آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

وإنَّ لكم في الأنعام لعبرة

الجمعة 15 صفر 1437 الموافق 27 نوفمبر 2015
وإنَّ لكم في الأنعام لعبرة
 

في بيئة بسيطة كالبيئة العربية التي نزل فيها القرآن الكريم، وفي كل بيئة على شاكلتها حتى اليوم، تبرز نعمة (الأنعام) التي لا حياة للناس بدونها، والأنعام المتعارف عليها في جزيرة العرب هي : الإبل والبقر والغنم (ضأن وماعز)، وقد ألهم الله البشر إلى وسائل الاستفادة من أوبارها وأشعارها وأصوافها وجلودها في صناعة الملابس الدافئة، والمساكن الآمنة، والمفارش، والستائر، والآلات، والأواني، وغيرها من الأمتعة، بالإضافة إلى الانتفاع بألبانها في الشرب، وتصنيع الجبن والسمن والزبدة والقشدة، وبلحومها في التغذية الصحية المليئة بالبروتينات والمعادن النافعة اللازمة للبقاء والاستمرار، فانظر كيف انبجست من النعمة الواحدة مزايا وعطايا ومنافع وأنعام كثيرة .

بل إنَّ الطريقة التي يخرج بها اللبن من ضروع الأنعام مدهشة؛ فالأنزيمات الهاضمة تحول الطعام الذي تأكله الأنعام إلى أربعة أشياء : دم يصعد إلى القلب ليقوم بضخه ميكانيكياً إلى الشرايين والعروق، ولبن يجري في الضروع ، وبول يتجمع في المثانة، وفرث ينحدر إلى الأمعاء، وبينها برزخ من قدرة الله بحيث لا يبغي الدم والفرث والبول على اللبن فيغير لونه أو طعمه أو رائحته، وإنما يخرج لبناً صافياً سائغاً (شهياً) للشاربين ! فسبحان الله ما أعظم قدرته ! وألطف حكمته !

ولقد عاش الإنسان دهراً وهو يمشي على قدميه، ويعتمد في كسبه وفلاحة أرضه على يديه، ثم اهتدى إلى تسخير تلك الأنعام في أعماله، وفي حمل الأمتعة الثقيلة إلى الأماكن البعيدة التي يبلغها لولاها بشق الأنفس .

ولولا أنْ سخرها الله لنا لاحتجنا مكان الجمل الواحد والدابة الواحدة إلى العصبة أولي القوة من الرجال يحملون أثقالنا وأحمالنا، ولاستفرغ ذلك منا أوقاتنا وطاقاتنا، ولصدنا عن مصالحنا الأخرى، فأعاننا الله رأفة منه ورحمة بهذه السفن البرية (الأنعام)، وأودع لنا فيها من المنافع الكثيرة ما لا يحصيها إلا هو، قال تعالى : {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم} {النحل:7}.

وتذليل الأنعام وتسخيرها للإنسان وفيها ما هو أضخم منه بنية، وأشد منه قوة، نعمة طائلة، ومنّة خارقة فائقة فوق العادة، وتستحق كل الثناء والتقدير لأن نقف بكل إجلال واحترام وتواضع وتعظيم للخالق الذي أنشأها بهذا التركيب البديع، وبتلك الطبيعة السهلة الصبورة على التعب والجوع والعطش، والخالية من الشراسة والضراوة والعداوة والنفرة، فلله الحمد عدد ما خلق وذرأ وبرأ .

أمَّا المنافع الكمالية الزائدة على مجرد تلبية ضرورات الحياة واحتياجاتها الملحة من طعام وشراب وكساء وركوب ومأوى، فتتمثَّل في البهجة التي تغمر نفس الإنسان وتملأ وجدانه حال مراقبته لمنظر الأنعام وهي تغدو مجتمعة متآلفة في الصباح الباكر سارحة في مراعي الله الواسعة، وحين تروح بطاناً (ممتلئة البطون والضروع) في المساء عائدة إلى مرابضها .. لا شك أنَّ هذا المشهد الجمالي يلقي على فؤاد مَنْ يراه انطباعاً جميلاً حلواً هادئاً .. وأهل الأرياف والبوادي يدركون هذا الإحساس العجيب أكثر مما يدركه أهل المدينة .

ولماذا يا تُرى يقدِّمُ القرآن الكريم (لام) الملكية على الظرفية في قوله تعالى : {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ}[النحل:6] ، و {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ}[النحل:5]، و{وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ}[الأعراف:10] ؟ ولماذا لم يقل (وفيها لكم ..) ؟ لأنَّ الله سبحانه يعلم أنَّ الإنسان مغروز في فطرته حب الملكية، ولذلك قدَّم الملكية على الظرفية ليشعر الإنسان بالأمان والاستقرار؛ إذا لا قيمة للملكية إذ كان هناك خوف وفزع وهلع وقلق من أنْ تتخطَّف ملكيته من بين يديه ... لا قيمة للعمل ومرتبه إذا كان العامل يشبع يوماً ويجوع أسبوعاً .. وأي قيمة للراتب المتآكل في ظل الأوضاع الاقتصادية التي لا تزال متعثرة ! والتي لا تكاد تنهض حتى تكبو، ولا تكاد تمضي حتى تقف متسمرة في مكانها ! وياليتها تسمَّرت ! بل رجعت القهقرى .. إلى الخلف در! وإلى الوراء سر!

ولا يكفي أنْ تعطي للناس كوبونات تشجيعية كمكافآت لشراء بعض الحاجيات بأسعار مخفضة ليأكلوا ويأمنوا شر الجوع، ولا يكفي أنْ يقال للناس اعملوا ليعملوا ويأمنوا شر البطالة، وإنما ينبغي أنْ تهيأ تلك الاحتياجات للمواطنين بالأسعار المعقولة التي تتناسب مع حجم مدخلاتهم الشهرية أو اليومية، وأنْ تهيأ فرص العمل على قدر الموارد البشرية الشاغرة، فإنْ لم نفعل ذلك .. فقد اتخذنا الناس هزواً، وكانت دعواتنا الإصلاحية التطمينية ومناهجنا الاقتصادية نوعاً من العبث؛ كالذي يلقي حبات القمح القليلة لسرب من الطيور الجائعة، ما هي إلا لحظات حتي يقع الزحام والخصام والشقاق والنزاع والاصطدام، ثم يفترق الناس فريقين : سعداء بالوظيفة، وهم قلة القلة، وأبطال مسلسل (البطالة المقنعة)، وأشقياء بالبطالة، وهم الكثرة المتكاثرة، وأبطال مسلسل (العنوسة العمالية) .

والغريب أنْ تسمع هذه الدعوات التطمينية في جو مختنق بمشكلة الغذاء والتموين، والبطالة والترهل والفساد الإداري، ومعضلة قسمة الوظائف القليلة المتاحة على مخرجات التعليم بأعداده الغفيرة المتحمسة، ولا يفكر مَنْ ينادون بهذه الدعوات ويكتبونها ويبثونها في أنَّ حوادث حياتنا اليومية تنقض ما يقولونه نقضاً، وأنه تقع على كاهلهم مسؤولية إدارة الأزمة بين الناس بالقسط، وتمكين هؤلاء المؤهلين من أنْ يأخذ كل واحد منهم نصيبه (حقه) الضئيل من المتاح القليل، لا يعدو في ذلك بعضهم على بعض، ولا يظلم القوي الضعيف، ولا يأخذ الرجل المِناسب (بكسر الميم) الفرصة من الرجل المناسب (بضم الميم) .

وليس كل الناس حريصين على وظيفة مثالية بعوائد امتيازية، وإنما يقنع الواحد منهم بأنْ يذوق طعم الوظيفة، ويحلم بأنْ يكون عيشه كفافاً، وأنْ يرى المرتب الشهري الذي طالما سمع عنه، لكنه لم يره، ولم يعرف له مذاقاً منذ كذا سنة !

يحتاج الواحد منا إلى وظيفة حتى لا يضيق بالحياة ذرعاً .. ولا يسخط عليها .

فإذا ساق الله له وظيفة.. فَرِحَ بها، وحمد الله، وأثنى عليه، وربما ادخر راتب شهرين أو أكثر ليشتري به قرباناً يذبحه لوجه الله تعالى شكراً له على هذه النعمة التي طالما كان ينتظرها ويتمناها ويرجوها .

حقاً! ما أبسط مطالبنا وأمنياتنا ! .. وما أصعب تحقيقها ! ..

وقد أراد الله بالناس خيراً فلم يجعل الرزق قسمة بشرية، وإنما جعله كالهواء الذي يمتلئ به الجو! ويتنفسه جميع الناس! وكمياه الأمطار والأنهار التي يستطيع الناس جميعاً أنْ يشربوا منها! وإذا ضاق الرزق في مكان اتسع في غيره ... والناس يعملون على كل حال، ويصلون النهار بالليل في العمل .. لأنهم يريدون العيش بكرامة، لا يريدون الارتزاق على فتات غيرهم .. ، أو إراقة ماء وجوههم باستجداء فلان .. وبالاقتراض من فلان .. لقد أنفت نفوسهم الأبية العيش كالأنعام .. ولسان حالهم :

لا تسقني ماء الحياة بذلة      بل واسقني بالعز كأس الحنظل

كأس الحياة بذلة كجهنم        وجهنم بالعز أطيب منزل

وقد نشأنا وترعرعنا على أنوار أحاديث سمعناها وقرأناها وحفظناها تحدثنا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام أطعم وسقى الأعداد الضخمة من أصحابه حتى أشبعهم وأروى ظمأهم بالقليل الضئيل من الطعام والشراب الذي ربما لم يكن يكفي الرجل أو الرجلين، فآمنا بأن القليل يجب أنْ يكفي الكثير، لكن بشرط إرادة العدالة والمساواة بين الناس في الحقوق والواجبات، وألا يمتاز بعضهم من بعض إلا بالتقوى، وآمنَّا بأنَّ البركة تحل ضيفاً كريماً على أعمال الشريكين ما داما ملتزمين بأخلاقيات العمل المشترك، وواجبات الأمانة، فإذا خان أحدهما الآخر فرَّ الضيف من بينهما، وكذلك الشؤون الاقتصادية يحتاج قاداتها إلى الإيمان بهذه التعليمات النبوية، وألا ييأسوا من روح الله، وأن يعرضوا عن الهزل إلى الجد، وعن الباطل إلى الحق، وأنْ يصنعوا من الأزمة فرصة ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، لأننا نرى البطالة حريقاً يلتهم الأخضر واليابس، ويجب أنْ يطفأ !

الاقتصاد الصحيح لا يحدث المعجزات، ولا يخلق المستحيلات، ولا يحشر الأعداد الكبيرة من الطلبة أو الموظفين في الأماكن الضيقة .. الاقتصاد الصحيح لا يقلص الرواتب؛ لأنه بتقليصها تذوب الهمة، ويفتر النشاط، وتنتزع من العمل روحه.. الاقتصاد لا يعني كثرة جمع الصدقات، ونشاط حركة التبرعات، فهذه بصرف النظر عن دوافعها الباطنية .. عواطف كريمة، وإصلاح شؤون الطبقات الفقيرة والمطحونة لا يكون بالتصدق والإحسان وإنما بتوفير مصدر العيش الذي يؤمن لها غذاؤها اليومي، ويصلح لها حياتها المادية، ويحضرني هنا المثل القائل : (لا تعطني سمكة ! ولكن علمني كيف اصطادها) .. الاقتصاد الصحيح أعمال مدروسة، وتخطيطات جادة موضوعة برؤى ثاقبة، وبصيرة نافذة، وعزيمة ماضية .

وقبل إنهاء المقال أود ختمه بهذه الكلمة :

راعي الأنعام يحرص على الاعتناء بقطيع الأغنام من شياه وخراف وماعز ..، وبقطيع الأبقار ..، وبقطيع الإبل ..، ويتخيَّر لها أوفر المراعي وأطيبها، وأفضل الأعلاف وأمرئها، ويسوسها بعصا ناعمة لئلا تزل أقدامها فتقتحم حمى الآخرين، ويراقبها كالصقر بعين ساهرة لئلا تعبث بها الذئاب فتعيث في مراعيها وحقولها الخراب والفساد، وتراه يحوطها بالرعاية الحثيثة، ويعطف على كبارها، ويحنو على صغارها، ويقسو على أعدائها، ويتفرغ لحوائجها، ويتفقد أحوالها كما تتفقد المرضع أحوال رضيعها، ويعدل بينها، وكلها في نظره وفي مقامه وعنده سواء : لا غامر ولا مغمور، ولا قاهر ولا مقهور، ولا خيار ولا فقوس .. .

ولو تفحصت أحوال راعيها وسائسها لرأيته أغبر أشعث، نحيلاً نحيفاً، طاوي البطن، بارز الأضلاع، أما رعيته من الأنعام فما شاء الله ! سمينة ! فارهة ! جذابة ! ممتلئة شبعاً وريّاً ! ؛ لأنه يعلم علم اليقين أنه لا فائدة في أنْ يكون جسد الراعي رشيقاً وجسد الرعية مترهلاً، ولا فائدة في أنْ يكون الراعي في صحة جيدة بينما الرعية في العناية المركزة .

معنى كلمة (فقوس) :

(الفقوس أو القثاء : نبات يشبه الخيار لكنه أفتح منه لوناً وأطول منه حجماً وأقل منه منزلة في عالم المطلوبات الاستهلاكية)   .

(قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة) والحمد لله رب العالمين .

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف