على الداعية أن يتصف بالصفات التي تمكّنه من بلوغ غرضه، وهذه الصفات موجودة على أتمّ صورها في سيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.. الأسوة الحسنة للمؤمنين.
ومن هذه الصفات الكرم والتواضع.
والأحاديث التي نقلت إلينا شمائل النبي صلى الله عليه وسلم والتي تصوّر كرمه وتواضعه كثيرة جداً، وسأورد بعضها بعد أن أبيّن أهميّة اتصّاف الداعية بهاتين الصفتين.
إنّ الناس يحبّون الكريم ويستجيبون لدعوته، أما البخيل فإنّ الناس يكرهونه ولا يقبلون منه شيئاً.. وكذلك الأمر بالنسبة للمتواضع فإنّ الناس يحبونه ويتعلقون به، أما المتكبر فإنّ الناس يكرهونه ولا يقبلون منه شيئاً.
إنّ إطعام الطعام والكرم من الصفات التي دعا إليها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقرى الضيف من سنن الإسلام، بل جعله رسول الله حقاً من حقوق الضيف، وربط بينه وبين الإيمان بالله واليوم الآخر.
عن خويلد بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام ".
رواه البخاري(6019) ومسلم(48) وأبو داود(3748) والترمذي (1968)وغيرهم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"للضيف على من نزل به من الحق ثلاث". رواه أحمد وأبو يعلى(10) برقم(6134).
وسن النبي صلى الله عليه وسلم وليمة الزواج، والعقيقة للمولود..
إنّ هذه السنن وأمثالها عندما يقوم بها المسلم يكون قد تحلى بصفة الكرم، وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الكريم وذم البخيل.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جُبّتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثُديّهما إلى تراقيهما: فأمّا المنفق فلا ينفق إلا سبغت على جلده حتى تُخفي بنانه وتعفو أثره. وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئاً إلا لزقت كل حلقة في مكانها، فهو يوسعها ولا تتسع".
قال أبو هريرة:فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بأصبعه هكذا في جيبه فلو رأيته يوسعها ولا تتوسع. رواه البخاري(1443) و(5797) ومسلم (1021).
ونستطيع أن نعرض هذه الصورة الرائعة كما يأتي:
هناك رجلان: أحدهما بخيل لا ينفق ولا يتصدق على الآخرين، بل ولا يسخو على نفسه وأسرته بالطيبات من الطعام، ولا بالفاخر من اللباس، ولا بالمريح من المسكن والمركب، مع غناه الواسع.
وثانيهما كريم ينفق ويتصدق على الفقراء، ولا يحرم نفسه وأسرته مما أحلّ الله له من الطيبات من طعام وملبس ومسكن، ولا يسرف ولا يبذر رجلان عاريان إلا من قميص قصير من حديد، من الكتف إلى الثدي، وهو بعد ذلك ضيق أشد الضيق، قد اضطر يدي كل منهما إلى أن تكونا على كتفه من الأعلى، وعلى الثدي من الأسفل. لا يتحركان إلا بصعوبة.
هذا الجانب من التشبيه يشير إلى أن هناك ضرورات لا بد من قضائها، يستوي فيها الغني والفقير، والجواد والبخيل. إن كلا منهما لا بد له من أن يأكل ويشرب حتى يبقى حياً، ولا بد له من مأوى يقيه حر الصيف وبرد الشتاء، ولا بد له من لباس يدفع عنه تأثير العوامل الخارجية.. فأشد الناس بخلاً ينفق على هذه الضرورات ما يسدّها وما يقيم أوده، ثم لا يجود بعد ذلك بشيء مهما قلّ.
أما المتصدق الكريم فإنه ينفق من ماله ويبذل مما آتاه الله، فسرعان ما تنبسط حلقات الجبّة، وتطول حتى تعفو أثره إذا مشى، وتغطي بنانه.
وأما البخيل فيبقى في إنفاقه في حدود الضرورة لا يجاوزها إلى غيرها، فلا يجود بشيء.. وقد يريد أن يبذل.. ويحاول ذلك ولكنه يخفق في محاولته، وتنهزم إرادته أمام الشح فيه، فتبقى حلقات الجبة على ما هي عليه، بل تزداد ضغطاً، ويبقى الرجل مكشوف العورة أمام الناس.
إن الإنفاق يستر العيوب والمساوئ كما سترت تلك الجبة جسم الرجل الكريم ولله در القائل:
ويُظهـر عيـب المرء في الناس بخلُه |
|
ويســتره عنــهم جــمــيـعاً ســـخـاؤه |
تغــطَّ بأثـــواب الــسخــاء فــإنــنــي |
|
أرى كلّ عيب والــسخــاء غــطــاؤه |
فالداعية إلى الله ينبغي أن يكون جواداً وفْقَ إمكاناته المادية، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وأن يكون متعففاً عن عطايا الأغنياء والحكام.
فلقد جاء حين من الدهر كان بعض القصاص يتخذون الوعظ وسيلة إلى الارتزاق والشحاذة.. وهذا ينزل بمكانة الرجل إلى الحضيض.
وما أعظم هذه الكلمة النبوية الصحيحة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ازهد في الدنيا يُحبَّك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يُحبَّك الناسُ". رواه ابن ماجه(4102) والحاكم (4/313) وهو حديث صحيح.
ولو نظرنا في تاريخ الدعاة إلى الله لوجدنا أنّ الناجحين في هذه المهمة كانوا يترفّعون عن العطايا، بل كانوا يبذلون ما في وسعهم، ويسعون في قضاء مصالح الناس.
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحبُّ العباد إلى الله تعالى أنفعهم لعياله" صحيح الجامع الصغير (172)، وقال: "أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً. ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليّ من أن أعتكف في المسجد شهراً.. ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله قدمه يوم القيامة يوم تزل الأقدام". صحيح الجامع الصغير(176).
وقد عَرَف بعض دعاة الشر والانحراف هذه الحقيقة فصاروا يتظاهرون بالزهد والبعد عن عطايا الناس، فأقبل عليهم بعض البسطاء من الناس وخُدعوا بهم. فالكرم له أثر كبير في نجاح الدعوة.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس.. يقول ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريل بالوحي فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود من الريح المرسلة. رواه البخاري(1902) ومسلم (2308).
ويقول جابر رضي الله عنه: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط فقال: لا. رواه البخاري (6034)، ومسلم (2311).
وسأل رجلٌ النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه غنماً بين جبلين، فأتى قومه فقال:يا قوم أسلموا فو الله إن محمداً يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة. وقال أنس:إن كان الرجل ليجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يمسي حتى يكون دينه أحبّ إليه من الدنيا وما فيها. رواه أحمد (3/284)،ومسلم (2312).
ومما يدفع المؤمن إلى البذل والإنفاق إيمانه بوعد الله أن يخلف على المنفقين ما أنفقوا، وذلك في قول الله تعالى: "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين" [سبأ:39] وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً". رواه البخاري (1442)، ومسلم(1010).
وهكذا فإن الكريم ينال ثواب الله، وينال الخلف، ويحبه الناس، أما البخيل فإنه يحرم الثواب، ويتعرض ماله للتلف ويخسر مودة الناس.
والكرم المطلوب في الداعية ليس مقصوراً على إطعام الطعام، وإنفاق المال، بل هناك أنواع من الكرم. كالشفاعة لصاحب حق، أو إغاثة ملهوف، أو تعليم جاهل، أو إماطة الأذى عن الطريق:
عن أبي موسى رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: "اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء". رواه البخاري (1432)،ومسلم(2627).
ها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على الشفاعة بصورة عملية، فكان إذا أتاه طالب حاجة يقبل على أصحابه قبل أن يقضي حاجته ويقول لهم: "اشفعوا تؤجروا".
والداعية جدير بأن يكون من أحرص الناس على الشفاعة.. فكم من إنسان ضاع مستقبله وتحطمت آماله لأنه لم يجد الشفيع الذي يتوسط له لإحقاق الحق ودفع الأذى.
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله. أيُّ الأعمال أفضل ؟ قال:"الإيمان بالله والجهاد في سبيله". قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: "أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمناً". قلت: فإن لم أفعل؟ قال: "تعين صانعاً أو تصنع لأخرق"قلت: يا رسول الله أريت أن ضعفت عن بعض الأعمال؟ قال: "تكفّ شرّك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك".
رواه البخاري(2518)،ومسلم (84).
والأخرق: الذي لا يحسن فعل شيء.
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة" رواه البخاري (2442) ومسلم (2580).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".
هذه ألوان يمكن أن نعدها من الكرم وهناك غيرها وكلها تنتظم في إكرام الداعية من حوله من الناس بأنواع من الإكرام، والداعية إلى الله أحق الناس أن يدرك هذه الحقيقة، وهي أنّ المال عَرَضٌ زائل، سيزول عنه إلى غيره، فلماذا لا ينتفع به قبل أن يؤول إلى غيره.. ينتفع به في دعوته إلى الله فيقبل الناس عليه ويستجيبون له، ولأن يهدي الله بالمرء رجلاً واحداً خير له من الدنيا وما فيها.
|1|2|3|4|5|6|7|8|9|10|11|12|13|14|15|16|17|18|19|20|21|22