الرئيسة » مقالات » اتجاهات فكرية
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
مستقبل العمل الدعوي
السبت 26 صفر 1430 الموافق 21 فبراير 2009
 
مستقبل العمل الدعوي

د. هاني بن عبدالله الجبير

لا نكاد في هذا العصر نختلف في وجود التطور والتغير الواضح المطّرد في كثير من المعالم والقناعات، فضلاً عن الصناعات والتقنيات، وهذا -لا شك- مما دعا بكثير من المهتمين إلى تأكيد المبادرة إلى العناية بدراسة المستقبل دراسة مستفيضة، وهو الجانب الذي أغفلته- أو غفلت عنه- الأمة، مع اهتمام العالم به من حولها، واستثمارهم له.

ومع أهمية دراسة المستقبل – وهو ما سبق أن تناولته في بحث مستقل- إلاّ أنَّ دراسة المستقبل اختصَّ في دوائر البحث ومعاهده على دراسة أوضاع المجتمعات ماليًّا وسياسيًّا وعسكريًّا في الغالب، وكان نصيب الجوانب الأخرى أقل عناية واهتمامًا.

ومن هذه الجوانب التي لم تولَ اهتمامًا -مع اختصاصها بالمسلمين- مستقبل العمل الدعوي، والشأن الديني، والذائقة الدعوية..

فإننا نلاحظ -دون إشكال- تغيّرًا في نطاق الاهتمامات الحياتية لدى الناس، وما يعنيهم معرفته والإلمام به، وسوق الأسهم، والاهتمام بالفتاوى المتعلِّقة بكل شركة شاهد على ذلك، ودليل على حصول التغيّر الذي أقصده.

كما أن درجة ومستوى الوعي الشرعي تفاوتت واختلفت، زيادة على ما أتاحته وسائل الاتصال الحديثة من زيادة الاطلاع على اختلاف المفتين، وتعدُّد الاجتهادات، وتنوُّع الآراء مع صدورها من جهات دينية محترمة.

أضف إلى ذلك أن المستوى الإيماني تفاوت فيه الناس، وتغير مستوى التعلق بالله تعالى، كما أنّ الذائقة الدعويَّة والأسلوب التخاطبي فيه قد اختلف، وهذا ما نشاهده من ارتياح المدعوين لمتحدِّث معيَّن، وانصرافهم عن متحدِّث كان يلهب القلوب في زمن مضى، وذلك لما في أسلوب الأول من اتفاق مع الأوضاع والحاجات التي استجدّت للناس.

ولا  أظن أني بحاجة للتأكيد بزيادة الاستطراد في عرض الأمثلة؛ إذ هو واضح ظاهر، والتفاوت فيه صار سريعًا، والتغيّر والتقلب يزداد وضوحًا.

ولما كان هذا هو الواقع الآن، صار على الداعية أن يكوِّن نظرة لما يحتاجه الواقع، وعليه مع ذلك –وهو الذي أقصده أصالة- أن يستثمر في المستقبل؛ ليكون طرحه موافقًا للزمن وحاجاته وذائقيته، لا تابعًا لما يرغبه المتلقي، حتى يتمكَّن بعد ذلك من توجيه المتغيرات باستباقه لها، وحتى يتمكَّن من وضع الخطط الدعوية –والإستراتيجيات- المناسبة للزمن الذي يأتيه.

وقد كنت أشرت لهذا الأمر سابقًا، إلاّ أنني وجدت في بعض الكتب الغربية عن دراسة المستقبل أن الكنائس البروتستانتية تقوم بمثل هذه الدراسات، وتبذل جهدًا كبيرًا لتضفي على نفسها صفة المستقبلية.

فلما تولّى (كيلهر) رئاسة الأساقفة في كاليفورنيا عام 1966م عمل على (خلق وسيلة قد ترشدها في تحديد موقف الكنيسة، وهي تنتقل مع البشريّة نحو خفايا القرن الحادي والعشرين)، ولما كان لدى كبير الأساقفة المذكور ومساعديه وعي بأنَّ الدين هو الذي يضبط المجتمع، ويبقيه متماسكًا، وهو الملجأ الذي يلوذ به الإنسان وقت يأسه أو معاناته، ولكنه لم يعد يبدو ضابطًا، ولا قلب اللجوء كما كان في زمن الإصلاح الديني، وأنه بدأ يفقد جاذبيته، فلا بد لإعادته إلى قوته أن تصحب الكنيسة الإنسان، ناهيك عن قيادته في الدروب الغامضة للعصور المقبلة.

ولذا ظهر مجلس تخطيط الأمور المستقبلية الكنسي، والذي قام خلال عدة أشهر -وباشتراك مائة وعشرين عضوًا- من دراسة عدة مشكلات، والبحث في السبل البديلة، واقتراح سبل العمل الممكنة لمواجهة الأوضاع التي تنبأ بها في العصور المقبلة، مما كان له تأثير محسوس على الكنيسة، ولا يزال مجلس التخطيط المستقبلي هذا يجتمع كل عام ثلاثة أيام لمعالجة الموضوعات.

ويقول الكاتب: "وعلى الرغم من المشكلات فإنَّ مجموعة الأمور المستقبلية واصلت العمل، فقد كان العمل لله"!

إن هذا التوجّه الذي وُجِد لدى الكنائس البروتستانتية لا أظن أنه غير موجود لدى غيرها، فإن مؤتمرات التبشير تطرح دائماً أبحاثاً ودراسات عما يجب أن يهتم به المبشرون منذ مؤتمر التبشير العالمي عام 1910م حتى مؤتمر كلورادو الشهير عام 1978م فما بعده.

ومن هنا فإن اجتماع المهتمين لبحث ودراسة مستقبل العمل الدعوي، وما قد يعترضه، والحلول المناسبة، واختيار البديل المناسب، والطرق التي ينبغي سلوكها، والقوى التي يجب إعدادها، عمل يستوجب القيام به للخروج بنظرة تعين الدعاة، وتبصرهم بما يقومون عليه.

ومثل هذا الاستعداد الدعوي له شاهد من السنَّة؛ فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: "إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلاّ الله" فبيان النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ طبيعة المدعوين طريقة ليهيئ نفسه لهم بما يصلح لهم، وترتيب الأولويات الدعوية المناسبة نوع من ذلك أيضًا.

إنَّ دراسة مثل هذا المستقبل لا يعني تحقق حصول ما يعتقده الدارس بطبيعة الحال، إلاّ أنه يفيد الإنسان، ولو لم يصب في ظنه، وحسبه أنه عمل بغلبة ظنه الذي طلبه منه الشرع.

فقد أمر  الله تعالى بالاستعداد لما سيأتي (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ). [الأنفال:60].

ودراسة المستقبل هدفها تقديم احتمالات مشروطة يستفيد منها الإنسان؛ لأنه بذلك يتمكن من دفع بعضها، أو يتحرّز منها كما يفعل الناس عند استعدادهم لدفع برد الشتاء، ولأوقات الغلاء ونحو ذلك، مع أنهم يعلمون أنه لا يصيبهم إلاّ ما كتب الله لهم أو عليهم.

وقد جاء الشرع بعدة أخبار عن المستقبل وما يجب فيه، وهذا تنبيه على استشرافه والاستعداد له، مثل ما جاء عن الدجال، ومدة مكثه، واختلاف طول الأيام، وكيفية الصلاة إذا أدرك المرء ذلك الأوان، وإنما جاءت هذه الأخبار ليستعد لها المؤمن بما يجب عليه حينها.

تناول (مالكولم غلادويل) في كتابه "نقطة التحوّل" كيف يمكن للأشياء الصغيرة أن تحدث تغيراً كبيراً، وأنَّ الشخص المريض بوباء معيَّن يستطيع أن ينشر هذا الوباء، فكذلك يستطيع أن يحدث شعبية لمنتج معيَّن مثلاً، وكان من ضمن ما درسه في كتابه أن شركة (لامبسيس) وظَّفت مختصة بأبحاث السوق قامت بالاتفاق مع شبكة من الشباب في أنحاء العالم لتقوم بزيارتهم مرات في السنة، وتسألهم عن ملابسهم وطموحاتهم...الخ. وتدرسها وتقارنها لمعرفة التيارات الجديدة، وتقص الأفكار، وتقوم باستغلالها في صياغة منتجها، وتطبيقها في الإعلانات التي تبتكرها، ثم انتقلت بعد ذلك إلى مرحلة أخرى صارت فيها تزرع أفكاراً معيَّنة في كل مكان؛ لتقوم بنشر الفكرة واستغلالها.

إنَّ الرغبة في الكسب المالي، وزيادة التوزيع للسلعة حدا بهذه الشركة إلى هذه الدراسة المكلفة، والتي حقَّقت بها الشركة ما تريد، ومثلها في ذلك دوائر وجهات عدَّة أشار لها في كتابه، كل ذلك لمقصد يتبناه القائم على الفكرة أو المشروع.

وإننا نحمل دين رب العالمين، الذي ائتمننا الله عليه، وأمرنا بإبلاغه للناس، ووعد الدعاة به بحسن الثواب.. أفلا يستحق منّا مثل هذه الدراسة، ومثل هذا التفكير.

أحسب أن الجواب لا نختلف فيه، لكن... من يعلِّق الجرس؟

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

تعليقات الفراء
1- حنصالى عمر   |  
مساءً 11:08:00 2009/02/22
اه يدكتورنا الفاضل ..كم اعشق هذا العلم المعقد الجميل احس وكانى خلقت لاجله ..عندى مركز للدراسات فى دماغى بفروعه المختلفة -فرع الجزائر -فرع المغرب العربى -فرع الشرق الاوسط -فرع العالم ..ماذا اقول يا دكتور جو عمل رائع لامثيل له فريق عمل متناسق متكافل يعمل بمهنية عالية ودقة متناهية مكتب للاستكشاف وثانى لجمع المعلومات وثالث للقرصنة مختص فى غزو العقول واستلاب ما فيها من زاد ورابع للاستنباط وخامس للتحليل وسادس متخصص فى علوم المنطق وسابع مكتب مقارن والاخير مكتب صناعة الافكار والرئى وتخيل دكتورنا الفاضل .. عندما تتفرج على جو وسامفونية مثل هذا وهذه الحركية فى هذه الالة الربانية وتترجم بحروف عربية سلسة تتفنن بالمراوغة وتسجيل الاهداف بها فى ملعب واسع شاسع ما هو شعوركم .. ورحلات مجانية ليس لجزر هاواي او الكريبى كما يعتقد الاغبياء بل عبر الدهر كله تارة الى عصر انبيائنا صلوات الله عليهم وكانك تلامسهم وتارة الى عهد سيدنا ادم وتاة الى زمن الفتوحات الاسلامية وكانك على قرس تحمل سيف او رمحا واحيانا تتجه نحو المستقبل قد تكون 4 سنوات تنتضر اخوانكم لوصولهم وتقول -حمد الله على السلامة- وفضيلتم متكئ مستريح او نائم بينما هم اى اخواننا يلهثون تاعبون وعلامات التعب بادية على وجوههم واحيانا بعد هذا حفر تسعى لردمها بكد وقلق وكد حتى لايقع فيها اخوانك ...-- هو الادراك يا دكتور الذى ان وجد الوسيلة التى تنقله من العقل الى الوجدان -القلب- تطبخه التجارب والمحن فيتحول الى يقين وصورة يراها القلب كما ترى العين الاشياء ولافرق بينهما وهذا هو الفرق بين الانسان والحيوان وان تخلى عليه الانسان يصبح اضل من الانعام فى قول ربنا عز وجلى فيلقى بنفسه الى التهلكة ويحفر قبره بنفسه خلاف الحيوان دائما هو يواجه الخطر ولا يلقى بنفسه للتهلكة هذا هو الحل الوحيد للعلماء والدعاة لنجاح الخطاب الدعوى - صناعة الوسيلة المثلى التى تربط العقل بالقلب فتتشكل على هيئة ادراك ثم على صورة يقين .. ام بدون هذا اشبه بالدكتور المحاضر الذى يلقى خطبة فى قاعة تابعة لمشفى للمجانين او محاضرة اكاديمية فى سوق شعبى يضنوه مجنون بينما زميل له متخصص فى الدروشة و الاعشاب السحرية الخيالية تراه متزاحمين عليه يتلمسون بركاته .. الله يستر

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم