الرئيسة » مقالات » اتجاهات فكرية
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
الحوار الغربي و موقعنا منه
الاربعاء 7 جمادى الأولى 1423 الموافق 17 يوليو 2002
 
الحوار الغربي و موقعنا منه

إدريس الكنبوري

دخل مفهوم الحوار حقل التداول العربي و الإسلامي في السنوات الأخيرة بقوة سحرية ،مدفوعا بإرادة أمريكية و أوروبية في ترويجيه و إشاعته على نطاق واسع ضمن سياق عالمي شامل يجري التحضير له بجدية و تخطيط في جميع دوائر القرار السياسي والاقتصادي و المالي و الثقافي و الإعلامي في دول الغرب ،سباق العولمة و التقارب و الكوكبية و القرية العالمية الواحدة ، تلـك المفاهيــــــم والمصطلحات التي أشاعها الغرب بوسائله الدعائية الإعلامية القوية ، وهي في الواقع مصطلحات و مفاهيم قريبة من مفهوم الحوار أو تشكل امتدادا و تطويرا له . و قد جاءت نظرية صراع الحضارات لتزكي الحديث عن حوار الحضارات كصيغة لتفادي هذا السيناريو الرهيب الذي يتهدد العالم و الإنسانية .
غير أن الحديث عن الحوار يظل محفوفا بالألغام، مما يقتضي" تحريره" بلغة فقهائنا ، و البحث عن المقاصد و النوايا التي تحيط به و تؤطره.
إن مفهوم الحوار كما جرى استعماله في الساحة الدولية منذ أزيد من عقدين من السنين ، نشأ ضمن سياق دولي خاص .فقد أملت المواجهة بين القطبين الرأسمالي و الشيوعي في الستينات و السبعينات الحاجة إلى خلق آليات للحوار بينهما بما يجنب العالم احتمال السقوط في حرب عالمية ثالثة تقضي على البشرية ، بسبب ما كانت تملكه القوتان المتصارعتان في الساحة السياسية و الإيديولوجية من أسلحة متطورة فتاكة و ترسانة نووية ضخمة ،و نتجت عن الدعوة إلى الحوار الحاجة إلى التعايش السلمي ،غير أن هذا الشعار كان موجها بالخصوص من القوتين المتنازعتين إلى بعضهما بعضا ، تفاديا للمواجهة المباشرة ، في الوقت الذي بقي طابع الهيمنة و التوسع و العنف هو المسيطر على علاقات كل من القوتين بباقي دول العالم ، و ذلك ضمن أسلوب جرى التفاهم عليه بطريقة ضمنية و غير مباشرة ، هو أسلوب الاستقطاب، الذي كان سمة بارزة في عهد القطبية الدولية الثنائية .
في هذا السياق العالمي الذي وصفناه ،حاول الغرب إبداع مجموعة من الطرق و القنوات تحت مسمى الحوار للهيمنة على المنطقة العربية و العالم الإسلامي ،إعمالا لأسلوب الاستقطاب ذاك ،فتم الحديث عن حوار الشمال والجنوب ،و الحوار الإسلامي المسيحي ، و حوار الشرق و الغرب ، و الحوار العربي الأوروبي ،و بالنظر إلى مركزية القضية الفلسطينية ،و الصراع الصهيوني –العربي –الإسلامي ،فقد تم الحديث أيضا عن الحوار العربي –الإسرائيلي ، و هكذا أصبحت هناك رزنا مة من آليات" الحوار" بين الغرب و العالم العربي و الإسلامي ،تنطلق كلها من ذلك المفهوم الخادع و المخدوم ، و تصب في هدف تفتيت المنطقة العربية و إبقاء السيطرة الأوروبية و الأمريكية عليها ، و رهن مستقبلها ، و تسويغ ابتلاع فلسطين .

حوار الغالب و المغلوب

لم تكن الحوارات حوارات بمعنى الكلمة ،فقد كان ينقصها التوازن المطلوب بين المتحاورين ، وكانت عناصر الحوار و منطلقاتها و غاياته و فلسفته محضرة من لدن الطرف القوي الذي هو هنا الولايات المتحدة الأمريكية و المجموعة الأوروبية ،بينما كان دور المنطقة العربية الانصات و التلقي ، وأعطيت لهذه الحوارات الناقصة مشروعية وهمية أكبر بإضافة مصطلح التعاون إليها ،بينما كان الهدف من هذا الشعار إبقاء الوطن العربي تحت مستوى التنمية الحقيقية، و جرى تقييد حركته بإثقاله بالديون تحت دعوى التعاون من أجل التنمية ، و يكفي الوقوف عند جوهر مجموع هذه الحوارات لنرى بعض نتائجها على الأمة ، حتى تنجلي حقيقتها الاستعمارية.

حوار الشمال والجنوب

لقد ارتفع شعار حوار الشمال والجنوب في أوروبا في الوقت الذي كان الجنوب يحاول البحث عن طريق مستقل للتنمية ، وبدأ يتشكل كقوة دولية ضاغطة في حركة عدم الانحياز ، ويوحد صوته داخل الأمم المتحدة للمطالبة بالعدالة العالمية على مستوى خيارات التنمية و التصنيع ، و لكن أوروبا التي كانت واعية بمخاطر هذا التكتل و ثروة دول الجنوب و إمكانياتها سعت إلى فتح الحوار من أجل الالتفاف على هذه القوة الواعدة ،بسبب الحاجة إلى الأيادي العاملة الرخيصة و الثروات الباطنية الغنية .
أما النتيجة ،فهي أن هذه البلدان استمرت في المعاناة رغم الاستقلالات السياسية الوطنية العلنية التي حصلت عليها من لدن الدول الأوروبية ،و ازدادت مديونيتها و تقلصت إمكاناتها الذاتية بسبب عقود طويلة من التبعية للنموذج التنموي الغربي ،و تمكنت من مؤسساتها الحيوية النخبة المتغربة التي صنعتها أوروبا في الداخل ،فآتسع نفوذها ،و الأخطر من ذلك أن هذه البلدان فقدت طاقاتها البشرية الحيوية بسبب نزيف الأدمغة وهجرة العقول نحو أوروبا ،فدول الجنوب لم تحقق التنمية أو التصنيع ،و لا الاستقلال الاقتصادي و الثقافي الذي كان يشكل مطلبا قويا في مراحل ما بعد الاستقلال إذ يتجاوز عدد الأميين في إفريقيا اليوم 60 %، و المديونية تأكل ثرواتها ،و هي تقدم بملايير الدولارات ذات الفوائد العالية ، و المجاعة تقتل ساكنيها ،و الأوبئة تفتك بالملايين منهم ،بينما تصم أوروبا آذانها عن الحاجات و المطالب الحقيقية لدول الجنوب و إفريقيا بالخصوص . ويكفي لتوضيح صورة هذا الحوار اللامتكافئ التذكير بتصريح لوزير خارجية فرنسا أمام البرلمان الفرنسي قبل عدة أعوام حين قال مدافعا عن سياسة بلده في إفريقيا : "دفاعا عن ميزانية المساعدة و التعاون (!) يجب ألا ننسى أن كل فرنك يقدم لإفريقيا يسترد بسبعة فرنكات في التجارة الخارجية "!
إن حوار الشمال والجنوب يعد الشكل النموذجي للعلاقات الاستعمارية بين المستعمِرين والمستعمَرين ،إنه حوار بين من يملكون السلطة و القوة و الهيمنة، و بين ضعفاء الشعوب .إن دول الشمال التي لا تشكل سوى ثلث سكان العالم تحتكر80% من الثروة العالمية بفضل آليات الهيمنة و الغلب ،بينما لا تملك دول الجنوب أو ما كان يسمى بالعالم الثالث سوى20% من الإمكانات على الصعيد الدولي رغم أنها تشكل ثلثي البشرية .و رغم ذلك فإن هذا الجنوب هو سلة العالم الغني ،و السوق المثالية لشركات السلاح الأوروبية والأمريكية ،تحركه كما تشاء، و هو الجزء الأكثر اشتعالا في العالم ، و قد تم تسجيل أكثر من 120نزاعا مسلحا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ،كلها في دول الجنوب الفقير .

الحوار الإسلامي – المسيحي

تعود بداية الحديث عن الحوار إسلامي- المسيحي إلى سنة 1959،عندما بدأ البابا يوحنا بولس الثالث والعشرون التحضير لمؤتمر الفاتيكان الثاني الذي دعا إليه سنة1962،ثلاث سنوات بعد ذلك .ولم يبدأ تنشيط هذا الحوار إلا في سنوات الثمانينات ،حيث عقد في 1985 مؤتمر الشباب العالمي في جدة ،لتتوالى بعد ذلك اللقاءات تحت هذا العنوان .
ورغم فرضية عدم التشكيك في دوافع و أهداف هذا الحوار الذي من الواجب أن ينطلق من منطلقات مجردة بعيدا عن الحسابات السياسية ،و أن تصب أهدافه في خدمة التقارب الإنساني والتعارف هو مبدأ إسلامي مقرر ،وأن يكون السلم العالمي الحقيقي هدفه ،و الحقيقة مبتغاه ،رغم ذلك فإن الدعوة إلى الحوار الإسلامي– المسيحي الذي بدأ في الغرب و الكنيسة الغربية لم يسلم من النوازع الصليبية . لقد كانت بداية الحديث عن هذا الحوار في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات مرتبطة بتحولات كبيرة شهدها العالم الإسلامي والمنطقة العربية ، وهي تحولات قرأها الغرب و الفاتيكان جيدا وشرع يحدد وجوده ومستقبله بالقياس إليها ، وارتباطا مع رهاناتها الجغرافية و الاستراتيجية و الجيو –سياسية و الديمغرافية .ففي إيران نجحت الثورة الإسلامية في إسقاط الشاه ، و من ثمَّ إسقاط المصالح الغربية في إيران و برزت الثورة الإيرانية فاعلا جديدا في الساحة الدولية لم يكن في حسبان مخططي الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي ، إذ ظهر الإسلام قوة جديدة ممكنة إلى جانب الرأسمالية والشيوعية .ثم جاء الغزو السوفياتي الشيوعي لأفغانستان و انطلاق قوة إسلامية جديدة تحت راية الجهاد ، لم يكن في وارد القواميس الغربية، و في الوقت نفسه لاحت الطلائع الأولى للحركة الإسلامية في الوطن العربي .
هنا عاد الإسلام من جديد ليسيج الخطاب الغربي و يجلجله ، و رأى فيه الغرب شبحًا جديدًا يهدد وجوده و مستقبله و مصالحه ،فعاد إلى سجلات التاريخ ليقرأ من جديد تاريخ الحروب الصليبية و صراع الإسلام و المسيحية ، و لم يعد يسكنه ذلك الارتياح و الاطمئنان بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية و تجزئة العالم العربي و الإسلامي ،فالإسلام من الممكن أن يستفيق مرة ثانية ، وهذا هو الخطاب الجديد الذي بدأ يسود في الغرب .
وفي 1980 ، و بدافع هذه التحولات العميقة في المنطقة العربية و العالم الإسلامي ،أعد الفاتيكان دراسة شاملة عن وضعية الديانات الثلاث في العالم ، و "التيارات الروحية "، قادته إلى استنتاج أن عدد معتنقي الإسلام في تزايد ،و سيفوق عدد اليهود والمسيحيين في العالم 2025 ، لتصبح نسبة المسلمين من سكان العالم 31 % مقابل 25 % هي نسبة اليهود و المسيحيين ، بينما ستكون نسبة معتنقي الديانات اآسيوية و الكونفوشيو سية 21%. و في عام 2100 ستصير نسبة المسلمين 40% ، مقابل 20% نسبة اليهود و المسيحيين ، و 14% نسبة معتنقي الديانات الآسيوية و الكونفوشيوسية ، و في عام 2125 سترتفع نسبة المسلمين إلى 43% ،بينما سترتفع نسبة معتنقي الديانات الأسيوية و الكونفوشيوسية إلى 15% .
هذه الأرقام التقديرية كشفت قدرة الإسلام على الانتشار و قابليته للتوسع ،فأصبح الخطر الديمغرافي يهدد الغرب المسيحي ،و يرشحه للتقلص و الانكماش ،و قد علق عالم الديمغرافيا الفرنسي" جان بورجوابيشا" على هذه الأرقام قائلا :"يتوفر الإسلام على أكبر نسبة مئوية في النمو السكاني ، و أكبر نسبة من اعتناق الدين بين باقي الديانات " إن هذه الهواجس الجديدة في الغرب تجاه الإسلام و المسلمين ، جعلت الدعوة إلى الحوار الإسلامي –المسيحي غير بريئة ، و محشوة بالأغراض الصليبية و الصهيونية . فالغرب ينطلق من أن حضارته نتاج انصهار بين اليهودية و المسيحية ، و أن قيم حضارته هي القيم اليهودية –المسيحية المشتركة ، و من ثم فحين يتحدث عن حوار إسلامي –مسيحي ،فإنما ينطلق من اعتبار الإسلام خطرًا ، و بالتالي فإن الحوار لن يكون طبيعيًا و متوازنًا .
هذا ما يفسر لنا المفارقة الخطيرة التالية : و هي أنه في الوقت الذي ارتفع فيه نداء الحوار بين الإسلام و المسيحية، تزايد تكثيف الحملة التنصيرية في عموم إفريقيا لسلخها عن الإسلام ،و رسم استراتيجيات غربية تبعد دول القارة عن الوطن العربي و العالم الإسلامي ،و خلق بؤر توثر بين المسلمين و المسيحيين كما هي الحال في السودان، ونيجيريا، والنيجر ، و كان دور الفاتيكان صاحب هذه الدعوة إلى الحوار دورا بارزا و خطيرا في هذه الحملة التبشيرية الواسعة ،ففي نهاية الثمانينيات وافق الفاتيكان على مشروع ضخم تقدم به الأب الكاثوليكي جوساني يقضي ببناء محطة تلفزيونية كبيرة سمي بمشروع "لومين 2000" للبت نحو جميع أنحاء العالم بهدف التبشير بتعاليم المسيحية ، و أعد مجلس الكنائس العالمي خطة شاملة لتنصير الشعوب المسلمة في إفريقيا و إندونيسيا و في الدول الأوروبية حيث يقيم المهاجرون المسلمون ،و الميزانيات الضخمة التي وظفها الفاتيكان لتنفيذ هذه المخططات التنصيرية تفوق مجموع ما تنفقه الدول الإفريقية في التسليح و الغداء و التعليم .
إن مفهوم الحوار الإسلامي – المسيحي لدى الفاتيكان ملغوم و محشو بالغايات التبشيرية
و الصليبية ، و إطار عام لتنفيذ مؤامرة التنصير خارج العالم المسيحي ، فالإقدام على الحوار لم ترافقه عملية مراجعة جذرية للاعتقادات و التصورات المسيحية المغلوطة حول الإسلام و المسلمين ، و مراجعة لتاريخ العلاقة بين المسلمين و المسيحيين التي انطبعت بحملات الحروب الصليبية ، و القيام باعتذار رسمي عن جرائم الصليبين ، في الوقت الذي تتميز مواقف الفاتيكان نحو اليهود بالسخاء و الكرم ، كما لم يترافق الحوار بإجراء إصلاحات و تغييرات في المناهج الدراسية الغربية المسؤولة عن ترويج المفاهيم الخاطئة و العدوانية نحو الإسلام و حضارته ، و ما يلاحظ عموما أن مفهوم الحوار الإسلامي – المسيحي يكون جزءا من المفهوم العام للحوار لدى الحضارة الغربية ناحية غير الغربيين و غير المسيحيين، يعبر عن عقدة التمركز الديني و الحضاري للغرب ، إذ ما تزال الكنيسة الغربية تصر على المقولة القروسطية التي تقول إنه "لا خلاص خارج الكنيسة ".

الحوار العربي – الأوروبي

و هذا نوع آخر من الحوار الغربي الأوروبي مع المنطقة العربية ، الدعوة إليه أوروبية ، و أهدافه أوروبية ، و رهاناته و نقاطه الحمراء من وضع أوروبا .
فبعد عام واحد من حرب أكتوبر رمضان 1973 بين العرب و الكيان الصهيوني ، والانتصار العسكري الذي أحرزه العرب في تلك الحرب التي غيرت الصورة السابقة للجيش الذي لا يقهر ، و عززت من الموقع العربي في الساحة الدولية قبل أن يتم الإجهاز على ذلك النصر بالمبادرة المشؤومة لأنور السادات ، أقول بعد ذلك العام نادت المجموعة الأوروبية إلى حوار عربي –أوروبي في1974 .
كان الهدف الأول من إطلاق أوروبا لتلك المبادرة هو استباق القوة الأمريكية في المنطقة ،أي أن الحوار كان تصفية حسابات أوروبية أمريكية على المسرح العربي . وقد رفعت أوروبا شعارات براقة في ذلك الحوار مع الدول العربية في المشرق و المغرب و شمال إفريقيا ،تبين- بعد مرور أعوام قليلة- أنها لم تكن سوى خدعة ،فما أن انضمت اليونان، والبرتغال، وإسبانيا لعضوية المجموعة الأوروبية ،حتى بدأت مواقع الدول العربية التي كانت "سلة غذاء " لأوروبا في النزول ،بعد أن عوضت منتوجات تلك الدول الجديدة المنتوجات الفلاحية للدول العربية ، و تضررت هذه الأخيرة في اقتصادها بسبب التغييرات التي أدخلتها على زراعاتها لتلبية طلب الأسواق الأوروبية ،على حساب الأسواق الداخلية الوطنية ، فأنقشع الغبار عن شعار التعاون لتجد الدول العربية و خصوصا دول المغرب العربي نفسها ترزح تحت ثقل المديونية التي أعاقت اقتصادها .
و لكن بعد مؤتمر مدريد للتسوية في أكتوبر 1991 ، و ظهور متغيرات دولية مست المنطقة ككل جراء حرب الخليج و سقوط الاتحاد السوفياتي و بروز الهيمنة الأمريكية و النظام الدولي الجديد ،و بداية الهاجس الأوروبي بالتوسع شرقا، و إعلان الاتحاد الأوروبي ،شرعت أوروبا في تغيير سياساتها إزاء دول البحر التوسط و تطوير إطار الحوار العربي –الأوروبي إلى إطار أوسع يركز على الحوار الأورو – متوسطي ، فتم إنشاء "مجموعة الحوار عبر المتوسط "(MCG)، حشرت فيه عضوية الكيان الصهيوني الغاصب بطريقة تآمرية ،لتسويغ زرعه في المنطقة العربية .
و من جديد نرى أن عناصر هذا الحوار الذي بقي غامضا حتى اليوم هي عناصر تخدم الأهداف الأوروبية بالدرجة الأولى و الأخيرة، و هي الهجرة و "الإرهاب" و الحركات الإسلامية و الدفاع الأممي المشترك . فما يهم أوروبا هو أمنها الجيو – إستراتيجي ، و هذا ما يفسر لماذا ظلت الاتفاقيات الثنائية و المشتركة بين بعض الدول العربية و بعض الدول الأوروبية ،والتي وقعت بطريقة استعمارية و مهينة ،قائمة دون مراجعة ، و ترمز لاتفاقيات الغالب مع المغلوب .
الحوار العربي ، الأوروبي ، ثم الأورو – متوسطي، هو شكل استعماري و ليس صيغة للتعاون المشترك ، فأوروبا لا تضع مصالح هذه الدول في الاعتبار ،و تصر على إبقاء سياساتها الاستعمارية وعقلية التفوق و الوصاية ، و لعل أخطر دليل على هذا من أدلة عديدة ، أن أوروبا لا تزال ترفض حتى اليوم الحوار مع الدول المغاربية مجتمعة ، و تلحُّ على الحوار المنفرد مع كل دولة على حدة ، و لا ترى في اتحاد المغرب العربي بين الدول المغاربية الخمس صيغة مقبولة للتفاوض أو الحوار!

معيقات الحوار

إن هذه النماذج الثلاثة من الحوار التي ذكرناها تنهض برهانا على عدم صدقية مفهوم الحوار لدى الغرب ، و تجعله حوارا مثقلاً بالإرث الاستعماري و الصليبي ، بل يصبح استعمارا جديدا بقفازات ناعمة ، يفتقد التكافؤ و التوازن و الندية ،إن مفهوم الحوار هنا - بتعبير المفكر المغربي المهدي المنجرة - "تخترقه نزعة مركزية أوروبية " ، فالقابلية للإنصات للآخر والاستعداد لتقبله و الاعتراف به ، والتواصل الثقافي ، أمور غائبة عن ساحة هذا الحوار ، و غيابها يظل شاهدا على أن الحوار لا يمكن أن يتجاوز معيقاته بدون الإقرار بها .
إن الغرب لم يتخلص بعد من عقدة التمركز حول الذات ،و نزعة التفوق الحضاري على الآخرين ، كما لا يعترف بوحدة الحضارة الإنسانية و امتدادها التاريخي ،فالحضارة عنده تبدأ بالعصر الصناعي و الكشوفات ، أي بظهوره على مسرح التاريخ الحديث ،و منطق الدولة و السيادة و الديمقراطية بدأ مع عهد التنوير الغربي و النهضة الأوروبية فقط ، و القيم الحضارية الحديثة هي القيم اليهودية – المسيحية دون سواها ، و هو من خلال هذه المكونات الذاتية له ينظر إلى الشعوب الأخرى ،أي أن نظرته للآخرين فرع عن نظرته لنفسه .
ومن الطبعي في ظل منطق كهذا ألا يتأسس حوار إيجابي و حقيقي ، بل إن الحوار لن يكون في هذه الحالة سوى إملاءات من جانب واحد ، و حوار طرشان . إن الحوار ليس فرضا لخصوصية ثقافية أو حضارية معينة على حضارة و ثقافة الآخرين ،بل جماع الخصوصيات المتفرقة و بحـث عـن المشترك ، و التوسط بينها .
لقد قيل إن العولمة تقريب الثقافات ، و تعايش للخصوصيات في إطار القرية العالمية الواحدة التي خلقها الإعلام و الاقتصاد و التجارة ، و ما نراه الآن هو تكريس عولمة أمريكية و فرضها على العالم ، و تجسير الفجوة بين الشعوب ، وإهلاك لاقتصادها و اختراق لسيادتها الوطنية و تخريب لثقافاتها .
خلاصة القول أن الحوار كما جرى حتى الآن و يجري في الثلاثين سنة الأخيرة بين العالم العربي و الإسلامي و بين الغرب هو فخ منصوب ،الواجب الحذر منه . فنحن لم نساهم في وضع قواعد هذا الحوار و أهدافه و عناصره ،كما لم نختر الأطراف التي نحاورها ، و هنا يثور السؤال : لماذا بقينا نركض للحوار مع أوروبا والغرب دون الحوار مع الحضارة الآسيوية و الصين واليابان . إن مبررات الجغرافيا وحدها لا تفسر لنا هذا الانحياز للحوار مع الغرب ، بقدر ما يفسرها اختيار أوروبا لنا بسبب ماضيها الاستعماري في بلداننا ، وطموحها في استمرار سياساتها الاستعمارية ، وهو ما يفسر أيضا خضوعنا لهذا الإرث الاستعماري ، فلا نختار الحوار الذي نريد ، والطرف الذي نريد ، والأهداف التي نريد. ويوم نفعل ذلك نستطيع أن نقول إننا امتلكنا زمام المبادرة الحضارية ، وتخلصنا من الماضي وكسبنا المستقبل : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" .

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

تعليقات الفراء
1- عاشق متمور   |  
مساءً 11:47:00 2010/01/06
شكرا

2- عاشق بوقرة   |  
مساءً 11:49:00 2010/01/06
شكرا جزيلا

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم