائلة التميمي الطبّية المقدسية ومؤلفاتهم وإنجازاتهم في الطب، ومنها محمد بن أحمد بن سعيد التميمي المتوفى (390هـ/1000م) من أكبر العلماء الذين عرفتهم فلسطين عبر العصور وأغزرهم إنتاجًا وعلمًا، امتدّت شهرته كعالم في الطب والصيدلة بحيث شملت العالم الإسلامي بأشمله في زمنه.

وأحمد بن سـعيد التميمـي: والد محمد التميمي، وهو من الأطباء أيضًا، ألا أنه لم يبلغ شأن ولده في مهنة الطب، وسعيد التميمي المقدسي: من الأطباء، والمعلم الأول لحفيده محمد التميمي، وقد أورثه العناية بالنباتات الطبية، والاهتمام بتركيب الأدوية، وإن كان لم يصب من الشهرة مثل حفيده محمد، فمن المؤكد بأنه كان معروفًا على صعيد القدس وضواحيها بالحكمة والطب وتركيب الأدوية والعقاقير.

أما لفصل الخامس فتحدث عن الأطباء في العصر الأيوبي، وخص بالذكر موفق الدين يعقوب بن سقلاب أبو منصور(560 هـ/1161م - 625 هـ/1228م)

وفي الفصل السادس تحدث عن عائلة ابن أبي فانة الطبية المقدسيّة، حيث عرفت القدس في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي تسعة أطباء ينتمون لعائلة واحدة، وكانت وطيدة الصلة بسلاطين بني أيوب، ألا وهي عائلة ابن أبي فانة النصرانية المقدسـية. بينما خصص الفصل السابع لأطباء القرن السادس والسابع الهجـري والفصل الثامن للطب والطبابة والأطباء في الفترة المملوكيــة (648 هـ/1250م -922هـ/1516م)

أما الفصل التاسع فتحدث عن صناعة الدواء في القدس من خلال موسوعة طبيّة (الترياق نموذجًا)، والترياق: معجون مُركَّب من سبعين مادة ونيّف من أصل نباتي وحيواني ومعدني، كان القدماء يعدّونه شافيًا من كل أنواع السموم ويحافظ على الصحة ويعالج أمراضًا كثيرة، أما استخدامه الرئيس فهو دواءٌ نافعٌ من لدغِ الهوامِ والحشراتِ السامةِ والسموم، وهو ما يَمنعُ ميكانيكًا امتصاصَ السمّ من المعدةِ والأمعاءِ، وينطبقُ وصف (الترياق) بأنهُ دواءٌ لأن الـدواء بالتعريف مـادةٌ أو مُركَّبٌ يُقدَّم ُعلى أنه له خـواص شافية أو واقية تجاه الأمراض. وفي الفصل العاشر تحدث عن مشافي القدس.

وانتهى الكتاب بالفصل الحادي عشر الذي تحدث فيه عن نوادر المخطوطات الطبية لأطباء القدس، ومن أصحاب هذه المخطوطات محمد بن أحمد بن سعيد التميمي صاحب مخطوطة مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء.‏

ويذكر أيضًا رشيد الدين علي الصوري صاحب تذكرة الكحالين، وكذلك علي التنوخي المقدسي صاحب الشامل في الأدوية المفردة، وهذه المخطوطات موزعة على مكتبات عربية وعالمية.‏

ويعد الكتاب وقفة مع تاريخ جميل، ورائع لمحطات علمية في تاريخ مدنية القدس متمثلة بالطب والأطباء والمشافي..

والكتاب زاخر بالمعلومات الطبية والعلمية التي كانت ذات شأن في وقتها والتي تؤكد أننا في العصور السابقة كنا على مائدة الحضارة الإنسانية في موضع الواهب المتفضل صاحب العطاء أما اليوم فوضعنا على مائدة الحضارة الإنسانية في موضع المتسول طالب العطاء.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف