غزة تحترق بنيران الحقد الصهيوني، وتستبسل صبراً ومقاومة، على الرغم من كل الصعاب الهائلة التي اجتمعت على هذا الشعب المحاصر الأعزل المحروم من حقوقه المشروعة في كل الأنظمة والمواثيق العالمية. تصبر غزة على ظلم ذوي القربى، وتصبر على غزو غاشم فتّاك يأتيهم من فوقهم ومن أسفل منهم، مع نفاد الإمدادات وانقطاع شريان الحياة عنهم، (إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً). [الأحزاب:10-12]. صدق الله تعالى.
فالمشهد في الأحزاب يتكرر في صوره وكثيرٍ من أحواله مع ما يجري لأهل غزة، فمع انقطاع أسباب المدد الدنيوي وضعف الناصر البشري، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الأحزاب كان يبشر أصحابه بالنصر والتأييد من الله تعالى، ويفتح لهم باب الفأل المضيء والمعلن انبثاق الفجر الصادق وسط الليل البهيم، فبشرهم بالفتح العظيم وسقوط أعظم الأنظمة و الإمبراطوريات في عهده أثناء حفر الخندق، ولما أتاه غدر يهود بني قريظة، وتكشّف المسلمون من كل مكان وعَظُمت المصيبة تقنّع بثوبه عليه الصلاة والسلام، فاضطجع، ومكث طويلاً حتى اشتد على الناس البلاء، ثم نهض مبشراً يقول: "الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره".
واقتداء بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وانتهاجاً لدرب النصر المؤزر بإذن الله، وإعمالاً لسنن التغيير في تبديل الأحوال والظروف، أسوق بعض المبشرات التي أقرأها من سياق الواقع المرّ للأحداث من خلال المعالم التالية:
1- أعتقد أن المواجهة البرية والجوية والبحرية مع ما فيها من كوارث مدمرة إلاّ أنها ألهمت أبناء غزة قوة وشجاعة واستمراراً في الصمود، وفي المؤشرات العسكرية يبدو هذا غريباً مستحيلاً، ولكنْ هناك ارتباطٌ بدأ يقوى بحبل الله، والتجاءٌ بدا يشتد مع الله تعالى، لذلك أعتقد أنهم يحصدون نتائج هذا اليقين بالله من خلال مشاهد الصمود السعيد؛ انتظاراً لوعد الله لهم بالتمكين في الأرض، وفي هذا يقول الله تعالى : (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً). [الأحزاب:22]. وبالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين، كما يقول سفيان الثوري رحمه الله.
2- بالنظر في توقيت الحملة الصهيونية وبدئها يوم السبت المقدس عندهم، فإن لأهل غزة صمودهم المستلهم من توقيت الغزو في شهر الله المحرم، واليوم أكتب هذا المقال في ذكرى عاشوراء النصر التي أهلك الله فيها فرعون وجنوده ونصر موسى وقومه، بعد أن حاصرهم العدو فلم يبق لهم إلاّ البحر أو القتل ( فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ). [الشعراء:61-63]. وهذه القاعدة الربانية تبين أن استكمال عدة اليقين بالله تعالى هو في الواقع نصر من الله تعالى لعباده المؤمنين.
3- خرجت الجماهير الغفيرة من كل الأديان والملل في العالم كله تستنكر هذا العدوان الغاشم، ولم يؤثر فيها ما صنعته الآلة الإعلامية اليهودية، وحاكته من عقود طويلة من تغيير الحقائق، واتهام المقاومة بالإرهاب، والغزو والاغتصاب الصهيوني بالدفاع المشروع؛ فالجماهير وإن كانت غاضبة ومنفعلة، ولكنها في استنكارها وغضبها في منتهى العقلانية والتمييز بين طغيان الصهاينة وحقوق الشعب الفلسطيني. وهنا أتذكر قصة أصحاب الأخدود كيف أراد الملك أن ينتصر على الغلام الأعزل ويقتله، وأراد بقتله انتهاء دين الغلام من غير رجعة، ولكن جموح الملك في قتل الغلام بأي وسيلة كانت، هي التي جعلت الغلام في الحقيقة ينتصر بعد موته، ويشهد على ذلك كل جماهير الملك الذين جمعهم لرؤية المشهد الصريح، فيدخلون جميعهم في دين الله أفواجاً، ويصبرون على كل المحن؛ لأن حقيقة الإيمان تجلت يوم غابت عن عيون الظالمين. (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ). [الشعرا: 227].
4- لا تزال جموع المسلمين في كل مكان تعبر عن رأيها، وتنفق مالها، و تبذل قصارى ما تستطيعه لغزة وأبنائها الأبطال؛ على الرغم من الخنوع الطويل الذي كبّل انفعالاتها، والأزمة المالية التي ضربت اقتصادياتها، والأجواء المعتمة والباردة من حولها، ولكن أحداث غزة فجّرت الدم في عروق جسد الأمة الذي نام دهراً طويلاً، وحركت الحياة في أطراف الجسد الواهن منذ زمن، وهذا ما أخبر عنه المصطفى عليه الصلاة والسلام في قوله: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". وقد شاهد العالم تنادي أعضاء الجسد، ورأينا الحمى والسهر من خلال صور الدعم والتعاطف والتراحم الكبير، وهذا أول مراحل عودة القوة والحيوية والحراك الرشيد لجسد الأمة المباركة.
والله تعالى أسال أن ينصر إخواننا في غزة، ويربط على قلوبهم؛ فالنصر صبر ساعة، وإن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله مالا يرجون.