مقدمة
شروط المسح على الخفين
صفة المسح على الخفين
أخيراً : إذا لبس أكثر من جورب فعلى أيهما يمسح ؟
مقدمة
إن الفقه في دين الله من أسنى المطالب، وهو علامة الخيرية، مصداق ذلك حديث معاوية -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، وينبغي أن يحرص المسلم على تعلم أمور دينه، ويسألَ أهل العلم عما يشكل عليه، وقد قال الله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، ولو قرأ الواحد منا مسائل كل وقت لحينها لحصّل خيراً كثيراً، فيقرأ مسائل الصوم قبل رمضان، ومسائل الحج قبل الحج وهكذا ..
ومما يحسن ويجمل -ونـحن في زمن الشتاء- التذكيرُ بأحكام المسح على الخفين، فجمعت هنا اثنين وعشرين حكما من أحكام المسح على الخفين، عرضتها بأسلوب ميَّسر علَّه أن يسهل حفظه واستيعابه .
* المسح على الخفين سنة بإجماع العلماء، ولم يخالف إلا بعض أهل البدع .
* وفي الصحيحين عن جرير -رضي الله عنه- أنه بال ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل له : تفعل هذا ؟ قال نعم : رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بال ثم توضأ ومسح على خفيه، قال إبراهيم النخعي : فكان يعجبهم هذا الحديث ؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة . يعني : أن هذا الحكم لم ينسخ بآية الوضوء في سورة المائدة .
قال الإمام أحمد : ثلاثة وسبعون نفساً يروون المسح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
* الخف هو : ماكان من جلد، والجورب : ما كان من صوف وقطن ونحوه، قال بعض الفقهاء : (الجورب ملبوسُ رجل على هيئة الخف، منسوجٌ من قطن أو كتان أو صوف، يسمى في عرف أهل مصر شُرَّاباً ) جواهر الإكليل شرح مختصر خليل.
* الأفضل للمتوضئ أن يمسح على الخفين إن كانتا عليه، وإن لم تكن عليه غسل قدميه، ولم يكن-صلى الله عليه وسلم- يتكلف ضد حاله التي عليها قدماه، وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم رحمهما الله .
شروط المسح على الخفين :
1- أن يلبسهما على طهارة : لما ورد في الصحيحين عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- قال : كنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفر فتوضأ، فأهويت لأنزع خفيه فقال : دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما .
2- أن يكون المسح من الحدث الأصغر : لحديث صفوان بن عسال -رضي الله عنه- قال : أمرنا -صلى الله عليه وسلم- إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم " رواه أحمد وأبوداود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح .
3- أن يكون المسح في المدة المحددة شرعاً : للمقيم يوما وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بليالهن، ففي صحيح مسلم عن علي -رضي الله عنه- قال : جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة أيام وليالهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم .
* اشترط أكثر العلماء أن يكون الجورب ساترا لما يجب غسله، وألا يكون مخرقاً، - والصحيح – عدم اشتراط ذلك، ففي فتاوى اللجنة الدائمة برئاسة الشيخ ابن باز – رحمه الله – : ( يجوز المسح مالم تتسع الثقوب عرفاً، أو تزد الشفافية حتى تكون الرجلان في حكم العاريتين، يرى ماوراءها من حمرة وسواد مثلاً )
* إذا لبس المتوضئ خفه وهو في سفر، ثم رجع إلى بلده فإنه يُتمُّ مسح مقيم، إن لم يكن أتمه .
* ومن لبسه مقيما ثم سافر فإنه يتم مسح مسافر، إن لم يكن أتمه مسح مقيم .
* من صلى ثم تذكر أنه مسح بعد تمام المدة المشروعة للمسح فإنه يلزمه إعادة الوضوء والصلاة .
* هذه نقطة مهمة تشكل على كثير من الناس – وهي بداية مدة المسح : تبدأ مدة المسح من أول مسح بعد الحدث – على الصحيح – لا من حدوث الحدث، ولا من حين اللبس، مثال ذلك : لو توضأ رجل، ثم لبس الجورب الساعة الواحدة ظهرا، وبقي على طهارته حتى الساعة الرابعة، ثم انتقضت طهارته فتوضأ ومسح على خفيه، بدأت مدة المسح، فيمسح حتى الساعة الرابعة من اليوم الثاني .
* قدَّر بعض العلماء مدة المسح بعدد الصلوات أو عدد المسحات – والصحيح – أنه لا يقدر بهذا ولا هذا، بل المعتبر مرور أربع وعشرين ساعة من حين مسح، لما روى عبد الرزاق عن عمر -رضي الله عنه- قال : يمسح عليهما إلى مثل ساعته من يومه وليلته .
صفة المسح على الخفين :
أن يُمِرَّ يده مبلولة على ظاهر قدمه يبدأ من أصابعه إلى أسفل ساقه، ولا يصح أن يمسح أسفل الجورب من باطن القدم، لما روى أبو داود عن علي -رضي الله عنه- قال : لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمسح على ظاهر خفيه .
* لا فرق بين ضم أصابع اليد أو التفريج بينهما عند المسح ؛ لأنه لم يؤثر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- صفة معينة في ذلك .
* يسن البدء بالرجل اليمنى ثم اليسرى لحديث : كان -صلى الله عليه وسلم- يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله .
* لم ينقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كرر المسح على الخف أكثر من مرة .
* من لبس الخف قبل أن يتم وضوءه كأن يدخل رجله اليمنى في الخف، ثم يغسل الرجل اليسرى فإن ذلك لا يجزئ؛ لأن المشترط هي الطهارة المعنوية فلا تتم إلا بغسل القدمين معاً – بتمام الوضوء - .
* من نزع خفيه بعد المسح عليهما – ولو قبل انتهاء المدة المشروعة – فالأحوط له أن يعيد الوضوء لانتقاض طهارته في قدميه، وذهب بعض العلماء إلى استمرار الطهارة .
* من نزع خفيه قبل أن يمسح عليهما فإن طهارته باقية .
* إذا تمت مدة المسح يوماً وليلة فإن طهارته باقية على أصلها ما لم يحدث ؛ لأن تمام المدة ليس حدثا .
* لا يُؤثِّرُ اختلاف جنس الملبوس في المسح، كأن يكون في أحد القدمين جورب من صوف وفي الأخرى من جلد، أو في اليمنى جوربان، وفي الأخرى جورب واحد .
أخيراً : إذا لبس أكثر من جورب فعلى أيهما يمسح ؟
هذا له ثلاثة أحوال :
1- إذا لبس جورباً أو خفاً ثم لبس عليه آخر قبل أن يحدث فله مسح أيهما شاء .
2- إذا لبس جورباً ثم أحدث ثم لبس عليه آخر قبل أن يتوضأ فالحكم للأول، ولا يمسح على الثاني؛ لأنه لبسه على غير طهارة .
3- إذا لبس الجورب، ثم أحدث ومسح عليه، ثم لبس آخر فله مسح الثاني -على القول الصحيح – لأنه أدخله طاهراً، لكن الحكم متعلق بالأول من حيث المدة .
فقهنا الله في دينه، وزادنا علما وعملا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.