نحن في عصر يكثر فيه الحديثُ عن الحوارِ، والدعوة إليه سواء على مستوى الأفراد، أو الجماعات، أو الدول.
والحديث عن الحوار يطول، ويتشعّب، وسيدور ههنا الحديث عن الحوار، من خلال بيان مفهومه، وأهميته، وهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه، كل ذلك على سبيل الاقتضاب والإجمال.
أما مفهومه فالحوار نوع من الحديث بين طرفين أو أكثر بحيث يجري الكلام بينهما متكافئاً، مع غلبة الهدوء، ورحابة الصدر.
وهناك ألفاظ قريبة من مدلول لفظ الحوار كالجدال، والمناظرة، والمناقشة ونحوها من الألفاظ التي ترجع إلى طريقة البيان؛ فهي بهذا الاعتبار مرادفة للحوار، وباعتبار تَمَيُّزِِ بعضِها عن بعض يكون بينها وبينه شيء من التباين.
ويبقى -مع ذلك- لفظ الحوار أعذبها، وأرقها، وأسيرها في الناس، وأكثرها علوقاً بالنفس.
وللحوار أهمية كبرى، ومما يبين أهميته ما يلي:
1- شدة الحاجة إلى الحوار: فالحوار يَحْتَاجُ إليه كلُّ إنسان حالَ معاملته لغيره؛ فيحتاجه الوالد في معاملة ولده، والولد في معاملته والده، ويحتاجه الزوج في حال معاملة زوجه، والمعلم مع طلابه، والطالب مع معلمه، ويحتاجه الإنسان في حال معاملته موافقيه ومخالفيه، ويحتاجه القاضي في مقطع أحكامه، والداعية في حال دعوته، والعالم في تصدّيه للناس، والرئيس الأعلى في سياسته لرعيته، وفي ما يجلب لها المصالح، ويدرأ عنها المفاسد.
ويُحتاج إلى الحوار في حال السلم والحرب، وفي حال البيع والشراء، وفي حال الوفاق والخلاف.
2- عناية القرآن بالحوار: فلقد عُني القرآن الكريم بالحوار، ولا غرابة في ذلك؛ فالحوار هو الطريق الأقوم للإقناع الذي ينبع من الأعماق.
وفي القرآن نماذج كثيرة متنوعة من الحوار تبين أهميته، وقِدَمه، وشدّة الحاجة إليه.
ومن الأمثلة على ذلك ما دار بين الرب -جل وعلا- وملائكته عندما أراد -عز وجل- أن يجعل في الأرض خليفة، كما في سورة البقرة [الآية: 30].
وما جاء في قصة ابني آدم، كما في سورة الأنعام [الآية: 27].
وما دار بين الرب -عز وجل- وإبراهيم -عليه السلام- عندما سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، كما في سورة البقرة [الآية: 260].
وما جاء في حوار إبراهيم وابنه إسماعيل -عليهما السلام- لما همَّ بذبحه، كما في سورة الصافات [الآية:102].
وما جاء في قصة داود -عليه السلام- مع الخصمين، كما في سورة ص [الآية:22].
وما جاء في قصة سليمان -عليه السلام- مع بلقيس، كما جاء في سورة النمل [الآية:44].
وما جاء في قصة موسى -عليه السلام- عندما سأل ربه أن يأذن له برؤيته، قال -عز وجل-: (لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي). [الأعراف:143].
وما دار من الحوارات بين موسى وأخيه هارون، كما في [سورة الأعراف :150]. و[طه: 86].
وما دار بين عيسى -عليه السلام- وقومه، كما في قصة المائدة [الآية:112].
إلى غير ذلك من الحوارات الكثيرة بين الأنبياء وأقوامهم، وبين السادة والأتباع.
فكل ذلك يدل على أهمية الحوار، وخطورته، ويؤكد على أن القرآن يعتمد أسلوب الحوار في توضيح الحقائق، وهداية العقل، وتحريك الوجدان، وفتح المسالك التي تؤدي إلى حسن التلقي، والتدرج بالحجة.
3- كثرة الحديث عن الحوار: فمن مظاهر العناية بموضوع الحوار في هذا العصر كثرة الحديث عنه، وشيوع تخصص يتصل به، ألاّ وهو فن العلاقات العامة؛ إذ أُنشئت لدى المؤسسات الرسمية وغير الرسمية أجهزةٌ خاصة بالعلاقات العامة سواء في الدوائر الحكومية، أو الشركات، أو دور الصحافة والنشر، أو غيرها.
ويمكن أن توصف المسؤولية الأساسية لهذه الأجهزة بأنها حسن الاتصال بالآخرين للإقناع برأي، أو ترويج سلعة، أو تصحيح فكرة، أو التمهيد لقضية، إلى غير ذلك مما يبرز أهميةَ الحوار، وكونَه العنصرَ الرئيسَ في فن العلاقات العامة.
وفي هذا العصر تجد العناية بالحوار أكثر من ذي قبل خصوصاً في بلاد الغرب؛ حيث تُقام الدورات، وتُفتح المعاهد والمراكز التي تُعنى بفن الحوار الذي هو ركيزة العلاقات العامة.
4- ما يوجد من آثار، وحكم في شأن الحوار؛ فهو موضوع قديم، ويأخذ طابَعاً أكثر تحديداً، وتخصيصاً، ودقة.
والذي يُلْقي نظرة في كتب التراث يجد أن لها اتصالاً وثيقاً في هذا الباب، ويظهر ذلك من خلال الحكم، والوصايا، والأبيات، والأمثال التي توصي بحسن الاستماع، والتحدث، وما جرى مجرى ذلك مما يتصل بالحوار.
وهذه المادة موجودة بكثرة، لكنها متفرقة في مختلف المصادر على تنوعها، وتباين موضوعاتها ومؤلفيها.
كما أنها -في الأغلب- جمل وجيزة لكنها حصيلة خبرة طويلة.
ولو قُيِّض لهذه المادة من يستقصيها، ويؤلف بينها لخرج بمادة ضخمة في فن الحوار.
5- كثرة المؤلفات في الحوار: فلا تكاد المؤلفات في الحوار، وأصوله، وآدابه، ومقوماته - تحصى كثرة، وذلك في كافة لغات العالم.
والأمثلة على ذلك كثيرة جداً.
6- ما يترتب على الحوار من الثمرات: فللحوار المنهجي المنضبط آثارُه الجميلة، وثمراته اليانعة سواء على المحاور نفسه، أو على من يحاورهم، أو ينوب عنهم؛ فهو مفيد في إيصال الفائدة للآخرين، ومفيد في تدريب المحاور نفسه؛ إذ يرتقي بطريقة تفكيره وأدائه، ويعلمه ضبط نفسه ولسانه وقلمه، ويُقوِّي لديه مَلَكَةَ المحاكمةِ والتفكير المتزن مما يجعله مقبولاً من الآخرين، ويجعل اقتناعهم بأفكاره أعظم أثراً.
والحوار -كذلك- مفيد في استنباط الآراء السديدة، وتحريك الأذهان الراكدة.
بل إنه من أعظم أسباب البهجة والسرور؛ فلذّة المحادثة من أعظم لذات الدنيا.
قيل لحكيم: ما بقي من ملاذِّك؟ قال: "مناقلةُ الإخوانِ الحديث على التلاع العُفر في الليالي القُمْر".
وبالحوار الناجح تُستجلب المودّات، وتُوأد العداوات، وتُدار التجارات.
وبه يزيد العلم، ويتسع الفكر، وتُجْلَبُ المصالح، وتُدرأ المفاسد.
والمحاور البارع يصل إلى مراده، ويتحقق له مطلوبه، ويَسْعَدُ قومُه من ورائه إذا كان مُقَدَّمَهم، أو المتكلم باسمهم.
ولهذا كثر في كتبِ التراجم والسيرِ ذِكْرُ مَنْ كان سبباً في إسعاد قومه، وتحقيق مطالبهم إذا كان سفيراً لهم.
7- عناية السيرة النبوية بالحوار: فالناظر في السيرة -بعدل وإنصاف- يرى رأْيَ العينِ أنها حافلةٌ بالحوار في أرفع درجاته، وأعلى مقاماته، وأروع آدابه، وأسمى طرائقه وأساليبه.
ولا غرو في ذلك؛ فالنبي-صلى الله عليه وسلم- هو خير الناس، وسيرته أرقى صورة للحياة البشرية.
ولقد مرت به -عليه الصلاة والسلام- أطوارٌ كثيرةٌ، وأحوالٌ شتى مِنْ سِلْمٍ وحرب، وعسر ويسر، وكان الرسول المجتبى، والسيد المطاع، والوالد الحاني، والزوجَ الوفيَّ، والمعلم القدوة، والصديق المخلص.
وهو الذي كان يعامل الصغير والكبير، والبر والفاجر، والمؤمن والكافر، والمحارب والمسالم، والرجل والمرأة، والقريب والبعيد؛ فكان في جميع تلك الأحوال والمعاملات يأخذ بالحوار أخذاً عملياً لا دعوى تقولها الألسنةُ دون أن تتخلل منها مسلك الروح، ودون أن يكون لها رصيد في الواقع.
والبحث في الحوار من خلال السيرة النبوية مهم للغاية؛ إذ هو من أعظم وسائل النهوض بالحوار؛ فللحوار المنضبط الراقي أصول عظيمة كثيرة يمكن إجمالها بسلامة المقاصد، وإخلاص النية، والتثبت، والعلم بمادة الحوار، ولزوم العدل مع المحاور.
وتتجلى هذه الأمور غاية التجلي في السيرة النبوية.
وللحوار الناجح آداب لا بد من توافرها، وتكاد ترجع إلى إقبال المحاور على صاحبه، ورَفْعِهِ من شأنه، وإحسانِه إليه، وحَذَرِه مما ينافي ذلك؛ فهذه الآداب المجملة وما يندرج تحتها تمثل آداب الحوار.
ولقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأخذ بتلك الآداب في حواراته مع كافة الطبقات، وفي شتى الأحوال.
وللحوار المتميز أساليب كثيرة من شأنها النهوض بالحوار، وإتيانه النتائج الباهرة.
ولقد كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يأخذ بتلك الأساليب، وينوع فيها، ويراعي مقتضيات الأحوال، ويستخدم أنواعاً من التأثير سبقت كثيراً من النظريات والدراسات في فن الحوار، والإلقاء، والتأثير في الناس.
وبالجملة فالحوار في السيرة النبوية باب واسع، وموضوع مترامي الأطراف، وميدان فسيح لمن أراد أن يبحث فيه.
وإن مما يوصى به في هذا الشأن أن يُعْنَى بهذا الباب، وأن يُسْتَحْضَر أهميتُه، وأن يُدْرَك أنه مرتعٌ خصب لكثير من الموضوعات التي يمكن أن تبحث فيه.
ومما يقترح في ذلك، و يحسن أن يُفَصَّل فيه ما يلي:
1- أصول الحوار في السيرة النبوية.
2- آداب الحوار من خلال السيرة النبوية.
3- أساليب الحوار النبوي.
4- حوارات النبي -صلى الله عليه وسلم- مع النساء.
5- حوارات النبي -صلى الله عليه وسلم- مع الأطفال.
6- حوارات النبي -صلى الله عليه وسلم- مع المخالفين.
7- حوارات النبي -صلى الله عليه وسلم- مع أهل الكتاب.
8- حوارات النبي -صلى الله عليه وسلم- مع الملوك والزعماء.
9- حوارات النبي -صلى الله عليه وسلم- مع ذوي الاحتياجات الخاصة.
إلى غير ذلك مما يمكن البحث فيه.
وبعد فهذه جملة مختصرة في موضوع الحوار، أما تفاصيل ذلك، وذكر الأمثلة، والآثار فيه، فستجدها في كتاب (الحوار في السيرة النبوية) لكاتب هذه السطور، وسيخرج قريباً -إن شاء الله-.