لم أر كالداعين إلى الانفتاح على الغرب وتقبل ما يأتي منه ـ إن خيرًا وإن شرًا ـ، يريدون الحياة كما رأوها هناك منطلقة من كل جماح، لا تلوي على شيء ولا تهتدي إلى شيء، حتى إذا عرض الجد في معرض الهزل غصوا بريقهم وتغيرت ملامحهم وخامرهم الكسل ورضوا بالتراب يدسون أنوفهم فيه!
أين الذين تغزلوا بالغرب ودعوا الناس إلى السير في ركاب عوالمه والنهل من جمال طلعته، ماذا قدموا لأمتهم؟ وماذا فعلوا لدينهم؟ وأين كتبهم التي زادت في عقولنا عقلاً، وصنعت من مزابلنا مصنعًا؟
إنك لن تجد شيئًا وإذا وجدت ذلك وجدته عند أناس بذلوا أيامهم في الدراسة والتحصيل واللحاق بركب الحضارة وهؤلاء لن تر منهم تطاولاً على الأخلاق ولا هزأً بالدين ولا عبثًا بالمقدسات ولا امتهانًا للوطن. .!
فرق كبير بين الدعوى العريضة ينشرها الإنسان ويستقبل سهام الناس في سبيلها ليقال عنه شهيد الحرية وشيخ اللبرالية وبين العمل الجاهد والحياة العاملة يموت في طريقها المخلص دون أن يشعر به الناس وإن شعروا لم يذكروه إلا بالصدق والإنتاج والبعد عن فسوق الحياة. .!
إنه ضعف النفس الإنسانية المنسلخة من دينها ووطنها وأهلها، يقود صاحبها إلى الأنفة من الانتساب إلى البيئة العربية والهيئة الإسلامية حتى لا يقال عنه متخلف رجعي لا يستحق شرف التحضر ونعمة العلم، وما به علم الله إلا حظوظ نفسه يخشى أن يخسرها، وأهواء قلبه يخاف من أن يفقدها، وهو على كل الحالين شرقي وإن أبى وكابر، شرقي في تخلفه وبقائه على ما لا ينفعه وبعده عما فيه عزته، وشرقي في طريقة تفكيره وتعميق مفاهيمه القائمة على السطحية.
فهو كما قالوا في القصص: أن رجلا عربيًا أحب جارية من أولاد الملوك الأكاسرة فأعتقها وتزوجها، فقالت له: أحب أن تغير اسمك ـ وكان اسمه حمارًا ـ! فأتاها في يوم من الأيام وقال لها: لقد غيرت اسمي؛ محبة لك ورعاية لقلبك، فقالت: وماذا سميت نفسك؟ فقال: بغلاً!! فقالت: هذا حسن ولكنك لم تزل في الإسطبل!!. .:
عجبت لمعشر بالغرب هاموا .. .. و لم يربطهم بالغرب عرق
فعبوا من مفاسده و لكن .. .. أبوا تقليده حيث الأشـق
جفاة إن ألم بهم غريب .. .. فإن جاء الغريب هفوا ورقوا
إذا نادى منادي الهزل لبوا .. .. وإن نادى منادي الجد عقوا
فهم في معرض الأزياء غربٌ .. .. وهم في ساحة الأعمال شرق!