آخر تحديث الساعة 16:22 (بتوقيت مكة المكرمة)

عن التطبيع الأكاديمي.. قصة في واشنطن

الاحد 13 جمادى الآخرة 1438 الموافق 12 مارس 2017
عن التطبيع الأكاديمي.. قصة في واشنطن
 

 

في مجموعة متميزة في إحدى مؤتمرات واشنطن الكثيرة، دلفتُ مع أصدقاء لإحدى تلك الأقسام التابعة للمؤتمر داخل ذلك الفندق الكبير.. وعلى فم تلك القاعة القابعة في إحدى الزوايا ورقة معلّقة تخبرك أن الجلسة التالية ستكون عن "الشرق الأوسط". وفي البدء أصلاً كلمة "الشرق الأوسط" قد تكون تزويقاً متعمداً لإدراج نشاطات الكيان الصهيوني ومؤسساته وبحوثه ضمن نطاق المنطقة العربية والإسلامية بوصفها دولة داخل منطقة "الشرق الأوسط" فالوصف ذاته يضمر تطبيع مسبق لإسرائيل بوصفها دولة "طبيعية" داخل سياق الدول المجاورة الأخرى هنا.  

المهم كان هذا الانطباع الأولي ولكني تمهّلت ودخلت إلى جانب أصدقاء آخرين. الجلسة كانت تديرها فتاتان واحدة أمريكية من إحدى الجامعات المعروفة والأخرى "إسرائيلية" فكانت هذه هي العلامة الثانية التي تؤكد لي أن الكيان الغاصب يقدّم نفسه في كل المحافل الأكاديمية والمؤتمرات في الغرب وغيره على أساس أنه "دولة طبيعية" ذات بحوث ورسوخ ورصيد علمي و"ديمقراطي" وتجربة يستفيد منها الآخرون في منطقة الشرق الأوسط.. إلخ.  

وبعد وقت تحدثوا في الجلسة بأن اللقاء مفتوح وبأن الجلسة لدراسة فكرة أن يكون هناك نوع من التعاون المشترك بين الحضور من دول "الشرق الأوسط" أو بناء منصة مشتركة لأجل تبادل الخبرات والمعلومات أو تأسس قاعدة بيانات مشتركة للمؤسسات والأعمال .. إلخ.

وبالطبع هنا اتضح بشكل لايقبل الشك وجود نوع من "التطبيع" لهذه الشراكة بين الكيان المحتل وبين شعوبنا العربية والإسلامية، ولكن هذه المرّة على مستوى الأفراد وعلى المستوى غير الحكومي، وهنا أصبحنا أمام ثلاث خيارات:

الأول: أن نسكت ونبتلع هذا "المشروع" ونكون جزءاً من هذا العمل التطبيعي شئنا أم أبينا وبالتالي نتعامل مع المؤسسات غير الحكومية في إسرائيل ومع أفرادها ومجالاتها العامة وكأنها دولة "طبيعية" ذات استقلال وذات سيادة واستقلال وكيان مستقر وذات شرعية مطلقة.. وكأنه نكاح شرعي شهِد عليه أبوهريرة..كمايقال!.

وهذا الخيار لايمكن القبول به على الإطلاق سياسيا وأخلاقياً وثقافياً ودينياً فكل أشكال القبول المطلق تعني الاستخذاء التام وتعني أن نكون أدوات رخيصة في يد الكيان بشكل مباشر أو غير مباشر.

وبالطبع فهناك من يقول بأن "المقاطعة الأكاديمية" عملية غير مجدية لأنها تعني أن نتعامل مع مؤسسات "مستقلة" وأفراد ليس لهم علاقة بالدولة بل قد يكونوا من نقادها، ولكن هذا الكلام لايصح ببساطة لأن الدولة الحديثة بمجالاتها تعني أن هناك مؤسسات غير خاضعة بشكل مباشر للحكومة ولكنها تحت بساطها وتعطيها شرعية بوصفها دولة حرية تسمح بالتعددية وبالمجالات المستقلة وبالبحث الأكاديمي الحر فالقطاع الأكاديمي بهذا المعنى لاشك صيغة غير مباشرة للدولة ومؤسساتها غير الرسمية إذا صحّت العبارة في السياق الصهيوني. فالتطبيع أكاديمياً هو في النهاية تطبيع قد يكون أخطر لأنه يعمل على الصعيد الأخطر الصعيد العلمي والثقافي بين الدول العربية والإسلامية من جهة وبين مؤسسات الكيان المحتل.

الخيار الثاني هو أن تندلق حناجرنا الغاضبة وأن ننفجر غضباً لإدانة كل ذلك وأن نتخذ هذه الجلسة فرصة للتعبير عن قضيتنا وعن موقفنا وكان ذلك سيصبح موقفاً جيداً لولا أن السياق لم يكن مناسباً لأن المجموعات متعددة ولأن الغضب قد يكون في وجه مجموعات أصلاً تتفق مع كثير ممانقول أو بعضه.. وكانت ردة فعل قد لايمكن تقدير عواقبها في المكان والزمان.

فبقي الخيار الثالث وهو أن نتخذ خيار "المقاومة السلبية" أي المقاطعة المدنية بكل هدوء.. ولكنه هدوء صاخب يوصل الرسالة ويقدم رسالة بكل وضوح وبساطة.. وهو على الأقل الحد الأدنى الذي يستطيعه الإنسان في مثل هذه الظروف والمناسبات.

وهذا الذي حصل.

صديقي عبدالعزيز نقر كتفي وعلامات القرف تعلو وجهه.. وقال "ماذا ترى؟ هل نخرج الآن؟" فأجبته "نعم دعنا نفعل ذلك جميعا".. فقمنا بفريقنا ، وخرجنا..

بعدما انتهى الاجتماع عدت للأمريكية التي تشارك بإدارة الحوار لأوصل لها رسالة هادئة..

قلتُ لها:

"أتمنى أن تحذفين اسمائنا ووسائل تواصلنا من أي عمل مشترك أو أي فكرة في هذا السياق"

فردت بلهجة لطيفة متذاكية: "أووه لماذا؟!"

فأجبتها: "لأننا والكثير من أصدقائي هنا نرى أن هذا الشيء (المشترك) هو شكل من أشكال التطبيع بين طرف يحتلّ الأرض ويقيم المستوطنات ويسرق كل شيء يؤسس دولة عزل عنصري وفي ذات الوقت يمتلك كل القوة وتدعمه القوى الكبرى.. وبين طرف يتم كل يوم سرقة أرضه وتاريخه وفي ذات الوقت تتخلى عنه كل القوى العظمى، فأرى أنه من الظلم المشاركة في هذا الظلم"

فردّت بكل هدوء بعدما تبسّمت "أها.. صحيح.. أتفهّم ذلك".

بالطبع لا أعلم هل كانت تجاملني أو كانت بالفعل تؤيدني وفرحت بعملنا لكن هذا الذي حصل على أية حال، وكانت فرصة لممارسة المقاطعة الأكاديمية لإيصال الرسالة ومحاولة دعم الحد الأدنى من القضية الفلسطينية.

 

 

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - محمد الهمامي ًصباحا 08:36:00 2017/05/06

    لله درك أخوك أخوي عبدالله.. لاحرمكم الله الأجر والمثوبة

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف