آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

استشعار الجمال من الدين

السبت 22 ربيع الأول 1437 الموافق 02 يناير 2016
استشعار الجمال من الدين
 

الله خالق الجمال ، وأمرنا باستشعاره ، إن استشعار الجمال من الإسلام ، فإلى أولئك الذين حرموا من إشباع هذه الحاجة النفسية اتقوا الله ولا تحرموا غيركم من هذه النعمة بتحريم ما أحلّ الله فتحرموا الناس من استشعار الجمال.

الله خالق الجمال ، وخلق في أنفسنا محبة الجمال ، فأنت تنظر الى الوردة الجميلة فتشعر بجمالها والى منظر الربيع فتزهو بصنعته وجماله وتنتشي به ، وترى الجمال في كل شيء في البحر الهادىء وفي النهر الرقراق وفي الصوت الجميل فيطربك ، ويهزك..، ولذلك راعى الله في خطابه لنا هذا الأمر فقال:{ والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة } فجاء أولا بالفائدة المادية منها {لتركبوها} وجاء ثانيا بالفائدة الروحية { وزينة } ففائدتها الروحية أنها تشبع حاجة الروح الى الجمال والزينة ، ففي الروح أشواق للجمال والزينة.

ليس كل جمال في هذا الكون الفسيح ، مما يدركه الإنسان ، دون أن يساعده في تعينه وحي من السماء ، فإن الكون أوسع من أن يحيطه الإنسان بعقله المحدود، و قد يخفي عليه وجه الجمال في شيء من الأشياء لا لخلل يرجع إلى الشيء نفسه، أو كونه فاقدا للتناسق و التنظيم، و لكن لكون الإنسان عاجزا عن إدراكه، و قاصرا عن الإحاطة به، و لعل مجال الجمال المعنوي أكبر دليل على ذلك، إذ لو لم يتم النص عليه و التعيين له بالوحي، لما أدركه الإنسان، و لظل جاهلا دهرا طويلا بمجال رحب للجمال الذي لا غنى له عنه .

  • قال ابن القيم: " ومن أسمائه الحسنى الجميل ومن أحق بالجمال ممن خلق كل جمال في الوجود؟! فهو من آثار صنعه فله جمال الذات وجمال الأوصاف وجمال الأفعال وجمال الأسماء فأسماؤه كلها حسنى وصفاته كلها كمال وأفعاله كلها جميلة".

وما أكثر ما ظلم الجمال عبر الأزمان مع تعاقب الحضارات واختلاف المفاهيم بين جاحد متزمت وصاحب هوى مسرف، وما أكثر ما تغنى به شعراء وهاجمه أدباء، ولا يخفى على كل منصف أن قضية الجمال وجدت نفسها بتوازنها وبهائها المميز لها في رحاب المنهج الإسلامي بوسطيته المعهودة وتقديره المتوازن لكافة الأمور ومارس الجمال في ظل دوحة الإسلام دورا ملموسا سواء في العقيدة أوفي الجانب النفسي أوفي الأحكام الفقهية ليظهر في المنهج الإسلامي بثوب قشيب أهم سماته الطهارة والنقاء التي لم يعهدها في أي حضارة أخرى.

لكن شتان بين توظيف الجمال ومعاداته.

شتان بين المتعة الحقيقية والمتعة التي لا يلوي أصحابها على شيء.

شتان بين الطهارة النقية والدنس المشوب بكل قذارة. شتان بين أن نكون آدميين وأن نكون شهوانيين.

إن طبيعة الإنسان تنجذب إلى كل ما هو جميل، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله جميل يحب الجمال )، وقد شاءت قدرة المبدع البديع الخالق سبحانه وتعالى أن يجعل من الجمال ـ في شتى صوره ـ مناط رضى وسعادة لدى الإنسان، واستساغة الجمال حق مشاع، وربما تختلف مقاييسه من فرد لفرد، ومن عصر لعصر، لكنه اختلاف محدود قد يمس جانباً من الجوانب، أو عنصراً من العناصر التي تشكل القيمة الجمالية، ولم يقف الإحساس بجمال عند النظرة الشاملة، أو الانطباع المبهم أو الإيحاء التلقائي السريع، ويقول الدكتور زكي نجيب محمود: (الإنسان العادي من جمهور الناس، إذا عرف في حياته الجارية، كيف يفرق بين ما هو جميل وما هو قبيح فيما يحبط به من أشياء، فإنه مع معرفته تلك، يظل بعيداً أشد البعد عن القدرة على بيان الأسس التي إذا توافرت في شيء ما، كان ذلك الشيء جميلاً، وإذا غابت عن شيء ما، كان ذلك الشيء مسلوب الجمال، بمقدار ما غاب عنه من تلك الأسس، وقد يحدث هنا أن يتصدى للمشكلة مفكر موهوب في عمق التفكير ودقته، فيتناول هذه التفرقة بين الجمال والقبح، حتى يصوغ أسسها ومبادئها وشروطها، وعندئذ يقال عن مثل هذا المفكر: إنه فيلسوف، كما يقال عما يكتبه في هذا الموضوع: إنه (فلسفة الجمال)، ولنلحظ هنا أن عملية النقد في مجال الفن والأدب، إنما هي فرع يتفرع عن ( فلسفة الجمال)، ولذلك فقد يختلف النقاد في الأساس الذي يقيمون عليه نقدهم، باختلافهم في المذهب الفلسفي الذي يناصرونه .

ومن الخطأ أن نعتقد أن للجمال مقاييسه الحسية وحدها، تلك التي تقع عليها العين، أو تسمعها الأذن، أو يشمها الأنف، أو يتذوقها اللسان، أو تتحرك لها لمسات الأطراف العصبية، فالجمال مادة وروح، واحساس وشعور، وعقل ووجدان، فإذا التقى فلاسفة الجمال في بعض الجوانب أو العناصر، فستظل هناك في عالم الجمال مناطق يعجز الفكر الفلسفي عن إدراك كنهها، والوصول إلى أبعادها، فليس العقل وحده هو القوة القادرة على استكناه كل أسرار الوجود وما خفي فيه، ولحكمة يقول الله في كتابه العزيز (.. فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور )

لتجعل المرء يدرك بشاعتها فيكرهها. هذه في الواقع هي الغاية الصحيحة التي يتوجب على كل امرىء يعمل من أجل المجموع أن يضعها نصب عينيه، وهي بالذات مما كان يشغل بال شعراء المأساة الأوائل قبل غيرهم، فمسرحهم كان مدرسة تعلم الفضيلة بشكل لا يقصر عما تعلمه مدارس الفلاسفة.. .

وإذا كان (ديدرو ) يرى أن العقلانية مفسدة للشعر، فإن (فولتر ) على النقيض منه يقول: (أنا لا أقدر الشعر إلا عندما يكون زينة العقل ).

وهناك مذهب شهير في الفن يطلقونه عليه مذهب (الجمالية )، ويدخل في نطاقه مذهب (الفن للفن )، والجمالية بمعناها الواسع (محبة الجمال )، وترى طائفة كبيرة من أصحاب هذا المذهب أن قيمة الفن توجد في ممارستنا المباشرة له، وليس فيما يقال عن تأثيره في السلوك، والفن ـ كما يقولون ـ يختلف عن الحياة، ولكن الموقف الجمالي يؤكد ذلك الاختلاف إلى حد القول: إن الفن لا علاقة له بالحياة، ولذلك فهو لا يحمل مضموناً أخلاقية، والجمالية تعطي الشكل أهمية كبرى، وتكون قيمة العمل الفني في الشكل دون الموضوع، بينما يرى آخرون من أتباع الجمالية: أن الجمال قيمة لا غنى عنها، تقديرها ضروري للحياة الخيرة ولكن لا يمكن فصلها عن قيمتي الخير والحق، وهي في الواقع تأتي بعدهما.

ونرى معظم النقاد الجماليين يزعمون أن المعايير الأخلاقية والدينية والفلسفية غير ذات مغزى تجاه قيمة العمل الفني، وإذا كان للمحتوى (المضمون ) من أهمية فهي في حدود ما يساهم فيه في إطار الانطباع الجالي العام، والنقد عندهم تقديري لا تقويمي، فمهمه الناقد (الجمالي ) تفسير الأعمال الفنية وليس الحكم عليها بالجودة أو الرداءة.

وهناك طائفة ينتمون إلى هذا المذهب أطلق عليهم (أصحاب النزعة الأخلاقية ) وهم يرون أن الأدب قد يكون ذا مغزى أخلاقي، دون أن يكون تلقيناً واضح ومباشر، أي دون الإعلام عن مغزى على طريقة الموعظة أو الحكاية التحذيرية، وقد عبر (جورج اليوت ) عن ذلك حينما طلب من الروائيين أن يدافعوا عن الإصلاحات الاجتماعية، وذلك بإثارة العواطف الأنبل، وليس بوصف إجراءات خاصة. وعلى الرغم من أن المفكر والأديب (بيتر ) كان من المتحمسين في البداية لمذهب الجمالية والفن للفن، إلا أنه عاد بعد عشرين عاماً ليقول: إن الفن العظيم لا ينفذ شروط الفن الجيد فحسب ـ وهو ما يجب أن يفعله ابتداءً ليكون فنّاً ـ ولكنه يجب أن يعالج كذلك المسائل الإنسانية الكبرى، وعظمة الفن لا تعتمد على الشكل بل على المادة ، وعندما يكون الأدب أكبر تكريساً لزيادة سعادة الناس، ولإنقاذ المظلومين، أو لتوسيع نطاق التعاطف الإنساني، أو لتقديم حقيقة جديدة أو قديمة عن أنفسنا وعلاقتنا بالعالم، مما قد يعلي من أقدارنا، أو يشد عزائمنا في مقامنا بهذه الحياة.. فإنه بهذه الصفة ـ أي الفن ـ من الفن العظيم.

ومن هنا نلاحظ تضاد الجمالية مع مفهوم الأدب الإسلامي عند الغلاة من أصحابها، واقترابها منه لدى الجماليين (أصحاب النزعة الأخلاقية ) الذين لا يشعرون بتناقض بين القيم الجمالية ومحتواها الفكري أو العقائدي، وقيام الأدب برسالة هادفة، لتحقيق القيم الإنسانية العليا التي تحقق السعادة للفرد والمجتمع، وتهب الحياة قوة وفاعلية، وتمدها بأسباب النجاح، وتؤكد قيم الفضيلة والحق والخير.

ولقد سأل طالب جامعي استاذه بيتر قائلاً:

ـ (لماذا يجب أن نكون اخلاقيين (في الفن ) ؟

فأجابه بيتر قائلاً:

ـ (لأن ذلك غاية الجمال ).

وقد أشار بعض الدارسين والباحثين إلى خطورة (مذهب الفن للفن ) أو الجمالية المنحرفة وخطرها على السلوك والمجتمع، وضربوا مثلاً لذلك بشذوذ (أوسكار وايلد ) وآثاره الدبية التي تروج لذلك الشذوذ والفساد الأخلاقي.

وعلى الرغم من أن المفكر الأمريكي (بو ) يقر بوجود المغزى الأخلاقي في العمل الفني بشرط أن يأتي بصورة عرضية (أو أكثر من عرضية )، إلا أنه يقسم العقل إلى:

(عقل خالص = وذوق = وحسن خُلُقي ... )

وهذه الثلاثة ـ في رأيه تتصل بالأجزاء الثلاثة في ثالوث القيم الأفلاطوني (الحق ـ الجمال ـ الخير )، فالعقل الخالص مع الحقيقة، والذوق مع الجمال، كما يرى (بو ) أيضاً أن الذوق يتصل بالواجب (الخير ) في مظهره الجمالي، وقد يستهويه جمال الفضيلة، وينفر من قبح الرذيلة.

إن الاضطراب الذي ساد المفهوم الجمالي، راجع إلى اختلاف المنطلق العقيدي الذي يبدأ منه المفكرون، وإن تزعزع القيم الدينية في الغرب، والموقف السيء الذي وقفه المفكرون والأدباء والفنانون عامة من التصورات الكنسية وتاريخها قد ساعد على محاولة إقصائها عن الحياة والفكر والفن بصفة عامة، وهي ظاهرة خصام بين الكنيسة والفن، كما حدث بينها وبين السياسة والعلم، وقد ساهم هذا الموقف في انحرافات خطيرة للفلسفات والآداب الأوروبية، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل انتقلت عداوة إلى بلدان العالم الإسلامي والشرق بصفة عامة، على الرغم من عدم وجود مبررات حقيقية لهذا الخصام في إطار المفهوم الإسلامي، ومهمتنا هنا أن نقضي على ظاهرة الخصام المفتعلة التي يحاول الضالون والمخدوعون الترويج لها في مجتمعنا الإسلامي. فالإسلام يعلي القيم الجمالية، ويعلي من شأنها، ويحيطها بسياج من العفة والنقاء والطهر، ويفتح الباب واسعاً أمام الإبداعات الفنية والأدبية الخلاقة، ويزيد (الكلمة الجميلة ) شرفاً حينما يكلفها بأعظم رسالة، وأسمى مهمة، وأرقى دعوة نزل بها الروح الأمين.

ورسالة الأدب الإسلامي، جزء من رسالة الإسلام الشاملة، ووسيلة من وسائله الفعالة، والإسلام الذي أمر المؤمنين أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد، وعلمهم أن الله نظيف يحب النظافة، جميل يحب الجمال، لم يتنكر في يوم من الأيام للجمال الذي هو صنع الله وإبداعه، والبيان سحر وحكمة.. أي جمال ومعنى، صورة فنية أخاذة، وحقيقة تشرق بالخير والحق والفضيلة والنور.. أيمكن أن يكون الأدب أرفع وأروع من ذلك ؟؟

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - خالد السليمان مساءً 01:06:00 2016/01/03

    من يدعوك للطهارة واجتناب النجاسة من الطبيعي انه يحب الجمال فالجمال مطلوب اصلا من خالق الجمال ولابد من ذلك فإنه احسن كل شيء خلقه

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف