الرئيسة » السعـة » رأي
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
الجانب الدعوي في السيرة النبوية [13/22]
الاحد 4 جمادى الآخرة 1429 الموافق 08 يونيو 2008
 
الجانب الدعوي في السيرة النبوية [13/22]

د. محمد بن لطفي الصباغ


إخواني وأخواتي

أبنائي وبناتي

من الصفات التي ينبغي أن يتحلّى بها الداعية الحلم؛ اقتداءً بالرسول العظيم صلى الله عليه وسلم، وهذا الذي نقف عليه في سيرته صلى الله عليه وسلم.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حليماً على أكمل ما يكون الحلم، وتبعه في ذلك الخُلُق الكريم الصحابة رضي الله عنهم.

إن الحلم صفة فُطر عليها بعض الخَلْق المتميزين.. ولكن يمكن أيضاً لمن لم يُوهب هذا الخُلُق أن يَحمل نفسه على التخلُّق به، فالحلم بالتحلُّم كما جاء في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه الذي أخرجه الطبراني والدارقطني بسند ضعيف ونصه:"إنما العلم بالتعلُّم، والحلم بالتحلُّم، ومن يتخير الخير يُعطه، ومن يتوق الشر يُوقه) ولكن معناه صحيح جداً.

لقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغضب:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني. قال صلى الله عليه وسلم:"لا تغضب" فردد مراراً قال:"لا تغضب" رواه البخاري برقم(6116).

وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" رواه البخاري(6114) ومسلم(2609).

وكان صلى الله عليه وسلم لا يغضب لنفسه أبداً، وكان يتحمَّل ما يلقى من الكافرين، ويأبي أن يدعو عليهم، وإنما كان يقول: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" .

ويتحمل ما يلقى من الناس؛ ذلك لأن الناس فيهم اللطيف الرفيق، وفيهم الفظ الغليظ:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان لرجلٍ على النبي جمل من الإبل، فجاءه يتقاضاه فأغلظ له، فهم به أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"دعوه، فإن لصاحب الحق مقالاً، واشتروا له بعيراً مثل سنه فأعطوه إياه". قالوا: يا رسول الله. لا نجد إلا أفضل من سنه. فقال صلى الله عليه وسلم:"اشتروه فأعطوه، فإنّ خيركم أحسنكم أداء". فقال الرجل: أوفيتني أوفاك الله" . رواه البخاري في ثمانية مواضع من صحيحه. انظر(2305) ورواه مسلم (1601).

وكان يصدر من بعض الناس تصرفات نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم غير لائقة، فيصبر على ذلك، ومن ذلك أن ناساً من الأعراب جاؤوا ينادون رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات بأسلوب بعيد عن الأدب، فأنزل الله تبارك وتعالى سورة الحجرات يذمهم، ويرشدهم إلى الأدب في ذلك، قال الله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" [الحجرات: 4-5].

والحلم يحبه الله كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد القيس: "إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة" رواه مسلم برقم(17)، والترمذي برقم(2011).

وأحداث حياته الشريفة كلها في الدعوة إلى الله هي شواهد على تحليه بالحلم في أكمل صوره صلوات الله وسلامه عليه.. ونكتفي بذكر بعضها فيما يأتي:

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:

لما كان يوم حنين آثر النبي صلى الله عليه وسلم أناساً في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى أناساً من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة. فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله. فقلت: والله لأخبرن النبي صلى الله عليه سلم، فأتيته فساررته وأخبرته، فغضب غضباً شديداً حتى رأيت الغضب في وجهه الذي تغير واحمر، حتى وددت أني لم أكن أخبرته ثم قال:

"فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر" وفي رواية: قلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثاً. رواه البخاري (3150) وفي مواضع عدة. ورواه مسلم(1062).

ويحسن بنا - وقد ورد هذا الحديث في سياق غزوة حنين- أن نورد موجزاً لها ففيها دروس وعبر تتصل بموضوع الدعوة:

بعد الفتح الأعظم وهزيمة الوثنية في مكة دخل العرب في دين الله أفواجاً، غير أن قبيلتي هوازن وثقيف لم تكونا في بادئ الأمر في هذا الاتجاه، بل لقد اجتمع الكبراء منهما، وبحثوا، وأجمع أمرهم على أن يغزوا النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ولوا رياستهم مالك بن عوف النضري، فاجتمع له من القبائل جموع كثيرة.. وقد أمر مالك بن عوف الناس أن يأخذوا معهم نساءهم وذراريهم وأموالهم من الإبل والشاء والدراهم لكيلا ينهزم أحد.

وسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثني عشر ألف مقاتل، منهم ألفان من أهل مكة، والباقون هم الذين أتوا معه من المدينة من المهاجرين والأنصار، وقد أعجب المسلمون بكثرتهم فلم تغن عنهم شيئاً؛ قال الله تعالى: "لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ" [التوبة: 25-26].

وتعرضت مقدمة جيش المسلمين إلى هجوم من قبل كمينٍ كان مختبئاً في شعاب الوادي ومضايقه، ورماهم الأعداء بنبلٍ شديد، فلووا أعنة خليهم متقهقرين، وتبعهم الناس في الهزيمة.. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبت على بغلته في ميدان القتال، وثبت معه قليل من المهاجرين والأنصار، وكان ينادي: "إلي أيها الناس" ويقول:"أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" ويدعو:"اللهم نزّل نصرك..." ثم أخذ حصيات فرمى بهن في وجوه الكفار وقال:"انهزموا ورب محمد" .. وانهزموا فعلاً.. ثم ولوا الأدبار، ومازالوا يفرون حتى وصلوا الطائف، فدخلوا حصنها تاركين أموالهم التي ساقوها معهم غنيمة للمسلمين، يذكر أنه كان في ميدان المعركة أربعة وعشرون ألفاً من الإبل، وأكثر من أربعين ألفاً من الغنم، وأربعة آلاف أوقية من الفضة.

وشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوزع الغنائم كما مر بنا في حديث عبد الله بن مسعود يعطي المؤلفة قلوبهم.. وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في قوله: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكب في النار على وجهه" رواه مسلم (150).

وأكبّ عليه الأعراب يقولون: يا رسول الله اقسم علينا فيئنا، فقال صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس والذي نفسي بيده لو كان عندي عدد شجر تهامة نَعَماً لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً"رواه البخاري (3148).

ثم قام إلى بعير فأخذ من سنامه وبرة ثم رفعها وقال: "أيها الناس. والله مالي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم" رواه الحاكم وغيره.

لقد وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلمه وكرمه في هذه الغزوة جشع كثير من الأعراب وغيرهم في سبيل تألفهم وهدايتهم، والملاحظ أن الذين فروا وانهزموا أول الأمر هم الذين أقبلوا يطلبون، وقد استجاب النبي صلى الله عليه وسلم لطلبهم تألفاً لهم وتكرماً منه صلى الله عليه و سلم. ولم يعاتبهم على فرارهم أول المعركة ولم يعاقبهم، وقد اقترحت عليه أم سليم أن يقتلهم فأبى ذلك. روى الإمام أحمد بسند صحيح أن أبا طلحة لقي زوجته أم سليم ومعها خنجر. فقال لها: ما هذا؟ قالت: إن دنا مني بعض المشركين أبعج بطنه، وذلك في معركة حنين. فقال أبو طلحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أما تسمع ما تقول أم سليم ؟ فضحك النبي صلى الله عليه وسلم. فقالت أم سليم: يا رسول الله أقتل الطلقاء الذين انهزموا بك، فقال صلى الله عليه وسلم:"إن الله قد كفى وأحسن يا أم سليم".

وكان لعطاء النبي الأثر الكبير في هدايتهم، قال صفوان بن أمية: مازال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إلي، حتى ما خلق الله شيئاً أحب إلي منه. رواه مسلم(7/75) برقم(2313).

كان صلى الله عليه وسلم يعطي قوماً دخلوا في الإسلام حديثاً يريد أن يثبتوا على الحق وأن يتألفهم، ويدع أقواماً قد رسخ الإيمان في قلوبهم فيكلهم إلى هذا الإيمان القوي.

عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أعطي قريشاً أتألفهم لأنهم حديثو عهد بجاهلية"رواه البخاري(3146).

وعن عمرو بن تغلب رضي الله عنه قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً ومنع آخرين. فكأنما عتبوا عليه. فقال: "إني أعطي قوماً أخاف ظلعهم وجزعهم، وأَكِلُ أقوماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغناء، منهم عمرو بن تغلب" فقال عمرو بن تغلب: ما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم. رواه البخاري برقم(3154).

وكان لبعض الأنصار موقف فيه عتب أنهم لم يعطوا مثل ما أعطي غيرهم، فلما بلغت مقالة الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم كان تصرفه تصرف الحليم الحكيم الودود الوفي الرؤوف الرحيم الداعية:

روى البخاري وغيره أن ناساً من الأنصار قالوا حين طفق النبي يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشاً ويدعنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم.

قال أنس: فحُدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم لم يدع معهم أحداً غيرهم فقال:

"ما كان حديث بلغني عنكم ؟" فقال له فقهاؤهم: أما ذوو الرأي فينا فلم يقولوا شيئاً، وأما أناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشاً ويترك الأنصار وسيوفنا تقطر من دمائهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني لأعطي رجالاً حديث عهدهم بكفر. أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعوا إلى رحالكم برسول الله ؟ فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به" قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا. رواه البخاري (3147).

وقال أيضاً في هذا الاجتماع:

"يا معشر الأنصار. ألم آتكم ضُلالا فهداكم الله ؟ وعالة فأغناكم الله ؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم ؟" قالوا: بلى يا رسول الله. قال:"ألا تجيبون يا معشر الأنصار ؟" قالوا: وما نقول يا رسول الله وبماذا نجيبك ؟ المن لله ورسوله. قال صلى الله عليه وسلم:"والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم: جئتنا طريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك، وخائفاً فأمناك، ومخذولاً فنصرناك" فقالوا: المن لله ورسوله. فقال صلى الله عليه وسلم:"أوجدتم في نفوسكم _ يا معشر الأنصار _ في لعاعة(1) من الدنيا تألفت بها قوماً أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام أفلا ترضون _ يا معشر الأنصار _ أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم ؟ فو الذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعباً، وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار".

فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا بالله وبرسوله قسماً. رواه أحمد (3/76) وانظر سيرة ابن هشام (4/142).

أرأيت يا أخي كيف كان حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وكيف كان صبره على ما يلقى من الناس ؟ وكيف كان حواره مع العاتبين ؟ فقد سمح لهم أن يقولوا مقالتهم أمامه.. ثم ذكر أنهم يستطيعون أن يقولوا قولاً أكثر مما قالوا ويصدقوا فيه.

ولكنه ذكَّرهم بأن إلى جانب ما يقولون -وهو حق وصدق- هناك جانب آخر.. صحيح أنه كان طريداً فآووه، وصحيح أنه كان فقيراً فآسوه، وصحيح أنه كان مخذولاً فنصروه. ولكن أليس هناك جانب آخر: ألم يكونوا في ضلال مبين فهداهم الله به ؟ أولم يكونوا أعداءً فألف الله به بين قلوبهم ؟

ثم ذكّرهم بأنهم سيعودون بأعظم غنيمة، وهي أكبر من الإبل والغنم.. سيعودون إلى رحالهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أعظمها من غنيمة.

وبذلك الحلم والرعاية والتودُّد والوفاء انتهت هذه المشكلة. ولله الحمد والمنة.



|1|2|3|4|5|6|7|8|9|10|11|12|13|14|15|16|17|18|19|20|21|22



(1) اللعاعة: نبت ناعم في أول ما يبدو لا قيمة له ولا بقاء له .

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم