الرئيسة » مقالات » اتجاهات فكرية
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
الوئام الفكري
الاحد 1 ذو القعدة 1428 الموافق 11 نوفمبر 2007
 
الوئام الفكري

أحمد العبد القادر

إن اشتعال الأزمات وانفعالها، وجِدة ظهورها، واضطرام مكنوناتها، ومجابهة وقع نصالها وآثارها، ينضوي عن اجتماع كافة المكونات الدافعة والفاعلة في المجتمع من كافة المهتمين والمتخصصين، للنظر في هذه الوقائع وتمحيص دوافعها، وتكييفها وفق الأنماط الملائمة، ومحق البوائق المنصرمة منها، وتذليل حموها لجني ثمرات من نثارها، وهذه إشارة كفيلة بالالتفات والعناية بأي مستجدات ينبعث إزاءها الاهتمام الكلي من جميع أطياف الأمة، وهو ما ينبئ عن ركيزة هامة وضرورية؛ تتمثل في التواصل والالتقاء الفكري.

فإن المرء ينأى بنفسه - أياً كان نهجه؛ فكرياً أو شرعياً أو سياسياً أو اقتصادياً، وأياً كان مساق طرحه؛ نخبوياً أم فئوياً عامياً -، أن ينزوي عن أداء دوره الكامن والمؤثر في المنظور التوجيهي والفكري والقيادي على الصعيد المتبحر فيه، والمحيط النابع من حوله، فنراه يتفاعل مع كافة الظروف، ويشحذ الهمم للتعامل مع مناطات الأحداث، فيأبى أن يعيش تحت الظل، ويهرجن تحت وطأة الخمول، ويستكين بين الدعة والجمود، فيسعى وبجدة أن يعمد إلى مكانته وبصبابة مراده، وبرغبة حازمة وقّادة، فيرشد إلى أمره ومكانته، ويتناول كافة المعطيات والمحاور ومستجدات الأحداث، والذي يخوله تسليط الرؤى والأضواء حول شتات من القضايا والأطروحات، لها اتصال باختصاصه، واحتدام بقراءاته ومطالعاته، وهو مجال حتمي للبعض أن يطرق أبوابه ويسلك دروبه؛ تنامياً مع وقائع الأمور المنسوجة في بوتقة حياته ومن حوله من فئام المجتمع. وفي لحظة عابرة، يتدافع السؤال عن التواصل الفعلي والبناء بين النخب الثقافية والعالمة، وبين محيطهم من الفئة المجتمعية النهمة؟ وامتزاج الأجوبة والتجارب، ودعم سبل التفاعل بينهما، وتقريب التناسق في الأهداف والغايات؛ إذ بهما تمضي سفينة المجتمع ماخرة عباب الأحداث بكافة تصعيداتها المحلية والعالمية، وبالتكامل المنسجم بينهما تسير متسقة راكدة على المستجدات بوثوق وعطاء، ومكنة فاعلة وإباء، بل بتمام التعاون والتناسق بين هاتين الشريحتين المتناميتين، وبنأي المفاركة بينهما يرقي الفكر المجتمعي، وينهض وعيه، وتتوثق عرى تواصله، وتحبك قوته وصموده، وتفشو بينهما لغة الحوار المثمر، وتجتنب المؤثرات الدخيلة، وتضمر حالة الاستلاب بالوافدات المادية الموغلة، بجسارة تماسكها ودعم التلاقي والتواصل بينها، بل ويؤول مسار ذلك كله إلى دعم القوة المجتمعية وتصعيد تأثيرها على كافة الساحات، فيبدو مجتمعها مجتمعاً فاعلاً، لا يغط في نومه، ولا يترنح في غموضه وتهاونه، وهي من مناجم فضائل الوصال ودحر الانفصال.

تطفو في الأجواء هالة مربكة من الانفصام بين هذه الفئات السائرة بالأمة إلى مراقي صعودها، وسطوع نجمها، فتبدو الوشائج بينهما في حالة من التذبذب وكثير التردد من نواحي الالتقاء، على الرغم من الحاجة الماسة لهذه الالتفاتة كتعطش الأرض الجدباء للسحاب؛ لينهمر من المزن غيثاً تثري معه العطايا، وتصبو بالقواعد المتلائمة، وقلما يفشو التناسق والتواصل، على الرغم من أن قنوات الاتصال ومنابعها باتت من اليسر بما كان لتصعيد الانطلاقة الفكرية المشتركة على مستوى التكامل والتعاون والتواصل، في سبل النأي عن الاجتهادات الفردية الدائرة على رحى العشوائية والضبابية المتكلفة.

وعند الترقب لا تتسمر جادة التواصل بين هذه النخب إلاّ على بطحاء الأزمات واندلاع المحن والمشكلات، وتكالب الظروف وتلوي المنحنيات، مما يربك العديد من الحلول والمخرجات الناجمة من المعطيات المندلعة والوقائع المتداعية، ويخلق في صعيد منها واقعاً متشاحناً يسوده شيء من التضارب والتنافر والتلاوم، وتتسع معها دوائر الاختلاف والإحن المتصاعدة. إن كثيراً من المعضلات نعيش شيئاً من نزقها جراء غياب هذا الالتقاء بين هذه النخب، وانفراد كل منها في تقديم الحل الفريد الأوحد لأي نازلة، وإن حوى في إطلالة منه على إثراء فكري متنامي وفشو عدد من الحلول والدراسات، بعضها قد تكون استباقية ذات وجهة استشرافية مستقبلية، إلاّ أن المنحنى لدى بعض هذه النخب لا يزال يسوده النزعة الذاتية في دراسة النوازل المحفوفة في المجتمع حسب البيئة والنطاق ذات النظر والتأمل، وهي إن سلمت في بعض فهي تطفح في أخرى.

و على الرغم من أن البواعث الحافزة لتحقيق هذا التواصل مؤهلة وحاضرة تكمن في الغايات والأهداف ؛ كتحقيق العبودية للباري سبحانه وتعالى ، والسمو بالمآلات والمقاصد الشرعية على جادة الواقع، وعمارة الأرض والقيام بأعباء الخلافة فيها (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) [الأنعام : 165] ، وتظهر في تماثل الوسائل والآليات؛ كالخطاب الوعظي والمنبري عبر المحاضن الدعوية في المساجد، ونشر الكتب والمؤلفات، وإشاعة الملتقيات الثقافية والإرشادية، ففي تبديد مثل هذا التلاحق في غزل نسيج المجتمع نقض له، وهدر لكثير من الطاقات وتبديد لعدد من المجهودات التي تقوم في فلاة الارتجالية أو في إطار النخبوية التنسيقية، وفي الخصوص ما يجر من تحجيم قدر المشاركة بين كافة أطياف الأمة إلى خلق حالات متنافرة مضطربة ومتنباعدة من الفتور والخمول والنشاط والحماس والضمور لدى بعضها في تناول شتات من القضايا والسجالات المدلهمة، وكفانا هذه الدرة النبوية التي تحيط بكافة الأعناق "مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر" .وللغاية تلك؛ تحفز وسائل التواصل، وتُستنفر قنوات التفاعل، وتُحضر أساليب التكامل للتمهيد لحيز مشترك يجلو في الآفاق، متنام في الإسهام الإبداعي والحضاري والعلمي والفكري، لا تعكر صفوه غضاضة خلاف محمود، ولا تنزعه من بوتقة التداعي تناحر مذموم ذي جمود، عساه أن يحوز بنا إلى حوزة الوئام الفكري المنشود.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم