بمناسبة الأزمة المالية العالمية الاقتصادية التي تعصف بالشركات والمصارف والمؤسسات المالية، عُقدت جملة كثيرة من الندوات والمؤتمرات واللقاءات، وقُدّمت فيها البحوث، وأوراق العمل تناقش الأسباب والنتائج والآثار والتداعيات والعلاج، وأجلى كثير من الاقتصاديين والمحللين أسباب هذه الأزمة المالية، وتعددت آراؤهم ونظراتهم بما لا مزيد عليه، بيد أن هذه الآراء لم تنتظم جميعها في كتاب أو مرجع، ولكنها مقالات منشورة في مواقع إلكترونية أو مجلات اقتصادية متخصصة، وسنحاول إن شاء الله تعالى في هذه المقالة استقصاء هذه الأسباب من مجموع ما وقفت عليه من هذه الدراسات، مع تجاوز بعض التفاصيل والاستطرادات الاقتصادية.
وابتداء تعود أسباب الأزمة الاقتصادية الراهنة إلى العام 2006، ونشوب ما يُسمّى بأزمة القروض العالية المخاطر التي أدخلت القطاع المصرفي الأمريكي في دوامة الخسائر والاضطرابات؛ إذ اندلعت أزمة القروض العالية المخاطر بسبب إقدام العديد من المصارف المختصة في قطاع العقار على منح قروض لمئات الآلاف من المواطنين ذوي الدخل المحدود، بغرض شراء عقارات دون أي ضمانات كافية، متجاهلة بذلك قاعدة الحذر وتقييم المخاطر، وتم تشجيع هذه العملية من قبل الحكومة الأمريكية بمقتضى قانون يعود إلى عام 1977، ينص على إمكانية أن تطلب أي مؤسسة مالية، وتحصل على ضمانات لودائعها المالية من الدولة ''الهيئة الفدرالية للتأمين على الودائع'' إذا التزمت بالإقراض إلى أسر أمريكية من ذوي الدخل المتواضع. وقد اعتمدت المصارف الأمريكية هذا النهج في ظرف اتسم بنمو غير مسبوق لقطاع العقار، وانخفاض كبير لمعدلات الربح في الإنتاج الحقيقي، الأمر الذي أدى بأعداد كبيرة من الأمريكيين إلى حد القناعة أن الفرصة جداً مواتية لشراء مسكن، وحينها توجه الرأسماليون إلى المضاربة في قطاعين: قطاع المواد الأولية والغذائية والمعدنية، وقطاع العقار، مما أدى إلى ارتفاع أسعار هذين القطاعين، وهذا استلزم ارتفاع التكاليف وانخفاض الطلب (الانكماش الاقتصادي)، (انخفاض القدرة الشرائية، مع ارتفاع معدل الفائدة)، ونتيجة لهذا الارتفاع المفاجئ لنسب الفوائد في الأسواق المصرفية الأمريكية وجد عدد كبير من الأمريكيين (في عام 2007) أنفسهم عاجزين عن تسديد قروضهم التي قُدّرت بـ(14) تريليون دولار، وتخلوا عن عقاراتهم وبيوتهم – البالغة(70) مليون عقار- لصالح المصارف التي لم تجد من يشتريها، وازداد عددهم مع مرور الأشهر ليحدث هذا انخفاضاً في أسعار العقارات، مع قلة الطلب بسبب ارتفاع سعر الفائدة، ليُوجِد جواً من الذعر والهلع في أسواق المال، وفي أوساط المستثمرين في قطاع العقار، وبالتالي لم تستطع المصارف والشركات استرجاع أموالها من المقترضين مما تسبب في إفلاسها، وصاحب هذا الخوف والذعر تزعزع الثقة بين المصارف حين لجأت كثير من الشركات والمصارف العقارية إلى تحويل قروضها إلى سندات تُباع سراً، وانتشرت هذه العدوى فيما بينها، محدثة على إثرها أزمة سيولة بسبب سحب كثير من المودعين أرصدتهم، فاضطرت إلى بيع جملة كبيرة من الأسهم والسندات لتحصل على هذه السيولة، وبسبب كثرة الأسهم والسندات المعروضة في البورصة وقلة الطب انخفضت قيمة الأوراق المالية، لتكون (أزمة الرهن العقاري) سبباً في أزمة (بورصة أسواق المال).
ومن هنا تضررت كل المصارف والشركات من هذه الأزمة، وتضررت الشركات والمصارف المختصة في القروض العالية المخاطر أكثر من غيرها، مع ارتفاع نسب الفوائد، على الرغم من الإجراءات الدولية المتخذة لوقف التدهور؛ إذ لجأت البنوك المركزية إلى ضخ السيولة في الأجهزة المصرفية، فضلاً عن تخفيض نسبة الفائدة؛ إذ تم تخفيضها في الولايات المتحدة من 5.25% في عام 2006 إلى 2% في عام 2008، إلاّ أن الأزمة مازالت موجودة فالاقتصاد الأمريكي والعالمي آخذان بالانحسار، فاضطرت البنوك المركزية إلى تأميم ثلاثة مصارف كبيرة؛ لتفادي تفشي الأزمة.
فتلحظ مما سبق أن الأزمة المالية جاءت متسلسلة ودفعة واحدة كالسبحة المنفرطة (كثرة عرض القروض من المصارف بدون ضمانات- ارتفاع سعر الفائدة بسبب المضاربة على قطاع العقار- عجز المقترض عن سداد الديون- انخفاض سعر العقار مع قلة الطلب- عجز المصارف عن استرجاع أموالها من المقترضين- تزعزع الثقة بين المصارف خوفاً من الوقوع في شراء السندات السرية- تبعها أزمة سيولة- تبعها كثرة عرض الأسهم للحصول على السيولة مع قلة الطلب، والنتيجة النهائية: أزمة اقتصادية في البورصة).
هذه الأسباب والتداعيات الاقتصادية البحتة في نظر الاقتصاديين، تعتبر هي الأخطر منذ (50) عامًا، وعلى الأرجح منذ قرن؛ إذ إن حل هذه المشكلة ما زال صعبًا إن لم يكن مستحيلاً. وهذا ما أكده (غرينسبن) الرئيس اللامع للبنك المركزي الأمريكي طوال (19)عامًا (حتى 2006)، فقال: «لا شك في أنني لم أواجه أمرًا مماثلاً، وهو لم ينته بعد، والأزمة ستستغرق مزيدًا من الوقت».، ولهذا في عام (2008)، أعلن عن إفلاس أكثر من (50) بنكاً وشركة تأمين أمريكية وأوروبية، ومنها مصرف الأعمال الأمريكي (ليمان براذرز) وعن بيع (ميريل لينش) لمنافسه (بنك أميركا) مقابل (50) مليون دولار.. كما عملت (أميركان إنترناشيونال كروب) (AIG )، أكبر شركة تأمين في العالم، بشكل محموم على الحصول على (40) مليار دولار لعدم الانهيار، وأعلنت عشرة مصارف، بما فيها (اتحاد المصارف السويسرية) (UBS ) وكريدي سويس، عن إنشاء «صندوق للتضامن» بقيمة (70) مليار دولار يمكن لكل واحد منها سحب (20) مليون دولار منه في حالة الطوارئ. وكانت تلك نواة الأزمة المالية، فكانت البداية في «وول ستريت» حينما أعلن (ليمان براذرز) عن إفلاسه الوقائي، وهذه كانت بداية رمزية خطرة؛ لأن هذه المؤسسة العريقة كانت من الشركات القليلة التي نجت من مذبحة الكساد الكبير في عام 1929، وتُعدّ من أقدم المؤسسات المالية الأميركية، التي تأسست في القرن التاسع عشر، وهذا ما أكّد توقعات (ألان غرسيبان)، رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي السابق، بأن مؤسسات مالية كُبرى جديدة ستسير على درب «ليمان براذرز».
غير أن هذه الأسباب-أزمة الرهن العقاري، وتزعزع الثقة، وأزمة البورصة...- تُعدّ في نظر اقتصاديين آخرين أسباباً شكلية ظاهرية، وتخفي عند التشخيص للأزمة وراءها أسباباً حقيقية جوهرية عميقة، تعود إلى عدة عوامل وأسباب رئيسة تضافرت فيما بينها في آن واحد – ما الأزمة العقارية إلاّ أثر من آثارها- يمكن استخلاصها من أقوال علماء اقتصاديين شهدوا بذلك شهادة علمية، ومنهم الذين حصلوا على جائزة نوبل في الاقتصاد مثل (موريس آليه) الذي قال: "إن النظام الاقتصادي الرأسمالي يقوم على بعض المفاهيم والقواعد التي هي أساس تدميره إذا لم تُعالج وتُصوّب تصويباً عاجلاً"، كما توقع العديد من رجال الاقتصاد الثقات إلى أن النظام الاقتصادي العالمي الجديد يقوم على مبادئ تقود إلى إفلاسه.
ومما ذكروه من أسباب هذه الأزمة ما يلي:
أولاً: انتشار الفساد الأخلاقي الاقتصادي مثل: الاستغلال، والكذب، والشائعات المغرضة، والغش، والتدليس، والاحتكار، والمعاملات الوهمية، وهذه الموبقات تؤدى إلى الظلم، أي ظلم من أصحاب الأموال من الأغنياء والدائنين للفقراء والمساكين والمدينين، وهذا سوف يقود إلى تذمر المظلومين عندما لا يستطيعون تحمل الظلم، وسوف يقود ذلك إلى تذمر المدينين وحدوث الثورات الاجتماعية عند عدم سداد ديونهم وقروضهم.
ثانياً: من أسباب الأزمة كذلك أن أصبحت المادة هي الطغيان، وسلاح الطغاة، والسيطرة على السياسة، واتخاذ القرارات السيادية في العالم، وأصبح المال هو معبود الماديين.
ثالثاً: يقوم النظام المصرفي الربوي على نظام الفائدة أخذاً وعطاءً، ويعمل في إطار منظومة تجارة الديون شراءً وبيعاً ووساطة، وكلما ارتفع معدل الفائدة على الودائع ارتفع معدل الفائدة على القروض الممنوحة للأفراد والشركات، والمستفيد هو البنوك والمصارف والوسطاء الماليين، والعبء والظلم يقع على المقترضين الذين يحصلون على القروض سواء لأغراض الاستهلاك أو لأغراض الإنتاج، وقد أثبتت التجربة الواقعية أن الفائدة هي سبب كل الأزمات في تاريخ الرأسمالية. ويرى كثير من الاقتصاديين الغربيين أنه لا تتحقق التنمية الحقيقية والاستخدام الرشيد لعوامل الإنتاج إلاّ إذا كان سعر الفائدة صفراً، وهذا ما قاله (آدم سميث) أبو الاقتصاديين (على حد رأيهم) وغيره، ويرون أن البديل هو نظام المشاركة في الربح والخسارة؛ لأنه يحقق الاستقرار والأمن، وقالوا إن نظام الفائدة يقود إلى عبادة المال، وسيطرة أصحاب القروض (المقرضين) على المقترضين، وتسلب حرياتهم وأعمالهم وديارهم، وتسبب آثاراً اجتماعية واقتصادية خطيرة، وهذا الرأي يتطابق وينسجم تماماً مع مبادئ الاقتصاد الإسلامي.
رابعاً: يقوم النظام المالي والمصرفي التقليدي على نظام جدولة الديون بسعر فائدة أعلى، أو استبدال قرض واجب السداد بقرض جديد بسعر فائدة مرتفع، كما كان المرابون يقولون في الجاهلية: ((أتقضي أم تُربي))، وهذا يلقي أعباء إضافية على المقترض المدين الذي عجز عن دفع القرض الأول بسبب سعر الفائدة الأعلى.