الرئيسة » مقالات » اتجاهات فكرية
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
اترك مسافة..!!
الجمعة 07 ربيع الثاني 1430 الموافق 03 إبريل 2009
 
اترك مسافة..!!

د. عبد الكريم بكار

حين يأتي الواحد منا إلى هذه الحياة يكون مجرداً من كل شيء ومحتاجاً إلى كل شيء، وإن المجتمع هو الذي يمنحه ما يكمل إنسانيته، ويجعله مستعداً لخوض غمار الحياة بكرامة وجدارة، ومن هنا فإننا لا نستطيع فعلاً أن نقدِّر حجم ما قدّمته أسرنا ومجتمعاتنا لنا، ويظل من المهم أن نفكر في كيفية ردّ الجميل. المجتمع ليس عبارة عن مجموعات من الناس فحسب، إنه قبل ذلك تلك المنظومة المكوًّنة من الأفكار والمعتقدات والتقاليد والعادات والرمزيات التي تشكل العقل الجمعي والثقافة العامة لذلك المجتمع، وأود في هذا المقال أن أسلط الضوء على طبيعة العقل الجمعي، وعلى الموقف الذي ينبغي أن نقفه منه، وذلك عبر المفردات التالية:

1ـ العقل الجمعي الموجود في كل مجتمع هو عبارة عن نسيج معقّد من الأفكار والمشاعر. . . وهذا النسيج تمّ غزله على مدار قرون عديدة وبطريقة غير واعية؛ فالناس لا يدرسون المفاهيم والعادات قبل أن يمتثلوا إليها، وليس معظمهم مؤهلاً للقيام بذلك، وقد تسوء أحوال أمة، وتصير إلى الانهيار والبوار دون أن يملك الوعي الشعبي الفهم المطلوب لأسباب ذلك، وما هذا إلاّ لأن العقل الجمعي هو الذي يقوم بتشكيل وعي الأفراد، وهو الذي يمنحهم المعايير التي تمكنهم من التمييز بين الصواب والخطأ، وبين الآمن والخطِر، وبين اللائق وغير اللائق. . . وكلما كانت درجة جهل الأفراد أعلى كانت سيطرة المجتمع بعقله وثقافته عليهم أشد وأكبر، ولهذا فإن المجتمعات الأمية وشبه الأمية تعيش دائماً في حالة من الجمود والارتباك، ويلفّها الغموض من كل جهة. العلم لا ينير عقل صاحبه فقط، وإنما ينير كذلك دربه ومحيطه، ويساعده على فهم تاريخه وجذور مشكلاته.

 2ـ إذا كان العقل الجمعي يتشكّل بطريقة غير واعية، فإن هذا يعني أن في حياة الناس دائماً مشكلات وانحرافات وتأزّمات، وفي حياتهم أشياء كثيرة ليست هي الأحسن والأفضل والأجمل، بل تستطيع القول: إن التيار العريض في المجتمع لا يكون هو التيار الراشد، وهذا ما نجد له الكثير من الإشارات في كتاب الله ـ تعالى ـ فأكثر الناس لا يؤمنون، ولا يعلمون، ولا يعقلون، وأكثرهم للحق كارهون وهم عنه معرضون، وهذه الحالة موجودة في كل المجتمعات باعتبارات مختلفة؛ ففي المجتمعات الإسلامية ـ مثلاً ـ لا يكون أهل الورع الملتزمون بالصدق القائمون على حدود الله، الغيارى على حرماته ومصالح الأمة. . . لا يكون هؤلاء  هم الذين يشكلون التيار العريض أو الشريحة الكبرى، وحين نرفع مستوى مواصفات الجودة فقد نجد أن حال معظم الخلق مطابق لقوله ـ  صلى الله عليه وسلم ـ : "الناس كإبل مئة لا تكاد تجد فيها راحلة".

 3ـ إذا صحّ هذا التشخيص للبنية العامة للعقل الجمعي وللحياة الاجتماعية ـ وهذا إن شاء الله صحيح ـ فإنه يفرض علينا ألاّ نشعر بالطُّمأنينة تجاه أوضاعنا العامة، وألاّ نستكين للرؤى والمقولات والعادات السائدة، وعدم الاستكانة يتطلب من كل من يملك درجة من الوعي والفكر أن يترك مسافة بينه وبين المجتمع الذي يعيش فيه، ونقصد بالمسافة هنا محاولة امتلاك رؤية نقدية للواقع الاجتماعي وإظهار أوجه الخلل التي تكتنفه، وهذه الرؤية هي التي تنقل المثقف من درجة عالم إلى درجة مفكِّر، وبما أن المفكرين والنقاد والمجددين، فيهم الكبار والصغار، فإننا نستطيع القول: إن المجدد الكبير والمفكر الكبير. . . هو الذي يستطيع أن يترك مساحة كبيرة تفصل بين وعيه الفردي والوعي الاجتماعي العام، أما المجدد الصغير. . . فإن المساحة التي يتركها تكون صغيرة، لكن هذا ليس على إطلاقه، ويحتاج إلى شرح وتقييد؛ إذ إن  القطيعة مع المجتمع ليست في حد ذاتها بالأمر العسير؛ فقد رأينا من الملحدين والمرتدين من شنوا حرباً ضروساً ضد أهلهم ومجتمعهم، وكانت النتيجة أن لفظتهم مجتمعاتهم وأصمّت آذانها عن انتقاداتهم، مع أن فيها شيئاً من الحق والصواب. العسير حقاً هو أن تكون المسافة بين الوعي الفردي والوعي الجمعي مدروسة للغاية ومثمرة فعلاً، وذلك يتطلب أن يظل المفكر والناقد متواصلاً مع ثوابت المجتمع، ومع مسلَّماته وطموحاته الكبرى في التحرر والازدهار. إنه أشبه بالطفل الذي ينفصل عن والدته، لمصلحته ومصلحتها مع ما في المخاض من آلام له ولها، لكنه بعد ذلك يظل في حجرها، وتظل محتضنة له، كما يظل ولاؤه لها مدى الحياة. إن أعز شيء على العقل الجمعي وعلى الثقافة الشعبية هو التوحد والتضامن والانسجام على مستوى الأعراف والتقاليد وكل أشكال التواصل الاجتماعي، ومن ثم فإن الناس يستوحشون من النقد، ويرون فيه نوعاً من التهديد للأرضية المشتركة التي تجمعهم، وتشتد هذه الحالة حين تكون ذاكرة المجتمع مشحونة بتاريخ مملوء بالحروب الأهلية والفتن والانقسامات الداخلية، كما هو شأن العديد من المجتمعات العربية والإسلامية، وحينئذ فإن المطلوب من المفكرين التلطّف في أسلوب النقد، والقيام بحساب المسافة الفاصلة بدقّة وحرص.

وللحديث صلة.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

تعليقات الفراء
1- ابو عزام   |  
مساءً 08:04:00 2009/04/03
كلام جميل قد أبدعت أناملك في نسجه...وليس مستغربا عليك يادكتور..تحياتي..

2- ذرة ضوء   |  
مساءً 08:36:00 2009/04/03
"العسير حقاً هو أن تكون المسافة بين الوعي الفردي والوعي الجمعي مدروسة للغاية ومثمرة فعلاً،" حتى ينشأ نوع من التعايش يمكن من خلاله تقريب هذه المسافة بين الرؤية النقدية الفردية ، و ما فرضه هذا العقل الجمعي قرون عدة .

3- ---   |  
مساءً 11:30:00 2009/04/03
شكرا يا دكتور والصراحة كلامك يحس الواحد انه هو الذي قاله بلسانه فهو من الممتع السهل الممتنع

4- عادل ال موسى   |  
ًصباحا 12:34:00 2009/04/04
لله درك مقال مميز و أفكار رائعة ومن الملاحظ أن هذه المفردات ينبني بعضها على بعض .. شكرا لك يا سعادة الدكتور

5- سامي عرار - السعودية   |  
ًصباحا 01:23:00 2009/04/04
مفكر الجيل د.بكار...بارك الله في فكرك

6- ابو سديم   |  
ًصباحا 05:39:00 2009/04/04
أشكرك يادكتور على هذا المقال المتميز وفعلا المسافة تعطي ثمرة إن لم تكن عجله فهي آجله

7- Abdullah   |  
ًصباحا 08:10:00 2009/04/04
شكرا

8- عبدالعزيز   |  
ًصباحا 08:50:00 2009/04/04
والله مقال جيد ياابو بكار والله يوفقك

9- ااابو ســعــيــد   |  
ًصباحا 10:30:00 2009/04/04
الى ألامام يشيخ والله يوفقك وشــكــرا على المقال

10- قارئ من مكان ما   |  
مساءً 01:10:00 2009/04/04
وددت لو أن الإخوة القائمين على الموقع جعلوا صلة تمكن القارئ من الرجوع إلى المقالات السابقة لكل كاتب.

11- أبو خالد   |  
مساءً 02:52:00 2009/04/04
لافض فوك يادكتور بكار نفع الله بك

12- حنصالى عمر   |  
مساءً 07:28:00 2009/04/04
اصارحك دكتور ..موضوع صعب للفهم وقد قرئته مرتين ولم استوعبه لاكن ما فهمته اوافقك فى البعض ولااوافقك فى باقى طرحك وااكد اننى طفل حتى لا ازاحم الكبار..الاولى ما اوافك فيها هو الوعى الجمعى المذكور هذا انا معكم وقد اشرت اليه مرارا واحترمه ومعضم القضايا ذات الشئن الداخلى للسعودية لااشارك فيها وهذه من المسلمات حتى قبل سنوات تذكر دكتور ويذكر الدكتور مسفر اقيم فى الرياض مؤتمر اقتصادى واستدعي رجال اقتصاد وبدئوا ياسسون لكلام خاطئ فكتبت تعليق غير مباشر على ضرورة اخذ العقل الجمعى وسالة الاقتصاد العالمى والرئسمالية خاطئة وتحديت كل الرئساء ان تنجح والحمد لله نجحت ..ومن ماذا يعود هذا طبعا من الوصول الى العقل الجمعى وهو عنصر اساسى للاستشراف ومن لايدركه لايستطيع معرفة طبائع الامور.. وما لا اوافك فيه واعترض عليه بشدة ما سميته النقد القاصى دكتور ..لااعتقد اننا فى وضعنا العالمى وهذا التحول المتسارع و البركان الاقتصادى الذى لاندرى متى ينفجر وعنده لايرحم لاتقاليد ولااعراف ولايسلم الا من خطط لهذا الامر وربما كما قيل من منضمات دولية وتحديدا مجلس النقد ربما ان هناك حروب قد تقع وخير دليل استعمار فرنسا للجزائر اسبابه الاولى اقتصادية بسبب الديون و المجاعة فى اوروبا ..وسبق ان ذكرت هنا فى الموقع ان المجتمعات العربية فى موقع ما قبل البداوة فهل هذا بسبب حسد فى نفسيتى او طبقى لاوالله الحمد لله كلنا نملك الهاتف الخلوى المسطح اخر طراز والسيارة الفخمة -اوبال -وهى فى الخارج وانا اكتب والفيلا التى لايكسبها ربما الانسان الغربى لاكن حقيقة ولا يمكن ان نكون سذج اغبياء كل هؤلاء سيذهبون الى الزوال فى اى لحضة وعليك بالدفع لتحصل على تجديد تحضرك والا ستضهر عوراتنا الحقيقية ..اذا يجب ان نكتشفها قبل ان تفرض علينا فى الامر الواقع ويجب ان نعترف بما اننا ضيعنا عنصر الاكتفاء اذا نحن مجتمعات ما قبل البداوة ..وانتضر الاخوة ان يضعوا مشروع مقارنة بين الحضارة المصطنعة التى نتبجح بها والبداوة التى رئيناها فى بدو لبنان وهيهات الفرق شاسع لامن حيث النفسية ولا من حيث الاكتفاء ولامن حيث الهمة العالية للانسان البدوى ولا من حيث الرجولة والاخلاق والشهامة والادهى دكتور وما يعجبنى وافتخر ببدويتى وانا ازور البادية من حين لاخر البدوى يعتمد على نفسه لا على غيره ..وبالمناسبة دكتور مثل القرائة والدراسة التى عملتها على الجزائر ..ليه يدكتور تفضح فينا يعنى كل البلدان من صومال واليمن وجيبوتى وجزر القمر ولبنان السودان جائوك على العين العورة الا الجزائر .. مزحة فقط دكتور لاتزعل منا اعلم انكم تحبون الجزائر ونحن ايضا نحب كل العرب ويا ليت تشرفنا ودكتورنا سلمان كما شرفنا دكتورنا عائض القرنى وصدقنى سوف تنبهر واعتقد ان شعبيتكم لاتقل عن شيخنا عائض القرنى..نتمنى ذالك واعذرنا عن طول الموضوع السعة الذهنية توسعة قليلا وانتم من تتحملون النتيجة لانكم اوقفتم شرط 1000 كلمة المطلوبة ويا ليت ترجعون هوية البلد لشخص المعلق .

13- حنصالى عمر   |  
مساءً 07:50:00 2009/04/04
يا دكتور ..نسيت طلب او سؤال وقد حيرنى وياليت ان تجيبون عليه فى حصتكم المباركة ..اغلب الكتاب من قرئت لهم وعبر الانترنات العلرب طبعا يفتقدون للكتابة بشكل التصنع بحيث تميز كاتب عن اخر او اسلوب عن اسلوب بحيث تكتشف ميزة شخص عن اخر وجمال عن جمال وسهولة فى التكليف اى السلاسة هناك كتاب تتعب وانت تقرء لهم وهناك كتاب يصعب القراءة رغم ان الموضوع ليس بالعمق الطبيعى واذكر اانى قرئت موضوع لفضيلة الدكتور يوسف القاسم على ما اذكر روعة رغم انه اخذ بعد معمق عن الازمة الاقتصادية ومثل القرية وتجارة الحمير خلاصة الموضوع لماذا لاياخذ الموضوع صفات اي منتج صناعى من كافة النواحى وتعلم ان الحداثة تقوم على التصنع بدون التكلف وشكر

14- ابو الحسنين   |  
مساءً 10:01:00 2009/04/05
ابدعت سددك الله وكم نحن بحجة لمثل هذه التنبيهات التي ينبغي أن تكون قواعد في عملية التعامل مع المجتمع وإصلاحة

15- بائع الورد   |  
مساءً 11:23:00 2009/04/05
جزاكم الله خيراً يا شيخ كلام يكتب بماء الذهب

16- الثريا   |  
ًصباحا 12:59:00 2009/04/06
اعتقد ان الدكتور بكار يريد ان يلخص فكرة التودد للاخر واكتساب مهارة الدعوة الى الحق باسلوب نبوي لين...كما فعل سيدنا محمد ومن سبقه من الانبياء اجمعين عليهم افضل الصلاة والسلام.. النقد والنصيحة تبقى شيئا ثقيلا على النفس..ويبقى الناقد محاطا بضغوط تحاصره طالما انه سيصلح..لكنها مسؤولية الدعوة..وامانة الرساله..نسال الله ان يصلح احوالنا واحوال المسلمين..

17- عبدالله البدير   |  
ًصباحا 02:20:00 2009/04/06
كلام رائع من شخص متزن ومبدع ومفكر..جزاك الله خيرا وبارك فيك بالمناسبة:أستاذي الفاضل أنا أتمنى التواصل معك بأي وسيلة وأريد أن أعرف إن كنت تقيم دورات أو محاضرات علمية وشكرا جزيلا..

18- ابواحمد   |  
مساءً 02:51:00 2009/04/06
شكرمن القلب للدكتور علي مقالاتة المتميزه واتفق مع ذرة ضوء فيما قاله

19- نورة بنت محمد   |  
مساءً 11:39:00 2009/04/10
أبدعك هذه المرة كما هي تلك المرات. دعواتي الصالحات لروحي أستاذي النقية.

20- عمر بن عقيل   |  
ًصباحا 10:05:00 2009/04/11
غياب التفكير الجمعي عند كثير من المتخصصين دعا إلى ما يشبه الفكر أو التفكير الذي يشتهي الحديث حول القضايا من أفق خاص وخاص جداً , مما أتحاح شتاشتاً في الطاقات وإهداراً للمجهودات التي لو خول لها أن تجتمع لأوجدت في الساحة مايشبه التكتل الفكري الذي يشتشرف آفاقاً من وجهات نظر متفقة على قواعد واسس تنحدر أحياناً للشأن الخاص وأحايين أخرى لما فيه صلاح المجتمع بفئاته وفصائله المختلفة ... وهذا يحتاج منا إلى تخلي عن الأنانية أو الفردانية في التفكير في القضايا والتي تفضي - غالباً - إلى التماس مصالح ضيقة لا تتعدى حدود المجتمع الصغير .

21- احمد   |  
ًصباحا 03:14:00 2009/05/03
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته دكتور والله اني احبك في الله. يا دكتور انا أقرأ لك دوما ولكنني لا استوعب ما تكتبه فالأسلوب الذي تكتب به كأنك تخاطب به المفكرين والعلماء وأما نحن لا نستطيع استيعاب ما تكتب ارجوا منك يا دكتورنا الفاضل النزول الى مستوانا كي نستطيع ان نفهم ما تكتب. وفقك الله يا دكتور

22- ali   |  
ًصباحا 12:00:00 2009/11/13
chocran

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم