إنه إعلان بخط عريض ترفعه طائفة ممن تتشدق بمصلحة الوطن واستقراره وأمنه في وجه كل من تراجع وتاب من أهل العلم، علماءً أو طلاب علم، إنهم في نظرهم الضيِّق، قد انتهت صلاحيتهم ولفظتهم الأمة بعد تاريخهم المزري والإرهابي والذي تدهورت فيه البلاد وهلك معه العباد، وقد انخدعت بهم وسائل الإعلام وأظهروهم أنهم زعماء راية التسامح والوسطية فهم كما تزعم هذه الطائفة "ليسوا أكثر من جسر كانت تُمرّر عبره "دعوات التفجير"، والكل يعرف أن رحيل الجسر لا يعني خراب كل الطريق، بل يمكن استبداله بجسر آخر - أعني بشيخ آخر - في غضون ساعات!"
هكذا قولهم عن الذي تاب وأناب إلى رب العباد وعدَّل من مسيرته وراجع أقواله واتجاهاته فلا أدري أي قوم هؤلاء؟ وأي فكر يحملون؟ لقد جلست مع نفسي وتصورت لو أن هؤلاء أعطاهم رب العزة جلّ جلاله مفاتيح خزائن الرحمة كيف سيكون حال الناس مع كثرة تفريطهم وإنابتهم وندمهم على كثرة الذنوب والأخطاء؟! ستحرق القرى والمدن وتدمر تدميراً وستملأ القبور من كثرة روادها من العصاة والمذنبين ولو تراجعوا واعتدلوا ؛ لأن هؤلاء نوّاب الرحمة الإلهية لا يرون قبول مثل هذه التوبة والإنابة بل إنها مرفوضة وممنوعة وعديمة الفائدة!!
فالحمد لله الذي جعل الرحمة بيده وجعلها واسعة سعة الأشياء كلها ولم يضعها في يد أحد من عباده ليتصرف في نفوس البشر وحياتهم ومصيرهم لكان شحيحاً بها «قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا» الإسراء (100) "إنها صورة بالغة للشح ، فإن رحمة الله وسعت كل شيء ، ولا يخشى نفادها ولا نقصها . ولكن نفوسهم لشحيحة تمنع هذه الرحمة وتبخل بها لو أنهم كانوا هم خزنتها!"
"لقد بلغت هذه الآية من الوصف بالشح الغاية القصوى التي لا يبلغها الوهم؛ حيث أفادت أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله تعالى التي لا تتناهى وانفردوا بملكها من غير مزاحم أمسكوها من غير مقتض إلا خشية الفقر ، وإن شئت فوازن بقول الشاعر:
ولو أن دارك أنبتت لك أرضـها... إبراً يضيق بها فناء المنـزل
وأتاك يوسف يستعيرك إبــرة ... ليخيط قد قميصه لم تفعل"
المراجعة والتصحيح والعودة إلى الصواب المعتمد على الدليل الصريح والفهم الصحيح الذي تطمئن إليه النفس هو شأن العلماء الأجلاء وطلاب العلم النجباء وفضيلة من فضائل العقلاء ؛ فهاهو أبو يوسف يقول : " لو رأى صاحبي ـ يقصد الإمام أبي حنيفة ـ ما رأيت لرجع كما رجعت " لعلمه بأن صاحبه ما كان يقصد إلا إتباع الشريعة لكن قد يكون عند غيره من علم السنن ما لم يبلغه .وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "فقد بينا فيما كتبناه في " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " نحو عشرين عذرًا للأئمة في ترك العمل ببعض الحديث وبينا أنهم يعذرون في الترك لتلك الأعذار ." والإمام أحمد رحمه الله كان يقول : "لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكًا ولا الشافعي ولا الثوري وتعلموا كما تعلمنا . وكان يقول : من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال وقال : "لا تقلد دينك الرجال فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا" . والإسلام يجُبّ ما قبله والتوبة تجب ما قبلها ولو قتل المرء تسعاً وتسعين نفساً لغفر الله تبارك وتعالى له لتوبته ورجوعه إلى الحق والصواب ، ولو شرب الخمر وزنا ولوط وفعل وفعل ثم تاب ونصح في ذلك فسيقبله الله سبحانه كما دلت على ذلك النصوص المتكاثرة في الكتاب والسنة والواجب على المسلمين أن لا يعيروه أو يسخروا منه أو يذكرونه بماضيه الخبيث .فربّ تائب من الذنب خير من طائع معجب بعمله.
فكم تراجع صحابة أجلاء ـ رضي الله عنهم ـ عن عبادتهم للأوثان ومحاربتهم لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه وأسلموا لله رب العالمين ، فلم يقف أحد من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يمقتهم أو يذمهم أو يوبخهم ويذكرهم بماضيهم الأول أو يأخذ بثأره منهم، بل ارتفع شأنهم وعلت منزلتهم في الدنيا والآخرة .كان ينبغي لهؤلاء الرافضين لمراجعة المشايخ والعلماء وطلاب العلم عن مسلكهم وآراءهم السابقة أن يتقوا الله عز وجل في ما يكتبوه ويقولوه بل ينظروا بعين العدل والإنصاف
وتوقعي منك الإساءة جاهدا ... والعدل أن أتوقع الإحسانا
وليعلموا أن تجارب هؤلاء المشايخ التائبين، أو المتراجعين التي يرونها "همومًا ثقيلة على الصدور" إن هي إلا مراحل تمخض فيها العقل ، وتجول فيها القلب ، وتحركت معها الجوارح، رائدها القصد الحسن والنية الصالحة والدليل الشرعي وليس سوء الظن أو الهوى ، ربما جانبوا الصواب حينها وأخطأوا في سيرهم فهم بشر ممن خلق، ليسوا بمعصومين أو ملائكة مقربين ، وليس ذنبهم أن تبعهم على تلك الأخطاء جمع من الناس، فالإنسان الذي فعل المنكر واقتدى به آخرون فإنه إن تاب ورجع تاب الله عليه أما أوزار سيئات الناس فعليهم وليس عليه شيء مادام أنه رجع وتاب وعمل ما استطاع فالتوبة الصادقة المستوفية لشروطها تجب ما قبلها ،" أما فساد هذا الذنب أو هذه البدعة التي انتشرت لا حيلة له فيه، وقد فعل من الواجب كل ما يقدر عليه ، وما لا قدرة له عليه معذور فيه لقوله تعالى : «لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا» البقرة : 268".
إنها فرصة عظيمة لكل محب لوطنه وأمته أن يجد بين يديه فئاماً من العلماء والمصلحين ينهجون منهج الاعتدال ويوجهون الناس إلى التوازن وعدم الانحدار نحو الانهيار الذي يَدفع به ضغط الواقع واختلاط المفاهيم وتكالب الأعداء على الأمة نحو الاحتضار والتهشيم ومن ثم سيطرتهم على مقدرات الأمة وثرواتها وسيرها في ركبهم المعوج.
إنها فرصة للبناء والتعمير للنفس والجسد والأرض والفضاء، كل على قدر طاقته ووسعه. إننا بحاجة للترحيب بالمعتدلين ومحاورة المتطرفين المنحرفين والأخذ على أيديهم وسحبهم بالحكمة والموعظة الحسنة إلى بساط الوسطية التي ارتضاها الله لهذه الأمة والتصحيح الدائم للأخطاء والتغافل عن الزلات والهفوات وترميمها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى طريق الحق بالحسنى.
إنها فرص سانحة ومنح مباركة وخطوات جادة تحتاج من يستغلها ويستثمرها ويساهم في تنميتها وإبرازها وتأييدها؛ ليصلح الاعوجاج ويتم البناء..
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل.