آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

انتخابات البوسنة.. صعود تاريخي لبيجوفيتش

الاحد 02 ذو القعدة 1431 الموافق 10 أكتوبر 2010
انتخابات البوسنة.. صعود تاريخي لبيجوفيتش
 

انتصار تاريخي .. حقَّقه باكر علي عزت بيجوفيتش (54 عامًا) -نجل الزعيم البوسني الراحل- في الانتخابات الرئاسيَّة التي شهدتها البوسنة يوم الأحد الماضي الموافق 3 أكتوبر 2010م إلى جانب انتخاب برلمان مركزي، وآخر فيدرالي، وثالث في مناطق الأغلبيَّة الصربيَّة، إضافةً لانتخاب رئيس ونائب رئيس كيان صرب البوسنة الذي يطلق عليه "جمهورية صربسكا"، حيث أزاح باكر عضوَ مجلس الرئاسة السابق حارث سيلاجيتش من موقع تمثيل البوشناق في المجلس، كذلك قطع الطريق على رجل المال والأعمال فخر الدين رادونجيتش، والذي حقق بدوره فوزًا تاريخيًّا على المستوى البرلماني، رغم فشله في سباق الرئاسة.

وقد جدَّد الصرب ثقتهم في حزب "اتحاد الاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين" وزعيمه ميلوراد دوديك، على كل المستويات الرئاسيَّة والبرلمانيَّة، حيث تم التجديد لعضو مجلس الرئاسة عن الصرب، نيبوشا رادمانوفيتش، الذي حصل على 49.90% من الأصوات، متقدمًا بذلك على ملادن إيفانوفيتش الذي لم يحصدْ سوى 46.91% كما سيتمكن حزب دوديك من تشكيل الحكومة القادمة في جمهورية صربسكا، داخل البوسنة، مع أحزاب أخرى لتحقيق النصاب.

تنافس راديكالي

وقد شهدت الحملة الانتخابيَّة احتشادًا حزبيًّا وطائفيًّا -لا سيما من العرقيتين الصربية والكرواتية- بينما تحاشى البوشناق الضرب على الوتر الطائفي، واتسمت الحملة الانتخابيَّة للصرب، والكروات، بالتنافس والمزايدة للظهور بمظهر المرشَّح الأكثر راديكاليَّة؛ حيث أعلن الصربُ صراحةً رغبتَهم في الانفصال عن البوسنة، بطرق مختلفة، في حين أكَّد الكروات رغبتَهم في الحصول على كيان خاص بهم في إطار البوسنة، أما المرشحون البوشناق فقد تبارَوْا حول مَن الأصلح لتجميع البوسنة، وإصلاح الدستور، وبناء مؤسَّسات الدولة الواحدة، ووقف المساعي الصربيَّة والكرواتيَّة لتمزيق البوسنة.

من جهته رحَّب الاتحاد الأوروبي وكذلك الولايات المتحدة بنتائج الانتخابات، حيث قالت رئيسة دائرة البلقان في الاتحاد الأوروبي دوريس باك: "نتائج الانتخابات أظهرتْ أن الناخبين يرغبون في اختيار السياسيِّين الذين يقبلون التعاون" في حين قال الناطق باسم البيت الأبيض فيليب كراولي: "ننتظر تشكيل حكومة تقود البوسنة إلى الشراكة الأوروأطلسيَّة".

انتخابات نظيفة

وتعدّ الانتخابات التي شهدتها البوسنة مؤخرًا سادس انتخابات عامة تشهدها بلادهم منذ استقلالها عام 1992م، وكانت معظم مراكز الاقتراع -البالغ عددها 5276 مركزًا- قد فتحت أبوابها في الساعة السابعة صباحًا من يوم الأحد، وأغلقت في الساعة السابعة من مساء نفس اليوم، حيث حقّ لما يزيد عن 3 ملايين ناخب، وتحديدًا 3،126،529 ناخبًا الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات.

فيما أكَّدت رئيسة لجنة الانتخابات "إيرينا حاجي عبديتش" على أن العملية الانتخابيَّة، تمت في كَنَف الهدوء، ولم تشوبها أي أعمال عنف أو تهديدات، وكانت قوات من الشرطة قد رابطت بالقرب من مراكز الاقتراع دون أي تدخُّل يُذكر في عمليات الاقتراع، وقالت الشرطة البوسنية في بيان لها أن "العمليَّة الانتخابيَّة سارت بشكل جيِّد ولم تسجلْ أي حوادث".

وقد جرتْ الانتخابات في ظروف صعبة جدًّا، فهناك أكثر من نصف مليون عاطل عن العمل في البوسنة، و170 ألف طفل -وفق منظمة اليونيسيف- يعيشون تحت خط الفقر، بينما تزيد البطالة عن 35%، حيث تقدِّرها بعض الأطراف بـ 46%.

وذكر تقرير لوزارة الماليَّة البوسنيَّة أن خدمة الديون لسنة 2010م بلغتْ ما يزيد عن 246 مليون مارك بوسني، أي أكثر من 123 مليون يورو، في حين بلغت ديون البوسنة الخارجية 4.5 مليار مارك، أي مليارين وربع المليار يورو.

وكشف تقرير أعدَّه برنامج الأمم المتحدة للتنمية، عن أن واحد من كل خمسة أفراد في البوسنة يعيش تحت خط الفقر، وأن "الفقر يتسع نطاقُه بسبب الأزمة الماليَّة العالميَّة، إضافةً لتداعيات الحَرْب التي لا تزال آثارُها باديةً على السكان، حيث تمثل فئة المتقاعدين نسبة 19.5% من مجموع الحالات التي تعيش تحت خط الفقر، والعاطلين عن العمل 23.4%، والنساء 25.5%".

وقال رئيس جمعية حماية المستهلك البوسنية، مسعود لاكوتا أن "48% من الشعب البوسني يعيشون في دائرة الفقر، بينما هناك 18% يعيشون تحت خط الفقر، وأن 50% من المتقاعدين يحصلون على نحو 160 يورو فقط شهريًّا.

خطاب شوفيني

ورغم أن الكروات لم يتمكنوا من إيصال أيٍّ من مرشحيهم الراديكاليين إلى منصب عضو مجلس الرئاسة، والذي فاز به مرشح الحزب الاشتراكي الديمقراطي بقيادة زلادكو لوجومجيا، جيلكو كومشيتش، بنسبة 60.99% متقدمًا على مرشحة التجمع الكرواتي الديمقراطي، بوريانا كريشتو، والتي لم تحصلْ سوى على 19.48%، والمخضرم مارتين راغوج الذي لم يحصدْ سوى 10.77% ، إلا أنهم جدَّدوا بدورهم الثقة في "التجمع الكرواتي الديمقراطي، برئاسة دراغن تشوفيتش، والذي اكتسح مراكز الاقتراع في مناطق الكثافة الكرواتية، مما يؤكِّد على أن أغلبيَّة الصِّرْب والكروات، يفكرون عرقيًّا رغم ظروفِهم الاقتصاديَّة الصعبة، وليس هناك مجالٌ للتغيير في هذه النظرة على المدى المنظور، بينما ساهمتْ خلافات السياسيين البوشناق حول الوضع السياسي والمعيشي، والرغبة في التغيير مهما كان نوعه في تحقيق الحزب الاشتراكي الديمقراطي تقدمًا كبيرًا على صعيد الانتخابات البرلمانيَّة، وصفه بأنه "الأول من نوعه منذ 1945".

يقول رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي، زلادكو لوجومجيا: "الحزب الاشتراكي الديمقراطي هو الحزب الذي يرغب في وحدة البوسنة، وفي التعاون مع أولئك المستعدين لبناء مستقبل مشترك في هذه البلاد، ومع المستعدين يريدون فتح صفحة تاريخيَّة جديدة في بداية جديدة، ولهذا حصلْنا على دعْم من الناخبين" كما أحدثت تلك الخلافات فراغاتٍ كبيرةً ملأها الحزب الجديد "حزب المستقبل الأفضل" بزعامة رجل الأعمال الناجح، فخر الدين رادونجيتش، والذي اعتبر ما حقَّقَه حزبه "سابقة لم تحدث في أي بلد ديمقراطي من قبلُ".

علي عزت كان حاضرًا

لعلَّ فوز باكر علي عزت بيجوفيتش فسَّره البعض بطريقة غيبيَّة "روح علي عزت بيجوفيتش كانت ترفرف في مراكز الاقتراع، وصوَّت بعضُهم لصالحه في آخر لحظة بعد أن كانت النيَّة متجهة لغيره وفاءًا للزعيم الراحل" حيث حصل باكر علي عزت بيجوفيتش على 34.82% ، أما الذين صوَّتوا لرادونجيتش فقد كانوا غاضبين من صورة لرئيس حزب العمل الديمقراطي، سليمان تيهيتش، وهو يعانق رئيس وزراء "جمهورية صربسكا" داخل البوسنة، ميلوراد دوديك، كما قالت إحدى الناخبات، ووصف تيهيتش الهجوم على مفرزة للجيش اليوغسلافي أثناء الحرب بأنه جريمة حرب، وغضب الناخبين من حزب العمل الديمقراطي؛ لأنه لم ينتخب باكر علي عزت بيجوفيتش رئيسًا للحزب، وغضب بعض الناخبين من باكر؛ لأنه لم يقف موقفًا صلبًا من الخروقات السابقة لثوابت الأغلبيَّة في البوسنة.

وللأسباب السالفة كاد فخر الدين رادونجيتش يفوز بمنصب الرئاسة، ولم يَحُلْ بينه وبين ذلك سوى الأرشيف المشرِّف لعلي عزت بيجوفيتش، ووفاء الناس له "لذلك لم يحققْ رادونجيتش النصاب الكافي ووقف عند 30.74%، وتعد هذه النسبة مرتفعة جدًّا؛ نظرًا لكون رادونجيتش يخوض الانتخابات لأول مرة في حياته كمرشح، وهذه النسبة لم يصنعْها رادونجيتش بمفرده، فقد وقف وراءه رئيس علماء البوسنة، الدكتور مصطفى تسيريتش، والذي كشف بذلك عن قوة المشيخة الإسلاميَّة الكامنة، وقد أدرك الشيوعيون ذلك من خلال مطالبة رئيسهم زلادكو لوجومجيا لهم بأن يعقبوا كلامهم بقول: إن شاء الله!

ولا شك فإن رادونجيتش كصحفي ناجح ورجل أعمال ناجح أغرى الكثيرين بالاعتقاد بأنه سيكون سياسيًّا ناجحًا إذا وصل إلى سدَّة الحكم، أما سقوط حارث سيلاجيتش، والذي جاء في المرتبة الثالثة بعد بيجوفيتش ورادونجيتش، إذ أنه لم يحصلْ سوى على 24.86% مردُّه إلى أن الناس يريدون نتائج وليس مواقف فحسب، كما أن الناس فضَّلوا عليه باكر علي عزت بيجوفيتش، بسبب والده فقط، وهو ما يتحتَّم عليه عدم الانصياع لما يُملَى عليه من داخل الحزب أو من الأطراف الدبلوماسيَّة والدوليَّة عمومًا.

وقد أعلن بيجوفيتش أن أولوياتِه في المستقبل ستكون تحسين العلاقات مع دول المنطقة، ولا سيما دول الجوار، والدول الضامنة لاتفاقيَّة دايتون، و"البِلدان التي نطمح أن يكون لنا معها تعاون اقتصادي وتبادل المنافع سواء بجلب الاستثمارات أو إيجاد فرص عمل لشركاتنا ومواطنينا في نسيجها التنموي".

حارث سيلاجيتش اعترف بالهزيمة المُرَّة في الانتخابات، وشكر الذين جدَّدوا ثقتهم فيه، وهنَّأ باكر علي عزت بيجوفيتش على الانتصار: "أهنئ السيد باكر علي عزت بيجوفيتش على انتخابه عضوًا جديدًا في مجلس الرئاسة" كما أعرب عن أمله في أن تتمكن بلاده من إصلاح الدستور، وتعزيز حضورها في المؤسَّسات والمحافل الدوليَّة" بغض النظر عن شكل الحكومة القادمة، يجب الاستمرار في البحث عن الاستثمارات، وأن لا نخسر الذي لدينا الآن، وأن يزداد الحماس من أجل بوسنة موحَّدة ونامية ومزدهِرَة، تتقدَّم نحو الشراكة الأوروأطلسيَّة".

موقف حزب العمل

وإذا نظرنا في نتائج الانتخابات البرلمانيَّة نجد أن جميع الأطراف راضية عن النتائج، بغضّ النظر عن الاحتفاليَّة الزائدة لبعض الأحزاب، مثل الاشتراكيين، وحزب "المستقبل الأفضل" بزعامة رادونجيتش، فقد فاز حزب العمل الديمقراطي بمنصب نائب رئيس "جمهورية صربسكا" داخل البوسنة، وعبَّر عن رضاه على نتائج الانتخابات البرلمانيَّة، كما أن حزب العمل قد احتلَّ المركز الأول والثاني حسب المحافظات الرئيسيَّة كسراييفو وتوزلا وبيهاتش.

وقال رئيس الحزب سليمان تيهيتش: "نحن راضون عن النتائج التي حقَّقَها حزبنا، فقد كنا في الحكم لمدة 4 سنوات صعبة، وفي وضع اقتصادي سيِّئ، وأزمة ماليَّة عالميَّة خانقة" وتابع: "حزب العمل حقَّق معظم أهدافِه بالحصول على عضويَّة مجلس الرئاسة والإنابة عن رئيس كيان صربسكا" وقال باكر علي عزت بيجوفيتش: "يجب علينا التخلِّي عن سياسة التحدي، وقد حان الوقتُ لوضع البلاد على الطريق الصحيح" وتوقَّع دعمًا قويًّا من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي لعمليَّة الإصلاح في البوسنة، أيضا فقد أعرب عن استعدادِه للدخول في حوار مع جميع الأطراف من أجلِ التقدُّم بالبوسنة إلى برّ الأمان، على حدِّ قوله، وجدَّد اعتمادَه سياسة الخطوة خطوة "ولكن إلى الأمام".

وعن عضو مجلس الرئاسة الصربي قال: "ماذا يمكنُ أن يفعلَ سياسي بسفينة تضمُّ شعبه، نحن نريد الوصول إلى شاطئ الاتحاد الأوروبي جميعًا في أقرب وقت".

ومن المتوقَّع أن يتأخَّرَ تشكيل الحكومة البوسنية، نظرًا لامتناع بعض الأحزاب البوشناقيَّة على الدخول في ائتلاف مع أحزاب أخرى، لتقارب نتائجها من بعضها البعض، بينما سيفرض دوديك نفسه على مستوى الحكومة المركزيَّة، وجمهورية صربسكا داخل البوسنة، وكذلك رئيس التجمع الكرواتي الديمقراطي تشوفيتش على مستوى الحكومة المركزية وحكومة الفيدرالية، حيث نصَّت اتفاقية دايتون على أن البوسنة الموحَّدَة تتكون من كيانين، جمهورية صربسكا، والفيدراليَّة، ولكلا الكيانين حكومة، إلى جانب الحكومة المركزيَّة التي تضمُّ ممثلين من الجميع.

من كواليس الانتخابات

العضو السابق في مجلس الرئاسة عن البوشناق، حارث سيلاجيتش، ذاقَ طعم الخيبة قبل ظهور النتائج، عندما دخل لمركز التصويت بدون أوراق ثبوتيَّة، مما اضطرَّه للعودة للبيت دون الإدلاء بصوتِه، ولم يشفعْ له موقعُه وشخصيته الاعتباريَّة، ومعرفة الجميع لهويتِه، وإنما تمت معاملتُه كأي مواطن، وفق المعايير الديمقراطيَّة، أما حارث سيلاجيتش قال إنه سيخلد للراحة والاهتمام بأسرتِه وأصدقائه بعد خسارة الانتخابات!

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - عامر مساءً 04:15:00 2010/10/10

    نسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين في كل مكان ..... وأن يزيدهم من فضله وفي مقدمة ذلك سعة الصدر طإخواننا في الاسلام اليوم جزاهم الله خيرا

  2. 2 - منيب ًصباحا 01:44:00 2010/10/11

    المسلمون في حاجة لرأب الصدع فيما بينهم ، هناك شياطين من الانس والجن هدفهم تفريق المسلمين بالاشاعات والأكاذيب

  3. 3 - مراجع مساءً 12:32:00 2010/10/11

    السؤال المطروح هو لماذا تركت البوسنة لمصيرها ، وهل نجحت خطط الأعداء في إبعاد المسلمين عن الساحة البوسنية ، شعبيا ورسميا . هناك محاولات لإجهاض الدور التركي في البوسنة . ومن قبله تمت تصفية المؤسسات الاغاثية الاسلامية العربية . ولا تحرك ؟!!!! وإذا كان المسلمون في البوسنة مغلوبون على أمرهم ، فلماذا يسلمون كما لو كانوا هم وراء الاجراءات المعادية للمسلمين غير البوسنيين في البوسنة ؟!!!

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف