آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

سيميائيات النص الشفاهي في عمان

السبت 29 رجب 1434 الموافق 08 يونيو 2013
سيميائيات النص الشفاهي في عمان
غلاف الكتاب
 

 

الكتاب:

سيميائيات النص الشفاهي في عمان

المؤلفة:

عائشة الدرمكي

الطبعة:

الأولى - 2013م

الصفحات:

208 صفحة من القطع المتوسط

الناشر:

مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان

- مجلة نزوى - مسقط - عُمَان

عرض:

محمد بركة

 


يعاين كتاب "سيميائيات النص الشفاهي في عمان" للكاتبة الدكتورة "عائشة الدرمكي" نماذج من نصوص الأدب الشفاهي المتداولة بين أهالي سلطنة عمان، وما تنطوي عليه من إشارات ودلالات ومعانِيَ في سلوكياتهم وعلاقاتهم اليومية. وترصد المؤلفة ألوانًا من حكايات الرواة العالقة في الذاكرة الشعبية، بوصفها أجزاءً من هوية المجتمع العُماني الذي يحتل في اللفظ اللغوي تعابير ودلالات مستمدة من الموروث الشفاهي لدى جماعات اجتماعية تأسست على شهادات لأحداث وتحولات، بوصفها معطًى سيكولوجيًّا وبلاغةً جمالية.

ويستند الكتاب على تصورات نظرية محددة، من بينها: أن التراث الثقافي يرتكز على التواصل الشفاهي الذي أسفر عن الحفاظ على جزء هام من الحضارات وضمان استمراريتها عبر عصور عديدة من جيل إلى آخر بفضل الذاكرة الجماعية.

تقول المؤلفة في حديثها عن الفعل الشفاهي وإعادة إنتاجه: إنه يمثل التواصل المباشر والعلاقات اللغوية بين الشعوب، وإنه الأداة الأهم في انتشار الأفكار والمعلومات والخبرات؛ إذْ تعتمد اللغة المنطوقة في تلقيها أساسًا على الإحساس السمعي، في حين تعتمد الكتابة على الإحساس البصري، وقدرة الإحساسَين في الإدراك وخصوصياتهما لدى الإنسان مختلفة، ومِن ثَمَّ، فإن نتائجهما لابد أن تكون كذلك أيضًا.

شفاهية النص

كما تحدثت المؤلفة عن "شفاهية النص وكتابته"؛ فتبين أن التراث الثقافي يرتكز على التواصل الشفاهي، وهكذا تم الحفاظ على قسط مهم من الحضارات، وضمان استمراريتها عبر عصور عديدة من جيل لآخر بفضل الذاكرة الجماعية، وأمام الكم الهائل من الأحداث الاجتماعية والثقافية الذي تحتضنه تلك الحضارات وتروجه شفهيًّا، فإننا بحاجة إلى سَبر تلك العلاقة بين "الشفاهي" و"الكتابي"، ولعلها علاقة معقَّدة إذا ما قيست بعلاقاتها المتداخلة مع الزمن واللغة، فتداول المحكيَّات الإنثروبولوجية عبر النصوص المشفرة أو المكتوبة لا يلغي البتة الطابع الشفاهي لتلك المحكيَّات، وإن كان يطمسه في الظاهر النصي عادة؛ فالشفاهية تتعقَّد من جهات: الكلم، والخطاب، والزمانية المصاحبة، والذاكرة الثقافية، والهوية اللغوية، والنظام القيمي العام للمنظم الاجتماعي الذي صاغه. ومن هذا المنظور يمكن اختزال كل من: الأسطورة، والحكاية الأسطورية، والسير القدسية، والخرافة الثقافية، والملحمة، والنشيد الطقسي؛ في مسار "دينامي" يربط بين ثلاث عُقد أو محطات، هي: اللغة (الأم)، والثقافة المحيطة، والمنتظم الإنساني أو المجتمع (الأصل). وعلى ذلك؛ فإن الشفاهية هي أصل التواصل الإنساني العام والتواصل الأدبي بشكل خاص.

وتوضح أن الأدب -والأدب الشعبي منه خاصة- يرتبط بالتاريخ، من حيث أحواله وتقلباته ارتباطًا عضويًّا، ولذلك لا نستطيع قراءة وفهم واستيعاب الأدب -نصوصه وتطورات مضمونه وأشكاله- خارج سياقه التاريخي الخاص والعام، والشروط المحيطة بإبداعه وتلقيه بإنتاجه واستهلاكه، فإن الأمر يعود في الأساس إلى صفة الشفاهية في التاريخ أولاً، إلا أن كثيرًا من الشفاهي ليس في أصل إنشائه كان كذلك. ومِن ثَمَّ، فإن التدوين والكتابة ليسا بالضرورة نسخًا وإلغاءً لصفة الشفاهية، ففي كثير من الحالات كان الشفاهي وسيلة لحفظ المكتوب نفسه، وتوفير شروط أفضل لإذاعته وتعميمه. إن أكثر مؤلفات اليونان في المسرح الشعري -على سبيل المثال- انتشرت وحوفظ عليها عن طريق الإلقاء والتوارث الشفاهي، في حين أُهمل -أو كاد يُهمل- نصها الأصلي المكتوب، وحصل ذلك أيضًا لِمَعلمة بارزة في آداب السرد العربية، ألا وهي "ألف ليلة وليلة" التي تُنوقِلت وتُدووِلت وتَعرَّفت عليها البشرية عن طريق الحفظ والإلقاء الشفاهي أكثر من تعرفها عليها عن طريق أصلها المكتوب.

ثم تحدثت عن "سيميائية النص الشفاهي"؛ فبينت أن الدارسين إلى عهد قريب كانوا يحصرون اهتمامهم في الأثر الأدبي ليتبينوا خصائصه البيانية من حيث اللفظ والمعنى، ثم أدركوا أن هذه النظرة قاصرة، وأنه لا سبيل إلى فهم هذه الآثار الأدبية فهمًا صحيحًا، والحكم عليها حكمًا سليمًا يقدر ما لها وما عليها؛ إلا إذا وصلوه بالبيئة المادية والاجتماعية التي وُلد فيها وترعرع في كنفها. والآثار الأدبية -مثل سائر الآثار الإنسانية، بل سائر آثار الحياة الطبيعية- تتفاعل مع بيئتها فتتأثر بها وتؤثر فيها، ولذلك قيل: إن الأدب الشعبي أدل على بيئته من أدب الخواص وأشباه الخواص. وتؤكد على أن "السيميائية" هنا لا تراعي سوى مستوى التحليل، وتحتفظ بذلك بإمكان مقاربات أخرى للأشياء ذاتها، والتي ترتبط معها بعلاقة تكاملية، وانطلاقًا من الأشكال الخطابية المتوافرة مثل: الحكايات الشفاهية أو المكتوبة، والأمثال أو أي من تلك النصوص الثقافية والأدبية. وترى أن السيميائية تحاول تحديد القوانين التي تبرز جزئيًّا من هذا العنصر المركزي لحياتنا اليومية أي فعل محكي، وبهذا تؤسس التطبيقات السيميائية مستوى متجانسًا للتحليل، وذلك من خلال الاحتفاظ بما هو ملائم فقط للموضوع الذي تختاره. ولأن السيميائية هي دراسة العلامات بأشكالها المتعددة، فإنها تُعنَى في الأساس بالثقافة الإنسانية بما تمثله من أنظمة تشتغل بوصفها علامات ذوات معانِيَ ودلالات قابلة للتأويل، وعليه؛ فإنها تُعنى بالشفاهية المرتبطة في الأصل بتلك الثقافة، على الرغم من كونها عرضة للتغييرات البيولوجية أو الفيزيائية، ذلك لأن الشفاهية محدودة قدراتها بقدرة الإنسان النطقية والسمعية، إلا أن كل لغة بشرية تختص بثقافة تاريخية معينة.

وترى الكاتبة أنه أمام الكم الهائل من الأحداث الاجتماعية والثقافية التي تحتضنه تلك الحضارات وتروجه شفاهةً تبدو الحاجة ملحة إلى محاولة سبر تلك العلاقة بين الشفاهي والكتابي. ولعل علاقة كهذه تغدو معقدة إذا ما قيست بعلاقاتها المتداخلة مع الزمن واللغة؛ فتداول المحكيات الإنثروبولوجية عبر النصوص المشفرة أو المكتوبة لا يلغي البتة الطابع الشفاهي لتلك المحكيات.

أيضًا ترى الكاتبة أن التحدث عن المحكي الإنثروبولوجي قد يعود بنا إلى الفضاءات الأولى للحكي البدائي؛ إذْ يقترن الحكي بالطقوس الدينية والعشائرية، فالحكي يساير المعتقد الأسطوري، ويجسد -عن طريق المحكيات السردية- التمثلات السردية والقيم حول قضايا الكون والطبيعة والإنسان والكائنات الحية والجمادات الأخرى، أو التي تظهر بأنواعها المختلفة. فهذا المحكي الإنثروبولوجي عندما يقنن في أشكال تعبيرية منظمة ومتداولة، يسهل عملية التواصل الفني والإبداعي بين الجماعات البشرية التي تتقاسم الرؤى والتمثلات نفسها. وبالتالي، تصبح الشفاهية القاسم المشترك بين تلك الأشكال والداعمة لها لغويًّا وثقافيًّا؛ ذلك أن الشفاهية تظل النسق الأول في تشكل القوالب والأنماط التعبيرية الأخرى -من غير الأساطير البدائية والأديان- من سرد وشعر وغناء ونثر مسجَّع أم لا.

وتضيف الكاتبة بأنه في العصر الحديث والمعاصر بدأت الدراسات في الأدب الشعبي لكونه موضوعًا متخصصًا له نظرياته ومناهجه التي تتقدم كثيرًا على دراسات الأدب المكتوب. على هذا الأساس، فإن السيميائية -بوصفها إحدى أهم المنهجيات التي درست التراث بأشكاله المتنوعة- تستند في سبيل استخلاص المعنى إلى أن مقاربة التدليل لا تكون ممكنة إلا من خلال مقاربات مختلفة، لذلك فإن ممارسة الفعل السيميائي هنا على مجموعة من المعطيات -مثل: الحكايات، والأمثال، وحتى المعتقدات- لا تتم إلا من زاوية محددة، لذلك فإن تحليلها لا يطمح إلى إعادتها كما هي.

والكتاب، في هذا الإطار، يقارب دراسة نماذج من نصوص الأدب الشفاهي في عُمان، انطلاقًا من قدرة تلك النصوص على البقاء، وهو ما يأخذ شكلاً شفاهيًّا كالحكاية والفن والسلوك المعتقدي القائم على التواصل والفعل.

المؤلفة

"عائشة الدرمكي" أستاذ مساعد في الجامعة العربية المفتوحة، فرع مسقط، بسلطنة عمان. حصلت على الدكتوراه في "سيميائيات التواصل" من جامعة محمد الخامس المغربية، والماجستير في "علم اللغة واللهجات" من جامعة السلطان قابوس. أشرفت على مشروع "جمع التاريخ المروي" في سلطنة عمان بالتعاون مع وزارة التراث والثقافة، وساهمت في تحرير "الموسوعة العُمانية"، وقدمت أكثر من 14 بحثًا أكاديميًّا، خلافًا لأوراق العمل والمشاركة في مؤتمرات دولية ومحلية عديدة.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف